Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مواعيد فنية - ثقافية: برنامج الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 11:24
مسرح - الفنون الدرامية: فنانو الدراما بالمغرب بمجلس النواب - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:04
متابعات - تغطيات صحفية: بلاغ الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 29 نيسان/أبريل 2019 10:30
مواعيد فنية - ثقافية: موسم السينما الصينية بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 18:14
أخبار - منوعات - إصدارات : روائع الفن الانطباعي العالمي بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 13:09
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: فيلم المنتقمون: نهاية اللعبة - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:21
متابعات - تغطيات صحفية: بيتر بروك يفوز بجائزة أستورياس - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:06
بحوث - مقالات - دراسات: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 3) - الثلاثاء, 23 نيسان/أبريل 2019 19:14
مختارات - كتابات - مواضيع: اتجاهات نقدية معاصرة - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 09:40
مواعيد فنية - ثقافية: ندى الحاج ببيت الشعر في المغرب - الجمعة, 19 نيسان/أبريل 2019 11:09
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

عبد الصمد الكنفاوي.. حكاية نبوغ


نبذة عن حياة الكاتب المسرحي إبن العرائش عبد الصمد الكنفاوي



ولد عبد الصمد الكنفاوي يوم 13 أبريل 1928 بالعرائش، ونشأ في كنف جده في حي القصبة، وتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم في الكتاب ثم التحق بمدرسة فرنسية قرب البيت، فاجتاز المرحلة الابتدائية والثانوية بامتياز مما خول له الالتحاق “بكوليج” مولاي يوسف بالرباط، وعمل عبد الصمد في أول حياته كقيم على مكتبة، وبدأت ترتقي تطلعاته وتبرز مواهبه الفنية في التأليف والتمثيل. وهذا ما ساعد الكنفاوي على الالتحاق بالمعمورة للاستفادة من التداريب التي سهر عليها فرنسيون مثل نوران ولوكا اللذين أعجبا به وبموهبته واحتضناه؛ وهو ما جعل منه أول مدير لفرقة التمثيل التي مثلت المغرب سنة 1956 في مهرجان الأمم بباريس وحصلت على الجائزة الثانية.

ويوضح الباحث المسرحي عبد المولى الزياتي قائلا إن هذا التتويج لم يرض طموح الفنان عبد الصمد الكنفاوي، فاشتغل بالسلك الدبلوماسي ببوردو، فالتقى بالصحفية – دانييل - التي أصبحت في ما بعد زوجته، ثم انتقل للعمل كدبلوماسي في موسكو، فكان هاجس المسرح مرافقا له مما مكنه من تفتق موهبته على المسرح الغربي وعلى مختلف وسائل التعبير الحر من كتاب وصحافة و تلفزة مما أهله لتكثيف نشاطه على مستوى الكتابة وتنظيم المهرجانات الوطنية للهواة سنوات 72/73/74، فسمي رائد الحركة المسرحية بالمغرب، كما اعتبر من المؤسسين الأوائل لفن المسرح بالمغرب من حيث الترجمة والتأليف والاقتباس.

ويضيف الباحث المسرحي ذاته: لقد اهتم الكنفاوي بتأليف العديد من المسرحيات من أهمها: مسرحية (بوكتف) التي ساهمت في فضح وتعرية الواقع المغربي بمختلف شرائحه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ ومسرحية (مولا نوبة) التي مثلت صورة حية للحياة بالإدارة المغربية وما تعرفه من تدهور واستغلال النفوذ والرشوة، وطرحت ما يتعرض له المواطنون من ابتزاز بطريقة كاريكاتورية فجاءت صورة ناطقة معبرة تعكس ذاتية المؤلف، ومعايشته كمسؤول بالعديد من الإدارات مكنته من رسم شخوصه بدقة في كل أعماله المسرحية.

وما لبث عبد الصمد أن اشتد به مرض خبيث في آخر حياته، وأسدل الستار على فنان أفنى عمره خدمة للطبقة الكادحة مفتخرا أنه كان ينتمي إليها سنة 1976.



عبد الصمد الكنفاوي... النبوغ المسرحي المبكر

بقلم عزيز المجدوب


رغم إسهامات الرجل في تأسيس الحركة المسرحية المغربية، إذ يعد أحد روادها، فإن شخصية الراحل عبد الصمد الكنفاوي تقاطع فيها السياسي بالنقابي والدبلوماسي بالوظائف السامية، إلا أن بصمة "المبدع" ظلت حاضرة فيها، وانعكست فيها شخصيته المركبة والغنية. كانت العرائش هي المدينة التي شهدت ميلاد عبد الصمد الكنفاوي سنة  1928، وهي المدينة ذاتها التي سيتعلق بها قلب الأديب الفرنسي "جان جنيه" وسيختار ربوة بها، من دون ربى العالم، لتكون مستقرا سرمديا لجسده بعد أن أوصى بدفنه هناك.

أما الكنفاوي فقد احتضنت أزقة ودروب العرائش وحي القصبة، تحديدا، شغبه الطفولي وهناك تلقى مبادئ القراءة والكتابة وحفظ ما تيسر له من القرآن، قبل أن يلتحق بمدرسة فرنسية بالحي الذي نشأ فيه.كما وفرت العرائش، بعمقها الحضاري وعراقة حواريها وأزقتها، لعبد الصمد الكنفاوي ، مجالا خصبا تعرف فيه على التراث والفنون الشعبية، ومختلف الطقوس الاحتفالية التي كان يشهدها حي القصبة العريق والأحياء المجاورة له، والمتمثلة في "ليلات" كناوة وجيلالة وحمادشة والتي كانت زوايا المدينة وأضرحتها مسرحا لها.

ووسط هذه الأجواء، درج الطفل عبد الصمد على الاهتمام بالتراث والفنون الشعبية، وهو ما سيفسر إقباله خلال مراحل النضج على استعادة ما خزنته ذاكرته من صور ومشاهد وتعابير أعاد توظيفها في العديد من أعماله المسرحية وكتاباته في ما بعد.
خلال انتقاله إلى الرباط لمتابعة تعليمه الثانوي بعد التحاقه بثانوية "مولاي يوسف"، سيدخل عبد الصمد الكنفاوي مرحلة جديدة في حياته، خاصة بعد أن أبدى تفوقا ملحوظا على زملائه وأقرانه في الفصل، لكن تفوقه أتى بنتائج عكسية بالنسبة إليه، إذ تعرض للعديد من المضايقات على يد بعض الأساتذة الفرنسيين الذي كان يزعجهم ويغيظهم المتفوقون من التلاميذ المغاربة، ومنهم الكنفاوي الذي تمكن من الحصول على شهادة الباكالوريوس في القانون سنة 1951.

بعدها اشتغل الكنفاوي قيما على مكتبة الثانوية نفسها التي كان يدرس بها، وأتاحت له هذه الوظيفة تعميق مداركه في المجالات التي كان مهتما بها، إذ كان يقضي ساعات طويلة في المطالعة، وهو ما ساعده أيضا في تنمية مواهبه الفنية خاصة في مجال المسرح الذي كان يعشقه ويسيطر على كيانه.وكانت الفرصة الذهبية التي أتيحت لعبد الصمد الكنفاوي، هي الاستفادة من التداريب التي احتضنها مركز "المعمورة" بداية الخمسينات، وكانت تتم تحت إشراف فرنسيين هما "نوران" و"لوكا" اللذان انتبها إلى موهبة الكنفاوي وتعلقه الخاص بالمسرح، فنميا فيه تلك الموهبة.

وبفضل التدريب الذي تلقاه عبد الصمد الكنفاوي ب"محترف معمورة"، كانت له القدرة على الإشراف، رفقة صديقه الطاهر واعزيز، على التدريب التأسيسي لأول فرقة مغربية محترفة مثلت المغرب سنة 1956 في مهرجان "الأمم" بباريس وحصلت على الرتبة الثانية عن طريق مسرحية "الشطابة".وخلال الفترة نفسها التحق عبد الصمد الكنفاوي، بالسلك الديبلوماسي مسؤولا في قنصلية المغرب في بوردو، وبعدها بسنتين ملحقا ثقافيا في سفارة المغرب بالعاصمة الفرنسية، إضافة إلى مهام ديبلوماسية أخرى بستراسبورغ وموسكو.

ولم تحل انشغالات الكنفاوي الديبلوماسية والنقابية والحكومية، في ما بعد، دون مواصلته الاهتمام بالمسرح وكل ما يتصل به، بل وسع دائرة اهتماماته الثقافية لتشمل مجالات أخرى منها انكبابه على جمع الأمثال الشعبية وإعداد الكلمات المتقاطعة التي كان يتفنن في إنجازها ونظم الشعر، فضلا عن التأليف المسرحي والترجمة والاقتباس من المسرحيات العالمية، بشكل فردي أو ضمن محترفات جماعية رفقة العديد من رفاقه منهم أندري فوازان والطاهر واعزيز وأحمد الطيب العلج.

ورغم اضطلاع  الكنفاوي بوظائف سامية وحكومية، منها تمثيله الحكومة المغربية في مؤتمر منظمة العمل الدولية في جنيف، فإنه في بداية الستينات سينحاز بشكل مثير للطبقات الكادحة، وسينخرط في صفوف العمل النقابي،  بداية بإشرافه على مدارس التكوين النقابي التابعة للاتحاد المغربي للشغل، كما سيشغل منصب المستشار التقني لوفد العمال بالمنظمة الدولية بين سنتي 62 و70، فضلا عن تمثيله للاتحاد المغربي للشغل بكل من الفيتنام والصين وكوبا والاتحاد السوفياتي وتشيكوسلوفاكيا، وكذا لدى اتحاد النقابات العالمي.

أما عن مهامه الحكومية فقد شغل الكنفاوي بداية السبعينات منصب مفتش وزارة الشغل والشؤون الاجتماعية والشباب، كما عين أمينا عاما للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى حين وفاته يوم 31 مارس 1976.
ووسط زحمة هذه الانشغالات استطاع الكنفاوي الحفاظ على شخصية المبدع والفنان الكامنة فيه، وتجلى ذلك في ظهور العديد من أعماله المسرحية المؤلفة  أو المترجمة أو المقتبسة، والتي ضمّنها آراءه ووجهات نظره تجاه ما يعتمل في المجتمع المغربي، كما وجه من خلالها نقدا لاذعا لكل مظاهر الظلم الاجتماعي والفساد والرشوة والنفاق.
 

انبثاق الشكل وميلاد الحدث المسرحي

بيتر برووك

انبثاق الشكل وميلاد الحدث المسرحي


"علينا أن نقوم بعمل يشبه وخز الشرايين بالأمر" بيتر بروك

بقلم : علي كامل (ايلاف)

إن انبثاق الشكل وميلاد الحدث المسرحي هما العنصران الجوهريان لبنية أي عرض مسرحي، ففي تناغمهما واستجابة أحدهما للآخر، يجسدان وحدة العناصر الفنية والتقنية والفلسفية للفكرة المراد عرضها على خشبة المسرح. هاتان المعضلتان كانتا موضوع تجارب وأبحاث المخرج المسرحي البريطاني بيتر برووك منذ أربعينات القرن الماضي وحتى وقتنا الراهن، وقد تجلت حلولهما في كتبه الثلاث: "المساحة الفارغة" 1968 و "نقطة التحول" 1987 و"ليس هناك من أسرار- أفكار حول التمثيل والمسرح" 1993، وأيضاً في كتابه الأخير "الباب المفتوح" 2004، كذلك في رؤاه المتناثرة في طيات لقاءات ومقالات متفرقة هنا وهناك، تلك التي أصبحت جميعاً مراجع أساسية للمختصين في هذا الميدان الرحب، من ممثلين يواجهون جمهورهم كل مساء، ومخرجين عثروا فيها على مفاتيح لأسئلتهم المستعصية، شرعت أمامهم الأبواب نحو المطلق المحسوس لولوج أسرار هذا الطقس المقدس الذي هو: المسـرح.

"الحدث المسرحي" وفق رؤية بيتر برووك، هو أحد أهم عناصر تجسيد العرض المسرحي، فهو لا يولد كما "الشكل" فقط عبر التمرينات على خشبة المسرح، إنما يجتاز تلك المرحلة ليعبر إلى الضفة الأخرى، وأعني بها القاعة التي يجلس فيها الجمهور، لكي يستكمل فترة تكوينه الجنيني عبر التفاعل ما بين المتفرج والممثل والطاقة المسرحية. هذا التفاعل الذي يفضي بدوره إلى نتيجة تشبه الى حد ما، النتائج العلمية لعملية الاحتراق، تلك التي تنتج عنصر الضوء في المصباح الكهربائي.. وميلاد الضوء هنا هو ميلاد الحدث. وخلافاً لذلك، لن يحدث أي شيء على الإطلاق!.

 

ولأجل العثور على حدث حقيقي، حسب برووك، لا يكفي أن يكون ذلك الحدث محاكياً لحدث ما يجري في الحياة، حيث الكثير من الأحداث اليومية في معظم الأحيان تتوقف عن أن تكون أحداثاً حقيقية، ولذا فقد ابتكر برووك مصطلحاً سمّـاه "المسرح المُهلك" أو بتعبير أكثر دقة (اللا - حدث) تمييزاً له عن الحدث الحقيقي، والذي هو بمثابة الخطوات الأولى التمهيدية للكشف عن الحدث ذاته. إن شكوكية برووك بعدم مصداقية ولا حقيقية الكثير من الأحداث التي تجري في الحياة وخطورة نقلها إلى خشبة المسرح مصدرها أن الكثير من تلك الأحداث تفتقر إلى الحرارة والحيوية ويجري محاكاتها بطريقة آلية على المسرح، ومع ذلك، وعلى الرغم من وجود اشتراطات عديدة في كل عرض مسرحي تفترض ميلاد ذلك الحدث، إلا أنه غالباً ما لا يحدث أي شيء! ولا شيء يدنو من الهدف، تماماً مثلما هو الحال في الحياة ذاتها، فثمة الكثير من اللقاءات التي تجري بين الناس هي ليست بلقاءات، وليس بمقدورها أن تنتج حدثاً. وتسويغ ندرة الأحداث الحقيقية تلك يرجعه برووك لأفتقارها إلى التفاعل الذي ينتج عملية الاحتـراق. ولأجل إضاءة هذه النقطة يورد برووك مثالاً على ذلك بقوله: (.. ذهبت امرأة إنكليزية مرةً لأحدى العرافات لتقرأ لها طالعها، فبعد أن تأملت العرافة تلك المرأة وتسللت الى مخابئها ومواطن أسرارها، أخبرتها بحذر واحتراس قائلة: "شيء واحد فقط أود قوله لك، وهو أنه لن يحدث أي شيء في حياتك.. لا شيء على الإطلاق!!!"... وقد كان وقع ذلك على تلك المرأة قاسٍ ورهيب!..).

ولتوضيح ماهية عملية التفاعل تلك التي تنتج الحدث الحقيقي، يجري برووك نوعاً من التماهي بينها وبين عملية التفاعل العلمية.. يقول: "دعنا نأخذ ظاهرة الانفجار كمثال. فلو مزجنا، وفقاً لمواصفات علمية دقيقة، عدداً محدداً من العناصر فإن التفاعل الذي سيتم بينها هو الذي سيُحدث حتماً عملية الانفجار تلك. لكن، إذا إتحدّت تلك العناصر نفسها، بطريقة مغايرة، فإننا في هذه الحال لم نفعل أي شي على الإطلاق!" انطلاقاً من هذا المثال، يؤكد برووك على ضرورة وجود شرطين جوهريين يتطلبهما ميلاد الحدث، أولهما، عملية الانفجار، أي، جملة التغييرات التي تطرأ على درجات الحرارة، التي تنشأ عبر المواجهة أو التماس بين طاقتين، أو بين قطبين. أما الشرط الثاني فهو، إن عملية التماس في حد ذاتها تقوم بتوليد "الفعل"، والفعل هنا يحمل أهمية استثنائية بسبب مغزاه، وهذا الفعل هو الذي يطلق عليه بروك تسمية "الحدث الحقيقي. بمعنى، إن التماس بين هاتين الطاقتين هو أشبه بذلك التماس الذي يحدث بين المتفرج والممثل، ومع ذلك، فإن المسألة ليست بهذه الآلية أو هذا التبسيط، فهي في الواقع أكثر تعقيدا ًوصعوبة من ذلك. ولشرح هذه العملية يسوق لنا برووك مثالاً آخراً بسيطاً من ميدان الفيزياء، ألا وهوعنصر الضـوء، قائلاً: "حين يتلامس قطبا مصباح كربوني، تحدث تغييرات في درجات الحرارة، وهذه التغييرات الحاصلة هي التي تنتج عملية الاحتراق.


أما المحصلة النهائية والمدهشة، فهي ميـلاد الضـوء !.. هذا المخطط البياني هو شبيه إلى درجة كبيرة بذلك المخطط الذي يوّلد الحدث.." وحين ننقل هذه المعادلة من ميدان الفيزياء إلى ميدان المسرح، فإننا سنعثر على ذات القطبين الأساسيين، ألا وهما المتفرج من جهة، والممثل من جهة الأخرى، فكلا القطبين يمثل مصادر عديدة ومتنوعة للطاقة، إلا إن مصادر الطاقة تلك، وقبيل تفاعلها، تكون في حالة من التجزئة والتشتت، وتفتقر إلى التمركز والكثافة. بمعنى آخر، إن وحدات الطاقة التي يختزنها الممثل نفسه، تكون منفصلة، وهذا بدوره، يعكس حالة الانفصال بين طاقته المشتتة من جهة، وطاقات جميع أعضاء الفريق التمثيلي معه، والتي لم تتبلور أو تتكشف بعد، من جهة أخرى. في المقابل، إذا انتقلنا إلى الضفة الأخرى، وأعني القاعة "الجمهور" نجد أن طاقة الجمهور هي الأخرى مشتتة، وحجم الطاقات هنا هو بحجم عدد المتفرجين في القاعة بالطبع. فكل طاقة مخزونة في كل متفرج على انفراد، تكون في حالة منفصلة ومشتتة ذاتياً، من جهة، وهي منفصلة موضوعيا عن مصادر الطاقة الأخرى، تلك المتمثلة ببقية المتفرجين. أي أن هذه الطاقة الكبرى (الجمهور)، هي غير مكثفة وغير متمركزة بعد، فهي تتدفق وتتبدد على انفراد، وبشكل مستقل بعضها عن بعض، دون وحدة أو تناغم. يشّبه برووك حالة الجمهور هذه بحالة المصباح الكربوني الذي يفتقر إلى الكثافة. فكل وحدة من الجمهور، وهي هنا المتفرج الواحد، هي عبارة عن طاقة مستقلة، أو وحدة من الطاقة الكلية التي هي (الجمهور)، غير قادرة لوحدها أن تكون سبباً للكثافة بسبب أنها لم تتمركز بعد.

وهكذا، يصل برووك إلى استنتاج مفاده هو أن الحدث يظهر فقط حين تتناغم كل واحدة من هذه الآلات المنفردة وبشكل هرموني، وبعدها، سنحتاج إلى تحرير تلك الذبذبة المنفردة وتسريبها إلى القاعة ليحدث شيء ما. إلا أن هذه الذبذبة ستواجه ألف قيثار وقيثار، كل يعزف على حدة، دون تناغم أو توتر موحـّد. إذا انتقلنا من القاعة إلى خشبة المسرح، حيث الممثلين، فإننا سنواجه ذات الحالة. لذا فإن الخطوة الأولى لبدء العرض المسرحي تتطلب، قبل كل شيء، تجميع وتكثيف لتلك الطاقات المشتتة للمتفرجين، والتي هي تباعاً، تعكس الطاقات المشتتة للممثلين. إن وضع الممثلين في حالة مواجهة مع المتفرجين، هي غير كافية لميلاد الحدثن ذلك إن الأفعال ذاتها يمكن أن تجري على مستويات متباينة من حيث الشدة والكثافة، وهذه هي إحدى الحقائق الجوهرية في المسـرح. فإذا ما تضاءلت أو تشتت تلك الشدة وتلك الكثافة، فلن يحدث في المقابل أي شيء على الإطلاق!..

نـو اليابانـي ولأجل حل هذه المعضلة الخطيرة في المسرح، يتجه برووك إلى دراسة أحد أهم مصادر المسرح الأساسية، كأسلوب عرض مسرحي نموذجي، ألا وهو مسرح "نـو" الياباني، محللاً مراحله الرئيسية الثلاث، تلك التي يتم عبرها ميلاد الحدث المسرحي. وهذه المراحل هي بالشكل التالي وعلى التعاقب: (JO-HA-KYU)

(البدء من الحس صعوداً إلى العقل) إن المرحلة الأولى (JO) تمثل البداية أو الاستهلال، والتي تنحصر وظيفتها الأساسية في شد انتباه المتفرج حالاً وبصورة مباشرة. وتتطلب هذه المرحلة استخدام الشكل المباشر والبساطة المتناهية، مع الأخذ بعين الأعتبار، المستويات الإدراكية والحسية المتباينة لطبيعة الجمهور. وهنا يسوق برووك مثالاً على تطبيقاته لهذه المرحلة من عرضه الشهير للملحمة الدينية الهندية (المهابهاراتا)* حيث يقول: (... لو إن أحداً ما عرض هذه الملحمة بشكل معقد وبمستوى عال جداً يتلائم وأعمال الآلهة، فإنه يكون قد عالج عملاً طقسياً روحياً عظيماً. لكن عملاً يبتدء بكيفية كهذه، كيفية تفتقر إلى البساطة والمباشرة، سيكون نصيبه من النجاح ضئيل جداً، بل أستطيع القول أن من الصعب جداً إنجاز عمل كهذا. لو كان العرض مكرساً لجمهور هندي مثلاً، وهو المطّلع على تفاصيل هذه الملحمة سلفاً، لكان الأمر أهون، أما إذا قـدّم العرض إلى جمهور فرنسي أو غربي، وهذا ما قمنا به، فالمسألة هي أشبه بمجازفة بليدة. أعني، إن المتفرج الهندي يمتلك عنصر الاستعداد والتهيئة لمواجهة أحداث الملحمة، ومن ثم التفاعل معها دون حدود، أما متفرجنا، فعلينا أولاً أن نخلق لديه ذلك الاستعداد. ولذا، فإن الطريقة التي استخدمناها لخلق ذلك الاستعداد، كان مصدرها مسرح "النـو" الياباني، الذي كان يمارس روح الدعابة المحضة والشعبية، لخلق ذلك الاستعداد. وهكذ فقد ابتدأنا ملحمتنا بالراوي، وبأسلوب القص الشعبي، حيث يقوم ذلك الراوي برواية تكوين الخلية التناسلية وعوامل الإخصاب!. إن هذا الإسلوب الذي اتبعناه، منح المتفرج فسحة من الاسترخاء، مالبث ولفترة قصيرة أن اصطدم بالمفاجئة التي ستمسك بتلابيـبه. الاسترخاء ثم الصدمة. هذا هو أسلوبنا الذي استخدمناه في الملحمة وقد استخدمناه أيضاً في عرض "مؤتمر الطيور"**، والذي ابتدأناه هو الآخر بمزحـة!.

الاسترخاء الذي توّلده تلك المزحة، والمفاجئة التي تتسلل ذبذبتها بسرعة أحدثتا نوعاً من التهديد المصحوب بالخوف عند الجمهور، أثار فيه إحساساً بالتـّرقب لاحتمال حدوث فعل مقدس ومهيب. وهذا ما كنا خططنا له منذ البدء ونجحنا فيه في النهاية..). المرحلة (JO) تعني بالنسبة لبروك، الدعابة المحضة، شيء ما يخاطب وجدان المتفرج وينأى به عن عقله، وهي الخطوة الأولى لوضع الطعم في السنارة.. وهذه المقدمة في رأيه، تسهم في إنتاج حدث صغير، صغير جداً. لذا فهو كثيراً ما ينصح المخرجين بعدم إغفال أو الاستهانة بممارسة وتطبيق هذه المرحلة، والتي تعني البدء من الحس صعوداً الى العقل، وليس العكس. وخلافاً لذلك سيكون العرض مملاً ومضجراً. هذه البساطة المتناهية والمباشرة في التخاطب ستشّيد جسراً يتيح للمتفرج والممثل، على حد سواء، العبور من خلاله إلى الضفة الأخرى، وبالعكس. شيء يشبه خطوات الراقصين، أو حسب تعبير برووك: (.. شيء يشبه لعبة التنس.. المتفرج سيُرجع الكرة التي ناولها له الممثل، وبالعكس. بدون هذه البداية في خلق التماس، لا يمكننا الذهاب أبعد.).

حسناً، إذا كانت وظيفة (JO) تتمحور في شد انتباه المتفرج واشراكه في مجرى العرض المسرحي، فما هي ياترى، الأساليب والطرائق التي تسهم في تحقيق هذه المرحلة؟ يعتقد برووك إن الأدوات والأساليب كثيرة ومتعددة وليس من الضروري تقنينها وتحديدها. وهكذا يمكن استخدام أي شيء، وكل شيء، شرط أن يتضمن عناصر كالدهشة والبساطة والمرح، وأن يكون ذلك الشيء مليئاً كلياً بالطاقة. ويورد برووك بعض تلك الأساليب دون حصر، مثل الأسلوب الساخر الذكي، والشكل الكاريكاتوري، الذي يمكن استعارة عنصر الإثارة فيه من ميدان السيرك أو الكوميديا الموسيقية أو حتى الرقص المجازي!. الشيء الجوهري عند برووك هو إظهار القدرة المادية لعنصر المشاركة، بشكل مباشر وتدريجي وفي آن، ما بين جسد المتفرج وقلبه ورأسه!. يقول برووك : (.. لو أننا قدمنا مسرحية "هملت" وكنا منذ البدء قد استخدمنا أسلوباً يلامس عقل المتفرج وليس مشاعره، فسوف يفقد العرض المسرحي، ومنذ البداية، مغزاه وهدفه، وبالتالي سيتلاشى ذلك التماس الحقيقي بوجودنا كله، ويقيناً سيواجه المتفرج صعوبات جمة في التناغم مع العرض). إن إحراز النجاح في إنجاز مرحلة (JO) سينشىء حالة نوعية من التناغم والإصغاء، فيها تتدفق وحدات هائلة من الطاقة الإنفعالية، شيء ما يشبه انتقال وحدة من الطاقة، وبشكل مفاجىء، إلى خزان الطاقة المركزية.

(بعث الحيوية في روح العرض) هذه النتيجة ستنقلنا بسيولة ونعومة إلى المرحلة الثانية (HA) وذلك عبر حاجز الصوت، أي الانتقال من طور التمهيد إلى طور الأسطورة، إلى القصة المروية ذاتها. وهذه المرحلة هي المرحلة الوسطى، مرحلة النمو والتغير والتفتت والانتشار. وهي تشكل خطوة أكثر تعقيداً وعمقاً في مسرح " نـو" الياباني، وهي تكاد تشبه القفزة الفجائية، لكنها ليست حركة معوقة لحالة المخاض التي سيولد عبرها الجنين الذي هو (الحدث).

 

في هذه المرحلة يحّذر برووك من خطورة كبرى، وهي احتمال أن تفقد الثيمة حيويتها، أو من الممكن أيضاً أن يكون تفسيرها غير صائب. وإذا ما حدث هذا، فسينهار كل شيء، وعلينا البدء من جديد. أما الخطورة الأخرى، فهي إمكانية إنقطاع الصلة بين المتفرج والممثل "حتى ولو لبرهة " عندها سنضطر إلى العودة ثانية إلى البدء، أي إلى المرحلة JO)!. على هذا المستوى، يرى برووك أن ثمة نقطة ساحرة ومدهشة يمكن أن تحدث في حالة نجاحنا في الاحتفاظ بتلك الصلة حتى النهاية، ألا وهي أننا سنشهد ذلك الرباط المقدس بين المسرح كانعكاس للحياة، وبين الواقع اليومي ذاته، تلك الصلة التي تربط بين عالمين، عالم المخيلة وعالم الواقع!. وعودة إلى مثال برووك ومصباحه الكربوني، فإن ما يحدث على خشبة المسرح هو إن رقعة المكان تأخذ في الاتساع والتمدد بدرجة أكبر تصل حد التضخم، عندها يبدأ الإشعاع في إنتاج الطاقة الكهربائية أو المسرحية. وهنا يحذر برووك من الوقوف طويلاً عند ذلك المستوى من الاتساع والتضخم، أي أن على حركة التمدد تلك أن تتراجع لتخلي المكان إلى عملية الانكماش. بكلمة أخرى، لو أننا ذهبنا بعيداً جداً مع إحدى تلك الحركات، التمدد أو الانكماش، فإننا بذلك سنضل الطريق، ونضطر حينها إلى التقهقر نحو الوراء باتجاه المرحلة الأولى (JO) ثانية. بمعنى، إننا سنحرق الكربون، وبعدها لن يعود ثمة وجود لشيء اسمه الضوء.. إن وظيفة هذه الحركات في الواقع هو إقامة الصلة بين هدفين، أحدهما ذاتي والآخر موضوعي. وبروك يعثر على رديف لتلك الحركات في عالم السينما، في حركات الكاميرا السينمائية: لقطات المتابعة، اللقطات المتوسطة، واللقطات الكبيرة والكبيرة جداً "كلوز ، وكلوز آب".

كذلك يعثر على وجوه لها في بنية شكسبير لنصوصه المسرحية، وفي ذات الوقت يجد لها قريناً في سياق البعد البريشتي، ذلك الذي يمنح المتفرج القدرة على استرجاع خطوة إلى الوراء، لغرض إدراك الفعل في سياقه الإجتماعي والسياسي والإنساني الكوني. ويعثر أيضاً على مرادفات لذلك بتلك الحركات المتنقلة بين هدفين عند راقص السيرك، الذي يثير الضحك بحركاته البهلوانية الساخرة، والذي يثب بشكل مفاجىء منتقلاً إلى الاتجاه المضاد، كأن يحيل نفسه وبشكل حاد مثلاً إلى وحش مفزع. برووك يشير هنا إلى وجود عدد هائل من أساليب التعبير عن هذه النقلة، سيكولوجية وغير سيكولوجية.. إن هذا التباين بين هذين الهدفين "القطبين" يظهر بجلاء في المرحلة (HA)، وهي نقطة انتقال تتسم بطابع الاستمرارية، وهي نقطة غنية وخصبة تتغذى على تناوب وجهات النظر، تلك التي تسهم عملياً، في بعث الحيوية بروح العرض المسرحي. في هذه المرحلة يتم تكثيف وتمركز كل شيء وبشكل مفاجىء، وبالتالي يمكننا أن نشق طريقنا بيسر صوب المرحلة الأخيرة (KYU)، والتي تعني النهاية، السرعة، الذروة، الباريكسيزم أو النوبة الحادة.

(لقاء الممثل والمتفرج، هو بمثابة لقاء بين عاشقين) يرى برووك إن هذه اللحظة المفعمة بالطاقة، يمكن تحقيقها في بعض الأحيان، ليس عبر الصوت فقط، بل عن طريق الصمت، والصمت المطلق!. يقول: (.. لا شيء يستطيع أن يعكس هذه المراحل المتباينة، بشكل أكثر سطوعاً، مثل ما تفعله الدرجات المتباينة للصمت: الصمت الإعتيادي، الصمت الأكثر إنفعالاً، الصمت الذي يمكن قطعه بسكين!.). مضيفاً في مكان آخر: (.. ومن المحتمل تحقيق تلك اللحظة المفعمة بالطاقة أيضاً، عبر موجة الغضب، غضب الجمهور!. ومن المحتمل جداً أن المتفرج، وهو في طريقه للعبور إلى الضفة الأخرى "خشبة المسرح"، يتحول هو بدوره إلى ممثل!..). إن تماس المتفرج والممثل، هنا في هذه المرحلة الأخيرة، يشبهه بروك بلقاء عاشقين:(.. الأرض تتفجر، وبعدها فجأة، يشعر الواحد، أن كل شيء جائز وممكن!.). في هذه المرحلة بالذات، أي (KYU) يولد الجنين أو (الحدث)، أما ماسبقه من مراحل، فما هو سوى حالة من الاستعدادات أو شعلة الفتيلة، أو شيء يمكن أن نطلق عليه (الحدث الثانوي). وهكذا، وبعدها وبشكل مفاجىء، تحدث عملية الاحتراق. أي، أن ثمة شيء ما ينطبع أوينقش بعمق في إحساس ووجدان المتفرج. في ملحمة مهابهاراتا، يسأل الشاب الشاعر: لماذا كتبت هذه القصيدة؟ يجيبه الشاعر قائلاً: "كي تنطبع الفضيلة في قلوب البشر!".

هذا المقطع لوحده، مثلاً، يعتبره برووك غير قادر على توليد الحدث، وهو ليس أكثر من مجرد انطباع، قائلاً: (.. لكننا لو نجحنا في إحداث عملية الاحتراق، وهي لحظة ميلاد الضوء، عندذاك فقط، يمكن أن تنطبع الفضيلة في قلوب البشر!..). يعتقد المخرج الياباني Zeami، إن الانفصال إلى هذه المراحل الثلاث (JO-HA-KYU)، لا يقتصر فقط على العرض المسرحي، بل يمكن تطبيقه أيضاً على كل جملة مفيدة ملفوظة، كل لحظة، كل خطوة، وكل كلمة. وهكذا، وعبر هذه العلاقة الجدلية بين المراحل الثلاث، عبر هذه التجربة المشتركة، بين المتفرج والممثل والطاقة المسرحية، تنبثق لدى المتفرج حالة إدراكية نوعية لتمييز الحدث، تساعده على الغوص عميقاً لسبر أسراره، متابعاً إياه باتجاهات سيره صوب تلك التخوم التي يتلاشى عندها ذلك الخط الوهمي الذي يفصل ما بين المخيلة والواقع اليومي...

(العبور إلى الضفة الأخرى) دعونا الآن نعبر إلى الضفة الأخرى لنطلّ على ما يدور على خشبة المسرح، ولنرى برووك وهو يعمل مع ممثليه أثناء التمرينات. إن مايفعله بيتر برووك هنا، بل يكاد يكون جوهر عمله مع الممثل هو (الارتجـال Improvisation) سعياً منه، في الجوهر، إلى تفجير "الحدث الحقيقي". فهو يقول: (.. الارتجال على المسرح هو عنصر فانتازي لا يمكن الاستغناء عنه مطلقاً، فهو يّعلم ويكشف عن الطاقات والفعاليات الخصبة لأولئك الممثلين الذين يبحثون عن الدرجات القصوى للحرية في عملهم، لكن ممارسة هذا العنصر دون مران وضبط ودقة ومراقبة وصرامة، ستكون نتيجته صفراً، أي، لا شيء على الاطلاق. وهذا الأمر، يشبه إلى حد بعيد، بحثنا عن الحدث، دون وجود إدراك كامل لمغزى وحقيقة اللا- حدث. لذا فإن الشيء الجوهري والإلزامي في ميدان الارتجال، هو وجود إدراك غني وممتلىء بالواقع، وبخطورة أي شيء يحدث أمامنا.الارتجال وجب أن يكون نشاط بحث يدار من قبل شخص يسعى في محاولة منه إلى تفجير طاقاته الكسلى. يمكن، بالطبع، أن يكون الواحد في حالة من الهمود المطلق واللافعالية، رغم هياجه و عنف وقوة حركته وتنقله على المسرح. بمعنى آخر، يتعين على الممثل أن يؤدي دوره ضمن حلقة العلاقة مع شريكه الممثل الآخر، تماماً كما في لعبة التنس، الممثل يرى شريكه ويلامسه عبر الفعل الذي يؤديانه معاً، ووجب على كل منهما أن يستجيب للآخر.

أما العناصر التي تخلق ذلك التماس فمركزها الجسد والقلب والروح. إنه نوع من الطقس، يشبه إلى حد ما، تلك المجاميع من الشعراء اليابانيين الذين يرتجلون القصائد الواحد تلو الآخر، في جو ينطوي على المخيلة، وعلى الحاسة الموسيقية وعلى الروح والفطنة والموهبة!. ولهذا السبب، على الارتجال أن يمركز نفسه حول أكثر الأشكال الفنية صرامة ودقة، كالرقص أو الموسيقى الكلاسيكية.. الخ..). الحرية التي يمنحها برووك لممثليه في بدء التمرينات على المسرحية وعبر عملية الارتجال، تولـّد لديهم إدراكاً لمشاكل وأسرار العمل، وذلك عبر التشذيب المتزايد لخاصية التوسع وحرية التعبير عن المشاعر والأفكار، وحسن إصغاء الممثل لشريكه الآخر، لدرجة تصبح تلك الحرية، وبشكل تدريجي، قاعدة استثنائية للانضباط والصرامة مع النفس والعمل ككل. بعدها، وفي غضون أي عرض مسرحي، يستطيع الممثل أن يرتجل بالحد الأدنى أو الأقصى. وكل ذلك يتوقف على المعالجة والرؤية المسرحية للموضوع. المسألة الجوهرية هنا، هي تكثيف الطاقة وإعاقة إنتشارها وتشتتها عند الممثلين.

 

مرة أخرى يعطينا برووك مثالاً من اليابان فيما يتعلق بممارسة الارتجال وتحقيقه بشكل صائب. فهو يشبّه الممثل الذي يسعى لتعّلم هذا الدرس في الارتجال بمّعلم التدريب الياباني لفن الرماية. وبهذا الصدد يقول: (.. إن الرامي يكون في حالة ارتجال، في كل مرة يسحب قوسه ويطلق. والحدث الجديد والحقيقي يولد فقط، حين يصيب السهم هدفه!. فلو أن الرامي ارتجل بطريقة غير متقنة، طريقة تفتقد إلى الحساسية، فإن الحدث سيختل ويكبو، مثلما يحدث للممثل حين يفقد اتجاهاته أو كلمات دوره، كلاهما يفتقر إلى عنصر جوهري، كل صغيرة فيه، تشبه إلى حد ما، الشيء العلمي اللانهائي بدقته وحساسيته.. ربما نستطيع أن نطلق عليه في ميداننا، بعنصر الرشاقة المصحوبة بالتركيز. وهكذا، بارتجال بارع ورشاقة محددة، يستطيع الرامي أن يطلق ويصيب هدفه ولو بعينين مغلقتين.). سأتوقف هنا عن متابعة عنصر الارتجال حيث سأتعرض له في مكان آخر ضمن سياق موضوعة انبثاق الشكل المسرحي. إن الجوهري بالنسبة لبرووك فيما يتعلق باستخدام كل هذه الأساليب والطرائق، هو البحث عن تلك التأثيرات التي تشد انتباه المتفرج أو تشتته. لذا فإن الفكرة التي تعتبر الحدث هو كل شيء هي فكرة ناقصة! فالحدث عند برووك، على العكس من ذلك تماماً، هو لا شيء في البدء، ولايُفترض سلفاً على الإطلاق.. كل شيء سيولد بالتدريج.. الشيء المفاجىء وغير المتوقع، هو أخذ العناصر من الحياة نفسها ومحاولة تحريرها من الابتذال والعادية وكل أنواع الضجر. محاولة بث النشاط في تلك العناصر من جديد وإعطائها ألوانها وضياءها مرة أخرى.

كل هذه العوامل تشكل العصب الرئيسي في خلق الحدث، وشد انتباه المتفرج، وبالتالي مشاركته الفعلية في سير ذلك الحدث حتى النهاية. حين يقول برووك إن الحدث هو لا شيء في البدء، يستخدم بدلاً عنه تعبير اللا- حدث، الذي يعني، سلسلة من الاشتراطات والمعايير المحددة علمياً، كخطوات أولى أو رسم بياني لميلاد الحدث، ذلك الحدث الذي يمكنه محاكاة الحياة، فقط حين يحتوي على حرارة الحياة نفسها!. كل شيء في المسرح عند برووك يتخذ شكلاً اختزالياً وسرمدياً، متجهاً برؤاه على الدوام صوب النواة والمركز في الحياة. وقد كتب مرة: (.. المسرح هو شيء سرمدي.. أما الموت فهو ليس سوى مظهره الخارجي أو قشرته..). إن مركز النشاط الإبداعي لبيتر برووك هو التجديد والابتكار، فهو يعتقد إن على رجل المسرح أن يمتلك شيء من صفات الصحفي أو مصمم الأزياء، فكلاهما يخضعان لقانون التجديد، وعملهما يتطلب على الدوام عنصر الإرضاء والإغواء، وإلا تعرّض ذلك العمل إلى البلى والتمزق. فلأجل أن يصبح رجل المسرح جاداً، ينصحه برووك أن يعرف كيف يكون لعوباً!.

هامش: * المهابهاراتا: الملحمة الدينية الهندية، قدمها بيتر برووك عام 1985 في أحد مقالع الحجارة بالقرب من مدينة أفيسنون الفرنسية مع فريق تمثيلي متعدد الأعراق والثقافات، واستغرق عرضها مدة تسع ساعات وأعيد العرض ثانية في مانشستر عام 1989..

** مؤتمر الطيور: قدمّ برووك هذا العرض هو وفرقته التابعة إلى المركز العالمي المسرحي ومقره باريس عام 1989 في جولة لبعض الدول الأفريقية وفي الهواء الطلق، ومن بعد عرضت المسرحية في باريس وضواحيها. المسرحية مرتجلة، وكانت معمولة تحت تأثيرات مسرح القسوة (أنتونين آرتو). عنوان المسرحية يوحي أن برووك كان قد قصد به "المخيلة المشتركة لثقافة الشعوب"..

مراجع: (1)The Empty Space, The Shifting Point,There Are No Secrets, Peter Brook. (2) Peter Brook and The Mahabharata by Yoshi Oida. (3) Peter Brook and Tradition Thought b Basarab Nicolescu. (4) Peter Brook and The Mahabharata by Yoshi Oida. (5) On the Art of NO Drama by J. Thomas Rimer Yamazaki Masakazu.

 
 

عطش المغرب العميق في السينما


"عصر المعجزات" للمخرج الحسين الشكيري.

عطش المغرب العميق



بقلم محمد بنعزيز


في قرية بأعالي الأطلس، حيث السرد الشفوي مصدر التسلية الوحيدة، تروي الأم لابنتها قصص الأنبياء. خاصة قصة عطش إسماعيل وأمه هاجر وانبثاق  نبع

زمزم من الحجر. لكن قبل ذلك تقلب الأم نعليها في باب البيت. هذا سر لا تعرفه الأجيال الصاعدة.

هكذا تبدأ أحداث فيلم "عصر المعجزات" من إخراج الحسين الشكيري، وبطولة كوثر غزول، كبيرة البردوز وعمر الطالبي. وقد عرض في الدورة الخامسة

لمهرجان إيسني نورغ للفيلم الأمازيغي دورة أكتوبر 2011.

عادة عندما أقبل على مشاهدة فيلم قصير أطرح افتراضين، الأول أن يقدم الفيلم بحثا جماليا او موضوعاتيا أو هما معا. الثاني أن يكون ذلك البحث موفقا، أن يكون

بحثا مثمرا، مدهشا، يحمل لمسة تعكس وجهة نظر مخرجه.

ليس من السهل العثور على هذا خاصة في الأفلام الأمازيغية التي طبعتها نمطية الفيسيدي، وفيها تمثيل جله كليشيهات وحوارات طويلة وقصص ملفقة بالفلاش

باك والأحلام والجنون... مع الاعتراف طبعا بدور أفلام الفيسيدي على مستويين، الأول أنها قدمت لساكنة المنطقة، خاصة في الجبال، صورة عن واقعها بلغتها

الأم. على المستوى الثاني وفرت للكثير من الشبان فرصة الاحتكاك المبكر بالكاميرا وجهاز المونتاج وتقنيات التصوير، بشكل تطبيقي، وهو ما لم يتوفر للشبان

في مدن مغربية كثيرة.

الآن يجب أن ترتفع السينما الأمازيغية إلى مستوى المرحلة. والعمل الذي نتناوله خطوة نحو الأفق المرغوب.

في هذا الفيلم القصير الذي يمتد 23 دقيقة، بنى السينارسيت عبد النبي الدحيم عالما متكاملا بعدد قليل جدا من الشخصيات، وبما أن السيناريو - وهو القطعة

الأرضية التي يبنى عليها الفيلم - قد كتب بمهارة فقد مكن ذلك المخرج من إضافة لمسته الخاصة، من تقديم تفسير مُرضي للنص.

ذلك أن للمخرج صلة بالمكان الذي يصوره بقرب شديد، صحيح أن الحسين الشكيري قد ولد وعاش في بلجيكا، لكن والده ينحدر من قرى الجنوب، لهذا يحمل في

روحه هواجس المنطقة التي ينحدر منها... وبهذا الإحساس نتتبع في الفيلم نظرة المخرج القلقة على تيمة الماء والشجر، على الجذور التي انطلق منها والده

ليتغرّب في أوروبا...

المكان هو بطل الفيلم، مكان يجف، والشخصيات فيه تتدهور معه عاجزة... تتحمل شظف العيش والعطش في أرض محجوجرة... فيلم له بعد توثيقي لنمط العيش

القروي، فيلم بأثر السحر يمر سريعا دون أن يشبع منه المتفرج، يساهم في تحميل المتخيل الجمعي في  الثقافة الأمازيغية من الشفوي إلى الصورة. ليفهم الجيل

الشاب لماذا قلبت الأم نعلها قبل أن تبدأ الحكي. حسب تفسير جدتي، فعلت الأم ذلك لتحمي البيت من اللصوص، ومن كل شر، وهكذا تصير الأسطورة في خدمة

الأمن.

شر نراه بعين طفلة بريئة يجثم عليها واقع اقتصادي ساحق. طفلة لا تصدق تطمينات أمها بأن والدها سيعود... أقرب ملاذ للأسرة هو الطريق التي تغري

بالرحيل... الطفلة يامنة تكره الرحيل، تكره أن تُجتث من جذورها وتنتظر معجزة لتنقذها...

تجلس على هضبة قرب الطريق، تراقب مرور السيارات، أحيانا يتوقف أبناء المدن المدللين للاستراحة فيتراشقون بالماء. يلعبون لعبة زمزم دون عاشوراء، ماء

معبأ ويبذرونه... لا يخجلون من أنفسهم، من فرط الأنانية لا يحسون بغيرهم.

تبنى المخرج وجهة نظر الطفلة القلقة من رحيل والدها وهي تتأمل مرتع طفولتها يَيْبسُ... تقارن بوجع، تراقب أولئك المدللين من موقع مرتفع، مكانيا وأخلاقيا.

واضح أن الماء متوفر في المغرب، لكن توزيعه غير عادل. تمس لا عدالة توزيع الثروة كل شيء، حتى الضوء، فأعمدة التيار الكهربائي تظهر في خلفية

الصورة، لكن الأم تحكي لابنتها على ضوء الشمع.

يرحل والد يامنة إلى المدينة من منطقة تفرغ من سكانها، يهجرها الذكور القادرين على العمل. مع هذه الهجرة الخارجية والداخلية، يفرغ المغرب العميق من

رجاله، تبقى النساء ويصير مجتمع القرية أميسيا، وهو ما حصل في الفيلم، بقيت الام والإبنة والشجرة الشامخة. شجر الأركان لا يعوض الرجال.

ترك الأب ابنته وزوجته في ظل الأركانة العطشى، وهي مصدر زيت ورعي وحطب وظل وهوية، فهي بمثابة الجدة، كاتمة أسرار الطفلة التي بقيت في المغرب

العميق، مغرب يعطش ولابد له من معجزة. والمعجزة المأمولة أن يأتي ملاك يضرب الأرض المحجوجرة بجناحه لينبجس الماء وتشرب الأسرة المهجورة من نبع

صاف.

وفرت جغرافية المكان مواقع مختلفة للكاميرا لتطل على فضاء شاسع جعل عمق الكادر جذابا... ومن على تلك الهضبة، مازالت يامنة تنتظر بكبرياء... وقد قدم

موقع التصوير إضافة كبيرة للفيلم. فبفضل روبيراج ذكي جرى التصوير في ديكور يوفر متعة للعين. جرى تقديم المكان بشكل ممنهج، فنحن لا نتعرف عليه دفعة

واحدة، بل نكتشف تفاصيله على مراحل...

وقد بدأ الفيلم بلقطة دامت عدة دقائق دون أن ترْمش الكاميرا... بذلك أعلن المخرج أسلوبه الذي قدم صورا مؤثرة في لقطات مشهدية plans séquences تم الحصول عليها بفضل تنظيم جيد لحركة الممثلين أمام الكاميرا، سواء في العمق أو في المرور العرْضي... وقد جرى استخدام سلم لقطات متنوع مع غلبة اللقطات المتوسطة plan de demi ensemble (PDE)، وهي تعرض المشهد دون تفاصيله، لكن تظهر الشخصية ضمن الديكور الذي تتحرك فيه. وقد استخدم المخرج الحسين الشكيري اللقطات الكبيرة grand  plan  باقتصاد لأنها تقصي الديكور من الشاشة، وبذلك تمنح الكاميرا المتفرج الإحساس بأنه يعيش داخل الأحداث وفضائها معا.

ولزيادة درجة انغماس المتفرج في واقعية الفيلم، تم توظيف المؤثرات الصوتية في لحظات التوتر. وهكذا نسمع الغنم تثغوا ونسمع صراخ طفل يرفع إيقاع اندماج

الطفلة في قصة النبي التي سمعتها من أمها... حينها تجد يامنة الحل، تقرر أن تنجب طفلا من أجله سينبجس الماء من الصخرة تحت الأركانة الشامخة...

تتناص قصة يامنة مع قصة إسماعيل فتتكشف المرجعية الدينية لسرد. وقد استخدمت التشابهات كوسيلة لعرض وتكثيف موضوع الفيلم. ففي القصة القديمة يهجر

إبراهيم الخليل زوجته وابنه بأمر إلهي. بسبب الحاجة للماء تجري هاجر بين الصفا والمروة سبع مرات فينبجس نبع زمزم. في فيلم "زمن المعجزات" رحل

لأسباب اقتصادية. رحل حزينا دون أن يردد دعاء إبراهيم الخليل " رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ". لذا تجري يامنة بين الحجر قرب الأركانة

وتتوهم أن طفلا يصرخ حولها، يستنجد بها من العطش، لكن الطبيعة لا ترحم، والماء لا ينبجس من الصخر... لا معجزة تنقذ المغرب العميق من العطش... هذه

هي الحقيقة المرة، زمن المعجزات ولى. لكن الفن السابع يستعيدها ليمنحنا أفقا لنستمر في العيش...

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

 
 

افتتاحية مهرجان مراكش الدولي للفيلم 2015


افتتاحية مهرجان مراكش الدولي للفيلم 2015




صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد

رئيس مؤسسة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش

يكرم المهرجان الدولي للفيلم بمراكش في دورته الخامسة عشرة السينما الكندية التي تعد من التجارب الغنية و القوية بمواهبها و تنوعها رغم حداثتها.

ويندرج هذا التكريم، مثل سابقيه، في صلب هوية المهرجان، الذي يرمز إلى لحظة استثنائية تلتقي وتتحاور من خلالها مختلف الثقافات جاعلة من السينما لغة كونية.

إن تجديد هذا الحوار كل سنة بين المواهب والكفاءات في مدينة عتيقة كمراكش، و التقاء مختلف المبدعين في مجال الفن السابع، ليجعلنا نسجل بكل فخر واعتزاز دور المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، الذي أضحى في الواقع، قبلة لصناع السينما وطنيا و دوليا، من أجل رسم معالم سينما الغد، علاوة على أن المملكة المغربية باتت تشكل الوجهة المفضلة لاستضافة الإنتاجات السينمائية الكبرى عبر العالم.

و سيضل المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، فضاءا لتفاعل الحلم والفن والالتزام المواطن. فقد مكن منذ سنوات، من انصهار السينما بالإنسانية، عبر برمجته الغنية و المتنوعة، من تكريمات، و سينما المدارس، أو دروس السينما، أو السينما بالوصف السمعي لفائدة المكفوفين وضعاف البصر، ثم العروض بساحة جامع الفنا التي تعد تراثا ثقافيا للإنسانية جمعاء.

ففي وقت يثير فيه العالم وأحداثه الرهيبة قلقا منقطع النظير، فإن السينما مدعوة اليوم إلى تقديم شهادتها أمام هذه الشدائد والمحن التي تضرب عددا كبيرا من البلدان، جاعلة الآلاف من البشر يسعون إلى ملاجىء عدة هربا من الهمجية والعنف.

و بما أن المواهب الشابة تشكل اليوم عيونا على هذا العالم، و نظرا لحرصها الشديد على اشراك طلبتنا المخرجين الشباب في هذا الحفل السينمائي، فان المهرجان يستضيف من خلال مسابقة سينما المدارس، الشباب المغاربة مخرجي الغد، ويمنحهم فرصة التعبير عن أنفسهم حيث تلتقي الثقافة والوعي جنبا إلى جنب، لأنهم باحتكاكهم بالمبدعين الكبار الذين سيحضرون المهرجان، سيتمكنون من رفع تحدي خلق سينما مغربية واعدة.

أتمنى أن يستجيب المهرجان لانتظاراتكم وأن يساعدنا جميعا على بناء مستقبل أفضل.


EDITORIAL

Pour sa quinzième édition, le Festival International du Film de Marrakech rend hommage à un cinéma jeune, mais non moins fort de ses talents, de sa diversité. Ce cinéma si riche, c’est le cinéma Canadien.

Cet hommage, comme ceux qui l’ont précédé, participe de l’identité même du Festival, lequel symbolise un moment d’exception où toutes les cultures se rencontrent et se parlent, faisant du cinéma un langage universel.

Renouveler chaque année ce dialogue des talents et des intelligences, dans une cité millénaire, Marrakech, faire qu’autour du septième art, tant de créativité et d’inventivité se voient et se rencontrent, c’est constater avec fierté et enthousiasme que le Festival International du Film de Marrakech est devenu, de fait, ce carrefour où de grands noms, aussi bien nationaux qu’internationaux, inventent ensemble le cinéma de demain.

Et s’agissant d’abriter de grandes productions, le Royaume du Maroc est, de fait, cette destination privilégiée, où viennent les plus grands.

Ainsi le Festival International du Film de Marrakech continuera-t-il de donner au cinéma, l’espace où se côtoient, dans une harmonie et une richesse incomparables, le rêve, l’art et l’engagement citoyen.

En effet, qu’il s’agisse de la programmation, des Hommages, des Masterclasses, de l’audiodescription pour les non-voyants, ou encore des projections sur la grande place Jemaa El Fna, patrimoine culturel immatériel de l’humanité, le Festival International du Film de Marrakech est ce qui permet la fusion du cinéma et de l’Humanité.

A ce titre, alors que le Monde et sa si terrible actualité inquiètent plus qu’ils ne rassurent, rappelons que face à l’adversité et au malheur qui frappent tant d’hommes et de femmes, que des milliers d’humains cherchent refuge, fuyant la brutalité et la violence, oui, disons ici, que le cinéma est plus encore aujourd’hui, mis en demeure de témoigner. Les jeunes talents sont, d’ailleurs, autant de regards posés sur ce monde. C’est ainsi que le Festival, à travers la compétition Cinécole, accueille les jeunes réalisateurs marocains de demain, leur permettant de la sorte de s’exprimer et donc de participer à ce moment où culture et conscience se côtoient.

Car il nous tient particulièrement à coeur d’associer nos jeunes réalisateurs étudiants à cette Fête du Cinéma, jeunesse qui au contact des immenses talents qui seront présents, relèvera le défi d’un cinéma marocain talentueux.

Je vous souhaite à tous un Festival qui comblera vos attentes et nous aidera à construire un futur meilleur.

 

SON ALTESSE ROYALE LE PRINCE MOULAY RACHID
Le Président de la Fondation du Festival International du Film de Marrakech

 
 

برشيد عبد الكريم.. بين التكريم والتجريم

نداء إلى المسرحيين المنبوذين


بقلم : الدكتور عبد الكريم برشيد

 

أيها المسرحيون المبعدون، أيها المبدعون المنفيون، داخل الوطن وخارجه، أيها المثقفون المنبوذون، أيها الفنانون المقصيون، أيها الصادقون الأيتام في مأدبة اللئام، تأكدوا بأن صمتكم لن يفيدكم في شيء، تماما كما لا يمكن أن يفيد الحركة المسرحية المغربية حاليا، والتي أصبحت اليوم في كف عفريت، وإنني أدعوكم إلى مقاطعة وزارة ليست وزارتكم، وأن تعلنوا في وجهها (العصيان الثقافي)، وتذكروا أن مجد المسرح المغربي في السبعينات، وأن مجد الأغنية الغيوانية الشعبية أيضا، ومجد الأندية السينمائية كذلك، لم يصنعه وزير أو وزارة، ولكن صنعته الإرادات الحرة والمستقلة، وأسسته العبقرية المغربية المبدعة، لذلك فإنني أقول لكم: دعوا الوزير وحزبه ورهطه يصنعون مسرحهم الرسمي والمخزني، وتعالوا لنواصل تأسيس المسرح المغربي الحقيقي، وضعوا في أذهانكم أنه لا وجود في هذا المغرب الجديد لأي شيء يمكن أن يسمى وزارة الثقافة، وما هو موجود هو مجرد ملحقة تابعة لحزب سياسي، وذلك في هذا المغرب الغريب، والذي أصبح يقترب من أن يكون لكل عشيرة فيه حزبها الخاص، وغدا سيحاسب التاريخ هذا الوزير، وسيسأل كل المسئولين على جرائمهم التي اقترفوا ضد الثقافة المغربية والعربية والإنسانية. ساعة الخروج إلى العلن لقد ترددت كثيرا قبل أن أخرج غضبي هذا إلى العلن، والذي كان موجودا منذ تأسيس هذه الحكومة الجديدة، وكنت أعرف بأن الذين تربوا تربية ستالينية لن يسمحوا لنا بالحق في الاختلاف، وأنهم سيعتبرون الحرية الفكرية ترفا بورجوازيا، ولكنني مع ذلك فقد ( غالطت ) نفسي، وانتظرت أن تتحقق المعجزة، وأملت أن يهدي الله إخواننا الرفاق، وأن يترفقوا بنا وبالثقافة المغربية، وأن يستحيوا مما يفعلون، وأن يكون لهم شيء من النخوة المغربية، وأن يعرفوا بأن هذا البلد ليس ( فيرمة ) خاصة، وليس إقطاعية مسيجة، وليس ملكية باسم التقدم والاشتراكية، وأنه أكبر من أي حزب كبير. أغبى من وزارة الثقافة المغربية، كلمة قلتها وكتبتها في الفيس بوك، وعلق عليها واحد من أحباب الثقافة وقال متسائلا: وهل هناك ما ـ و من ـ هو أغبى من وزارة الثقافة المغربية، وقلت نعم، هناك من هو أغبى منها، وأمامك العديد من الأمثلة الحية على ذلك، وماذا يمكن أن تسمي الذي ـ بثقافته المحدودة جدا ـ يؤمن بأنه يمكن أن يكون وزيرا للثقافة، أي لكل الثقافة المغربية والإنسانية، والتي لا يمكن أن يحدها الحد؟ مثل هذا المخدوع لا يمكن أن يكون إلا غبيا بامتياز، وفي هذا المغرب الغريب، جيء مرة برجل تاجر وقالوا له كن وزير الثقافة، فصدقهم وأصبح وزيرا على الورق وفي التلفزيون، وصار في وزارته يصول ويجول، وأخذ يكلم المثقفين من وراء ألف حجاب، وبعد طبخة انتخابية مشبوهة، جاءوا بمعلم حساب، وأقنعوه بأنه من الممكن أن يكون وزيرا للثقافة، ولأنه يفهم في الأرقام، ولا يعرف شيئا عن الكتابة والكلام، فقد اختزل الثقافة كلها في (الشكارة) واختزل كل علمه وهمه في توزيع الإكراميات على المريدين والتابعين وعلى الحواريين وتابعي التابعين، وعلى الحداثيين والتقدميين والاشتراكيين، وكان هذا السخاء برائحة الرشوة مرة، وكان بطعم الرقابة على الفن والفكر مرة أخرى، وتم إقصاء المغرب الشرقي من هذا الدعم، إما لأنه بعيد جغرافيا، أو لأنه ينتمي لما تبقى من ذلك المفهوم الاستعماري القديم، والذي كان يصنف المنطقة إلى المغرب غير النافع. ألف مرة قلت وكتبت، وفي أكثر من مناسبة، بأنه من الغباء أن يكون للثقافة وزارة، وأن يكون لها وزير من الناس، وأن تكون هذه الوزارة متحكمة في أرواح وعقول ونفوس الكتاب والفنانين، وأن يكون هو المدير الذي يدير الأحاسيس في النفوس، وأن يكون هو صاحب كل المتاجر التي تبيع الثقافة في الأسواق، وأن يكون لهذا الوزير ـ المدير مصانع للإنتاج الثقافي، وأن يكون له مسوقون ومروجون، وأن يكون له عسس وحرس، وأن تكون له مليشيات من المرتزقة ومن المنتفعين ومن المصفقين ومن الهتافين ومن السماسرة ومن (البراحين)، وأن يكون من مهام هذه المليشيات أيضا، أن تحمي العلامة (الثقافية) من المزورين ومن المزيفين ومن المرتدين ومن المنشقين ومن المنحرفين ومن المحرفين، وأعتقد أن السيد الوزير يصنفنا في هذه الزمرة الضالة والمضلة.. في البدء كان الخطأ التراجيدي مصيبتي في مملكة رب العالمين أنني لست أعمى، وأنني لا أستطيع أن أغمض عيني عند (اللزوم) وبأنني ـ بالمقابل ـ أستطيع أن أرى الأخطاء الظاهرة والخفية، وأن أعرف المخطئين والخطاءين، وأن أسميهم بأسمائهم الحقيقية وأن أبحث عن الدوافع والأسباب التي تصنع هذه الأخطاء، أما جريمتي الكبرى فهي أن الله أعطاني عقلا ـ من غير أن أطلبه ـ ولقد أوصاني بأن أشغله في التفكير، وفعلا فكرت، تماما كما تفكر هذه الحيوانات العاقلة والمفكرة والمبدعة، والتي تقاسمنا الجغرافيا والتاريخ، والتي تنتمي كلها إلى بني الإنسان وليس إلى بني الحجر ولا إلى بني الخشب أو إلى بني الحديد أو الرصاص، وأعتقد أن هذا العقل ـ في ذاته ـ لا يشكل أية خطورة، خصوصا إذا كان في رؤؤس الخوافين والجبناء، والذين يشطبون على كل ما لا منفعة ولا مصلحة فيه، وأرى أن الخطورة الحقيقية تكمن في الإعلان عن تفكير هذا العقل، وفي كتابته ونشره وإذاعته في الناس، ولقد ابتلاني الله باقتراف هذه الجرائم الكبيرة والخطيرة، وجعلني ـ ومن حيث لا أدري ـ في خصام وعداوة مع أعداء العقل والتفكير، ومع سدنة الجمود على الموجود. وبمناسبة صدور هذا البيان، وزيادة في منسوب التبيين المبين فيه، فإنني أريد أن أعترف أمامكم بذنوبي الكثيرة التي ( أهلتني) للعذاب والعقاب من قبل وزارة الثقافة المغربية ومن قبل كل ذروعها الأخطبوطية الضاربة، تصوروا بأنني فعلا تجرأت، سواء في التفكير أو في الكتابة، وأنني قد أكدت كثيرا على إنسانية الإنسان، وأكدت أيضا على مدنية المدينة، وكل هذا ضدا في الوحش والمتوحش في المدينة، والتي يمكن أن تصبح غابة أسمنتية مشوهة، وأن تحتكم بذلك إلى شريعة الغاب، وباسم هذه الإنسانية التي اعتنقتها، وباسم تلك المدنية التي اخترتها أو اختارتني، فقد انتصرت دائما للجمال، سواء في معناه المادي أو الرمزي، وبالنسبة لمن يدافع عن القبح والوساخة باسم الحرية والحداثة، فإن من ينتصر للأخلاق لابد أن يكون مذنبا، وأن يكون مؤهلا لأن تفرض عليه القيود، وذلك حتى لا ينقل إلى المجتمع قيمه الجميلة والنبيلة، وحتى لا يصيبه بمرض الحق والحقيقة، وحتى لا ينقل إليه عدوى الحوار الهادئ والمتسامح، هذه إذن، هي بعض ذنوبي التي أغضبت مني وزير الثقافة، والذي يرى أن الحرية التي لا تصل إلى حد الوحشية ليست حرية، وأن التقدمية التي لا تفيد الخروج من الذات ومن التاريخ ومن الجغرافيا ليست تقدمية، وأن الاشتراكية التي لا تفيد الاشتراك في معاداة القيم الإنسانية الخالدة ليست اشتراكية، وأن المسرح الذي لا يصل إلى الكباريه والنادي الليلي ليس مسرحا، وأن المسرحي الذي يدافع عن نبل الكلمة وعن شرف الفن لا يمكن أن يكون مسرحيا حقيقيا، وبهذا المبرر تم إخراجنا من بيت المسرح المغربي والكوني، وتم نفينا إلى جزيرة الواق واق. ويعرف الجميع، في كل الوطن العربي الكبير، أننا ما دخلنا المسرح إلا لنكشف عن عورة هذا المجتمع، فكريا واجتماعيا وسياسيا وأخلاقيا، أما ممارسة “الستريبتيز” الجسدي، باعتباره فعلا لإثارة الغرائز الحيوانية والوحشية، فإن ذلك ليس من اختصاصنا، ولا نظنه يمكن أن يكون من اختصاص هذا الذي نسميه المسرح، والذي هو علم وفن وفكر وصناعة، وهو مؤسسة تعليمية وتربوية وأخلاقية وتهذيبية في نفس الآن، ولقد كانت هذه المؤسسة عبر التاريخ موازية للمدرسة والمسجد والكنيسة والمعبد، أما ذلك الشيء الذي يدافع عنه وزير الثقافة في المغرب، فهو بالتأكيد شيء آخر، له أسماؤه الأخرى، و له أمكنته المختلفة، وله طقوسه المغايرة، وله رواده الذين لسنا منهم، وأرى أن هذا الشيء الآخر ليس من اختصاص وزير للثقافة، والذي هو وزير يفترض فيه أن يكون مؤتمنا على العبقرية المغربية، وعلى النبوغ المغربي، وأن يكون إلى جانب ثقافة هذا المجتمع الذي يصرف له ماهيته من المال العام، وأن يكن إلى جانب قيمه الحضارية والفكرية والأخلاقية التي أكدت فاعليتها وحقيقتها ومصداقيتها عبر التاريخ. والآن، هل أدركتم سبب غضبة السيد الوزير على المدعو برشيد عبد الكريم؟

 
 

الصفحة 20 من 23

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com 
theatretafukt@gmail.com

GSM: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.