Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
بحوث - مقالات - دراسات: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 3) - الثلاثاء, 23 نيسان/أبريل 2019 19:14
مختارات - كتابات - مواضيع: اتجاهات نقدية معاصرة - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 09:40
مواعيد فنية - ثقافية: ندى الحاج ببيت الشعر في المغرب - الجمعة, 19 نيسان/أبريل 2019 11:09
متابعات - تغطيات صحفية: فيلمان مغربيان يتنافسان بمهرجان كان - الخميس, 18 نيسان/أبريل 2019 19:06
بحوث - مقالات - دراسات: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 2) - الخميس, 18 نيسان/أبريل 2019 11:25
بحوث - مقالات - دراسات: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 1) - الثلاثاء, 16 نيسان/أبريل 2019 19:57
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: نتائج مهرجان إسني ن ورغ - الأربعاء, 10 نيسان/أبريل 2019 19:55
بحوث - مقالات - دراسات: من هو العربي ومن هو الأمازيغي بالمغرب؟ - الإثنين, 15 نيسان/أبريل 2019 11:10
أخبار - منوعات - إصدارات : تدوين الثقافة الأمازيغية الشفهية - الخميس, 11 نيسان/أبريل 2019 19:14
متابعات - تغطيات صحفية: Ouverture du Talguit’art - الخميس, 11 نيسان/أبريل 2019 19:00
Blue Grey Red
مختارات - كتابات - مواضيع

اتجاهات نقدية معاصرة

الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 09:40

اتجاهات نقدية معاصرة

بقلم ذ. محسن النصار / مجلة الفنون المسرحية

لقد ظهرت اتجاهات نقدية معاصرة. كان لها الدور الكبير في إرساء القواعد والأسس النقدية السليمة والعلمية للنقد الحديث. فلم يعد العمل الفني انعكاسا سلبيا لشيء ايجابي خارجه. بل أصبح إما عالما ايجابيا قائما بذاته يفرز قوانينه ومعناه. وقيمته في انفصال عن الفرد والمجتمع. وإما فعلا إنسانيا. ايجابيا لا يتحقق معناه وقيمته إلا في نتائجه على الإنسان والمجتمع. أي أن اتجاه الفلسفة إلى التحليل المنطقي وتحليل اللغة واكبه اتجاه في النظرية الأدبية النقدية اللغويات لفروعه المختلفة. بينما صاحب الاتجاه الفلسفي الذي يؤكد الفعل الإنساني في علاقته بالتاريخ. واتجاه في النظرية الأدبية الى اعتبار العمل الأدبي والفني نشاطا انسانيا يعكس ويؤثر في المجتمع ويحدد توصيفه كأدب. ومعناه في علاقته بالمجتمع في أبنيته المختلفة و ايديولوجياته المتصارعة وفي محاولة بسيطة يمكننا أن نرصد الاتجاهات النقدية الحديثة التالية في النظر الى الأدب والفن.

مدرسة النقد الحديث ( الموضوعي ):

ازدهرت هذه المدرسة أساسا في أمريكا وإنجلترا والسمة الأساسية لدى هذه المدرسة هي محاولة الاستعاضة عن غياب المطلق والثابت في الطبيعة البشرية. هذا الغياب الذي اكتشفته الفلسفة الحديثة. يجعل العمل الفني نفسه مطلقا ثابتا له قوانينه الخاصة وقيمته الباقية. لقد صورت هذه المدرسة العمل الفني على أنه عالم عضوي مستقل بذاته من العلاقات اللغوية. والمعنوية والشعورية بحيث يفرز للقارئ تجربة فنية لها معناها الموضوعي وقيمتها الخالدة في انفصال كامل مع متغيرات الحياة الإنسانية ونسبيتها.

وفي هذه الحالة فإن مدرسة النقد الحديث تؤكد على أهمية الشكل في العمل الفني وعلى التجربة الجمالية المطلقة التي تتولد عن الشكل وأعطت هذه التجربة دلالات عالمية شبه دينية. ويرتبط النقد الموضوعي ارتباطا شديدا بعودة الاتجاه الكلاسيكي في النقد والخلق على السواء. ذلك الاتجاه الذي يبشر به آرنولد في هجومه على الرومانسية الإنجليزية في القرن التاسع عشر. ثم بلوره ”ت . إ . هيوم“ في مطلع القرن العشرين حين أعلن أنه بعد مائة سنة من الرومانسية هلت تباشير الصحوة الكلاسيكية. تلك التي تختلف عن الروح الرومانسية اختلافا جوهريا. فبينما تؤمن الرومانسية أن الإنسان غير محدود القدرات يستطيع ان يحقق كل شئ عن طريق الخيال.

الكلاسيكية كما قال هيوم بأن (الإنسان حيوان ممتاز محدود القدرات ) (1) ويتجلى الفرق بين الروح الرومانسية. والروح الكلاسيكية. ومن أشهر رواد مدرسة النقد الموضوعي (ت. س. أليوت - كينت بروكس - جون كرو رانسوم)

المدرسة الشكلية :

لقد نشأت المدرسة الشكلية في روسيا في بداية القرن العشرين. و ازدهرت في العشرينات واستمرت حتى قضى عليها (ستالين). وقد ركز الشكليون على دراسة الشكل الأدبي والفني في انفصال تام عن المضمون. ونظروا الى المضمون باعتباره مجرد وسيلة لإبراز تشكيل فني معين. وقد أكد الشكليون على إنكار أن هناك قيمة جمالية مطلقة للعمل الفني. العمل الفني كنمط لغوي لديهم يتحدد توصيفه كفن و بالتالي قيمته الجمالية في علاقته بالأنماط اللغوية السائدة في عصر ما. فإذا اختلف عنها كان فنا. و إذا تشابه معها انتفت عنه صفة الفن. فوظيفة الفن لديهم كانت استخدام اللغة بطريقة جديدة بحيث يثير لدينا وعيا باللغة كلغة. ومن خلال هذا الوعي يتجدد بدلالات اللغة. هذا الوعي الذي تطمسه العادة والرتابة. ورغم تأكيد الشكلين على نسبية المعنى والقيمة. بل والتوصيف كفن. في العمل الفني لأنهم يتفقون مع مدرسة النقد الحديث في فصل العمل الفني. تماما من حيث القيمة والمعنى عن الواقع الإنساني ونفي أي إطار مرجعي له باستثناء إطار من نفس جنس العمل. أي التراث الأدبي عند (ت. س. أليوت) أو الأنماط اللغوية عند الشكليين ويمكن القول بأن الشكليين يشتركون مع (سويسير) وبعض أتباعه في اعتبار اللغة نظاما قائما بذاته. و منغلقا على نفسه. و منفصلا عن الواقع الفعلي للإنسان. و من أشهر رواد المدرسة الشكلية (فيكتور شلوفسكي - رومان جاكوبسون - يوري تينيانوف).

البنيوية أو( البنائية ):

البنيوية او البنائية هي مدرسة نقدية مستمدة من لفظة البنية. فالبنية هي نظام او نسق من المعقولية فهي صورة الشيء أو هيكلته أو وحدته المادية او التصميم الكلي الذي يربط أجزاءه. و بذلك فهي القانون الذي يفسر تكوين الشيء و معقوليته.

والبنيوية حملت في تكوينها منذ البداية بذور نظرية التفسير التاريخي والاجتماعي للأدب. وقد جاءت بتيارين من البنيوية (البنيوية الوظيفية الصورية) و (البنيوية التكوينية التوليدية)

فالبنيوية الوظيفية الصورية تتمثل في في نظرية (ياكوبسون) وأتباعه. وقد اعتمد (ياكوبسون) في نظرته الى العمل الفني على عنصري الوظيفة والبناء. مفسرا إياهما تفسيرا لغويا صرفا.

ويمكن القول بأن بذور البنيوية الأدبية بشقيها قد اتسعت من خلال ( البنيوية اللغوية ) التي أرسى قواعدها (سوسير) في أوائل هذا القرن. وقد حملت في طياتها بذور التيارين للبنيوية الأدبية. التيار الذي يحاول أن يجد في قوانين اللغة مطلقا يحل محل المطلق الذي انتفى من الوعي الإنساني.

وكذلك بذور التيار الذي يرفض المطلق ويبدأ من منطلق الفعل الإنساني في تفاعله مع الظرف البيئي التاريخي.

التفكيكية :

وهي أحدث النظريات الأدبية النقدية و تلخص في اتجاهاتها الإيجابية والسلبية وعي القرن العشرين بنسبية المعنى الكاملة و بخداع اللغة وسطوتها على الفكر و بأهمية الإنسان في إعطاء التفسير. و بتأثير الأيديولوجية على هم العالم والتعبير عنه وتفسيره. وكذلك بأهمية التحليل اللغوي الدقيق للمعاني والألفاظ وهي ترى في النص مركبا مصطنعا يفتقر بطبيعته الى أي قانون ثابت يحكم تفسيره. فكل تفسير للعمل الأدبي يمكن دحضه من داخل النص نفسه عن طريق التحليل وكشف مناطق الغموض واللبس والتورية والتناقض في استخدام الألفاظ وانتظام المعاني وأن النقد والتفسير إنشاءا خلافا يوازي ويساوي الخلق الفني. و أن كل تفسير للنص يمكن معارضته من داخل النص نفسه. فالنص يحمل داخله نصا آخر أو عددا من النصوص الداخلية أو المتلازمة التي يظهرها المفسر بحيث يناقض كل تفسير ما سبقه وأبرز رواد المدرسة التفكيكية (بول دي مان - ج. هيليس ميللر - جيفري هارتمان - هارولد بلوم)

السيمياء :

(علم مكرس لدراسة إنتاج المعنى في المجتمع وتعنى كذلك بعمليات الدلالة وعمليات الاتصال ication أي الوسائل التي بواسطتها تتولد المعاني ويجري تبادلها معا وتشمل مواضيعها شتى أنساق العلامة والكودات التي تعمل في المجتمع والرسائل الفعلية والنصوص التي تنتج من خلالها)(2)

فالنص أو العرض المسرحي في المفهوم السيميائي هو مجموعة من الرموز والدلالات التي هي بلورة أفكار ومعاني حداثوية من خلال مجموعة من العلامات التي تهدف إلى إيجاد مفهوم معين للنص والعرض المسرحي طالما توافرت فيهما أسس العملية الإبداعية

فالسيمياء أو السيميولوجيا أو السيميوطيقا تعني (علم او دراسة العلامات دراسة منظمة )(3) ويؤكد البعض على انها تتناول أنظمة العلامات بالنظر الى أسس دلالاتها وكيفية تفسيرها لها فيما يرى ”أمبرتو إيكو“ أنها تشمل كل أنظمة الاتصال النطقية وغير النطقية وبذلك يندرج الأدب بوصفه نظاما اتصاليا في قائمة الحقول التي تشتغل عليها السيمياء وينظر إلى النص الأدبي على أنه علامة جمالية. يصوغها نظام تشفيري وهذا ما دفع بارت إلى النظر الى النص الأدبي على انه شبكة من الشفرات ( تتيح للعلامات على الصفحة أن تقرأ كنص من نوع معين )(4) إن السيميائيين يرون أن الفهم الإنساني (يعتمد على الشفرات أو السنن فحيثما نستخلص معنى من حدث ما فذلك لأننا نمتلك نظاما فكريا أو شفرة تمكننا من القيام بذلك. فالبرق كان يفهم ذات يوم على انه علامة يصدرها كائن متسلط يعيش في الجبال أو في السماء. أما الآن فنفهمه على أنه ظاهرة كهربائية. لقد حلت شفرة علمية محل شفرة أسطورية)(5)

و بما أن سيمياء الأدب تعد دراسة تهتم بالشفرات فإنها تنفتح على الايديولوجية والبنى الاجتماعية - الاقتصادية - التحليل النفسي - الشعرية - نظرية الخطاب. و غيرها من النظريات والمناهج ذات الأهتمام المشترك. فيجب على المتتبع للنقد السيمياء أن يكون ملماً بالنظريات النقدية المعاصرة كمدرسة النقد الحديث "الموضوعي" والمدرسة الشكلية والبنيوية "البنائية " والتفكيكية. و أن النص طالما توافرت فيه البداية والوسط والنهاية فإنه يحتوي على الدال والمدلول وفي تكوينهما تظهر مجموعة كبيرة من العلامات.

النقد السيمياء من الاتجاهات النقدية المعاصرة. و كان لها الدور الكبير في إرساء القواعد والأسس العلاماتية العلمية السليمة في النقد الحديث.

المراجع

(1) ت . إ . هيوم (التأملات ) كتاب النقد الموضوعي – تأليف د. سمير سرحان ص 13– إصدار دائرة الشؤون الثقافية العامة بغداد 1990

(2) ايلام كير – كتاب سيميولوجيا المسرح والدراما – ترجمة رنيف كرم – طبعة 1 – ص 5 – إصدار المركز الثقافي العربي 1992

(3) نفس المصدر ص 248

(4) د.ميجان الرويلي – د.سعد البازعي – كتاب دليل الناقد الأدبي – الطبعة 2 – ص 106- إصدار المركز الثقافي العربي – بيروت 2000

(5) روبرت شولز – كتاب السيمياء والتأويل – ترجمة سعيد الغانمي ص185- اصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت


 

المسرحي العربي المعاصر

تاريخ آخر تحديث: الثلاثاء, 09 نيسان/أبريل 2019 11:44 الثلاثاء, 09 نيسان/أبريل 2019 11:38

المسرحي العربي المعاصر

بقلم الدكتورة نوال بنبراهيم

تسعى هذه المداخلة إلى قراءة بعض هذه التجارب والوقوف على مساهمتها في إحداث تغيير الفرجة المسرحية العربية المعاصرة من حيث علاقة النص المسرحي بالعرض ومن حيث أثر الأسلوب الإخراجي في تغيير الأبنية الفنية والجمالية.

وعليه، فقد واكب الشباب العربي تغييرات المسرح الغربي ومستجداته واقترحوا تجارب مسرحية قوبلت أحيانا بالتشجيع والحفاوة، وأحيانا أخرى بالرفض والإقصاء، منها: المسرح الوسائطي، المسرح السردي، مسرح المواقع الأثرية، مسرح الشارع، المسرح الاستيعادي…

لقد شكلت فترة الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي منعطفا فرجويا في المسرح العربي على مستوى التأليف وصناعة الفرجة من خلال الانفتاح على الفرجة التقليدية وتكييف تقنياتها مع الفن المسرحي. ونعيش حاليا منعطفا فرجويا آخر في السنوات الأخيرة مع بعض العروض التي تتميز بخاصية أساسية وهي عدم تركيزها على النص الدرامي من حيث هو وسيط يوجه الحدث المسرحي، بل يحضر كمادة تتفاعل مع فنون الإنجاز فوق الخشبة. لذلك قدمت دراماتورجيا بصرية موسومة بجمالية مكثفة. وأخرج المخرجون عروضا بصرية تعرض صورا لا نجد لها أجوبة جاهزة تعتمد على لغة الحوار البصري ولغة تداعي الأنساق البصرية في الفضاء، وتتجاوز القواعد المتعارف عليها لأنها تعتمد على الفنون المجاورة وتركز على الأداء.

لقد سطر المسرح العربي منعطفا فرجويا جديدا بفضل اجتهادات المبدعين على مستوى التأليف والإخراج والسينوغرافيا والأداء حيث ينقب عن طرائق بديلة لصناعة الفرجة. غير أن التجارب المتحدث عنها لا تختزل المسرح العربي المعاصر، بل هي جزء من توجهاته ومقارباته و حساسياته المتنوعة، لأننا نجد عروضا مسرحية متشبثة بالتصوّر المسرحي التقليدي، في حين ابتكرت عروض أخرى تصورات مختلفة ومقاربات تعتمد اختيارات أدائية وتقنية و وسائطية.

النص المسرحي وتحدياته

يبدو ذلك من خلال ابتعاد المسرح العربي المعاصر على الارتكاز على النص الدرامي بالشكل التقليدي وعلى فكرة ترجمة المخرج للنص على الخشبة، بل أصبحت الفرجة المسرحية منفتحة على كل الافتراضات انطلاقا من الانفتاح على فنون الأداء؛ الغناء والموسيقى والرقص والتشكيل… وانفتاحها كذلك على الوسائط الحديثة.

استثمرت المسرحيات الحكي بشكله المتقطع والمتشرذم وجعلته يذوب في حكايا غامضة حيث نجد حكاية داخل حكاية أخرى، أو حكاية تقابل أخرى وتناقضها لتترك المتفرج تائها بين أجزاء الحكايا المفككة حيث يتداخل الواقع والحلم وتجلياته، كما تقدم أحداثا جزئية ومفككة. لهذا لا نجد بداية و وسطا ونهاية بالمفهوم المتعارف عليه سابقا، كما يصعب الحديث عن شخصية بعينها داخل المسرحية، فكل شخصية لها رؤيتها الخاصة تدور في نطاقها تسرد حياتها ومعاناتها وتعبر عن حالة فردية، وإن كانت في بنيتها العميقة تحيل على شريحة كبيرة من الناس.

مارس مؤلفو هذه المسرحيات حرية في القفز من فضاء إلى آخر ومن زمان إلى آخر، فكل القفزات الفضائية والزمانية صارت ممكنة، وهو الأمر الذي سهل التلاقي والاستمرارية، حيث كانوا متأثرين بالسينما ومونتاجها، ومعتمدين على كولاجات تجمع الماضي بالحاضر، والخيالي بالواقعي، لأنها لا تبحث عن تركيب جمالي شامل، بل تراهن على التجزئة واجتهاد المتفرج في تلقي الإرساليات لأنها لا تقدم عملا مسرحيا متكاملا.

وعليه ظهر المسرح السردي مثلا “دموع بالكحول” و”خريف” لفرقة أنفاس، و”نزف” لفرقة مسرح لأجل سكان الجبال، و”شجر مرّ” لفرقة أفروديت، و”حادة” لفرقة دابا تياتر.

نجد في المسرح السردي سردا خاصا وحالة فردية حيث يسرد المؤدي حياته ومعاناته من أزمة معينة وحالة نفسية مثل نص “خريف” لفاطمة الهوري، غير أن هذه المعاناة قد توجد لدى شريحة كبيرة من الناس. إنه يحكي معاناة امرأة من مرض السرطان، ويكشف لنا يوميات مريضة؛ آلامها، أحزانها، نظرة الآخرين إليها، تشرذمها، وأحاسيسها الهشة. إن الحوار في هذا النص نقدي حيث لا نجد مفهوم الحوار لصالح الحدث، بل هو انتقاد للحدث لأنه مفتوح على مجموعة من السنن، فهو ذو طبيعة إخبارية وليس إيهاميا.

مسرح المونولوج حيث يكون الحوار بين الذات والذات، ذاكرة شخصية أو وساطة داخلية بين الشخصية وذكرياتها. والنص ليس نهائيا، بل يظل مفتوحا على أفكار جديدة ورؤى أخرى وفنون أخرى خاصة وأن التقنيات التكنولوجية تسمح بممارسة التقطيع والكولاج، والتفكيك وإعادة التركيب، فمثلا عرض “نزف” يحكي حكاية امرأة تعيش حياتها كنزيف ليس بمعناه البيولوجي بل الوجودي، فتصوّر مقاطع من حياتها وذكرياتها وتعتمد الانعكاس الذاتي وتوظيف الوسائط.

دراماتورجيا المتفرج تركز على حوار المتفرج، حيث تنظم حلقات نقاشية مع الجمهور حول موضوع معين، فيتمّ استدعاء الفنانين والممثلين والجمهور إلى نقاشه، وتكون أفكارها نقطة انطلاق العرض، مثلا تجربة فرقة دابا تياتر مع جواد السنني وفرقة أكواريوم مع نعيمة زيطان تنظمان حلقات نقاشية مستقلة حول محور معين مثلا “العنف”، تليها كتابة نصوص مسرحية.

الإخراج والنص في المسرح العربي المعاصر

تعاظم دور المخرج وسار يمارس نوعا من الحرية عندما دخل تجربة التأليف الثاني المعتمدة على مقارباته التقنية و البصرية والأدائية و الوسائطية بحيث لم يعد يكتف بعملية التنسيق بين مختلف الإنجازات التي تخص العرض، بل صار مبدعا يمارس التأليف أو الدراماتورجيا ابتداء من النص إلى الإنجاز لذلك صار يبحث عن نصوص إبداعية أخرى يعرضها إلى جانب النص المسرحي سواء كانت رواية، قصة، شعرا، موسيقى، تشكيلا، أو أداء.

المخرج الدراماتورج

لقد اعتمد العديد من المخرجين على نصوص معدة دراماتورجيا تتلاءم واللحظة التاريخية وأفق تلقي المتفرج المعاصر واختيارات المخرج. فأعطى المسرح المعاصر دفعة جديدة من المخرجين الدراماتورجيين، يعدّون حسب تصورهم نصوصا للدراما أو نصوصا ركحية لأنهم لا يراهنون على عروض تقدم نصوصا درامية، بل على عروض أدائية لا يشكل النص إلا جزءا بسيطا؛ حوارات قصيرة، شذرات، مونولوج، وسرد.

يستثمرون المسرح السردي الذي يوظف عدة حكايا، فيذوب المسرح في حكايا غامضة لا تتبع تسلسلا معينا بل تتقابل، تتعارض، حكاية داخل أخرى، ومسرحية صغيرة داخل أخرى. مثل “سكيزوفرينيا” هو نص معدّ عن شهادة لأم عزباء، و”فيول أون سين أيضا” إعداد دراماتورجي لمجموعة من الشهادات تعتمد على السرد حيث توجد عدة مونولوجات في العمل الواحد إذ لا تلتقي الشخصيات إلا في مواقف عابرة (Fugitivement)، لأن العرض يقترح عدة وجهات نظر حول الواقع، وحيث لا تبدو حكاية كل شخصية إلا من خلال تقاطع وجهات النظر هاته. تلغي هذه المونولوجات المواقف الدرامية واللحظات القوية، فهو ليس بالحوار ولا يشبه السرد، حيث أن المؤدي الذي يسرد يحيا ثانية (Revit) كلّ ما عاشه ويبرز وجهة نظره. قد تعتمد الحوارات لكنها تكون قصيرة تتلوها مونولوجات منسابة طويلة حيث يتحدث المؤدي إلى حدّ انقطاع التنفس (L’essoufflement) ودون أن يتوجه إلى متحدث.

أيضا يعرض عرض “تمارين في التسامح” عدة قصص أو عدة أحداث متشظية وغير مكتملة ولا يمكنها أن تلتحم. ارتكز المخرج في تكوين نص العرض على أخذ أجزاء من نص تمارين في التسامح لعبداللطيف اللعبي وبعض أشعاره أعدها الدراماتورج والمخرج محمود الشاهدي للخشبة فقدم مسرحية خاصة لم تعتمد على النص الأصلي كأساس، بل على كتابة ركحية جديدة تموضعت بين نص تمارين في التسامح وأشعار عبداللطيف اللعبي وبين الكتابة الدراماتورجية التي أصبح عليها النص فوق الخشبة حيث مارس المخرج نوعا من الحرية.

لقد حاول المخرجون التدخل في النص الأصلي بتفكيكه والاقتطاع منه والإضافة إليه والاستعاضة أحيانا كثيرة عن الكلمة بالفعل البصري (الأداء والصورة في نظام تداخلي) والتركيز على الموسيقى والجوقة وعلى الغناء من أجل التخلص من وطأة الكلمة وتفكيك الحوارات. إنها طريقة جديدة للحديث عن العالم المعاصر عبر تقديم معلومات سريعة ومجزّأة متأثرا بجمالية السينما وب (Zapping) والمسرح داخل المسرح وتقنية الاسترجاع.

المخرج والأداء

ابتعدت بعض العروض المسرحية العربية المعاصرة عن مفاهيم مثل الممثل النجم، الممثل والتقمص، الممثل والاندماج، لأن الاشتغال الأساسي لدى المخرج هو إيصال أفكار ومعان، إرساليات أو تأويلات خاصة. لهذا نجده أصبح يختار إما: ممثلين محترفين، أو يمزج بين الممثلين المحترفين وغير المحترفين، أو ممثلين شباب مبتدئين (مثلا عرض الزومبي من مصر اعتمد على الطلبة)، أو على مؤدين لم يسبق لهم أن مارسوا التمثيل مثل عرض أخذ الكلمة (Prise de parole) الذي استقدم مغنية قامت بالتمثيل لأول مرة، أو عرض “حومة” من تونس إخراج حافظ خليفة وتجسيد عناصر المدرسة الوطنية للسيرك الفني التابعة للمسرح الوطني، الذي وظف مؤدي السيرك وهو عرض حركي ومشهدي ارتكز على السيرك وعنى بطقوس وعادات الحياة الاجتماعية للمدينة العتيقة، أو على مؤدي الرقص في عرض المسرح الراقص التونسي “صالة” كوريغرافيا وإخراج عماد جمعة، ويحكي عن الفوضى واليأس والعنف وعن الأوضاع المعيشية بعد الثورة.

أنواع الأداء المعتمد

إن الحضور الجسدي للممثل من العناصر الأساسية في الأدائية، رغم أن الجسد غير حاضر على المستوى الحسي و الإيروتيكي والتشكيلي فحسب، إنه مكان لمعان عديدة جدا، إنه أساس لغة مفتوحة.

إذا كانت الحركة في العروض التقليدية تفسر الكلمة وتحاول جاهدة أن تكون طبيعية، فإنها في المسرح المعاصر تكون مفسرة للفعل. يركز المخرج على العمل الجماعي في الأداء من أجل أن يسلب المخرج الممثل النجومية، ويعتمد على الأداء التحويلي؛ بمعنى يقفز المؤدي من أسلوب أداء إلى أسلوب آخر، ومن فن إلى آخر، كوسيلة لإيصال الفكرة، فيتعدد اللعب والأداء من حركة و إيماءة ورقص وغناء و أكروبات، إلى بناء نظام تواصلي جديد مع الجمهور.

و يتعامل المخرج مع الممثل كوحدة تقنية؛ أولا: يطلب من الممثل أن يركز على أدائه وحضوره كجسد مؤدّ بدلا من التركيز على الدور أو الحالة النفسية. ويُخضع أداءه إلى تصوره (المخرج) الخاص فيقترح قطع الحركة المستمرة لمنع تدفقها والابتعاد عن الاندماج، إذ يبقى المؤدّي حاضرا بجسده واعيا به وواعيا بالأداء الذي يؤدّيه؛ يعي أنه منفصل عن النص وأنه يقترح بناء معنى.

وثانيا: يدمجه في الوسائط فيقطع أداءه ويطلب من الممثل وقفات مفاجئة تشكل بياضات سردية، ويمارس على أدائه التقطيع، بل أحيانا يكون هذا التقطيع أساس الأداء الذي يخضع لهندسة يمليها المخرج حتى يقوم بالمونتاج الذي يرغب فيه. إنه يتعامل مع المؤدي كنظام علامة، يمكن تركيبه مع أنظمة العلامات المختلفة الموجودة فوق الخشبة الفضاء والضوء والصورة والصوت، حيث كل هذه الأنظمة تضع المعنى.

وينزاح نظام العرض عن إرسال الكلمة بالطريقة التقليدية ويوظف جماليات صوتية لفظية خاصة، ويشتغل بالأصوات المتزامنة؛ الصمت، والتشويش، وأصوات من دون معنى، والصراخ. كما يشتغل بالمعالجة الإلكترونية من أجل تفخيم الإلقاء أو تكسيره أو تكراره مبتعدا عن الإلقاء التقليدي الذي يعتمد على الأسلوب الواقعي.

الإضاءة

يركز العرض المعاصر على الإضاءة من أجل خلق لغة سردية مختلفة، فيوظف المخرج كل القفزات الفضائية والزمانية، بحيث لم يعد محدودا في إكراهات الديكور التقليدي، مثلا يهتم المراني حسن في عرض “ليام أ ليام” بالإضاءة التفاعلية ويستعملها كصورة وإيقاع، فانتبه إلى اللون والسرعة والكثافة والشكل والسرد، و أثثت الإضاءة الفضاء.

إن اشتغاله على الإضاءة في مسرحيته يدخل في صميم العملية الدراماتورجية و الإخراجية، ذلك أنه اعتمد عليها بشكل كبير في التأثيث الجمالي والحسي والنفسي لخلق الأجواء المناسبة واستحضار الأحاسيس المرغوبة فيها لتعزيز القوة التشخيصية الصادقة عند الممثل وتفاعلهما المتبادل ومدى تأثيرهما على المتلقي. فبالإضافة إلى قطع الديكور يتشكل الفضاء من كابلات مضيئة بواسطة مستطيلين يتوسطهما فضاء ثالث. كما خلق فضاءات من الإضاءة تعتمد على شبكات من الخيوط الضوئية تتشكل كمقصورات ضوئية يتم اللعب بداخلها - وعلى الخصوص المشاهد المسترجعة - كأننا في رقعة للشطرنج و بيادقها الممثلون الذين يصنعون تشكيلات جمالية داخل الرقع المتكونة من الإضاءة وكذلك من عدة سجادات دائرية بيضاء اللون بحجم الشبكات الضوئية وعددها.

الإيقاع

من الملفت أن المخرج أصبح يركز على إيقاع الحركة والموسيقى والغناء والصورة أكثر من اهتمامه بإيقاع الكلمة لأنه يهتم بالنظم البصرية، مثلا استغل عرض “ترينكا” للمؤلف سعيد أبرنوص وإخراج أمين غوادة بمنهج الكوميديا ديلارتي، الأسلبة، و الغروتيسك الذي نهل آلياته من الإنسان المغربي بمنطقة الريف الذي يمتلك طريقة خاصة في السخرية والمبالغة، وينتبه للحركة و الإيماءة، بحيث يطلب من الممثل إيماءة بعينها، تكرار بعض الحركات أو الإيماءات فتصبح أساسا لاشتغاله و لإيقاع عرضه.

واعتمد المخرج على إيقاع الرقص في عرض “خريف” والاستغناء عن الكلمة في بعض المشاهد، فاستطاع خلق إيقاع مختلف وإنتاج مدلولات متعددة، الشيء ذاته في العرض المسرحي الراقص “صالة” من تونس.

ويركز على الإيقاع البصري، مثلا عرض “نزف” وظف جهازا مبرمجا أظهر الصور على الشاشة المتواجدة في يمين الخشبة بتقنية عالية جمعت بين الفيلم السينمائي والعاكس الثابت مع الممثلة فوق الخشبة فقدمت هذه الصور أحاسيس الشخصية، أفكارها، أحلامها، رؤاها، دواخلها، وصورت العالم الخارجي كما تراه الشخصية. حاولت أن تعكس ما يدور في ذهن الشخصية بشكل تقني خصه لنسق إيقاعي.

ثم يركز على إيقاع الموسيقى الذي يشكل جوهر عروض “اللعب” و “بين بين” و”أخذ الكلمة” (Prise de parole) لمحمود الشاهدي حيث هيمنت الموسيقى والغناء على الفعل والخشبة. ويبدو أن المخرج فكر في الموسيقى أولا قبل التفكير في عناصر الإنجاز الأخرى، فلعبت دورا أساسيا في تشكيل المعنى ولم تكن تابعة للإلقاء فحسب.

وأخيرا يمكن القول إن بعض عروض المسرح العربي المعاصر فتحت الأفق لوسيط جمالي مركب من اللغة الحرفية والصوتية والبصرية والسمعية والتشكيلية، ورصدت الحركة والصمت، وانتفت فيها المركزية والحدود الفاصلة للفنون: الموسيقى والرقص والتشكيل والكلمة، حيث أصبحت الحرية فعلا يمارس و شرطا أوليا في الإبداع والمعرفة.


 
 

قراءة في "كلاي" للروائي أحمد الكبيري

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 01 نيسان/أبريل 2019 18:05 الإثنين, 01 نيسان/أبريل 2019 17:56

مسار التحول إلى الإنسان الوحش في رواية "كلاي" للروائي أحمد الكبيري

بقلم القاص محمد غزلي

تعتبر كتابات الروائي المغربي أحمد الكبيري من النوع الذي يحتفي بالطبقات المدفونة في الهامش حيث الضجيج والبساطة، الصفيح والشوارع المكسرة، العشرة في غرفة واحدة والثلاثون على لائحة انتظار الدور لدخول المرحاض، التقشف والمجهول، أحلام الهجرة إلى باريس ولندن وروما وبرلين ومدينة الملائكة، الاكتظاظ والخبز الممزوج بالعرق والتراب والرمل، اللعب بالأعضاء الجنسية والعيش مع الأنواع بدون رغبة في العيش، القصص المتناسلة وذكريات الطفولة واللعب، الجنون والبؤس والبساطة والاقتتال مع اليومي.. الخ.

صدرت له ثلاث روايات، "مصابيح مطفأة"، و"أرصفة دافئة" و"مقابر مشتعلة" التي ترجمت في الآونة الأخيرة إلى اللغة الصينية.

في هذه الورقة، سأقدم قراءة سريعة لرواية "كلاي"، وسوف لن أحارب النقاد الذين يشهرون قواعدهم كمعاول يمكن أن تكون وسيلة للهدم، وبخاصة تلك التي تتعامل مع النص بصرامة شبيهة بمنظومة القواعد العسكرية قد تؤول تطبيقاتها على النص إلى إرباك فعل القراءة وتأخيره.

إن رواية تخبئ بين أوراقها متعة السرد والدراما والسخرية والتراث الشفوي ولعبة التشويق وتناسق الأصوات والمؤثرات التعبيرية  ووضوح مسارات الشخوص كرواية "كلاي" تجسيد مباشر لحضور قواعد السرد لكنها، بالمقابل، لا تغلق النوافذ في وجه تسلسل الأحداث بتلقائية متحررة من سلطة الرقيب، فثمة أشياء يجب أن تدخل مع الهواء عبر النافذة.

تبدأ الرواية بكلمة "شكرا"، قالها كلاي، واسمه الحقيقي عادل في إشارة إلى كونه يحاول تحقيق العدالة خارج إطار قانون القاضي الذي حكم عليه بالإعدام. قال "شكرا" ليرتاح من الحياة بعد جريمته التي ذهب ضحيتها صبية صغيرة اغتصبها وقتلها ضمن سلسلة جرائم أفلت منها قبل أن يسقط في النهاية.

تأتي التفاصيل في الرواية تعبيرا عن الأسباب التي تدخلت تدخلا قاتلا في تشكيل النفسية العدوانية لكلاي. إن أبشع صور القسوة هي الاغتصاب مع القتل، ولابد أن ثمة دوافع بشعة أدت إلى هذا السلوك العنيف.

ينطلق النص على وقع اغتصاب الطفولة، والنطق النهائي بحكم الإعدام والمطالبة برأس القاتل المغتصب والابتهاج بالعقوبة من قبل الجمهور. ولا أحد يبدي تعاطفا معه. الصحافة تكتب. النمامون يحكون قصص جرائمه الكثيرة. هكذا تتدفق الرواية، قصة وراء قصة وتتناسل عن كلاي، الشخصية المحورية في النص، الذي كان يعيش بألمانيا مع والديه حياة الترف، ووحده لون بشرته السوداء أشعره عنصرية الألمان.

وتتحدد معالم الجمال في الرواية بشكل أساسي من خلال التنويع في موضوعاتها والانتقال المترابط بين أحداثها في قالب لغوي لا يعترف بالبناء المنضبط الصارم ، كما لا يعترف بالبناء العشوائي البسيط، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فقد تأسست أحداث الرواية على  عنصر التسلسل بدءا بالطفولة المنكوبة للبطل إلى الطفولة المغتصبة للضحية منذٌ أن التقط كلاي قانون الاغتصاب وهو في سن بين الطفولة والمراهقة عندما شاهد، ذات مرة، الحداد يمارس الجنس على امرأة بطريقة حيوانية في الحمام الخرب وتحت التهديد. بقيت الحادثة عالقة بذاكرته يستلهم منها مشكِّلة النواة الأولى لمشروع سيطول من عمليات اغتصاب النساء لدرجة الإدمان، لا يفرق بين شابة ومتزوجة، بين عاهرة وعفيفة، في البيت، في الشارع، في أي مكان، لا يهم.

كما تعالج الرواية مشاكل عودة المهاجر المغربي من أوربا إلى المغرب، وهو ما يطرح إشكاليات العودة للعيش بمواصفات الهوية والانتماء للأصل المتخلف. في هذا السياق تسجل الرواية معاناة أبناء المهاجرين الذين ترعرعوا في الدول المتقدمة ثم وجدوا أنفسهم، لظروف معينة، مجبرين على التأقلم مع طريقة العيش في الدول المتخلفة: مشكل عقلية الأبناء الجديدة، اليتم الأبوي، العمل والاندماج من جديد في عالم متغير، مشكل اللغة.. الخ.

وسأحاول في يلي الوقوف على بعض الموضوعات التي تناولتها الرواية بشكل مقتضب مع تقديم قراءة سريعة لأهم أحداثها بما قد يمثل مفاتيح للدخول إلى عوالم الرواية:

1- قضية الانقلاب المعيشي

ففي لقطة ومشهد عميق ومؤثر يسخر السارد من الواقع الجديد بعد عودته من ألمانيا من خلال لعبة "بريولة" المغربية، التي تعتمد على إبعاد اللاعب لمؤخرته عن الخصوم. إنه الانتقال من اللعب المتطورة في ألمانيا إلى لعبة "احض كرك" في الوطن الأم. الرواية27.

- كلاي، اللقب الذي التصق بالشخصية المحورية للرواية من أول شجار من شجارات الصغر، يحيلنا على أسطورة الملاكمة العالمية الأمريكي الأسود  محمد علي كلاي، لكن هنا ستصنع منه الرواية مجرما خطيرا بدون عقل أحيانا. وقد لعب رفضه في المدرسة بحجة كبر سنه دورا مهما في ذلك . مما يضعنا أمام إشكالية الهدر المدرسي كدافع من دوافع الانحراف السلوكي. يلج البطل الصغير كلاي ورشة الميكانيك ليكون مثل العبد يسخره المختار ويمارس عليه سلطة الباطرون. ويشكل هذا المشهد نموذجا صارخا لضياع الطفولة وبراءتها ولعبها. لا شيء سوى السخرة وتعب الخدمة وإرادة الباطرون المتحكم. هذه الممارسات التي تدمر الإنسان وقد تصنع منه مجرما خطيرا مع تراكمات الصغر وأخطاء البشر.

- فضاء موبوء يتمثل في ورشة المختار "الخانزة"، لا ماء ولا كهرباء، لا مرحاض نظيف، المختار المعلم سكير داعر، بما يطرح مشكلة تأثير شخصية المربي في نفسية الطفل، وحدود مسؤولية المربي بالدرجة الأولى، ومدى تأثير الوسط التربوي لكلاي في هذه المدرسة/الورشة المتعفنة.

- قسوة المعلم الميكانيكي، الضرب، الخوف، الصغر، اليتم، تؤدي به إلى أن يغادر الورشة ويسب لمعلم. وهو حدث يؤسس لثورة "التلميذ" على "الأستاذ" المعلم. ثم يأتي للبيت ليسب أمه لأنها السبب في المشاكل بمغادرتها المانيا الحضارة إلى هذه الحفرة التي بات حلمه الوحيد أن يرحل منها مرة أخرى. يقول: "صعب أن تكون لك حياة سابقة في الجنة وبين عشية وضحاها تجد نفسك في الجحيم تنام في بلاد الحضارة والإنسانية وتستفيق في عالم الخرائب والحكرة". صفحة 37.

بالإضافة إلى ما سبق سجلت الرواية حضورا لبعض الظواهر الجديدة كظاهرة التربية على المبادئ المعكوسة، وظاهرة الميز بين ما هو أجنبي وبين ما هو محلي على المستوى الفردي الذي يحيل على بروزها كحالة جمعية عندما يحس كلاي بعنصرية رهيبة في فكر وثقافة أهل بلده لم يلمسها عند الأجانب والسياح الذين كان يترجم لهم كمرشد سياحي "مزيف".

حالة التذمر والتوتر والضغوط المتزايدة وحالة العيش المكهربة تضغط بثقلها على شخصية البطل فيدخل في قتال شرس ويجرح رأسه مع متحرش بأخته. قتال وشجار وانتقامات متبادلة وحرب عصابات يعيشها كلاي. وقائع  ستتراكم في نفسيته وستركب فيها أسئلة بسيطة ومعقدة تدفعه للتساؤل، في لحظة عذاب، عن معنى حياته ووجوده، وعن السبب الذي دفع أمه إلى الهجرة بهم من النعيم الأوربي إلى الجحيم المغربي. يقول: "ألم يكن بإمكانها أن تصبر حتى نكبر قليلا وبعدها لها كامل الحرية في أن تعود لبلدها أو تبقى معنا". تساؤل مشروع يعبر عن حدود تصرف رب الأسرة في مصير أبنائه، وهل يحق له التصرف كيفما شاء بحسب أهوائه، وقد يكون في تصرفه ضياع لمستقبلهم.

- اشتغل كلاي في مقلع الأحجار، وهي البؤرة التي تمثل نموذج يوميات المعذبين في الأرض بالنسبة للفتى الذي كان يعيش الحياة بأرض الأنوار فوجد نفسه يشتغل في عمل لا تطيقه حتى بغال البادية. وهنا تغوص الرواية في حقول البادية وتراثها الشفوي الحكائي فتضفي جمالية على تفاصيل ومشاهد وصور وحوارات ومشاعر البادية المغربية في علاقتها بالمدينة والعالم.

- في حوار كلاي مع الرجل القاسي الذي أراد أن يشتري منه الباكور صورة درامية للفلاح المغربي الذي يتعذب على منتوجه حتى ينضج وفي النهاية يحكم عليه السوق وأولاد السوق والأباطرة وقانون الشّناقة وسوق العملات والبورصة ببيع منتوجه بأبخس الأثمان، وذلك عندما ينفجر كلاي غاضبا: "هذي ساعة وأنت ترون ـ تدعس ـ في السلة حتى عجنتي دين أمها، ومعمر الكفة ديال الميزان حتى للفم، وفي الآخر باغي نص كيلو...؟ ". صفحة 89.

2- إشكالية العنف المادي

تعتبر ظاهرة العنف تيمة طاغية في رواية كلاي ، بحيث لا يخلو فصل من فصولها من هذا المكون الأسود، بما يدل على ضرورة وجوده لاستمرار الصراع كما لو أنه جزء لا يتجزأ من العالم الواقعي.

فمن خلال مجموعة من المشاهد يستطيع المتلقي اكتشاف أن العنف يولد العنف والاغتصاب والقتل. فكلاي دائما مسلح كأنه في حالة استنفار، وكأن الإنسان، وهو يحمل سلاحا، مهدد بالقتل في أي وقت. يضع في حزام سرواله سكينا. تحت وسادته سكينا. يسافر معه السكين. يخيم معه على ساحل البحر. السكين هنا لا رمزية له إلا العنف.

3- ظاهرة الحريك

تتحول الهجرة السرية إلى أوربا إلى مطلب شعبي ملحّ كما لو أن  البقاء في الوطن هو المصير الاسود. وهنا نتوقف عند موقف شخصية عمر، صديق كلاي الذي يقول: "إذا بقيت هنا إما سأقتل أو سأنتحر أو سأسجن" صفحة91. فقد حاول السارد، في الفصل الثاني عشر، أن  ينقل القارئ من حالة ترك المسافة القانونية بينه وبين البطل إلى حالة التأثر والتعاطف معه، كما لو كان كلاي هو الضحية وليس هو المجرم، من خلال برهة زمنية لها دلالاتها المأساوية استدعاها لتوضيب مشاهد الهجرة السرية وسرده لتفاصيل الحريك بين كلاي ورفيقه عمر.

وموازاة مع حالة التشرد المؤقت في شوارع ميلانو، سنشاهد بروز عنصر ظرفي ولدته الحالة الراهنة المتعثرة للبطل المغترب وإمكانية تكيف الكائن مع الوضعيات المأزقية التي تواجهه باستمرار، من خلال  تطرق الرواية لنوع جديد/قديم من التدين الذي يمكن تسميته بتدين المصلحة. ففي الفصل الثالث عشر تؤشر الرواية على توجه براغماتي لحركة التدين مرتبطة بالفائدة الشخصية التي يجنيها المتدين وليس لها علاقة بالجانب الروحي الإيماني للمقدس. نتوقف مع كلاي وعمر بعد وصولهما إلى ميلانو ومحاولتهما التخفي عن الشرطة، هنا سيلتحق كلاي، الذي لم يسجد سجدة واحدة في حياته، بالمسجد ليستفيد من الإيواء والأكل من أجل البحث عن منفد في المجتمع الجديد، ليس حبا للعبادة، التي كره سلوكيات المنتمين إليها، بقدر ما هو انتفاع من الخطاب الديني. إنه نموذج الشاب النافر من الدين بسبب تصرفات المتدنيين المتدنية لكنه قد يستغل الدين لتحقيق مصالحه إذا تطلب الأمر ذلك.

4- الجنس والسخرية

الجميل الممتع في كتابات الروائي أحمد الكبيري هو احتفاؤه بغريزة الجنس، ليس فقط على مستوى التشخيص والتصوير للعملية الممتعة، مع أهميتها في إثارة القارئ وجره إلى التهام الرواية عن آخرها، بل على مستوى التوظيف الفكاهي لهذه التيمة بما يخلق فسحة للترويح والضحك لديه، وأوضح مثال على ذلك نكتة المثقف ص174. وفي نفس السياق، خال كلاي وهو يرى أحدهم ينكح امرأة في إحدى الضيعات فيقول لكلاي: "اليوم سيكون شديد الحرارة". فيرد عليه: "سيكون قطعة من جهنم غير سير على اللَّه". صفحة 70. وفي لقطة مسرحية ساخرة تنطوي على إمكانية التقاء المقدس بالمدنس في انسجام وهدنة أبدية، نتوقف هنا عند الطريقة السريعة لسجود خال البطل وهو ينقر الأرض كنقرات الديك ولما انتهى من الصلاة قام ليسأل عن السبسي والمطوي (أدوات تستخدم لتدخين مسحوق مخدر القنب الهندي). انظر صفحة 84.

وفي لحظة قُبلة عابرة في الشارع العام، تقترح علينا الرواية مشهدا يعتبر في عرف الواقع مخلا بالحياء عندما يشتد شبق كلاي لقُبلة صديقته كاتي له، لينتصب عموده التناسلي مُشيِّدا خيمة كبيرة على سرواله في استغلال سافر للمِلك العمومي، خيمة أثارت فضول المغاربة، الذين لا يمكن أن تمر عليهم مثل هذه الصور دون أن يلتقطوها. إنها ثقافة الفضول والاكتشاف المرتبطة بأخلاقيات العيب والعار، بعكس العقلية الأوربية التي عاشها كلاي من قبل في ألمانيا.

إن استدعاء عنصر السخرية في الرواية يمنح النص قدرة هائلة على تطويع رغبة القارئ للتماهي مع النص، بل سيجد نفسه في كثير من اللقطات، من خلال رمزيتها وإحالاتها، متّهما رئيسيا بأحداثها، بما يشبه واقعة التلصص على خيمة خلاي.

- في الثلث الأخير من الرواية، عادة ما تُقرأ بشغف كبير، وبسرعة جنونية تريد أن تصل إلى النهاية مع ازدياد وتيرة التشويق فيها، لكن مع كلاي الأمر مختلف، كلما اتجهت نحو النهاية تتمنى لو طالت تفاصيلها أكثر، وكأنك في وضعية تذوق لوجبة لذيذة لا تريد لفصولها أن تنتهي !

5- غواية الجنس مقابل المال

في الفصل الثامن عشر، تصوير لسقوط الإنسان في حمأة الجنس خارج نطاق الحب لحاجته إلى المال عندما يصبح كلاي عامل جنس. "كلاي" مع "إيلينا" التي اتهمته باغتصابها فيما بعد، ستحوله إلى أجير متعة لديها شهورا مقابل المال الذي تعطيه إياه، بينما زوجته "باربارا" تعاني من غيابه على سريرها مما جعله يلفق الأكاذيب عندما بدأت تراودها الشكوك. سيهجر "إيلينا" التي لم يعجبها الهجر. سيتخاصمان وترتفع أصواتهما لينتقل الموقف إلى الضرب والعنف، فتتدخل الشرطة ويحكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهم منها العنف والاغتصاب.

بعد دخوله السجن، الذي يشبه فندقا في ألمانيا، في مشهد يرسخ جاهزية الشخصية النكوصية المعقدة  للسجن والجريمة والعنف والتوحش. وهناك سينخرط في العنف والعنف المضاد، وبالنهاية سيوقِّع التزاما للخروج من السجن ينص على أن يغادر ألمانيا إلى الأبد، فيعود إلى المغرب من جديد.

-تقدم الرواية شخصية كلاي بسمات تتلخص في أنه متمرد لا يلين، أسود مفتول، رياضي ملاكم مقاتل عنيف، يمارس الجنس بقوة، لا يقبل الأعمال المذلة ، يحاور بعضلاته ولكماته بشكل جيد، وساهمت الشروخ الذاتية والموضوعية للوسط في تدميره. وكمفارقة فإن اسمه الحقيقي "عادل" يحيل على محاولات الكائن لتطبيق العدالة بيده في وسط  أمني فوضوي تنعدم فيه سلطة القانون، تتحكم فيه نتائج حتمية وليدة سياسات وتوجهات وهندسة اجتماعية معينة وسلوكيات وظروف قاسية وظواهر مربكة. عادل "كلاي"، بعد تهجيره مرة أخرى إلى مدينة التهميش والحرمان والعنف وفوضى الشوارع سيندفع تلقائيا إلى اقتراف الإدمان والتحول إلى إنسان عنيف يضرب أخته وأمه لأن هذه الأخيرة، في تقديره، كانت سبب المشاكل كلها برحيلها من ألمانيا وعودتها إلى المغرب لينخرط، بالموازاة مع ذلك، في سلسلة جرائم واغتصابات لنساء من كل الأعمار وفي أي وقت، في كل الأمكنة، آخرها اختطاف واغتصاب وقتل طفلة في ربيعها الرابع لينتهي به المطاف إلى مقصلة الإعدام.

لقد برهن الكاتب الروائي المغربي أحمد الكبيري في روايته "كلاي" على إيقاع سردي يزخر بالتنوع من حيث اللغة واستثمار المثيرات الحيوية وسلطتها النفسية وتأثيرها على الشخوص، والاشتغال على اللقطات بحرفية مخرج سينمائي، والتوصيف الجمالي للجسد والفضاء والأوقات والمشاعر، والتوليد الحكائي بما أتاح لكل الشخصيات مشاركة منسجمة في شبكة العلاقات مع الشخصية المركزية في الرواية. ليس هناك شيء خارج النص. الأمر الذي سيعتقل القارئ من البداية وبمجرد ما أن يستطلع بداياتها سيتوغل في أعماقها، محكوما بأسئلتها وإحالاتها وقصصها وتداخل عوالمها الجمالية والفنية إلى ما بعد النهاية الرمزية للبطل، وبما يحمله الحكم عليه بالإعدام من موت  الضمير والهوية والتاريخ والانتماء للوطن، وموت الحاضر والمستقبل وإنسانية الإنسان، الإنسان المغربي الراهن على وجه خاص.

 
 

بؤساء فيكتور هوغو

السبت, 30 آذار/مارس 2019 19:33

عودة إلى بؤساء فيكتور هوغو

بقلم الكاتب السوري رياض معسعس

شاعران فرنسيان اثنان ملآ الدنيا و شغلا الناس: فيكتور هوغو وشارل بودلير. وقد ارتبط اسماهما بعملين أدبيين اثنين: «البؤساء» للأول (رواية)، و«أزهار الشر» للثاني ( ديوان شعر) ورغم أن فيكتور هوغو يعتبر الشاعر الأكبر في الأدب الفرنسي، إلا أن عمله الروائي فاق عمله الشعري شهرة وتداولا بين الناس. ومع أن روايته الأولى «أحدب نوتردام» الصادرة في باريس عام 1832 التي لاقت شهرة كبيرة، وتحولت الى أعمال سينمائية أكثر من مرة، غير أن «البؤساء» فاقتها شهرة و إصدارا، واعتبرها النقاد أفضل رواية عالمية بعد «دونكيشوت» لسيرفانتس. إذ قامت أكثر من دار نشر عالمية بإعادة إصدارها بطبعات مختلفة لعشرات المرات، وترجمت إلى معظم اللغات العالمية، ومثلت مسرحيا وسينمائيا أكثر من خمسين مرة (قام بتمثيل دور بطل الرواية جان فالجان مع كبار الممثلين نذكر منهم جان غابان، لينو فانتورا، جيرارد دوبارديو وسواهم).

صدرت الرواية لأول مرة في بروكسل (حيث مكان إقامة هوغو أثناء لجوئه في بلجيكا هربا من نابليون الثالث، الذي كان يعارضه سياسيا) في مارس/ آذار 1862 عن دار نشر ألبيرت لاكروا ( مقابل مبلغ قدره 240 ألف فرنك، أي ما يعادل نصف مليون يورو اليوم، وكان أكبر مبلغ يمكن أن يتقاضاه أديب على عمل أدبي، ويقال إن دار النشر التي طبعت أكثر من نصف مليون نسخة وملأت كل مخازنها، حققت أرباحا خيالية، بعد أن وقف المشترون في طوابير طويلة لشرائها لعدة أسابيع متواصلة، وقد قامت دار نشر بانيير الفرنسية بطباعتها بعد شهر من صدورها الأول، ونالت إقبالا منقطع النظير).

لابلياد أكبر دار نشر فرنسية وأرقاها، التي قامت بنشرها، قامت بدورها في عام 1951 بإصدارها مرة أخرى في طبعة أنيقة في فبراير/شباط الماضي بـ1824 صفحة لتضمها إلى أهم الإصدارات والأعمال الأدبية الفرنسية والعالمية، التي تنشرها وهذا آخر إصدار للرواية وليس الأخير.

بلغ حجم الرواية في بدايتها 3510 صفحات، لكن تم اختصارها في ما بعد إلى 1053 صفحة، واعتبرها النقاد متحف لوفر الأدب الفرنسي، ففيها نجد كل روائع فيكتور هوغو، إنها لغة الجوع والعطش والألم، الممثلة المسرحية الشهيرة وعشيقة هوغو خلال خمسين عاما جولييت درويه، وصفت الرواية بأنها خزانة مقدسة للمستقبل، وكل من يعبث بها سيلقى عقابا إلهيا. لكن لم يكن هذا رأي الجميع فمنافسه شارل بودلير، يمتدح العمل من جانب ويعتبر أن هوغو حاول أن يدعو للفضيلة بقالب أدبي، وهو لا يتقنها، وفي مستهل «أزهار الشر» ينظم بيتا شعريا ردا على «بؤساء» هوغو يتوجه فيه إلى باريس: «لقد أغرقتني بطينك وأنا سأصنع منه الذهب». أما غوستاف فلوبير الذي أخر إصدار روايته «سالامبو» كي لا تتزامن مع إصدار «البؤساء» وتقطع عليها طريق الشهرة قال: «هذا العمل خفض من مستوى هوغو العملاق». أما القائمون على غونكور اعتبروا أن فيكتور هوغو لم يكن على اطلاع كاف على حال البؤس والدعارة، التي كانت متفشية في فرنسا آنئذ، وأنه حاول أن يجني المال من عرق البؤساء. هوغو يرد على كل هؤلاء بالقول: «لقد كتبتها للجميع» وليقل كل منهم ما يقول. ففي إحدى قصائده التي ألهمته كتابة «البؤساء» يقول:

نعم، من هذه الهضبة وجوعها الرهيب

ملايين ذهبية لماعة

تزرع الدرب الصاعدة نحو القصور والتمجيد

لم يتوقف النقد على المستوى الأدبي، بل تعداه إلى المواقف السياسية للشاعر الكبير الذي تتضارب مع كتاباته، فعلى عكس أراغو ولامارتين اللذين دانا مشاهد العنف والقتل في أحداث ثورة 1848 كان هوغو واحدا من ثمانين نائبا في البرلمان، يؤيدون ضرب المتظاهرين والثائرين بالرصاص من قبل القوات الملكية، وكان عضوا في الأكاديمية الفرنسية. لكن نبوءة عشيقته جولييت تحققت فكل من انتقد هوغو طواه النسيان، وبقيت «البؤساء» تجوب الآفاق من الصين إلى أمريكا، ومن القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي لتكون المدخل الرئيسي للولوج إلى الأدب الفرنسي.

الرواية باختصار هي قصة جان فالجان، بطل الرواية الذي يسجن لمدة عقد من الزمن، بعد أن سرق رغيفا من مخبزة، لكنه لجرأته وقوته البدنية وإنقاذه أحد الفلاحين الذي سقط تحت عربة، يفرج عنه فيتوجه إلى منزل قريب يطلب الطعام، فوقع على بيت أحد رجال الدين الذي استضافه وأطعمه، لكن فالجان يغدر به ويسرق فضياته، فتعيده الشرطة بعد القبض عليه بوشاية من إحدى الراهبات إلى بيت الكاهن الذي ينقذه باعترافه بأنه هو الذي أعطاه الفضيات ولم يسرقها، كما ادعت الراهبة في الواقع، بل قال له لماذا نسيت أن تأخذ معك هذين الشمعدانين، فيفرج عنه ثانية ويصبح في ما بعد عمدة بلدية إحدى القرى، بعد أن بات رجلا صالحا يدافع عن المعوزين. وصادف أن بائعة هوى وهي أم لطفلة صغيرة اسمها كوزيت سقطت مريضة وهي على فراش الموت طلبت منه أن يرعى طفلتها التي تركتها لدى عائلة تدير خانا صغيرا كانت تبتزها ماليا، وتستخدم الطفلة كخادمة، فيقوم جان فالجان باستعادة الطفلة مقابل مبلغ من المال، ويقوم بتربيتها حتى باتت شابة جميلة يافعة في الوقت الذي اندلعت فيه ثورة 1848 وباتت باريس مسرحا للمواجهات بين المحتجين وقوات الجيش، وكانت مجموعة من الشباب قد انخرطت في المواجهات يترأسهم ماريوس أحد الشباب الارستقراطيين، الذي وقع في حب كوزيت وأصيب في المواجهات بطلق ناري، وتم إنقاذه من قبل جان فالجان وتهريبه عبر ممرات مجاري باريس. وبعد شفائه يقترن بعشيقته كوزيت. أما فالجان فيفارق الحياة بعد أن يترك ثروته للشابة كوزيت. توفي فيكتور هوغو في 1885 وتم دفنه في مقبرة العظماء بعد أن نظمت له مراسم جنائزية وطنية. لكن «البؤساء» ستبقى رواية متداولة جيلا بعد جيل درة أدبية لا تموت ولا يمكن تجاوزها.


 
 

Nicole Barrière دفاعا عن الشعر

الإثنين, 18 آذار/مارس 2019 11:30

كلمة الشاعرة الفرنسية نيكول باريير

Nicole Barrière

دفاعا عن الشعر



"أتمنى لكل شعراء بيت الشعر بالمغرب وشعراء العالم فرح الخيالات وفرح اللقاءات وفرح الإبداع في يوم الشعر، 21 مارس، اليوم العالمي للشعر."

هكذا، تنهي الشاعرة الفرنسية نيكول باريير Nicole Barrière كلمتها الهامة والعميقة التي خصّت بها بيت الشعر في المغرب بمناسبة

اليوم العالمي للشعر لهذه السنة.


ترجمة الكلمة بقلم: منير السرحاني و كمال التومي.


أن أعبر الحدود وأن أتحدث عن الشعر، يعني أن أسقط في شرك أفعال حركة ما قبل السفر، أفعال الحلم والمقاومة واللقاء.

فعل الحلم هو بُعْدُ طوباوية القصيدة والخروج من المنفى للانضمام إلى الإنسانية الكبرى كما يقول بذلك ناظم حكمت.

فعل المقاومة هو أن يكون الشاعر شاهدا بكلمات غير الكلمات التي تستعملها وسائل الإعلام الضخمة، وغير كلمات صيرورة تنميط الخطابات.

فعل اللقاء هو أن ينطلق الشاعر ليبلغ في مسيره أراضي الرجاء التي لا حدود لها، أن يشعر بالإنسانية التي ترتسم عند الفجوات، في قلب تلك الفروق التي تمثل في الآن ذاته مكان ومنبع أحلام جديدة التي على الجميع أن يبنيها ويشيّدها.

تأتي بعد ذلك أفعال المعرفة والمحبة والرعاية.

الشعر اختراق يقوم به المرء أحيانا لكي يبلغ المعرفة. يجب على المرء اختراق الأصل ويقوم بالترجمة، لأن الترجمة توجد في صلب معرفة الآخر وشعره. إنها تتيح التعرّف على حساسيات مُغايرة وثقافات مختلفة كما تمكّن من فهم روح شعوب أخرى. إنها الأداة الأساسية في كل ضروب اللقاء.

المحبة والرعاية، إنهما ما يتولّد من المعرفة. إن المحبة والرعاية بالنسبة إليّ هو نشر شعراء العالم، هو التعريف بنصوص شعراء معاصرين، نصوص نساء شاعرات وشعراء يكتبون بلغاتٍ تتكلمّها الأقليات.

فهذا الحوار هو أيضا أرحبُ لأنه بفضل حضور وإشعاع شعراء مغاربة، انفتح كل الفضاء المغاربي، الجزائر وتونس، وليس هذا فقط بل امتدّ ليصل إلى مصر وبلدان أخرى ناطقة بالعربية. إنّ هذا الانفتاح يمكّن من التعرّف على شعوبٍ أخرى وعلى رُؤى للعالم أخرى تفرض مراجعة التصورات والأفكار والحساسيات.

كل هذا يُساهم في البناء الجماعي للعالمية، بمعنى إرساء حوار الشعوب فيما بينها، إرساء نقاش حول المنافي، كل المنافي، المنافي الجماعية للمهجَّرين والمهاجرين واللاجئين، والمنافي الفردية لكل واحدة وواحد منا.

بواسطة بعض الأفعال ومداراتها، أعتقدُ أنه بإمكان المرء أن يحدّد ويعرف ما يكون عمل الشاعر. ذلك العمل الذي يُعطي معنى للشاعر ويعطي معنى لمسؤوليته. يُبنى هذا الأمر بشكلٍ فردي على الصفحة البيضاء وبشكل جماعي في اللاوعي الغامض للعالم.

الشعر، لِيَكُنْ، لكن ما جدوى الشعر؟ إننا نعيش في عالم من البلبلة وضياع المعنى، هذه البلبلة وضياع المعنى ليسا أقدارا مُقدرة بل نتائج للأصوليات كما يحددها الفيلسوف الأمريكي الأسود كورنيل ويست والتي تتلخص في: النزعة العسكرية العدوانية، والنزعة التسلطية، والأصولية الاقتصادية، والعدمية.

إن دور الشعر هو أن يعارض بواسطة الكلمات منابع ومفعولات تلك الأصوليات، لأن النزعة العسكرية العدوانية قبل أن تكون استراتيجية وتدخلا على أرض الواقع فهي خطاب، ودور الشعراء هو أن يدعموا الحياة وأن ينهضوا بها عبر الحوار والتسامح وأيضا في خِضم المقاومة من أجل صيانة وحماية الأسس الكونية للإنسانية.

إن دور الشعراء أيضا هو أن يفتحوا حقولَ تفكيرٍ أخرى، وأن يُبدعوا وجهاتِ نظرٍ أخرى لمواجهة تسلط الفكر الأوحد وهيمنته. يقول كورنيل ويست: «عندما ينتابني الحزن، أغني البلوز»، وهو يعطينا بذلك دروسا رائعة في الفن الأفرو-أمريكي.

تلك الدروس إنما هي دروس في الالتزام ودروس في فكر البلوز، أي ذلك الموقف الذي يسمح للمرء بأن يحيا: في وجه كل ضروب المعاناة والإهانات التي عاشتها الشعوب المضطهدة منذ زمن الاستعباد، هذا الموقف يرد بالمأساة الساخرة كما لو أنها حركة ساخرة تزدري كل النزعات السلطوية والأصولية والعنف. إن هذا الموقف يخاطبنا جميعا، وسط العولمة التي تشتغل بنشاط، إنه فكر قائم على الأمل، إنه فكرُ الحياة الذي يقاوم كل الاستراتيجيات المميتة للعولمة.

إنه فكر متمرد، هو ذا الشعر الذي تفتح قوته على منافذ حقيقة وفرح التحاب/الانجذاب كما يعرفه عبد الكبير الخطيبي: «علاقة تسامح تحققت، وعلاقة تعايش معا، بين الأجناس والحساسيات والأفكار والأديان والثقافات المتنوعة»، كعلاج للعدمية.


أتمنى لكل شعراء بيت الشعر بالمغرب وشعراء العالم فرح الخيالات وفرح اللقاءات وفرح الإبداع في يوم الشعر، 21 مارس، اليوم العالمي للشعر.

نيكول باريير

في 3 مارس 2019.

 
 

الصفحة 1 من 32

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com 
theatretafukt@gmail.com

GSM: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.