Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
أخبار - منوعات - إصدارات : معجم المعاني الأمازيغي - الجمعة, 22 آذار/مارس 2019 20:20
أخبار - منوعات - إصدارات : الأمازيغية والحركات الاجتماعية - الجمعة, 22 آذار/مارس 2019 19:56
مواعيد فنية - ثقافية: La 18e édition FICAM - الخميس, 21 آذار/مارس 2019 19:45
متابعات - تغطيات صحفية: Festival Louxor du cinéma - الجمعة, 22 آذار/مارس 2019 19:33
بحوث - مقالات - دراسات: "تاسرغينت" اسم أمازيغي قديم لـ"العربية" - الجمعة, 22 آذار/مارس 2019 18:46
بحوث - مقالات - دراسات: قراءة محمد سيف في صباح ومسا - الخميس, 21 آذار/مارس 2019 12:09
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: Festival Théâtre et Cultures - الأربعاء, 20 آذار/مارس 2019 17:59
مواعيد فنية - ثقافية: احتفالية اليوم العالمي للشعر بالمغرب - الأربعاء, 20 آذار/مارس 2019 12:16
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: 25e Festival du cinéma méditerranéen - الثلاثاء, 19 آذار/مارس 2019 19:43
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: 20th National Film Festival - الأربعاء, 13 آذار/مارس 2019 19:26
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

مسرح برشيد التراثي في مساحات النقد

مسرح عبد الكريم برشيد التراثي في مساحات النقد

بقلم: محمد عبد الفتاح


إيمانا منهما بالدور الهام الذي يضطلع به المسرح في حياة الأمم والشعوب، وبعد إطلاقهما – وبشكل مشترك أيضا– كتاباً موسوماً ب”تجديد رؤية النقد المسرحي العربي في كتابات الدكتور عبد الرحمان بنزيدان”، يواصل الباحثان الدكتور نور الدين الخديري والأستاذة نعيمة الحرشي مشروع بحثهما النقدي والأكاديمي في هذا المجال، وآثرا هذه المرة أن ينصب اهتمامهما حول رائد المسرح الاحتفالي المبدع الدكتور عبد الكريم برشيد، في تجربة نقدية جديدة ومتميزة اختارا لها كعنوان:”مسرح عبد الكريم التراثي في مساحات النقد”، متناولين مسألة التراث وتجلياتها في كتابات برشيد، وكأني بالباحثين هنا يوجهان اهتمامهما إلى مدرسة مغربية لها فرادتها إبداعا ونقدا وتنظيرا، ونعني بها مدرسة المسرح الاحتفالي باعتبارها تياراً حمل مشروعا إبداعيا تأسيسياً يستحق خوض مغامرة البحث لتقريب رموزه إلى المتلقي العربي.

يأتي هذا الكتاب إذن ليسائل التجربة المسرحية للدكتور عبد الكريم برشيد، وما قدمه منجزه المسرحي والنقدي في مساره الطويل، وبخاصة مسألة توظيف التراث في مسرحه، وتجليات هذا الحضور التراثي في متونه المسرحية، وكيف اشتغل عليه الدكتور برشيد، وانشغل به، وما يشكله هذا التراث كمادة معرفية في تعاطيه للمسرح في أبعاده المختلفة في مقام آخر.

يتوزع هذا الكتاب – قيد الدرس – إلى مجموعة من المحاور والفصول جاءت تباعاً على الشكل التالي:

الفصل الأول: المسرح المغربي ومسألة العودة إلى التراث: مسرح عبد الكريم برشيد نموذجا: وعالج فيه المؤلفان ضمن فصوله مفهوم التراث ومبراراته، وأشكال توظيفه في مسرح عبد الكريم برشيد، مع تقديم قراءة برشيد لهذا التراث، وموقعه ضمن هذه القراءة ضمن مدرسته الاحتفالية.

– الفصل الثاني: وعالج فيه المؤلفان مرجعيات الرموز التراثية في مسرح برشيد، وتم تقسيمه إلى محاور جاءت بعناوين متفاوتة:

– برشيد والمرجع الأسطوري.

– تعريف الأسطورة.

– توظيف برشيد للأسطورة.

– برشيد والمرجع الحكائي الشعبي.

– برشيد والتراث العربي.

أما الفصل الثالث من الكتاب فقد تناول فيه الباحثان مقومات الفرجة التراثية في مسرحية “الدجال والقيامة”، متوقفين عند الشخوص في بعدها الرمزي والديني والميثولوجي، الإرشادات المسرحية، الفضاء الزماني والمكاني، البناء الدرامي، الحوار كأساس للكشف عن الرموز التراثية، ثم دلالة الزمن في مسرحية “الحكواتي الأخير”.

يثير الكتاب إذن مسألة التراث، وقضية توظيفه إبداعياً في النص المسرحي، وهو توظيف يتحدد من خلال علاقة برشيد بهذا التراث، وهل كان توظيفه بغاية التوظيف في حد ذاته، أم جاء لمسايرة الواقع الاجتماعي الراهن، بكل إيجابياته وتناقضاته.

يتحدد موقف عبد الكريم برشيد من التراث في تعامله مع الشكل التراثي من خلال نصوصه كموقف من الوجود، ومن السياسة، والأخلاق، والحياة والموت، وهو ما تحكيه بكل وضوح مسرحيات من قبيل: “ابن الرومي في مدن الصفيح”، “امرؤ القيس في باريس”، “شطحات جحجوح”، “سالف لونجة”، “عطيل والخيل والبارود”، “عنترة في المرايا المكسرة”، “عرس الأطلس”… وتجلى هذا التوظيف من خلال استدعاء شخصيات لها رمزيتها في المخيال العربي من قبيل: ابن الرومي، امرئ القيس، عُريب الجارية… وهو استدعاء لم يكن القصد منه على نحو ما يؤكد الناقد عبد الرحمان بن زيدان الذي واكب تجربة برشيد إعادة تجسيد الشخصية التراثية بكل تجلياتها في التراث على النحو الذي انتهجته بعض التجارب حينما استدعت شخصيات مثل أبي حيان التوحيدي، أو بديع الزمان الهمداني استدعاءً قارب التصوير الفتوغرافي، وإنما كان استدعاؤها بغاية تجعل من الشكل المسرحي جزءاً من الذاكرة العربية الجماعية التي تروم مجابهة الواقع الجديد لمواطن اليوم.

يقول برشيد في مسرحية “ابن الرومي في مدن الصفيح”:( سادتي امنحوني أحداقاً واسعة، وسمعاً مرهفاً، فأنا لست مؤرخاً، ولست معلم صبيان، وعليه، فإن كل مشابهة مع التاريخ إن هي إلا اتفاق ومحض مصادفة، ابن الرومي الذي رسمتُهُ وقصصتُهُ بيدي ليس وليد بغداد التي تعرفون… شاعر الليلة يا سادتي قد يكون من باريس، من روما، من البيضاء، أو من وهران. قد يكون علي بن العباس، أو قد يكون الشاعر لوركا، قد يكون المجذوب، أو بابلو نيرودا، قد يكون من حيكم هذا، قد يكون أنت أو أنت من يدري، قد يكون، وقد يكون….).

هكذا يصور المؤلف برشيد ابن الرومي ككائن حي يتقاسم مع الناس واقعهم القصديري، شاعر فقير يعيش في أكواخ القصب والقصدير، إنه ابن الرومي الجديد الذي يبعثه الكاتب كإنسان يعيش كما يعيش الناس الفقراء، ينمو، ويتطور، يتغير، ويتبدل نتيجة تبدل الأحوال والمواقف والعلاقات الاجتماعية. كما أن استدعاء الشخصية التراثية توخى برشيد من ورائه التأكيد على أن الواقع العربي لا زال ساكنا لم يتحرك، وأنه يعيش حالة ركود تامة، مما يتوجب معه خلخلة هذا الواقع خصوصاً ذلك الجانب المتعلق بالمرأة، وتجلى ذلك في اللوحة السادسة من مسرحية “عُرَيب في زمن النخاسة الجديد”، هذه اللوحة التي تعطينا الصورة الحقيقية للمرأة في الواقع العربي، ذلك أن شخصية عريب الجارية تمتد وتستطيل لتغطي كل تاريخ المرأة سواء في زمن المسرحية، أو الزمن المُسقَط، المُنزَاح على الراهن العربي، وهو واقع تبدو من خلاله المرأة كما لو أنها لا تزال جارية القرون الوسطى ترزح تحت سطوة واقع بئيس حتى وإن غيرت الأوطان والحضارات واللغة والأزياء. بهذا الصدد تقول عُرَيب في هذه اللوحة:

(أنا عُرَيب الجارية

ربوني في حقول تربية الغواني.

علموني كيف أفرخ اللذة وأُحيكُ الأغاني

راقصة كنت في بيكال

أتعرى عبر الليالي.

تلسعني، تجلدني، تدفنني في عمقها عين الرجال.

ممثلة كنت في برودواي

أموت كل ليلة مرة

ثمني؟ التصفيق، يوم أحسن الموت والعهارة

أموت وتنزل الشارة

عارضة للأزياء كنت في باريس).

على هذا الأساس، فالمرأة عُرَيب هي نموذج حي من الواقع العربي المُحَنط، والمُنحَط، يُفصح بشكل صارخ، على أن الواقع مهما تغير شكله، فالجوهر ثابت لا يتغير، إذ أن المرأة العربية القديمة التي كانت تعيش أفظع استغلال لم يتغير واقعها، ولم تتبدل أحوالها في نمط آخر من العيش متخن بالإحباط والخيبات والإخفاقات.

من هنا نقول إن الشخصية التراثية في مسرح برشيد على النحو الذي لامسه الباحثان تأخذ بعين الاعتبار الماضي والتراث، لا كشيء جامد خارج عن اللحظة الراهنة، ومتموقعة في الماضي، وإنما تتماهى مع الحاضر لتنسج موقفاً من هذا التراث ومدى جدوائية استدعائه في عمل إبداعي، ويخلصان إلى أن هذا الماضي المُستَدعَى يحقق شيئين: الحداثة والمعاصرة: الحداثة التي تعني الثورة على الماضي بكل أشكاله البالية، والمعاصرة التي تنتمي لعصر التجريب والمنطق والتكنولوجيا. وفهم برشيد للتراث من هذا المنطلق يتأسس على اختيار عقلاني يروم خلق واقع يصنع فيه برشيد عالمه المتفرد والفريد، لا يقدم كما هو، ولا يُلتَقط بعدسة، أو بعين إبداعية باردة، وإنما يصير متخيلا، يكون التراث دمه وبلاغته التي تقدم صورَهُ الكائنة والممكنة، إنه وسيلة لفهم الحاضر من خلال الماضي. وهذه العودة لاستثمار التراث كانت – بدرجة كبيرة– مؤطرة، ومقعداً لها. فهو اختيار لم يأت من فراغ، لأن له أسبابه الذاتية والموضوعية. فبرشيد كرائد احتفالي يؤمن بأن المسرح احتفال جماعي، ومن هنا فرجوعه إلى التراث يأتي باعتباره ذاكرة جمعية تلتقي فيها كل الذوات، وهي ذاكرة موصولة بالماضي، والتاريخ، والأرض، والإنسان. إنه “تذويت التراث” بمعنى جعله ذاتا ناطقة بعدسة مبدع خلاق. إن هذا الفهم الذي ينطلق منه برشيد في فهمه التراث حسب الباحثين يجعل هدف برشيد الرئيس هو استخلاص روح التراث وفلسفته التي تصلح لكل زمان ومكان، وتحتضن واقعنا الآني بمعان مغايرة وجديدة، بعيداً عن كل مرآوية سلبية ما دام المسرح فعل جمعي يتأسس على الإبداع الذي هو خلق على غير هيئة سابقة، وعلى هذا الأساس يتم انفتاحنا وتعاملنا مع التاريخ.

لقد جاء إطلاق هذا الكتاب اعتباراً للمُنجَز المسرحي والنقدي الذي راكمه الدكتور عبد الكريم برشيد في مساره الطويل الذي قارب الأربعين سنة، وكذلك اعتباراً لما وسم هذه التجربة من جدل واسع أسال الكثير من المداد حول هذا الاتجاه المسرحي المشاكس والمتمرد، وبناءً – مرة أخرى– على ما راكمته التجربة البرشيدية من كتابات إبداعية ونصوص جسدت عمق انشغالات الإنسان العربي في ظل سياقات اجتماعية وسياسية وفكرية مختلفة أفرزها الواقع العربي، وكيف تفاعل معها عبد الكريم برشيد، المبدع، وصاحب النظرية إبداعاً وتنظيراً. وكيف أسهم هذا التفاعل في تشييد مدرسة جمالية متفردة. يقول برشيد في ص 56 من كتابه “المؤذنون في مالطا”: ( أعشق الاحتفالية، وأسعى – بكل جهدي – لكي تكون منظومة فكرية وجمالية، واضحة وصريحة وشاملة ومتكاملة، منظومة تقرأ الإنسان في كليته وشموليته، وفي تعدد آفاقه، وأبعاده ومستوياته، وتقرأ هذا الإنسان ليس من خلال ما يزعم ويدعي، ولكن من خلال ما يفعل، وما ينتج، وما يبدع، وما يعيش، وما يكون…).

هذه الجمالية اختار لها برشيد المسرح كقناة لتمريرها، وهذا الاختيار تجلى لما يشكله المسرح كقناة تواصلية لها سلاستها الإبلاغية والتواصلية مع المتلقي. اختار المسرح وهو متيقن – على نحو ما يؤكد في آخر إصداراته “أنا الذي رأيت.. مسيرة أفكار ومسيرة وجود” – بأن المسرح “هو الوجود، أو هو الدنيا في كليتها وشموليتها، وخارج هذا المسرح الوجودي الكبير لا وجود إلا للخواء والفراغ المطلق”. وعبد الكريم برشيد في مشروعه هذا مبدع حالم بتغيير الواقع الذي لا يستجيب لتطلعاته وأحلامه، فالنظرية الاحتفالية تتعارض اليوم تعارضاً كاملاً مع الواقع، لأنها تختلف عنه ولا تشبهه، ولأنها تسبقه بمراحل كثيرة، ولعل هذا ما يبرر أن يعمل الاحتفاليون– نظريا وعمليا – من أجل تغيير هذا الواقع المتخلف حتى يصبح في مستوى تقدم وحقيقة وجمال وكمال ونبل وشفافية النظرية الاحتفالية، والتي هي أساسا حلم في مستوى البشرية كلها، وفي مستوى العالم، وفي مستوى التاريخ، وفي مستوى الأبدية كما يؤكد برشيد. ولذلك وجدناه يصدر مبحثاً من كتابه “أنا الذي رأيت” بقولة لألبرت إنشتاين تقول:” إذا تعارضت النظرية مع الواقع، فغيروا الواقع”. بحثا عن ذلك الواقع الآخر الذي يحلم به برشيد، وجند قلمه من أجل نسف نقيضه، الواقع المبتذل بكل تناقضاته وسلبياته وفضائعه، وهو ما توفق الباحثان الدكتور نور الدين الخديري والأستاذة نعيمة الحرشي في رصده بشكل كبير في هذا الإصدار الذي يعد بحق علامة بارزة في مسار النقد المواكب لحركية المسرح المغربي.


 

سؤال الخلاص المتشظي بمسرحية سينما

مسرحية «سينما» سؤال الخلاص المتشظي

بقلم عبد الأمير المجر


استعار المخرج كاظم النصار، مفردة (سينما) عنوانا لمسرحيته الجديدة التي عرضت على خشبة المسرح الوطني يوم 11/4/2017 ليستعرض من خلالها شجون وشؤون عراق ما بعد 2003 عائدا الى الوراء قليلا ومطلا على المستقبل برؤية اخراجية، اتكأت على حمولة مفردة (سينما) بعيدا عن دلالتها القارة التي تشير الى جنس فني معروف، بل استثمر دلالتها الشعبية بين بسطاء الناس، لاسيما في العقود الماضية حين يقولون (صرنا سينما!) للدلالة على حال مزرية يتداخل فيها المضحك والمبكي في آن.

لا شك ان واقع العراق اليوم، الحافل بالتناقضات، جعل الحياة عبارة عن لوحة سوريالية، والمسرح العراقي، نقصد الجاد منه أو غير الاستهلاكي، ظل هو الاقرب الى ملامسة هموم الواقع والتعبير عنه.

ولعل المخرج النصار كان دقيقا في وصفه شخصيات مسرحيته هذه، حين قال: "شخصيات لكل منها قصتها وحكايتها مع هذه التراجيديا العاصفة، وان بدت في أحيان كثيرة كوميديا سوداء، لكنها ليست سوى قناع لتخفيف رعب الواقع. إنها حكاية شخصيات تحاول أن تنهض من رماد الحروب، لكن الصراع المستمر عطّل من مسيرتها وما زال".

بدأت المسرحية بعاصفة من الرعب، اختلطت فيها أصوات الانفجارات مع أصوات استغاثة وفوضى، حاصرت مقبرة، (ستكون هي ميدان العمل المسرحي طيلة العرض)، ووسطها خمسة أشخاص، يمثلون خليطا من المجتمع العراقي، ثلاثة منهم قضوا في أحداث العنف التي أعقبت الاحتلال، أحدهم شاعر (علاوي حسين) وصحفية (أزهار العسلي) وخريج كلية لم يجد عملا باختصاصه، فيعمل سائق تاكسي (زيدون داخل) فيما الرابع (اياد الطائي) جنرال قضى في الحرب العراقية الايرانية. سبقهم إليها منذ الثمانينيات، في اشارة الى استمرارية الموت في الحروب ومن ثم العنف، منذ ذلك التاريخ.

اطمئنانهم في مقبرتهم التي أخذت تتسع من حولهم لن يدوم، بفعل مجانية الموت بعد العام 2003 وكثرة الموتى الذين صاروا يزاحمونهم على المكان، فيخرجون من قبورهم بطريقة فنية رائعة، اذ تسقط صورهم من الأعلى وهي موشحة بالسواد لتحط امام كل واحد منهم، حيث يقف عند قبره، في المقبرة التي يقف عليها حارس عجوز، الفنان (باسل الشبيب)، وهذا سيكون بمثابة الشاهد على ما جرى ويجري، لندخل أحداث المسرحية التي تكون فيها المقبرة كناية عن واقع أثقلته الأحداث بالمآسي المتسلسلة، والتي يكون فيها الاحتلال، أو الزلزال، كما يصفه حارس المقبرة، مدخلا لحوار مفتوح فيما بينهم، أو بينهم وبين الحارس الذي يشير بحمولة طروحاته وأقواله الى تداخل الازمنة، فيستعرضون جميعا حيواتهم أو حيوات مجتمع وجد نفسه وسط عاصفة من رعب، فرضتها عليهم ارادات متداخلة.

لقد بذل الممثلون جهدا كبيرا، وكانوا بحق ابطالا في ادائهم الرائع والمعبّر، بعد ان حولهم المخرج الى عيون راصدة لواقع رجراج، أفقدهم حلمهم في الحياة، وأفقد الحياة معناها، بعد ان وجد الناس انفسهم امام طوفان الارهاب، الذي اخذ يسرق الحياة باشكال مختلفة، سواء بواسطة انتحاريين او اغتيالات او غيرها من وسائل الموت المتعددة.

المسرحية، كانت مشبعة بالشعرية، ليس على مستوى اللغة واللعب بالالفاظ، بل بالاشارت الغنية الدالة والناقدة، بالتلميح الذكي والسريع، وان هبطت للمباشرة المصحوبة بالانفعال احيانا، وربما كانت بحاجة اليه لتشبع موضوعاتها.

وقد عمد المخرج الى نقد الذات الجمعية، من خلال اشارته اكثر من مرة الى استغراق ابطاله بالجدل العقيم، والذي ياتي على لسان الابطال بصيغة خلافات بينهم على امور تافهة، تستهلك وقتهم وجهدهم، وتبعدهم عن همومهم الحقيقية، وانعكاس ذلك على أدائهم في اختيارهم من يمثلهم من الساسة، ومن ثم انتقاد الواقع السياسي المرتبك من خلالهم.

شاعر وصحفية وخريج .. احلام قبرها الارهاب، وجنرال هو الاخر يموت حلمه مبكرا قبلهم، بعد ان سبقهم في حرب الثمانينيات، يخرجون ليحاوروا حارس المقبرة، او يدخلون معه في جدال طويل عن ما آل اليه حالهم، فيما هو ظل طيلة المسرحية، يؤكد لهم فقدانه الارادة، وان ما يحصل من استفزاز لاطمئنانهم في قبورهم هو من مسؤولية صاحب المقبرة او مالكها! وان الزحام الذي ضيّق عليهم مكانهم بسبب كثرة القبور، ليس من مسؤوليته. ومن هذه التلميحات التي تشير الى واقع مأزوم، بفعل صراعات متداخلة غيّبت الاستقرار وتسببت في الضياع.

يدخلنا المخرج الى لب اللعبة التي يروم من خلالها ايصال مقولته المتشظية. اذ لم يتردد النصار من انتقاد البعض ممن انحنوا لعاصفة الارهاب، ايام الفرز الطائفي، وليشير ايضا الى التصدع المجتمعي وانعكاسه على واقعهم الديموغرافي، كون هذا يدخل في صميم رغبة صاحب او مالك المقبرة، الذي يهدف الى تقسيم بلادهم، ولعل هذا النقد، بالرغم مما فيه من قسوة، لكنه يشير الى وقائع حيّة او ينبه اليها، لان الهدف النهائي هو تقسيم البلاد، بعد ان يجعل اهلها متنازعين على هويات مناطقهم، فيأتيهم حارس المقبرة بخارطة جديدة، على خلفية تنازعهم هذا، والذي يأخذ في المسرحية بعدا رمزيا، من خلال انحياز كل واحد منهم الى ثقافته الخاصة، ومحاولته تكريسها على حساب الاخرين، لتفقد الحياة تنوعها وثرائها بفقدانها أهم الميزات الانسانية، المتمثلة بالتنوع الديني واللغوي وغيرهما.

السينوغرافيا والديكور لم يكونا بمستوى العمل، حيث بديا جامدين، باستثناء الانارة التي وظفت بشكل ممتاز، وفي العموم، يمكن القول إن مسرحية "سينما" حمّلت الجميع مسؤولية ما حصل ويحصل مثلما أكدت أن الأمل يصبح حقيقة حين تصبح الارادة فعلا جماعيا يعمل عليه الجميع أيضا.


 
 

آفاق دراسات الفرجة بالرشيدية

ندوة آفاق دراسات الفرجة

بقلم محمد حجاجي

 

في إطار الندوة الوطنية التي ينظمها فريق البحث في الترجمة والثقافة الأنتربولوجية، والماستر المتخصص في المسرح وفنون الفرجة، بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، بشراكة وتعاون مع المركز الدولي لدراسات الفرجة بطنجة، في موضوع “آفاق دراسات الفرجة”، يومي 14 و15 أبريل 2017، عقدت، ابتداء من الساعة الرابعة من يومه الجمعة 14 أبريل ، جلستان علميتان برحاب الكلية، حضرهما، على الخصوص طلبة الماستر المتخصص، ومجموعة من الجامعيين والمثقفين والمهتمين والطلبة.

قبل الجلستين قدمت كلمات: عن الكلية ورئاسة مجلس جهة درعة/تافيلالت (كمدعم مادي) والمركز الدولي لدراسات الفرجة.

1ـ الجلسة الأولى ترأسها الدكتور سعيد كريمي، وتدخل فيها كل من الدكاترة:

ــ خالد أمين، رئيس المركز الدولي لدراسة الفرجة بطنجة، في موضوع: “لماذا دراسات الفرجة؟”

ــ حسن يوسفي: “دراسات الفرجة: إضاءات حول صيرورة المفاهيم المؤسسة”

ــ جلال أعراب: “المعطى والأفق في دراسات الفرجة”

ــ حميد اتباتو: “الرهانات النظرية في الممارسة النقدية المسرحية”

2ــ الجلسة الثانية ترأسها الأستاذ عبد الصادق سالم، وكان المتدخلون فيها هم الدكاترة:

ــ بشرى السعيدي بمساهمة تحت عنوان: “دراسات الفرجة في ظل التحولات المجتمعية (التكنولوجيا الرقمية نموذجا)”

ــ هشام بلهاشمي: “الفرجات في مسارح ما بعد الكولونيالية”

ــ محمد حميدي: “المقاربة النقدية لدراسات الفرجة بالمغرب”

ــ سعيد كريمي:”الآفاق الفرجوية في مسارح ما بعد الدراما”

كانت المداخلات متكاملة، وتناولت كل واحدة منها جانبا محددا من موضوع الندوة. وقد أعقبت الجلستين فسحة للمناقشة وإلقاء المزيد من الضوء والتساؤل حول جوانب من المداخلات. كما اغتنم الدكاترة المتدخلون الفرصة لتعقيبات وإجابات وإضافات أغنت الندوة وأعطت المزيد من الإيضاحات.

كان طبق الجلستين دسما، شهيا، أتاح للطلبة على الخصوص، فرصة الاحتكاك بالمتخصصين في المجال من مدن مغربية مختلفة (مكناس، القنيطرة، ورزازات، أكادير، الرشيدية..) وإغناء رصيدهم المعرفي والعلمي والحواري في موضوع حيوي يتسم بالتجدد والتطور و الاغتناء بتطور العلوم الإنسانية وغيرها وتحول المجتمع في كافة الميادين.

هذا  و ستتابع الندوة يوم غد السبت بتكريم الدكتور حسن يوسفي من خلال قراءات في أعماله (يقدمها، على الخصوص، طلبة الماستر)، ثم توقيع نسخ منها، وتقديم شهادات في حقه، من قبل أصدقائه وزملائه.

 
 

نصف السماء: صورة للألم المغربي

نصف السماء: صورة للألم المغربي في سنوات الرصاص

بقلم محمد أشويكة

المصدر: جريدة العرب

تعود بنا مجريات فيلم “نصف السماء” للمخرج المغربي عبدالقادر لقطع إلى مطلع حقبة السبعينات (1972) بالمغرب، وهي الفترة التي عرفت أحداثا سياسية قاسية ومؤلمة نتيجة التضييق على المناضلين والمعارضين من ذوي التوجهات الأيديولوجية اليسارية، الأمر الذي ألقى بظلاله على التاريخ المعاصر والراهن للمغرب، وحَفَّز الكثير من الحقوقيين والسياسيين والمتنورين على التوجه النقدي الإيجابي نحو بناء صرح الديمقراطية، رغم كل العراقيل التي تظهر من حين إلى آخر.

ينطلق سيناريو الفيلم المغربي “نصف السماء” لمخرجه عبدالقادر لقطع من رواية “خَمْرُ صُبَّار الألويس” للكاتبة الفرنسية المغربية جوسلين اللعبي، زوجة الكاتب والمناضل اليساري المعروف عبداللطيف اللعبي. وقد صدرت الرواية عن دار نشر فرنسية وأخرى مغربية، وتحكي فيها الكاتبة بعض تفاصيل سيرتها وسيرة زوجها الذاتيّتين، وخاصة إبان تعرض زوجها للاعتقال السياسي زمن سنوات الرصاص بالمغرب، وما كابدته من مشاكل بسبب ذلك.

يعتمد الفيلم على تقنية الساردة العَالِمَة بالتفاصيل، والمُوَجِّهَة للأحداث، وذلك بالنظر إلى حجم التداخل القائم بين الكاتبة (الراوية) من جهة، والكاتب من جهة أخرى، باعتباره شخصية رئيسية في الفيلم والرواية معا بالرغم من حضور زوجته أكثر منه ليظل ذلك الحاضر الغائب. ويعود سبب تداخل حياتها بحياته إلى صلة الزواج والمبادئ التي جمعت بينهما، وهي أمور فرضت على السرد الفيلمي المستمد من الرواية الحديث عن فترتين أساسيتين من حياة جوسلين اللعبي: طفولتها بالمغرب؛ وقيادتها لنضال نساء المعتقلين السياسيين والتعريف بهم في زمن ساده الصمت المطبق.

ويظهر الفيلم مدى معاناتها المزدوجة: الأولى من قبل السلطات المغربية التي كانت تراقب بيتها، وتحضر لأخذ زوجها من بين أبنائه ثم استنطاقه، والثانية من مصالح سفارة بلدها التي تعاملت معها بنوع من التضييق نتيجة عدم قدرتها على التدخل فيما كان يقع بالمغرب من تجاوزات آنذاك.

وتقاطعت مشاكل الزوجة (الممثلة صونيا عكاشة) أثناء مؤازرة زوجها (الممثل أنس الباز) والدفاع عنه، مع مصائر نساء أخريات كانت أبرزهن إفلين السرفاتي (الممثلة قدس اللعبي)، أخت المناضل الراحل إبراهام السرفاتي (1926-2010)، زعيم حركة إلى الأمام، الماركسية اللينينية، الفاعل اليساري المنحدر من أصول يهودية، والمعروف بمواقفه المناهضة للصهيونية وقانون العودة الذي يلغي حقوق الفلسطينيين ويسمح لليهود في أي مكان من العالم بالحصول على الجنسية الإسرائيلية بمجرد أن تطأ أقدامهم أرض فلسطين.

هكذا أُودِعَ الزوج في غياهب سجن “لعلو” بمدينة الرباط، وستولد ابنته “قدس” -وهو اسم له دلالة- في غيابه، وسيتعرض للتعذيب كما ستتضح الندوب التي كانت بادية على جسده بعد خروجه، وأَثَرُ الأضرار النفسية المنكشفة من خلال السمات المعلنة والمضمرة، والتي طالما عَبَّرَت عنها الرسائل التي كان يبعثها إلى زوجته، تلك المفعمة بالصمود، والاقتناع بعدالة ما يدافع عنه بمعية رفاقه، فضلا عن شاعريتها الطافحة بالمعاني مما يعني أن سجن الجسد لا يعني بأي حال من الأحوال، وكيفما كانت الظروف، الحد من حرية التأمل والخيال والإرادة.

 

سجناء الرأي

 

يورد الفيلم حكاية أم جوسلين، الفَارَّة إلى المغرب بسبب يهوديتها، وهو المصير نفسه الذي عرفته عائلة السرفاتي أيضا، فمن المعروف أن المغرب قد شكل أرضا آمنة للمضطهدين اليهود، وغيرهم من غير المرغوب فيهم بأوروبا كقارة طاردة وغير متسامحة.

وفي السياق ذاته ستتوالى مَشَاهِد المحاكمات، وما سيرافقها من انتظار قاتل في صفوف الأسرى والعائلات، فضلا عن تلفيق التهم لهم، وهي أفعال أجَّجَت الرغبة في التعريف بقضيتهم في ظل الصمت المطبق الذي كان يلفها، ومطالبة ذويهم بالزيارة والحق في تمكينهم من الدفاع عنهم كسجناء سياسيين ومعتقلي رأي، خصوصا وأن اللعبي كان مديرا مسؤولا عن نشر مجلة “أنفاس” التي كانت تصدر بين عامي 1966 و1972 باللغتين العربية والفرنسية.

ستتوفى إفلين السرفاتي التي كانت المساند الرئيسي لجوسلين في خضم ذلك الاحتقان سنة 1974، إذ سيتم اعتقال إبراهام السرفاتي بعد عشر سنوات من الاختفاء، وسيأخذ رجال المخابرات الزوجة من منزلها، وعلى مرأى من أبنائها الثلاثة (هند، وياسين، وقدس) ليتم استجوابها طيلة خمسة أيام إثر تلقيها رسائل من المناضل السرفاتي دون الاهتمام بمصير أبنائها الذين ظلوا وحدهم، مما أسهم في تشبعهم بقيم الصمود والتحدي مبكرا، وألهب أسئلة الطفلة الصغيرة المتكررة عن أبيها واشتياقها إلى رؤيته، ووعيها بالحق في وجوده معها في تلك السن المبكرة من حياتها.

وكشف الفيلم عن مدى الدور التربوي الذي لعبته الرسائل في تنشئة الأطفال وتعرفهم المبكر على بعض المصاعب التي من الممكن أن تصادف الناس في حياتهم، إثر قناعاتهم الراسخة بالتشبث بمبادئ الحرية والدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية للأفراد والشعوب.

يدخل الزوج المستشفى بعد إصابته بنوبة قلبية، ويتعاطف الحارس معه، فيثق فيه ويصاحبه للقيام بجولة خارج المستشفى مما يدل على أن السجانين ليسوا من طينة واحدة، وأن الروح الإنسانية لا يمكن أن تتكلس بفعل الأوامر.

ولو عدنا إلى أدبيات السجون ومحكيات المعتقلين المغاربة التي ستظهر بعد الجو الإيجابي الذي خلقه المغرب إثر تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة وتنظيم جلسات الاستماع العمومية لفائدة المعتقلين السياسيين السابقين، لسجلنا الدور الإيجابي الذي قام به بعض الحراس في التخفيف عن سجناء الرأي، و التعاطف مع قضيتهم.

وأوضح الفيلم دور هيئات المجتمع المدني -المتمثلة في الأندية والنقابات- في إبراز قضية المعتقلين السياسيين ومساعدة عائلاتهم في التعرف على أحوالهم، وكشف مصائرهم.

سردية خطية

يُعَدُّ الفيلم امتدادا لبعض الأعمال السينمائية المحدودة التي أنجزها مخرجون مغاربة ضمن الإستراتيجية التي انتهجتها الدولة لتصفية ذلك الماضي المؤلم من تاريخ المغرب، وهو يتبنى طريقة سردية خطية إلى درجة جاءت معها المَشَاهِد واللقطات كتغطية زخرفية لأحداث الرواية، مما جعلها رتيبة ومستعادة دون تقديم أي إضافة بصرية لما شاهدناه في الأفلام السابقة المُصَنَّفَة ضمن ما اصطلح عليه بـ”أفلام أو سينما سنوات الرصاص”، باستثناء اعتماده على تلك الرواية التي تمزج بين السيرذاتي والغيري، والتي تقدم لنا درسا إنسانيا بليغا حول كونية المبادئ الإنسانية، والاشتراك الثقافي في بناء الأفكار الحقوقية الكبرى.

واعتمد الإخراج السينمائي لهذا الفيلم المقتبس على اختيار بعض الفضاءات الطبيعية المفتوحة، والأماكن المغلقة، وهو ما فرض أسلوبا بصريا لم يسمح لمخرجه بتنويع سلم اللقطات فجاءت في غالبيتها ضيقة ومضغوطة، وخالية من العمق البصري، وإن كانت توحي بالعتمة والسجن والضيق.

وتكمن قيمة الفيلم في العودة إلى النبش في تلك الفترة التاريخية التي يلفها الكثير من الغموض، وكذلك في انكفائه على تناول حالة عائلية خاصة، وتعريفه بدور المثقفين والمبدعين والمناضلين الذين صمدوا في وجه الظلم والطغيان وحاربوا الاستبداد، ورسم صورة إيجابية تقريبية لليساري في السينما المغربية، وهو الدرس الذي ساهم في بناء المغرب الراهن، وقَدَّمَ تجربة توعوية منيرة للأجيال الحالية والقادمة، من شأن السينما أن تعلي من مزاياها.

ولم يسلم الفيلم من بعض اللحظات الرتيبة على مستوى الإيقاع، التي أذكى من ثقلها طول بعض الحوارات وسقوطها أحيانا في المجانية، وبعض المقارنات غير الممكنة، فالتجارب السياسية عاكسة لمستوى وعي الشعوب وقدراتها النضالية، ووليدة تفاعلات اجتماعية وثقافية وسياسية خاصة، ولا يمكن أن تتحقق القفزات إلا بفعل نضج الشروط الموضوعية الخالقة لها، وإلا تتحول الأمور إلى ما لا يمكن أن يتم توقعه في ظل سيادة ثقافة الشعوذة والخرافة ضدا على العقلنة والبراغماتية.

 
 

إبداع الضوء

إبداع الضوء

صورة أيلان الكردي أملت نفسها على الإعلام الدولي وشدت اهتمام الناس من مختلف البلدان


بقلم القاص والكاتب السوري إبراهيم صموئيل

يستحقّ فنّ التصوير الضوئي (فوتوغرافي) احتفاء العالم - هذه السنة - بمرور 177 ربيعا على ظهوره, إذ إنّ لهذا الفنّ خصوصيّته, ونكهته, ولمسته الإبداعيّة, وتأثيره في مُشاهده ومتلقّيه على نحو مميز له, مما لا نجده في حقول الفنون الأخرى.

فالصورة المُلتقطة بالكاميرا, سواء لمشهد أو حادث أو شخص, لها أثر خاصّ في نفس وعقل الناظر لا يمكن أن يشعر به -حتى لو كان الموضوع المُتناول ذاته- إزاء لوحة أو منحوتة, على سبيل المثال والمقارنة مع فن آخر.

في الصورة الضوئيّة, ثمّة ما هو حيٌّ. حقيقي. من لحم ودم. من واقع قام هنا أو جرى هناك أو كان يوما هنالك. ولهذا نشعر إزاء الصورة بدرجة كبيرة من التصديق, إذ هي الشخص عينه كما عرفناه, أو الواقعة ذاتها كما وقعت, أو المدينة نفسها التي عشنا فيها وقد دُمّرت.

وإذا كان الرسم أو النحت أو الفنون التطبيقيّة محرّضة للخيال كي ينطلق ويُحلّق, فإن للصورة القدرة على نقلنا إلى الشخص أو الحدث أو المشهد أو الزمن, أو استحضار كل ذلك إلينا, مكانا وزمانا وإحساسا عميقا. رسمٌ للكرة الأرضيّة, مثلا, ومهما كان دقيقا وبارع الحرفة؛ لن يُولّد فينا الرعشة والدهشة والتعجّب كما سنكون عليه أمام صورة حقيقية للأرض مأخوذة بواسطة قمر صناعيّ.

أليس هذا ما يحدث في دواخلنا عندما نتأمّل صورة لأحد أجدادنا الراحلين وهو في ورشته قبل نحو قرن, تحيط به الأدوات البدائيّة القديمة البسيطة؟ أو حين نتملّى صورة مُلتقطة أيام زمان لشوارع ومحلاّت وسكّان مدينتنا التي نحيا فيها الآن, كما كانت وكان الناس عليه في ما مضى؟


خصوصية الصورة

ولنذكر في وقتنا الحالي - كمثال على خصوصية هذا الفنّ - الضجّة الهائلة التي حدثت بعد نشر صورة الطفل السوري أيلان الكردي، المُكِبّ على وجهه فوق رمال أحد شواطئ تركيا؛ وكيف تمكنت تلك الصورة من عبور الحدود والقارات, لتُملي نفسَها على أغلفة الصحف والمجلات وشاشات التلفزة وعلى المواقع الإلكترونيّة في العالم بأسره, وتشدَّ إليها اهتمام الناس من مختلف البلدان.

ولنتذكَّر ممّا مضى, الصورةُ الشهيرة, أثناء الغزو الأميركي لفيتنام, التي يظهر فيها جندي أميركي وهو ينظر إلى الكاميرا بانتشاء وبهجة, حاملا في يديه رأسين مقطوعين لمواطنَين فيتناميين, وكيف صار لهذه الصورة - آنذاك - أن تعبر الحدود والقارات أيضاً وتُملي نفسها على مختلف وسائل الإعلام.

والآن؛ لنفترض - على سبيل تبيُّن خصوصيّة أثر الصورة الضوئيّة - أن مشهديّ الطفل المكبّ على وجهه, والجندي الحامل للرأسين, لم يظهرا في صورتين أساسا, بل تمَّ عرضهما في صالة لأعمال الفن التشكيلي, مرسومَين رسماً أو منحوتين نحتاً، هل تراه سيكون لهما - كعملين تشكيليين - الأثر النفسي المرير, والوقع المروّع للحرب, والشعور الجارح بلعنة الجرائم المُرتكبة بحق حياة الإنسان والأطفال, كما كان للمشهدين نفسيهما في الصورتين الضوئيتين المُلتقطتين؟

هذه هي, بالضبط, الخصوصيّة المُميّزة لفن التصوير الضوئي عن باقي الفنون, من دون أن يعني ذلك -بداهةً- وجود أيّ امتياز أو أفضليةٍ لهذا الفنّ في القيمة أو المستوى الإبداعي عن غيره من الفنون, ولا أن يعني - كما يرى البعض - مستوى أقلّ في القيمة الإبداعيّة من فنون أخرى.


حظ وقدر؟

قد يرغب أحدٌ بالقول إنَّ الاهتمام البالغ الذي حظيت به صورة الطفل على الشاطئ لا يمكن اتخاذه مثالاً على تميّز وأثر فنّ التصوير, لأنَّ تلك الضجَّة لا تعدو "حظّاً وقَدَراً" لحق بهذه الصورة بالذات. لكنَّ الجواب البسيط يفيد بأنّ لكلّ كائن أو شيء نسبة من الحظّ, غير أن ذلك لا ينفي وجود ما يميّزه ويمنحه خصوصيته.

تُرى, هل ضجّة الموناليزا لدافنشي حدثت كون الرسم فيها فريدا, وغير مسبوق, منذ رسوم سكان الكهوف إلى اليوم, أم شارك قَدَرُ وحظُّ هذه اللوحة بصنع ضجّتها الخرافيّة التي لا تُشبه أيَّ ضجَّةٍ في تاريخ الفنّ؟

وقد يرى آخر أنّ ضمَّ التصوير الضوئي إلى ميدان الفنون الإبداعيّة من رسمٍ ونحتٍ وحفرٍ..  ليس صائباً, لأنّ الصورة نتاج آلة التصوير أكثر مما هي جهد وفنّ وإبداع المصوّر. وفي هذا الرأي من المغالطة - وأكاد أقول من الجهل - ما لا يحتاج إلى إيضاح, إذ هل الريشة والألوان والأزاميل والمطرقة وجهاز الحاسوب والآلة الموسيقيّة هي المبدعة لأعمال الرسَّام والنحَّات والكاتب والمُلحّن, أم مواهب هؤلاء وعبقريتهم؟

أياً كان, فلقد قطع التصوير الضوئي شوطاً كبيراً في حقله وتجاربه, وبات فنّاً رائعاً يُتحف ويمتع البشرية بمنجزاته, عبر أعمال مترعة بالجمال والإبداع والتميّز, وخصوصاً منها تلك المُقتصِرة على الأبيض والأسود, التي يصعب مُضاهاة ما لسحرها وتأثيرها في الروح والنفس والذاكرة.


 
 

الصفحة 13 من 22

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com 
theatretafukt@gmail.com

GSM: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.