Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
متابعات - تغطيات صحفية: رحيل مبدع النشيد الوطني المغربي - الأربعاء, 07 تشرين2/نوفمبر 2018 09:05
أخبار - منوعات - إصدارات : مكانة الأمازيغية في الإعلام بعد الدسترة - الأحد, 04 تشرين2/نوفمبر 2018 11:05
مواعيد فنية - ثقافية: ندوة قانون الفنان والمهن الفنية - السبت, 10 تشرين2/نوفمبر 2018 10:28
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: مسابقة السيناريو بمهرجان زاكورة السينمائي - الخميس, 08 تشرين2/نوفمبر 2018 12:38
متابعات - تغطيات صحفية: تونس تتوج بمهرجان هوارة للمسرح - الإثنين, 05 تشرين2/نوفمبر 2018 12:04
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: ياسين فنان يعود إلى السينما - الخميس, 08 تشرين2/نوفمبر 2018 09:55
مواعيد فنية - ثقافية: ورشة: المبادئ الأساسية لفن السينوغرافيا - الجمعة, 02 تشرين2/نوفمبر 2018 19:37
مسرح - الفنون الدرامية: فاطمة تحيحيت في ضيافة مسرح تافوكت - الأربعاء, 31 تشرين1/أكتوير 2018 19:25
أخبار - منوعات - إصدارات : تكريمات مهرجان هوارة الدولي للمسرح - الجمعة, 02 تشرين2/نوفمبر 2018 11:52
مواعيد فنية - ثقافية: الدرس الافتتاحي للموسم الإعلامي الجديد - الجمعة, 02 تشرين2/نوفمبر 2018 11:05
Blue Grey Red
مختارات - كتابات - مواضيع

معهد مسرحي بلا مقر ولا شاهد

معهد مسرحي بلا مقر ولا شاهد


بقلم الأستاذ محمد أمين بنيوب


الحلقة السادسة والعشرون = يحكى… أن… شخوص و فضاءات في الذاكرة المسرحية...

منذ إغلاق مركز الفن المسرحي (1962) والذي كان يتألف من ستة فروع تهتم بالتكوين المسرحي (مدرسة التمثيل بالرباط)، والإبداع المسرحي (فرقة التمثيل المغربي) وتشجيع ودعم (مسرح الهواة)، والثقافة المسرحية (الدراسات والتأليف) والإشعاع والترويج المسرحي (تنظيم الجولات المسرحية) وأخيرا الاهتمام ورعاية (مسرح الطفل والعرائس). أغلق أبواب المركز، بعدما قدم خدمات كبرى للحركة المسرحية الناشئة عشية الاستقلال وأفرز جيلا جديدا من المبدعين والموهوبين في مختلف المهن المسرحية والذين سيعتلون الساحة المسرحية عبر إنتاجات مسرحية توزعت ما بين الانفتاح على ذخيرة المسرح العالمي و مغربته وتقديمه بروح محلية وما بين تأليف وإبداع وتقديم تجارب محلية موقعة من طرف كتاب دراميين مغاربة. يشير الطاهر وعزيز، أن أنظمة المسرح آنذاك ومؤسساته الإدارية والفنية والتقنية والمالية، كانت تقع تحت تدبير وإشراف مكتب التربية الشعبية (1959)، سيتم حل المكتب بالرغم من إشعاعه و مردوديته. طموح ثقافي وطني بحجم تطلعات مغرب الاستقلال و إنتظاراته الوطنية "الغي هذا المكتب فيما بعد جملة وتفصيلا، وضاعت كذلك وثائقه" كما عبر عن ذلك الراحل الطاهر وعزيز بحسرة وألم.

سيظل سؤال التكوين المسرحي حاضرا بقوة لدى كل الممارسين المسرحيين، في المقابل استمر الإبداع المسرحي وتجاربه عبر مؤسستي الفرق المسرحية الاحترافية ومسرح الهواة، حيث لعبا وظيفتي التكوين والإبداع المسرحيين، عبر برامج التداريب التي كانت تشرف عليها وزارة الشبيبة والرياضة، أو من خلال مشاركة الفرق المسرحية في التظاهرات والمهرجانات العربية والدولية. نسجل في هذه المرحلة (أواسط الستينات إلى أواسط الثمانينات) بروز تكوينات مسرحية من خلال معهدين، الأول بالدار البيضاء، المعهد البلدي للموسيقى والمسرح والثاني المعهد الوطني للموسيقى والرقص والمسرح التابع لوزارة الثقافة. [ تم توقيف التخصص مسرح أواسط السبعينات]

ومع بداية الثمانينات من القرن العشرين، سيتم خلق مركز الثقافة المسرحية وهو تابع للمسرح الوطني محمد الخامس، بتأطير وإشراف المسرحي الراحل عباس إبراهيم. سيتحول فيما بعد، محترفا للفن المسرحي والذي سيتخذ شكل ورشة تدريبية مع إنجاز أعمال مسرحية. للإشارة فإن هذا المركز تكونت بداخله أسماء معروفة مثل محمد خيي ورشيد الوالي، عبد الكبير الركاكنة والراحل عزيز العلوي وحسن مكيات وعزيز الفاتحي وعزيز الخلوفي وآخرون...

رغم كل هذه المبادرات، ظلت كل الأصوات المسرحية تنادي بتأسيس معهد متخصص في المسرح و مهنه. هكذا سيتم إنشاء المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي مع موسم (86/87)، كمؤسسة عليا وأكاديمية وفق شروط جامعية محددة (بكالوريا – إجازة). اعتبرت تلك المبادرة في وقتها خطوة جريئة ومحمودة لتأهيل الحقل المسرحي والثقافي عبر تكوين علمي وحديث يجمع ما بين التكوين المسرحي والثقافي والاحترافي والممارسة الميدانية وفق التجارب الدولية وخصوصية المتطلبات المحلية.

انطلق المعهد في غرفة صغيرة بمداخل وزارة الثقافة مخصصة للدروس النظرية، أما المواد التطبيقية من رقص وتشخيص وارتجال وتعبير جسدي وإلقاء وموسيقى، فخشبة مسرح با حنيني كانت تفي بالغرض. بعد ذلك انتقل المعهد إلى الطابق الرابع من المسرح الوطني محمد الخامس، حيث تم تجهيز قاعة للتداريب وأخرى للمحاضرات ومكتبة مع مرافق إدارية. مع ولوج الفوج الثاني برسم الموسم (87/88)، تم تهيئ فضاء ثاني للمعهد بالأوداية وهو فضاء أوسع وأشمل. ضم جميع التخصصات الثلاث (تشخيص، سينوغرافيا، تنشيط ثقافي). واستمر المعهد في مقرات مؤقتة (86/2006) وفي شروط صعبة ومرهقة. ورغم ذلك احتضن المعهد لحظات قوية وغنية في مساره الإبداعي والجامعي. ومد الساحة المسرحية والسينمائية والثقافية بأطر وكفاءات ضخت نفسا جديدا و مغايرا للمشهد الفني.

سيستمر الاستثناء دائما.. هو البحث عن ملجأ جديد يحضن المعهد. سيطلب من إدارت أن تبحث عن مأوى، [د. عصام يوسفي مديرا. ذ.بنيوب مدير مساعد و مدير الدراسات ود. محمد بوبو كاتب عام] ، نظرا لأن فضاء الأوداية شمله مشروع تهيئة (أبي رقراق). فكان الرحيل مرة أخرى نحو مدينة العرفان، ليتقاسم مع المعهد الوطني للآثار والتراث أجنحته ومرافقه. فالمعهد أعد من حيث البناء والتصميم لملائمة حاجيات ومتطلبات التراث والآثار و مهنه، فوجد معهد المسرح في فضاءات لا تساير تكوينه وشعبه. فرغم الإصلاحات، فإنه ظل عاجزا حتى اليوم أن يعبر بشكل سليم عن خصوصية التكوين الفني.

منذ إنشاء المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي (86/87) تكون قد مرت ثلاثون سنة و ( 28 فوجا) ومابين (360 خريج ) على ولادته. خلال ثلاثة عقود بأزمنتها وسنواتها، بإيجابياتها وسلبياتها، نحت المعهد مكانا له في المشهد الوطني والدولي. لكن بقي رهينا بين مطرقة الإستثناء والقاعدة وأمزجة الوزراء السابقين وظلت هويته المؤسسية تائهة.

تسافر معي باستمرار مفارقة عجيبة. خلال هذه السنوات، شيدت مدن جديدة، وتم ربط شمال المغرب بجنوبه وشرقه بغربه بالطرق السيارة، وأنجزت وزارة الثقافة أكثر من ثلاثين مركز ثقافي في المدن والقرى ودشن خط الطرام ما بين العدوتين، وسينطلق تجيفي (T.G.V) بسرعته الفائقة سنة (2018). تعاقب على وزارة الثقافة تسع وزراء. ولازال المعهد يعيش حالة الاستثناء. قال لنا بنعيسى وزير الثقافة ونحن طلاب مسرح. سوف تنتقلون إلي المعهد الجديد في السنة الثالثة قرب المسرح محمد الخامس. [نفس الزمارة سمعناها من طرف الوزراء اللاحقين]. زملائي وهم أساتذة بالمعهد… لازلنا … هرمنا.. استوطن الشيب رؤوسنا ولا زلنا ننتظر مقرا مشرفا للمعهد.. التقينا خلال شهر أبريل المنصرم، كمكتب نقابي للتعليم العالي مع وزير الثقافة الجديد ووضعنا ملفنا المطلبي ولازلنا ننتظر ردا مسؤولا ومن أولوياته بناية المعهد.. بشرنا بأن مقر المعهد سيكون قرب المقبرة المسيحية [حي العكاري].. بعد ما انفض الاجتماع.. خاطبت رفاقي في المكتب ساخرا.. قرب المقبرة المسيحية أو اليهودية أو البوذية أو البودشيشية أو السيخية أو التيجانية. الأساسي أن يكون للمعهد لحدا و شاهدا وعنوانا… ألهذه الدرجة.. تشكل بناية المعهد إزعاجا.. ريما ميزانية المعهد، إذا ما تم وضعها، ستخلق ثقبا في الميزان التجاري للدولة ولن تجد سيولة مادية لتأدية أجراء السادة الوزراء و البرلمانيين… حكاية المعهد مغرية و فريدة من نوعها...


 

الممثلة العالمية دايان كيتون

الممثلة العالمية دايان كيتون


بقلم الفنان محمد الشوبي

الحلقة السادسة والأربعون من سلسلة حول ممثلين أحببتهم وأحبهم

حلقتنا اليوم حول ممثلة كلما شاهدت إسمها في فيلم أعلم يقينا أنه فيلم جدير بالمتابعة، وقادر على أن يحملني إلى عوالم إنسانية عميقة وصعبة على التشخيص مثلها كمثل إيقونة تحدثنا عنها هنا في هذه الحلقات، أعني ميريل ستريب، أما فنانتنا اليوم، والتي لم أعتبرها يوما إلا واحدة من عبقريات الإرتجال في كل مشهد تأديه في أفلامها، إنها دايان كيتون Diane Keaton

ولدت Diane Keaton وإسمها الحقيقي Diane Hall في 5 يناير 1946 بمدينة Los Angeles ولاية Californie ، وهي كبيرة اخوتها، أبوها Jack Hall المنحدر من إيرلندا مهندس مدني عقيدته كاثوليكية، وقد تربت دايان على يد أمها التي كانت تعشق التصوير الفوتوغرافي، على غير عقيدة أبيها الكاثوليكية أي méthodistes

عندما رأت دايان كيتون أمها تحصل على « Mrs. Los Angeles » في مباراة جمال ربات البيوت، بدأت تحلم بأن تصبح ممثلة، وبحكم أنها كانت تحب التمسرح، فقد عشقت Diane Hall الممثلة Katharine Hepburn لشخصيتها و إستقلاليتها و إتخذت منها ملهمة لها.

ومصممة على أن تكون ممثلة ولجت دايان كيتون la Santa Ana High School بمدينة Santa Ana بولاية Californie ، و انخرطت في ناد للغناء والتمثيل هناك.

وستلعب العديد من الإنتاجات المسرحية المدرسية منها شخصية Blanche DuBois في مسرحية تينيسي ويليامز Un tramway nommé Désir

وبعد الشهادات التي حصلت عليها في Santa Ana College ستلتحق بمدرسة l'Orange Coast College في Orange بولاية Californie والتي تابعت فيها دروس في المسرح، وبعد سنة غادرت المدرسة لتدخل مهنة التنشيط في Manhattan وفور وصولها ستنخرط في نقابة المحترفين المسماة Actors' Equity Association ، وهناك ستجد فتاة أخرى لها نفس الإسم Diane Hall لذلك ستغير إسمها وتتخذ إسم والدتها Keaton ، و ستضطر Diane Keaton إلى الغناء في بعض الكاباريهات ليلا لتغطية مصاريف عيشها.

لن يثنيها انخراطها في النقابة على متابعة تحقيق حلمها و الإلتحاق بمدرسة la Neighborhood Playhouse بمدينة New York وفي هذه المدرسة ستتعلم كيف تجيد طريقة أدائها التشخيصي حسب طريقة تسمى تقنيات Meisner

في سنة 1968 ستحصل على ديبلوم الفن المسرحي وتغادر المدرسة نهائيا لتلتحق بفرقة la comédie musicale Hair في Broadway

رغم أنها رفضت أن تتعرى في المشهد الأخير للمسرحية والتي تلعب فيها شخصية Sheila فقد حصلت على 50 دولارا إضافية عن أجرتها، وبعد مرور تسعة أشهر على لعب المسرحية دون إنقطاع، ستتقدم لكاستينغ مسرحية Play It Again, Sam للمخرج وودي آلن سنة 1968 ، وكانت على وشك أن يختارها المخرج بسبب طولها 173 سنتيمتر، وبعدها ستكون على موعد مع شهرتها الكبيرة.

في السبعينات ستحصل على جائزة Tony Award لأحسن ممثلة في دور ثان في مسرحية Play It Again, Sam ، و سيعجب بها العديد من المنتجين التلفزيين و الإشهاريين، وسيكون للمخرجين Francis Ford Coppola و Woody Allen فضل كبير عليها. الأول سيقدمها للجمهور العريض والثاني سيكرسها كممثلة متمكنة عند النقاد.

بعد أن رآها كوبولا في فيلم Lune de miel aux orties للمخرج Cy Howard سنة 1970 إقترحها كصديقة لمايكل كورليوني في فيلمه " العراب " Le Parrain في شخصية Kay Adams تلك المرأة القوية وسط عالم الرجال.

بعد نجاحها في هذا الجزء الأول من الفيلم، سترفض أن تعود بعد ذلك لاستوديوهات التصوير في الجزء الثاني، لكنها بعد قراءة السيناريو ستقبل على الفور، وفي تصريح لها قالت " كنت متحفظة من اللعب في الجزء الثاني لفيلم Parrain ، لكن عندما قرأت السيناريو تبين لي أن الشخصية في هذا الجزء مهمة أكثر مما كانت عليه في الجزء الأول " لكن مجلة " التايم " ذكرت بأن دايان كيتون كانت باهتة في الجزء الثاني، وهو ما صرحت به هي نفسها بعد فترة حين لخصت هذه الشخصية في كونها " هذه الشخصية ليست غنية بحكم أنها مجرد سيدة واقفة في ممر تنتظر السماح لها لرؤية زوجها "

عندما إلتقت المخرج الشاب وودي آلن أول مرة أغرمت به وبفنه وشكلت معه ثنائيا في الأعمال دام حتى بعد أن وضعا حدا لعلاقتهما ، وقال عنها آلن " Diane Keaton كانت ملهمتي منذ أن بدأت هذه المهنة "

في سنة 1972 ستلعب فيلم Tombe les filles et tais-toi من إخراج Herbert Ross عن سيناريو Woody Allen ، وفي السنة الموالية ستلعب شخصية Luna Schlosser على طريقة بطلات Buster Keaton في فيلم الخيال العلمي Woody et les Robots لوودي آلن سنة 1973 ، و بهذين الفيلمين الكوميديين ستلاقي نجاحا عند النقاد وعند الجمهور

في سنة 1975 ستلعب Guerre et Amour الذي سيعتبر من الأفلام الراسخة في الكوميديا للمخرج Woody Allen من طرف العديد من صناع السينما. Diane Keaton لعبت فيه شخصية Sonja شابة روسية بأفكار فلسفية متطرفة.

عندما كتب وودي آلن فيلمه Annie Hall في ربيع 1976 لم يكن ينتظر النجاح الباهر الذي سيحققه هذا الفيلم المستنبت من حياة عشيقته دايان والتي أخذ إسمها الحقيقي لشخصيته، وفصل حياتها الخاصة بطريقة كوميدية لدرجة أنها اعتبرت الفيلم الذي كانت بطلته " حكاية حياة مثالية " و كانا مفترقين لمدة سنتين عن بعضهما، في سنة 1977 ستكتب عنه مجلة The New York Times " كاميرا وودي آلن استطاعت أن تخرج جمال وعمق إحساسات دايان كيتون ، أكثر مما إستطاعته كاميرات مخرجين آخرين " ، كما اعتبر الناقد Emmanuel Carrère عن مجلة Positif بأن هذا الفيلم « صارم ومتمكن » و سيحقق الفيلم Annie Hall ما يناهز 38 251 425 $ في الولايات المتحدة وسيحصل على أربع أوسكارات سنة 1978 بما فيهم أحسن ممثلة Diane Keaton ، وبعد عشرين سنة سيصرح أحد صحفيي CNN بأنها لم تتخطى شخصيتها « الخجولة و المرتبكة » في فيلم Annie Hall ، في سنة 2006 ستصنفها مجلة Premiere في المرتبة 60e من بين « 100 أحسن الإنجازات على مر العصور » لكنها لا تهتم لذلك وتؤمن أنه يكفيها أنها ساهمت في أكبر الأفلام الكوميدية في التاريخ السينمائي.

في سنة 1978 فيلم Intérieurs سيجمع Diane Keaton و Mary Beth Hurt و Geraldine Page في الدراما من إخراج Woody Allen و سيعتبره النقاد بأنه هنا يستخف بالجمهور، و سيتخلى عنه وودي آلن ليسافر في الفيلم الماقبل الأخير في تعامله معها Manhattan هذا الفيلم الكوميدي الذي يعني في حياتهما رمزا لما فعلته في مسارهما الفني والمهني مدينة نيويورك

في سنوات الثمانينات ستحاول دايان كيتون أن تحقق ذاتها في الأفلام ذات البعد الدرامي لكنها لم تنجح في ذلك إلى حد كبير، وبعد أن إلتقت صديقها الجديد Warren Beatty الملقب « Mister Hollywood » حسب صحفيي مجلة Time وذلك في سنة 1978 ستعاشره سنتين وبعدها سيقترح عليها اللعب في فيلمه Reds الذي ستلعب فيه إلى جانبه شخصية Louise Bryant صحفية و مناضلة نسائية أمريكية والتي ستغادر زوجها و سترافق الكاتب اليساري John Reed الذي كان يغطي سير الثورة الروسية، والفيلم خرج سنة 1981 ، وقالت مجلة The New York Times عن Keaton في هذا الفيلم بأنها ليست إلا « رائعة في دور Louise Bryant. جميلة، أنانية، ظريفة و جذابة : إنه بالنسبة لها أحسن عمل في أيامنا هذه » و لقد رشحت عن هذا الدور لأوسكار أحسن ممثلة لثاني مرة سنة 1982. وكانت مفضلتها Katharine Hepburn في تلك السنة هي التي حصلت عليه بفيلم La Maison du lac

عند تصوير هذا الفيلم كانت ستغادره لتعثره الكثير أثناء التصوير وبعد سنتين من ذلك أي من أواخر 1977 إلى 1980 سيتم التصوير وسيخرج الفيلم في 1981 ، و ستبلي فيه دايان بلاء حسنا لكنها عندما ستتحدث عنه سنة 2006 ستصف الشخصية بكونها " Bryant نكرة تعتقد نفسها شخصية فوق العادة لكنها في الأخير هي مجرد إنسانة عادية، إني أعرف جيدا إحساس الخوف المرضي هذا " وقال عن هذه الشخصية الممثل في نفس الفيلم George Plimpton بأن Louise Bryant كانت شخصية صعبة بالنسبة ل Diane Keaton و « أنها لم تخرج منها بسلام »

في سنة 1982 ستؤكد أنها ممثلة قوية في لون الدراما في فيلم L'Usure du temps للمخرج Alan Parker

لكنها في سنة 1984 ستعيش فشلا في فيلم La Petite Fille au tambour للمخرج George Roy Hill المقتبس عن رواية بنفس العنوان للكاتب John le Carréوكانت فيه Diane Keaton و Yorgo Voyagis و Klaus Kinski, وقد استقبل بجفاء من طرف النقاد.

لكنها في نفس السنة ستعود للنقاد والجمهور بفيلم Mrs. Soffel للمخرج Gillian Armstrong عن قصة حقيقية لسيدة تعشق سجينا وتعمل المستحيل لتهريبه من السجن، ما سيؤهلها لتترشح لجائزة le Golden Globe أحسن ممثلة سنة 1985

في أواسط الثمانينات ستعود دايان كيتون للكوميديا وستلعب فيلم Crimes du cœur للمخرج Bruce Beresford سنة 1986 ولكن هذا الفيلم لم يكن له وقع يذكر ثم ستلعب فيلم Baby Boom عن قصة واقعية للمخرج Charles Shyer سنة 1987 والذي كتبته و أنتجته Nancy Meyers سيكون فألا حسنا لرجوعها لساحة الفيلم الكوميدي، كما ستلعب شخصيتها نفسها في فيلم Radio Days عشيقها السابق المخرج Woody Allen سنة 1987 و سيدفعها المخرج لأداء أغنية You'd Be So Nice to Come Home To للمغني Cole Porter أغنية لها وقع خاص في هذا الفيلم.

مع فيلم Le Prix de la passion سنة 1988، عادت للدراما مع المخرج Leonard Nimoy وكان الفيلم فاشلا ما أكدته هي نفسها، « إنه فشل كبير لكنه فشل كبير جدا » أحد نقاد جريدة Washington Post لم يتردد في قول « كان أداؤها مشتتا وتائها كما لو أنها كانت ترغب في إيصال فكرة غير مقتنعة بها »

لخصت دايان كيتون مسارها في كونها نجمة رديئة، مسارها مشتت و تتقاذفه الأمواج للأعلى والأسفل منذ أن لم يعد يكتب لها وودي آلن ولا وارين بيتي، وهنا قررت أن تصنع فيلمها حول الموضوع الذي كانت مهتمة به والمتعلق بالحياة بعد الموت، فأخرجت فيلم Heaven وثائقي من إخراج Diane Keaton سنة 1987 حول الجنة وما تقوله مجموعة من الشهادات لرجال دين مختلفين في الرؤى منهم من هم معروفون وغير معروفين، وعند خروج الفيلم استقبله النقاد بدون حماس وهناك من قال عنه انه " سخيف " لكن بعد عشرين سنة من ذلك قال عنه الناقد Rob Gonsalves في موقع efilmcritic.com بأنه « أكبر إنجاز ل Diane Keaton في الإخراج » و قارنه بفيلم Looking for Richard للممثل المخرج Al Pacino وبعيدا عن كلام النقاد كانت هذه التجربة مريحة لها كمخرجة ورأت Diane Keaton حياتها الفنية في أحسن أيامها.

في التسعينات كانت دايان كيتون قد حققت شهرة وتنوعا ملحوظين، لأنها أصبحت ناضجة وفي سن الأربعينات من عمرها، و تعاطت لشخصيات مثل دورها في فيلم Le Père de la mariéeللمخرج Charles Shyer سنة 1991 والذي كان إعادة لفيلم بنفس العنوان للمخرج Vincente Minnelli سنة (1950) المقتبس عن رواية الكاتب Edward Streeter المنشورة سنة 1949 وشخصيتها في فيلم Le Club des ex للمخرج Hugh Wilson في خريف 1996 سيناريو Robert Harling و رواية بنفس العنوان للكاتبة Olivia Goldsmith ، ولم تعد تقبل بأدوار لا قيمة لها ولا معنى حسب ما صرحت به قائلة : "الشخصية المميزة غالبا ما ترفعك وتدفعك لتلقي العديد من الفرص الأخرى لأدوار مماثلة في التميز… لذلك حاولت أن أتحرر من تلك الأدوار العادية لأتفرغ لأدوار مختلفة "

في 1989 تفرغت للإنتاج فأنتجت فيلم The Lemon Sisters الذي أخرجه Joyce Chopra وكتبه Jeremy Pikser ، وفشلت فيه من ناحية شباك التذاكر وكذا النقاد، لكن هذا الفشل دفعها لتتشبث بالإخراج الذي دربته في فيلمها القصير الوثائقي " جنة " وبعد أن أنهت إخراج حلقتين من مسلسلي China Beach و Twin Peaks سيقترح عليها إخراج فيلم تلفزي سنة 1991 تحت عنوان La Petite Sauvage لقناة Lifetime مانحة دور البطولة لأول مرة في حياتها للممثلة Reese Witherspoon

رغم أنها قطعت مع الشخصيات التي اعتبرتها ضعيفة، إلا أنها عادت في ثوب Kay Adams في الجزء الثالث من فيلم Parrain عشرون سنة تقريبا عن الجزء الثاني ، والذي ستتطور فيها هذه الشخصية شيئا ما لكن موقفها وموقف النقاد بقي على حاله حيث قيل عن الشخصية في جريدة The Washington Post أنها : « بالرغم من أن الشخصية سلطوية فإن Keaton عانت من كونها لاتتوفر على وظيفة حقيقية ما عدا كونها تضايق زوجها Michael بخطاياه السابقة »

وفي سنة 1993 ستلتقي مجددا مع Woody Allen و سيقتسمان ملصق الكوميديا البوليسية Meurtre mystérieux à Manhattan وأثناء التصوير كانت تحس بأنها كما لو كانت في زمن فيلم Annie Hall ، وبعد هاتين التجربتين لم تعد تتعامل مع Francis Ford Coppola أو Woody Allen رغم أنها بقيت قريبة من هذا الأخير.

في نفس المرحلة سنة 1995 عادت للإخراج بفيلمها الطويل الأول Les Liens du souvenir المقتبس عن رواية سيرة ذاتية للكاتب Franz Lidz وبهذا الفيلم ستدخل سنة 1996 غمار منافسات مهرجان كان شعبة « Un certain regard » و ستصرح : « مهرجان كان يجعلني أحس أنني فوق خشبة استعراضية »وستكتب عنها مجلة L'Avant-scène السينمائية : « Diane Keaton قدمت بهذا الفيلم لحظة حب جميلة » ، لكن فيلمها هذا سيترشح فقط لأوسكار أحسن موسيقى.

في أواخر سنة 1996 ستلعب شخصية Bessie المرأة التي تعاني من مرض اللوكيميا في فيلم Simples Secrets للمخرج Jerry Zaks في الأصل كانت الممثلة Meryl Streep هي المقترحة للعب هذه الشخصية لكنها ستلعب شخصية أختها Lee الحكاية تتمحور حول السيدتين و علاقتهما بشخصية Hank إبن Lee الذي أداها الممثل الشاب Leonardo DiCaprio ، وكانت ميريل ستريب معجبة بأداء دايان كيتون منذ زمن بعيد، وعندما رشحت ميريل لثامن مرة لجائزة Golden Globe ، ورشحت دايان لثالث مرة للأوسكار ولم تحز أية واحدة منهما على الجوائز، كانت ديان تفخر بكونها أدت شخصية صعبة جدا في حياتها العملية.

مع بداية سنوات الألفين ستخرج فيلمها Raccroche ! سنة 2000 ، ورغم أنها كانت قد صرحت سنة 1996 بأنها لن تقوم بالإخراج والتشخيص في نفس الوقت مصرحة : « لا أقدر أن أفكر في إدارة الإخراج عندما أكون أمام الكاميرا » إلى أنها ستلعب وتخرج هذا الفيلم الذي فشل أمام النقاد الذين قالوا عنه أنه " عمل شاق مغرق في المآسي"

في سنة 2001 ستلتقي مجددا مع Warren Beatty في فيلم Potins mondains et Amnésies partielles لكن الفيلم عرف فشلا ما دفع المجلة الشهرية Rolling Stone في أمريكا تقول عنه « الفيلم جثة محنطة جر معه للقبر سمعة نجومه Warren Beatty و Diane Keaton » ، ولم تستثنيه مجلة Cahiers du cinéma الفرنسية التي قالت عنه أنه : « تداخل و إنحراف عصبي و هستيري لخمسينيين »

في نفس المرحلة ستتخلى عن مشاريعها السينمائية وتلعب أربع أفلام تلفزية بميزانية صغيرة أولها دور متدينة متطرفة في Et Dieu créa Sœur Mary من إخراج Marshall Brickman ثم أم يائسة في Vivre malgré tout من إخراج David Attwood سنة 2003 ثم Parlez-moi de Sara من إخراج Charles McDougall سنة 2006  وفي 2003 أثناء تصوير فيلم Destins croisés للمخرج Bobby Roth  ستربط علاقة وطيدة مع مسجونة تقترب من الإعدام إسمها Karla Faye Tucker التي وقع قرار إعدامها حاكم تكساس حينها George W. Bush الإبن

ستتجه بعد ذلك إلى فيلمين كوميديين، الأول À la recherche de l'homme parfait للمخرج Michael Lehmann سنة 2007 والذي حصد العديد من الإنتقادات كما سترشح فيه لجائزة Razzie Award كأسوء ممثلة ثم فيلم Mama's Boy للمخرج Tim Hamilton في نفس السنة والذي حصد هو الآخر نقدا سلبيا.

في سنة 2008 ستلعب إلى جانب Dax Shepard و Liv Tyler فيلم Smother للمخرج Vince Di Meglio والذي سيلقى نفس مصير سابقيه من النقاد، لدرجة أن Sandra Hall عن مجلة New York Post كتبت : « مسار Diane يحتضر […] هذه المرة للأسف تجاوزت الحدود بتحولها إلى أم مضحكة »

أيضا في سنة 2008  Keaton ستظهر في فيلم Mad Money رفقة Katie Holmes و Queen Latifah المأخوذ عن التيليفيلم البريطاني Hot Money قصة ثلاثة موظفي بنك سيقررون سرقة هذا البنك وقد لاقى الفيلم استحسان الجمهور لكنه فشل في استقطاب النقاد حيث أن مجلة New York Post صنفته من بين الأفلام العشرة الأسوء في 2008 ، خلاف إستقباله في فرنسا التي قالت عنه مجلتي Le Parisien  « ثلاث ممثلات رائعات » ومجلة Brazil التي تحدثت عن « إخراج مبهر »

في 2007  باعتراف Lincoln Center لمدينة New York ستدخل Diane Keaton لعائلة « فنانات متألقات », مثل Elizabeth Taylor سنة 1986 و Jane Fonda سنة 2001

في 2010 ستعود بفيلم Morning Glory كوميديا من إخراج Roger Michell وبطولة Rachel McAdams و Harrison Ford الذي تعتبره ممثلا أسطوريا ، والفيلم مقتبس عن مسرحية الكاتب Neil Simon تحت عنوان The Sunshine Boys ثم فيلم Freeway et nous للمخرج Lawrence Kasdan سنة 2012

في سنة 2013 ستلعب فيلم 'Un grand mariage رفقة Susan Sarandon و Robert De Niro وهو إعادة لفيلم Mon frère se marie فرنسي سنة 2006 من إخراج Jean-Stéphane Bron

عندما سألتها مجلة Paris Match عن فشلها منذ سنوات 2000 علقت قائلة " أجهل كل ما تقولونه، لكن على العموم لم تعد السينما هي همي الوحيد " لكن رغم ذلك فقد استمرت ولعبت سنة 2014 فيلم Ainsi va la vie للمخرج Rob Reiner et و فيلم Ruth et Alex للمخرج Richard Loncraine ، وفي سنة 2016 ستشارك بصوتها في فيلم التحريك Le Monde de Dory للمخرج Andrew Stanton وبعد ذلك ستبتعد لتلعب في السلسلة التلفزية للمخرج والسيناريست Paolo Sorrentino تحت عنوان The Young Pope عن تعيين البابا الشاب Lenny Belardo المتخلى عنه في إحدى المؤسسات الخيرية والذي لعب هذه الشخصية الممثل Jude Law فيما لعبت هي الأخت ماري حاضنته.

في 8 يونيو 2017 سيسلمها Woody Allen إستحقاق 45e AFI Life Achievement Award بمسرح Dolby بمدينة Los Angeles

كما أن L'American Film Institute يرغب في تكريمها كممثلة actrice « غير مطبعة وثائرة وغريبة »

من إهتماماتها أيضا التصوير الفوتوغرافي والموضة.

 
 

حكمة الأفلام الصامتة..

حكمة الأفلام الصامتة.. من شابلن إلى بينك بانثر

بقلم علي سعيد

خلال ثلاثينيات القرن العشرين، عندما بدأ نجم السينما الصامتة في الأفول، بإدخال صوت حوار الشخصيات في الفيلم، هناك من نعى السينما كمنظومة فنية وبصرية وقائمة بذاتها، معلناً موت الفن السابع. والحقيقة أن هذا “التهويل” له مبرراته، إذا ما نظرنا إلى أن واحداً من القواعد المميزة للسينما قد تضررت أو لنقل تم التساهل معها وهو سرد القصة من خلال أفعال الشخصيات في صور متحركة، كخاصية ميزت السينما عن المسرح مثلاً، والقائم في معظمه على سرد القصة من خلال حوار الشخصيات وليس الفعل.

مع نهاية الخمسينيات، انتقل الإنتاج العالمي إلى السينما الملونة، ومرت السينما بأطوار من التطور على مستوى الصنعة السينمائية وأيضاً على صعيد القدرات الإنتاجية، وصارت العودة للسينما الصامتة، بمثابة زيارات يقوم بها العشاق الهائمون في الفن السابع، ذلك لتقفي أثر البواكير الأولى لنشوء هذا الفن والنظر إلى البراعة الذهنية و المخيلة الإبداعية لصناع السينما الصامتة وهم يصنعون روائع لا تنسى مثل أفلام “ميتروبوليس”، و”عيادة الدكتور كاليغاري”، و”الأزمنة الحديثة” وغيرها من الأفلام الصامتة التي لا تزال تدرس في معاهد السينما ولا يزال أساتذة صناعة الفيلم ينصحون طلابهم بمشاهدتها والعودة لاكتشافها بعمق.

وفي الحقيقة إن مشاهدة الأفلام الصامتة لها روح خاصة وشخصية فريدة، إنها في مكان ما، تشبه المقطوعة الموسيقية الخام، كالفولورزا لبيتهوفن أو شهرزاد لكورساكوف؛ عملٌ فني بلغة عالمية، تصل للجميع من مختلف الشعوب والثقافات واللغات، كما هو الفيلم الصامت الذي يقص حكايته بالأفعال، وتكون حبكاته مرئية. من ينسى مثلاً فيلم “أضواء المدينة” لشارلي شابلن. هذه القصة التي تدور حول شخصية رجل طيّب و فقير يجسده شابلن، يقوم بمنع رجل من الانتحار، ويكون هذا الرجل بصدفة، تاجراً ثرياً، يغدق شابلن بالمال نظير موقفه الإنساني، وانتشاله من موت محقق. يقوم شابلن بإعطاء المال لفتاة أحبها، هي شابة عمياء تقتات من بيع الزهور في الطرقات، وذلك لكي تجري عملية جراحية في عينيها ربما تسترد بصرها. يذهب شابلن ويقع في مشكلة ويسجن، عندما يخرج، يصادف بائعة الزهور وقد انتقلت في متجر فخم، لكنها لا تتعرف عليه وحسب بل تزدري مظهره المتسخ فيتألم شابلن، من هنا تظهر براعة الحبكة البصرية، في مثل هذه الأفلام التي قدم العديد منها شابلن، بمصاحبة المواقف الكوميدية المحببة للمشاهدين. ولكن ماذا عن هذا الزمن؟، حيث الطبيعة المغايرة للفن وذائقة المتلقين المتشكلة منذ الصغر بالمسلسلات التلفزيونية السائدة، ذات الحوارات التقليدية والمكررة، كيف لهذا المشاهد أن يتابع فيلماً صامتاً دون أن ينشغل، بملهيات الموبايل أو غيره.

يبدو أن الأمر مستحيل لمشاهدة فيلم صامت ولكن لنجرب أن نبدأ بالصغار والذين يمتلكون حِساً واستيعاباً فطرياً لمشاهدة العمل الصامت وفهم لغته، فالطفل منذ أن تتشكل حواسه وتنمو مدركاته في السنوات العمرية المبكرة، ينجذب فوراً لمشاهدة “تيلي تابيز” و”بنك بانثر” و”ميكي ماوس” وغيرها. لماذا؟ لأنها أفلام تقوم على الفعل والحركة، منتجة لغة تعبيرية لا تحتاج إلى تعلم الحروف والأرقام. فضلاً عن دور مثل هذه الأفلام الكرتونية الصامتة في تنمية الطاقة الذهنية للأطفال، من قوة الملاحظة إلى التخيل والتخمين وليس كتلك المسلسلات المدبلجة أو حتى المنتجة في المنطقة العربية، والتي تطرحها في الغالب مؤسسات “مقاولات”، تدبلج بضعة سنوات ثم تغلق وتفتح غيرها.

أخيراً وبالرجوع للكبار، نتذكر المحاولة الجادة في العودة للسينما الصامتة من خلال الفيلم الفرنسي “الفنان” والذي فاز بجائزة الأوسكار لعام 2011، في تأكيد بأن الفيلم الصامت، عصّيٌ على الفناء، إذ كيف يموت هذا الفن وقد تضمن في داخله، كل عوامل البقاء وشعاع الخلود.

 
 

الممثل العالمي روبير ديفال

الممثل العالمي روبير ديفال


بقلم الفنان محمد الشوبي

الحلقة الخامسة والأربعون من سلسلة حول ممثلين أحببتهم وأحبهم

هناك من هم من الممثلين الذين تعتبرهم قدوة في المهنة إذا كنت من نفس مهنتهم وتعتبرهم أسوة اذا كنت من عشاقهم، ولقد اعتبرت روبير ديفال Robert Duvall قدوة وأسوة.

ولد Robert Duvall وإسمه الكامل Robert Selden Duvall في 5 يناير 1931 بمدينة San Diego ولاية Californie كان أبوه William Howard Duvall أميرالا في البحرية المسماة Navy وهاجر مع أسرته وهو في العاشرة من عمره إلى ساحل Annapolis في Maryland

تابع دراسته بمدرسة Principia College قبل أن يستدعى للخدمة العسكرية بدولة Corée لمدة سنتين، و اعتبارا لمنحة الدولة عبر برنامج G.I. Bill سيلتحق سنة 1955 بمدينة New York و سيلج معهد Neighborhood Playhouse School of the Theatre الذي سيدرس فيه المسرح تحت إدارة الأستاذ Sanford Meisner ، وفي هذه المرحلة سيكتري بيتا رفقة ممثلين كبيرين هما Dustin Hoffman و Gene Hackman

في سنة 1958 سيلتقي Robert Duvall بالكاتب المسرحي والسيناريست Horton Foote الذي سيفتح له باب السينما بعد خمس سنوات بشخصية Boo Radley في فيلم Du silence et des ombres من إخراج Robert Mulligan سنة 1962 عن رواية Ne tirez pas sur l'oiseau moqueur للروائي Harper Lee

في سنوات الستينات سيلعب في العديد من المسلسلات مثل La Quatrième Dimension ، قبل أن يتفرغ للسينما في أدوار ثانوية في أفلام مثل الفيلم البوليسي Bullitt من إخراج Peter Yates وإنتاج Philip D'Antoni سنة (1968) أو في فيلم الويسترن Cent dollars pour un shérif  للمخرج Henry Hathaway سنة (1969) قبل أن يأخذه Francis Ford Coppola في دور مهم بفيلم Les gens de la pluie

ستأتيه سنوات السبعينات بالنجاح الكبير عبر أفلام مثل فيلم MASH أو M*A*S*H كوميديا ساخرة من إخراج Robert Altman بشخصية Franck Burns سنة 1970 وحروف MASH تجميع لكلمة Mobile Army Surgical Hospital  عن رواية بنفس العنوان للروائي Richard Hooker ، ثم فيلم THX 1138 الفيلم الأول للمخرج George Lucas سنة (1971) من إنتاج الكبير Francis Ford Coppola ، والذي سيمنحه شخصية Tom Hagen في فيلم Le Parrain سن 1972, التي ترشح بها لأوسكار أحسن دور ثانوي والفيلم الثاني مع هذا المخرج العبقري Francis Ford Coppola وستستمر شراكتهما بالجزء الثاني من فيلم Le Parrain 2سنة 1974 وبعده فيلم Apocalypse Now سنة 1979 الذي لعب فيه شخصية lieutenant-colonel Bill Kilgore ، لقد حقق بطريقة أدائه للأدوار تصورا خاصا به في الشخصيات الثانوية لدرجة أن أحد حواراته أصبحت مشهورة في فيلم " القيامة الآن " « J'adore respirer l'odeur du napalm le matin » ( أحب استنشاق رائحة النابالم في الصباح ) وقد تم ترشيحه مرة أخرى لأوسكار أحسن دور ثاني.

رشح روبير لمرات عديدة لأحسن دور ثاني سنة 1972 في فيلم العراب.

سنة 1979 : في فيلم Apocalypse Now

سنة 1980 : في فيلم The Great Santini

سنة 1997 : في فيلم Le Prédicateur

سنة 1998 : في فيلم Préjudice

سنة 2015 : في فيلم Le Juge

ولقد حصل على جوائز مهمة :

الأوسكار سنة 1984  في فيلم Tendre Bonheur

جائزة Houston Film Critics Society Awards سنة 2013 عن أعماله الكاملة

جائزة Festival du film de Hollywood سنة 2014 أحسن دور ثانوي في فيلم Le Juge


 
 

حوار مع الكاتب والباحث رشيد الحاحي

حوار مع الكاتب والباحث رشيد الحاحي

الكيان الإنسي المغربي، وفي صلب هويته الأمازيغية، هو في حاجة إلى استكشاف مقوماته المتعددة وفهم وإدراك مختلف عناصر وجوده الرمزي.


إعداد وتقديم: أحمد بوزيد ( كاتب وباحث من المغرب)

لا يني الكاتب والباحث المغربي رشيد الحاحي من الإقامة في مواقع معرفية شاقة لتأمل العلامة والاشتباك مع الاثر بحواس خبرت حاجته لنظر يتعالى عن مقاسات المنهج و ارغاماته، فلم يكن انحياز الباحث للسيميولوجيا إلا مسلكا من المسالك الممكنة التي تفضي إلى دلالات  الدلائل والعلامات  التي تمارس حضورها في اليومي، وبذلك استطاع أن يتيح لها المعابر لتجدا حيزا في أرض المعرفة ومدارج السؤال، ويكتسي كتاب " النار و الاثر " أهمية مرجعية ككتاب انصرف إلى العلامة و الأثر المغربيين  على وجه الخصوص  قراءة وتأويلا ، وبمعرفة نقدية تعي حدود مفاهيمها وفي الآن ذاته تمون مساراتها بالقلق واللاطمأنينة حيال آليات القراءة كي لا  تخرج عن دائرة الإنصات العميق  لنداءات العلامات، لا يرتبط اشتغال رشيد الحاحي على الأنظمة الدلالية البصرية بما يمليه التاريخ الشخصي فحسب  كباحث في التشكيل ،كما لا يتعلق بانتساب الذات إلى السلالة التي رأى محمد خير الدين أنها تضع النار في يد الأحفاد؛ النار المجازية التي قد تحرق مسافة السؤال و الوقاية ؛ فيتموقع خطاب الذات في دائرة الأهواء المتصلة بالهوية الناجزة بما هي تعال عن الشرط الإنساني ، بقدر ما ينظم الأمر كله سؤال التفكيك الذي طبع اشتغاله على خطابات مختلفة من ناحية قصدياتها ومن ناحية آليات تشكلها، إنه حفر دائم لتشكيل المتخيل الثاوي خلف حركة الإنسان في اليومي و الأسئلة الحارقة التي تفضي به إلى توليد رؤيته إلى العالم.


1

يلاحظ عنايتك الاستثنائية بالأنظمة الدلالية البصرية واشتغالك عليها استنادا إلى مقاربات سيمولوجية ، ما مرد هذا الاشتغال وما طبيعة العلاقات الوجدانية التي تجمعك بها.

نعم، يعود اشتغالي بالسميولوجيا والأنظمة الدلالية  في البداية  إلى تكويني العلمي والفني  والبيداغوجي المرتبط بمجال الفنون التشكيلية والبصرية، والبحوث التي أنجزتها في هذا السياق،  ونعلم أن الصورة بجل أنواعها ووسائطها تندرج ضمن مجالات الإنتاج والتواصل البصري المتصلة والمتقاطعة كثيرا مع حقول التعبير التشكيلي والبصري الحديثة،  بما في ذلك الفوتوغرافيا والصورة الالكترونية والتلفزية والإشهار ...، ولتحليل الإرساليات  والخطابات التي  تحملها وتمررها هذه الوسائط والصور  تتقدم السيميولوجيا باعتبارها  علم الدلالة كحقل معرفي ومنهجي حديث  يمنح إمكانيات التحليل العميق والحفر الدلالي خاصة أنها تسمح بالتفاعل المعرفي والمنهجي بين مجالات معرفية متعددة كاللسانيات والتحليل النفسي والسوسيولوجيا والأنثربولوجيا...، مما يسمح بنوع من الفعالية المعرفية والمنهجية في تحليل الأثر واستكشاف الدلالات والرمزيات الثاوية خلف وفي عمق  الأثر والمنجز اللغوي والبصري.

ولا أخفيك أنه انطلاقا مما ذكرت، وباستحضار تكويني واشتغالي  في البدايات مند  التسعينيات على الأسس النظرية لسيميولوجيا الصورة وأنظمة العلامات البصرية، فهذا الاختيار كان موسوما بنوع من  دهشة ولذة  المعرفة والاستكشاف والتفكيك، وقد اشتغلت كثيرا على كتب وإصدارات الناقد والسيميولوجي الكبير رولان بارث الذي أعتبره، إضافة إلى إسهامات أمبرطو  إيكو  اللاحقة، مؤسس السيميولوجيا البصرية، بما في ذلك "بلاغة الصورة" و"الغرفة المظلمة" "وإمبراطورية العلامات" وتحليل ملصق بونزاني...مما منحني سعة المنظور وتكشف لذة ركوب مغامرة البحث في المعنى وعن المعنى، ولعل هذا ما يفسر كوني أهديت كتابي الأول الصادر سنة 2003 وهو بعنوان "الفن والجسد والصورة" لروح رولان بارث.

والحديث عن السيميولوجيا وقراءة الأنظمة الدلالية الرمزية، وعن رولان بارث، يقود لا محالة  إلى الحديث عن عبد الكبير الخطيبي  ومشروعه الذي أعتبره شخصيا من أهم ما أنتجته الساحة الفكرية المغربية في اختلافها الذي لم  يكنمل ولم يتحقق بعد للأسف، حيث كان لاشتغالي على مشروعه الفكري النقدي و الاختلافي، الذي انطلق من الثقافة المحلية والأنساق الدلالية الهامشية والذاكرة الموشومة والجسد الجريح...، الأثر الكبير في بناء رؤية تحليلية تشمل  الإنتاج البصري  والتشكيلي الحديث وكذا الأنظمة الثقافية  والرمزية الدالة، والانتباه إلى ذلك الكم الهام من الانتاجات والحوامل والأشكال التعبيرية والرمزية التي  تمنح إمكانية تكشف الأبعاد الدلالية والجمالية ومقومات المتخيل الثقافي والاجتماعي للأفراد والجماعات والثقافات التي أنتجتها. إنها بدايات إدراك جرح الجسد والهوية ومقومات التعدد والمغايرة والاختلاف، ومن تم كل الكتابات والانشغالات الفكرية والإبداعية التي طبعت مساري البحثي والثقافي إلى اليوم.

2

يهتم منجزك النقدي بخطابات مختلفة من حيث وسائط تشكلها " الخطاب الأدبي، الخطاب السياسي، الخطاب التشكيلي" إلى أي حد يستطيع هذا الاشتغال العلمي الانحياز لوظيفته النقدية واستراتيجياته التفكيكية التي تدرأ عنه السقوط في خانة الموسوعية.

هذا سؤال وجيه كثيرا ما راودني، وأعلم أنه مطروح علي، وجوابي  واضح حيث أعتبر أن اشتغالي المتعدد على الخطابات البصرية والاجتماعية والسياسية، ليس اشتغالا على خطابات متباعدة وفي دوائر منفصلة ومعزولة كما قد يبدو للقارئ والمتتبع العادي الذي يعتقد بالفروق والتمايزات الشكلية والمجالية، بل هو امتداد للمنظور التحليلي والدلالي الذي يؤطر معرفتي وكتاباتي، وقد أقول أن المقاربة السيميولوجية وملاحقة التباسات الدال والمدلول واقتفاء أثر المعنى وانفلاتاته، هي التي تسمح بالانتقال المتصل بين عدة أنظمة دلالية وحوامل خطابية دون السقوط في ما سميتموه بخانة الموسوعية بحمولتها السلبية كما يتضح من قصدكم.

فالانشغال بالواقع في انذهاليته بالمعنى البودرياري، والانخراط الفعلي  في الحياة  بكل تضاريسها الوعرة وإيقاعاتها المتحولة، يفضي إلى التورط في مسارات الدلالة وإنتاج المعنى من جهة، وفي مغامرة التحليل والتفكيك ومحاولة فهم ما يجري من حولنا، من جهة أخرى، وفي مستويات معينة قد تنمحي الحدود التقليدية وتنفتح الرؤية على اللامتداد والتصادي والتقاطع،  خاصة إن كانت الأدوات المعرفية وإمكانيات التحليل والنقد تسمح بذلك، ولا يمكن أن تستكين إلى الموضوع الثابت والمحدود جدا، ولا أن تنكفي بدوامة التخصص المحدود جدا مدى الحياة الذي كثيرا ما تحول إلى دائرة مغلقة للتكرار  والكتابة أو الحرفة الباردة، وأحيانا لإنتاج السطحية واللا معنى. دعني أؤكد  على وظيفة الباحث المثقف الذي يمتلك أدوات التحليل وينتج المعرفة، وينخرط في أسئلة الراهن والتحول في دوائر وجوده،  لكن في إطار رؤية ومشروع قد تتبدى عناصر تكامله مع تراكم الإنتاج والمسار.

ذكرت قبل قليل الأستاذ عبد الكبير الخطيبي، وكما نعلم فمشروعه متعدد الأبعاد ومجالات الاشتغال، فبين إنتاجه الفكري الهام جدا، خاصة اشتغاله النقدي المزدوج على الثقافة المحلية وعلى الغرب كأفق حضاري وثقافي وعلى المغرب المتعدد، وكتاباته النقدية في مجال الفنون التشكيلية ورواياته الأدبية، وانتهاء بمقالاته في السياسة والمجتمع...، ثمة ترابط وامتدادات ولعل عنوانها هو كونه باحث ومبدع مثقف  يمتلك المعرفة ورؤية ومن تم  مشروعا.

يحضرني أيضا الاسم الكبير ريجيس دوبري، فعندما نتوقف بوعي معرفي ومنهجي عند كتاباته وإنتاجاته ومهامه على امتداد أكثر من نصف قرن، يتضح ذلك الخيط الناظم  وأفق النظر الذي يصل مثلا، بين مذكراته وبين كتاباته في مجال الصورة خاصة "حياة وموت الصورة"  ونصوصه التقديمية لكتالوكات الفنون التشكيلية، وبين مضامين اشتغاله وفريق مجلة "ميديولوجي" على الخطابات وتحولات المجتمعات الوسائطية والعالم المعاصر، وصولا إلى آخر كتاباته في الرأي وحول الصورة الإعلامية وظاهرة الجهاد المتفجر  وأمريكا ترومب...

3

وأنا أتأمل تأويلك للأثر التشكيلي الأمازيغي بمفهومه الموسع الذي ينظر إليه كممارسة ملتصقة باليومي، يحضرني حديث بول ريكور عن الهوية السردية، قياسا على ذلك هل تؤشر تلك الدلالات على هوية بصرية خاصة، وأي معنى تتخذه هذه الهوية البصرية ، أهي هوية ناجزة أم أنها مسار دينامي مفتوح على إمكانات لانهائية ودائمة التشكل.

بما أنه يمكننا الحديث عن اللغة  وأنظمة علامات  بصرية، فيمكن أن نستعير من السيميائيات اللسانية، ويعود الفضل في ذلك إلى فرنورد دوسوسير الذي تنبأ بعلم  دلالة أشمل تصير اللسانيات جزء من  جهازها المفاهيمي في تناول ومقاربة الخطابات والإرساليات التي تنتجها وتحملها الأنساق الأخرى، ومن تم إمكانية الحديث عن النص البصري والسرد البصري أو التشكيلي وغيرها... ونعلم أن الهوية السردية بمفهوم ريكور، التي أثرتها في سؤالك، ليست قارة ولا ثابتة أو نهائية بل يمكن دائما أن تنضاف إلى موضوعها أوسام وعناصر جديدة ومختلفة بل ومتناقضة، وبهذا المعنى فالهوية السردية كما يقول،  لا تتوقف عن تكوين عناصرها وعن التخلص منها. هل ينطبق هذا على الأسناد الدلالية المرتبطة بالثقافة والفنون الأمازيغية  التي حللتها واستكشفت بعض أبعادها الرمزية والمتخيلة في كتابي "النار والأثر"؟

يصعب الحديث عن هوية بصرية خاصة أو خالصة، لكن الأسناد والأشكال التعبيرية التي اشتغلت عليها تعتبر جلها إنتاجات تراثية، كالنسيج والتشكيل والمصنوعات اليدوية والمعمار والموسيقى والحكاية…،  ويمكن القول أنه عند تحليل التراث تتضح مقومات الخصوصية لأن الشروط الثقافية والاجتماعية والمجالية نادرا ما كانت تسمح بالتثاقف والتبادل، كما أن  المقاربة التأويلية التي اعتمدتها  تزاوج بين الرؤية السيميولوجية والأنثربولوجية  مما يمكن من تحليل  ما سميته عملا بمنهاج  الأنثربولوجي الكبير جلبير ديرون "البنيات الأنتربولوجية للمتخيل" والفعالية الرمزية التي تميز ثقافة معينة عن غيرها. وقد أشرت في خاتمة الكتاب إلى أن هذه المقومات الرمزية والمتخيلة التي تشكل عناصر هوية ثقافية، تمنح إمكانيات هامة للاشتغال والإبداع المعاصر في مختلف الحقول الفنية والتعبيرية والصناعية، في إطار تصور دينامي وتفاعلي وخلاق للهوية والرمزية الثقافية يستجيب لحاجيات وانتظارات الذوق الحديثة  وشرط المعاصرة.  وثمة أفق واسع ومجال بكر وخصب للاشتغال وفق هذا التصور الحديث في العديد من مجالات الإبداع البصري كفنون الصورة والسينما والتصميم والديزاين  الصناعي والمجالي والوسائطي والتهيئة والمعمار...

4

خصص كتاب "النار والأثر " هامشا واسعا للجسد وتجليات حضوره في التشكيل والكتابة، و إذا علمنا أن الجسد المعني ينتسب إلى الثقافة الأمازيغية ، أثمة إمكانية للحديث عن جسد أمازيغي له متخيل مخصوص ونظام ثقافي يحكمه.

الحديث عن  رمزية الجسد وعن أنظمة العلامات الدالة سواء اللفظية أو البصرية هو ذات الحديث، والخلاصة التي أشرت إليها قبل قليل هي نفسها بالنسبة لإمكانية الحديث عن جسد أمازيغي له نظام ثقافي خاص. لكن أعيد التأكيد على أهمية البنيات الأنتربولوجية للمتخيل التي حاولت الحفر في عناصرها الرمزية والدلالية انطلاقا من تحليل وتأويل عدة أسناد وانتاجات فنية وثقافية تراثية وطيدة الارتباط بلغة وبلاغة الجسد الذي يمكن اعتباره وسيطها العضوي والسيميائي، ومن تم إمكانية اعتبار تلك العناصر الرمزية  مقومات هذه البنية واختلافها الثقافي، هذا دون اعتباره جسدا أو متخيلا خالصا، وقد تساءلت في خاتمة الكتاب عن إمكانية اعتبار المتخيل الرمزي سندا ومحركا للشخصية الفردية والجماعية يؤثر بعناصره وبنياته الرمزية في الكيان الوجودي والنفسي والاجتماعي؟  وأقول أن جوابي اليوم، هو نعم.

5

ترى أن الجسد عاش عنفا مستمرا من قبل الخطاب الفقهي واللاهوتي واختزالا من قبل الأيديولوجيا وتقزيما من قبل المعرفة الأنثروبولوجية ، يصل الأمر حد كبت معرفي،  ما هي برأيك الدواعي الثاوية خلف هذا العنف المستمر.

الأسباب عديدة ويمكن اختزالها في الوضع الثقافي والمعرفي بشكل عام. نعلم أن  الإطار التقليدي للخطاب الفقهي يقزم الجسد وينفي حيويته عبر التعاطي معه  بمنطق الرجس والمدنس ونقيض الروح، والإطار الإيديولوجي الاستهلاكي حوله إلى سلعة في سوق المعروضات سواء كمنتوج  أو كوسيط وصورة للغواية والإثارة، وواقع الإقصاء  والتشيئ الاجتماعي والثقافي يعبر عن مختلف تجليات العنف التي تعرض لها الجسد باعتباره كيان ثقافي ملتبس، يختزل جوانب هامة من وضعنا الثقافي والاجتماعي بشكل عام.  وقد ظل محاصرا أيضا حتى في مجالات الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية كما يعير عن ذلك التقابل الميتافيويقي التقليدي بين الروح والفكر من جهة، والجسد من جهة مناقضة، حيث أن فضل الاهتمام بالجسد كموضوع للتفكير والبحث، أو اكتشاف الجسد إن شئنا، يعود إلى الفينومينولوجيا والإنثربولوجيا الرمزية التي أحاطته بوضع مفهومي أساسي، إضافة إلى الدراسات الأدبية والفنية التي اهتمت بتعبيراته وإبداعيته. وفي مجالنا الثقافي والبحث العلمي نعلم أن هذه المجالات المعرفية والمناهج يطبعها ضعف الانغراس النظري، مما يجعل الاشتغال بأسئلتها مطبوعا بنوع من الارتياب والمغامرة في حقل بكر يبدو متنمنعا بقدر ما يخترقه من تصورات ومفارقات.

6

ألا يمكن الحديث عن خطاب استثنائي في اشتغاله على الجسد، يتمثل في الخطاب الصوفي في قاماته الكبرى كالنفري وابن عربي  التي بلغت به حد التمجيد، وهل يمكن الحديث عن أشباه ونظائر لهذه القامات ولهذه الخطابات  في الثقافة الأمازيغية.

أعتقد أن مقاربة الجسد في مدارج التصوف تجعل منه كيانا لا ثقافيا لأنها تسعى إلى تجاوزه أو نفيه، حيث تتعاطى معه إما عبر ترويضه والتخلص من مكانته وفعاليته الذاتية والأنطلوجية، وهذا ما يعبر عنه بالزهد والتسامي، أو عبر اعتماده وسيطا للانفصال عنه وعن الواقع والعالم الأرضي، من خلال الجذب والشطح والذكر...أو الاختلاء والتأمل. والتصوف حالة ذهنية وروحية عابرة للثقافات وتعلو اختلافاتها، لأنه صعود والثقافة انتشار.

أتذكر قول عبد الكبير الخطيبي: ليس الذكر صعودا  عموديا،كما يذكر لنا المتصوفة،  بل هو تبعثر ونشر للجسد. وقد وضحت كيف أن هذا الجسد ليس قدسيا يسعى إلى التعالي والصعود، بل هو كيان أرضي يعيش انتشاره من خلال حركته ورغبة الذات، وبذلك تتشكل هويته متعددة وأفقية، رمزية تتحاور فواصلها وصورها المجزأة عبر تعبيراته كما في الموسيقى، بشكل خاص.

7

تقدم تصورا موسعا للكتابة والتشكيل والصوت ، وتعتبر هذه الأنظمة الدلالية امتدادا لرغبة الجسد الجريح الباحث عن مجال رمزي وبلاغي خاص، إلى أي حد يتصادى هذا التصور مع تصور  السيميولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي.

توقف جاك دريدا في كتابيه الكبيرين "الصوت والظاهرة" و"الكتابة والاختلاف" عند الصوت باعتباره جوهر الاختلاف لكونه سابق عن اللغة  وعن الكتابة وعن الدلالة، وقد حاولت أن أقتفي أثر هذه المغايرة وانزياحها وأنا مشتغل بسؤال فعالية الرمزي وصوت الاختلاف في الشعر الأمازيغي، وقد حللت كيف أن لازمة الموال "ألالايل ألالا دا يلا لا لا لالي..." مثلا، التي تنتشر في فضاءات "أسايس" – الفضاء الذي تنظم فيه رقصات أحواش ويحمل ذاكرة الشعر الأمازيغي-  وقد استعارتها بعض القصائد الحديثة خاصة عند علي صدقي أزايكو، هي عنوان خاصية التصادي بين الثقافي والمجالي التي تميز تشكل وبنية الرمزي والجمالي في الثقافة الأمازيغية، والتي استحالت معها بحة الجسد إلى صوت ثقافي وإبداعي اختلافي.  وهي نفس المقومات والامتدادات الدلالية التي تأكدت من خلال مقاربتي التأويلية  لحوامل وأسناد بصرية وتعبيرية أخرى. واضح  إذن، أن اختلاف الدوال وأنظمة العلامات داخل بنية ثقافية ورمزية شاملة لا يخفي اتصال وتقارب أو تكامل المدلولات وتشكل أو إنتاج المعنى باعتباره قيمة مركبة تصل بين المحسوس والمجرد، وبين الجزئي والبنيوي، وبين  المنطوق والمكتوب والمرئي، أو إن شئنا بين الانتاجات والتعابير التي تترتب عن الأنساق الدلالية الثلاثة أي الصوت والكتابة والصورة.

تتضح هنا تواشجات التحليل السيميولوجي وفكر الاختلاف في تناول الدلالة والأنساق الرمزية، حيث تتبدد الحدود "الدالية" واللغوية البيسطة ويتحرر أفق اللغة والفكر والمعنى، وأعتقد أن هذا هو أساس  التقاطعات الكبيرة التي تصل بين  رولان بارث وعبد الكبير الخطيبي وجاك دريدا، حتى أنه يخالنا اشتغالهم المتكامل  نظريا على مشروع واحد. لكن خاصية الخطيبي أنه انتقل بهذه المقاربة الفكرية الاختلافية والسيميولوجية   وأجرأها من خلال اشتغاله على  الأنظمة الدلالية الهامشية والثقافة الشعبية المغربية، في سياق مشروع النقد المزدوج وجرح الاسم الشخصي وإبراز عناصر وتجليات ثقافة التعدد والمغايرة.

ولعل اختياري لهذا التفاعل المنهجي، وخصوبة الموضوع وتعدد تعبيراته وأسناده الدلالية، أفضت إلى تكشف مكانة الجسد باعتباره كيان  اجتماعي مادي ورمزي مركزي في ثقافتنا، ووسيط الفكر والوجدان، حتى أنه يمكننا أن نتحدث عن فكر الجسد بالمفهوم الفينومينولوجي  كما توقف عن ذلك ميرلو بونتي في فينومينولوجيا الإدراك، وليس عن تعارضهما الميتافيويقي،  حيث يمكن أن أقول بكل تأكيد أن الدوال والمدلولات الجسدية، سواء على المستوى المادي والعضوي أو على صعيد تعبيراته الوجدانية واللذية أو عكسها الذي يتبدى في ايحاءات الحرمان والإقصاء والتشيئ، تخترق نظامنا الثقافي المتعدد الأسناد والمصوغات التعبيرية.  إنه الجسد الجريح من جراء  التناقضات التي تلتفه مما يعيق تحوله إلى كيان واع ومتحرر ومنخرط في أدميته وشرطه الإنسي، فلا يزال ضحية الخطابات الفقهية الاختزالية والإيديولوجية، من جهة، ومن جهة أخرى  ضحية الشرط السوسيو اقتصادي الذي يرغمه على ولوج دوائر الغواية  وإغراءات الصورة والخطابات الإعلامية والوسائطية والتحولات العنيفة والمبتذلة للمجتمع وعوامله الواقعية والافتراضية.

وإذا كانت بلاغة الجرح قد تبدت من خلال عدة دلالات وأنظمة العلامات التراثية التي عبر من خلالها الجسد عن نفسه، وفي مجالات تعبيرية وأسناد ثقافية متعددة، فإننا اليوم لا نزال في حاجة إلى إمكانات المقاربة السيميولوجية والميديولوجية  أيضا– بمفهوم ريجيس دوبري- لتحليل وفهم أزمة جسدنا أو أجسادنا في الراهن، التي تختزل أزمة ثقافتنا ومجتمعنا، وجرحها الذي ازداد عمقا  ووضعها الذي ازداد أيضا لبسا وتناقضا.

8

استنادا إلى التصور السابق تعيد ترتيب العلاقة بين المنطوق والمكتوب و المرسوم وتقول بهشاشة القول بالانفصال، وبالموازاة تصلهم بالجرح المخبؤء في الجسد الجمعي واستراتيجياته في مقاومة قساوة اليومي ورهانه على الحجب، أليس المنطوق أقل اختراقا لليولامي بحكم قابليته الهائلة للمحو و التدليس.

صحيح أن القول والكلام واللغة اللفظية بصفة عامة، هي أكثر تعبيرا عن  الاجتماعي وأكثر حضورا في اليومي والمعيشي وفي الثقافتين الشعبية والعالمة على حد سواء،  ومن تم قدرتها في نفس الوقت على إنتاج المعنى وعلى محوه أو تزييفه، بيد أنه عند دراستنا للأنظمة الدلالية  التي عبر من خلالها الإنسان عن نفسه وواقعه ورغباته وإحباطاته...، خاصة في هوامش المدارات التقليدية للثقافة  والحياة الاجتماعية، نجد أن الدال والعلامة متعددين، وأن المدلولات تتقاطع وتتواشج داخل بنية الرمزية الثقافية وامتداداتها، بل يمكن أن نؤكد مع عبد الكبير الخطيبي على خاصية "الهجرة" Exode du signe  التي تحمل الدليل بين أنظمة علامات متعددة،  وهذا ما جعلني أقر بهشاشة الفصل بينها، خاصة أنه من خلال تحليل بعض هذه الانتاجات الرمزية كالنسيج اليدوي مثلا،  قاربت تعبيرات العلامة البصرية والرسم النسيجي  وايحاءات المعيش اليومي وقساوته التي تفصح عنها واعتبرته جزء من إستراتيجية ثقافية للمقاومة وحفظ الوجود والاحتفاء بالذات وإعلان الرغبة بل وتحقيقها. إنها بلاغة الر مزي والمتخيل التي تستعير كل قنوات وممكنات  الدلالة  والتحوير للتعبير عن نفسها، خاصة التي ترتبط دلاليا وعضويا ورمزيا بالجسد ككيان متخيل وحامل للتاريخ الشخصي والجمعي، وراغب وحالم ومحبط وجريح...

9

هل يمكن لمثل هذه المقاربات إشاعة نقاش نقدي ينقل الأنظمة الدلالية البصرية  الأمازيغية من ضيق التناول الإعلامي  إلى أحياز الزمن المعرفي الذي يحرس العمق بالاحتراسات المنهجية من التعميمات المخلة.

دعوت في خاتمة كتاب "النار والأثر"  إلى ضرورة تناول موضوع المتخيل وإلى فهم أنتربولوجي أعمق لمجتمعاتنا ومقومات ثقافتنا – وقد تناولت السؤال على صعيد آخر في كتابي "الأمازيغية والمغرب المهدور"- واستحضرت كل من جلبير ديرون  وريجيس دوبري اللذان دعيا إلى رد الاعتبار للرمزي كمدخل لفهم الثقافات ولإعادة إبداع مقوماتها  ولتجديد  الإنسية الكونية.  ولا شك أن الكيان الإنسي المغربي، وفي صلب هويته الأمازيغية، هو في حاجة إلى استكشاف مقوماته المتعددة وفهم وإدراك مختلف عناصر وجوده الرمزي، وهذا يتطلب ما سميته تصورا ثقافيا حديثا  يستند إلى مشروع إبداعي ونقدي اختلافي قادر على تحرير كياننا من النظرة اللاتاريخية والممارسات والتصورات المكبلة والمختزلة، ومنها أشكال الفلكرة الإعلامية والثقافية الجديدة، وتكريس النماذج الجاهزة Stéréotypes ، وذلك لخلق لحظة  صفاء الإدراك والوعي بالذات وإضفاء المعنى وإنتاجه،  وذلك من أجل الوجود الثقافي بالفعل في عالم متغير يطبعه العنف والتنميط والابتذال.


 
 

الصفحة 2 من 29

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com theatretafukt@gmail.com
Télé: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.