Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مسرح - الفنون الدرامية: Tafoukt Theater on tour in Europe - الإثنين, 28 كانون2/يناير 2019 16:18
مواعيد فنية - ثقافية: Teatro Tafoukt de gira por Europa - الإثنين, 28 كانون2/يناير 2019 16:02
متابعات - تغطيات صحفية: Théâtre Tafoukt en Europe - الخميس, 24 كانون2/يناير 2019 14:51
مسرح - الفنون الدرامية: مسرح تافوكت في جولة بأوروبا - الخميس, 24 كانون2/يناير 2019 14:36
أخبار - منوعات - إصدارات : "كلاي" للروائي أحمد الكبيري - الخميس, 24 كانون2/يناير 2019 13:47
مسرح - الفنون الدرامية: عروض جديدة لعرض كلام الجوف - الأحد, 20 كانون2/يناير 2019 17:34
أخبار - منوعات - إصدارات : تهويد القدس في مسرحيات الأطفال - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 18:29
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: تتويج ” الطوق والأسورة” بالقاهرة - الخميس, 17 كانون2/يناير 2019 18:15
مسرح - الفنون الدرامية: هواة غيروا تاريخ المسرح - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:58
أخبار - منوعات - إصدارات : موازين: موعد دورة 2019 - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:46
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

فوكو والسلطة.. أهم الآن من أي وقت مضى؟ (1 -2)

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 06 تموز/يوليو 2017 10:54 الخميس, 29 حزيران/يونيو 2017 09:18

فلسفة فوكو والسلطة.. أهم الآن من أي وقت مضى؟ (1 -2)

ترجمة أنس سمحان


"يمكننا أن ننظر إلى فلسفة فوكو عن السلطة على أنها مبهرة ومضنية ومحبطة في بعض الأحيان، ولكنها الآن مهمة أكثر من أي وقتٍ مضى".

تصوّر أنه قد طلب منك أن تكتب قصّة قصيرة جدًا عن تاريخ الفلسفة. ولربما قد مررتَ قبلًا في تحدٍ لتجمع وتضغط أطراف الفلسفة المترامية بوسعها في تغريدات لك على تويتر، ويمكنك طبعًا عند محاولتك كتابة القصة التي طلبت منك أن تقوم بما هو أسوأ من أن تبحث عن الكلمة التي تمثل وتعبّر عن فلسفة كل فيلسوف مهم. فأفلاطون "ونظرية المُثُل"، وديكارت "والعقل"، وجون لوك "والأفكار"، وجون ستيوارت ميل "والحرية"، أما في الفلسفة الحديثة، فكلمة جاك دريدا كانت "النص"، وكلمة جون رولس كانت "العدالة"، وكلمة جوديث بتلر كانت "الجنوسة / جندر". واستمرارًا في لعبة الكلمات هذه، فإن كلمة فوكو، قطعًا هي "السلطة".

لا يزال فوكو واحدًا من أكثر المفكّرين الذين يتم الاستشهاد بهم في القرن العشرين، وهو، وفقاً لبعض القوائم، الفيلسوف الأكثر استشهادًا بكلامهِ في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. من أهم أعماله، وهما: "المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن" (1975) و تاريخ الجنسانية: إرادة العرفان، المجلد الأول (1976)، والتي تعد المصادر الرئيسية لتحليلاته للسلطة. ومن المثير للاهتمام أن نعرف أن فوكو لم يكن يعرف دائماً "بالسلطة". فقد اكتسب أولا نفوذه وحضوره الضخم في عام 1966 مع نشره لكتاب "The Order of Things". العنوان الفرنسي الأصلي يعطي إحساساً أفضل بالوسط الفكري الذي كتب فيه "Les mots et les choses"، أو كما ترجمه مركز الإنماء القومي للعربية "الكلمات والأشياء". كانت الفلسفة في ستينيات القرن الماضي تدور بشكل رئيسي حوله وخاصة بين معاصري فوكو.

في أجزاء أخرى من باريس كان دريدا يؤكّد على رأيهِ بأنه "ليس هناك أي شيء خارج النص"، وجاك لاكان يحوّل التحليل النفسي إلى علم اللغويات من خلال الادعاء بأن "اللاوعي منظم ومبنيّ كأنه لغة". في عام 1967، لخص الفيلسوف الأمريكي الأكثر شهرة في جيله ريتشارد رورتي الروح الجديدة في كتاب يضمّ مختارات من المقالات بعنوان "التحول اللغوي". في العام نفسه، نشر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، والذي أصبح بعدها بمدة قصيرة رائدًا في مجالهِ، محاولته لوضع "أسس العلوم الاجتماعية في نظرية اللغة".

تابع معاصرو فوكو هاجسهم باللغة ما لا يقل عن بضع عقود أخرى. وظل كتاب هابرماس العظيم، بعنوان نظرية الفعل التواصلي (1981)، مكرسًا لاستكشاف الظروف اللغوية للعقلانية. واتبعت الفلسفة الأنجلو أميركية نفس الخط تقريبًا، وكذلك فعل معظم الفلاسفة الفرنسيين (إلا أنهم كانوا يفضلون الطبيعة اللغوية اللاعقلانية بدلاً من ذلك).

أما فوكو، فلم يَعْلَق مثل باقي أقرانهِ، بل تفوّق عليهم. وبدلًا من البقاء عالقًا في عوالم الكلمات، حول اهتمامه الفلسفي بشكلٍ كامل في سبعينيات القرن الماضي إلى السلطة، وقد كانت فكرة واعدة للمساعدة في فهم كيف للكلمات أو أي مهم آخر أن يعطوا الأشياء النظام الذي هم عليهِ. ولكن أهمية فوكو الدائمة ليست لأنه أوجد بعض المفاهيم الرئيسية الجديد، والتي يمكن أن تفسر كل المفاهيم الأخرى. فالسلطة، عند فوكو، ليست مصطلحاً فلسفياً آخر. وأهم مطالب فوكو حول السلطة هو أنه يجب علينا أن نرفض التعامل معها مثلما تعامل الفلسفة دومًا مع مفاهيمها المركزية على أنها شيء وحدوي ومتجانس ويمكنها أن تفسّر كل شيء آخر.

لم يحاول فوكو بناء قلعة فلسفية حول مفهوم السلطة. فقد شهد بشكلٍ مباشرٍ كيف تصير حجج فلاسفة التحوّل اللغويّ هشّة فور نشرها واستخدامها لتحليل الكثير باستخدام طريقة الكلمات. لذلك رفض فوكو نفسه بصراحة تطوير نظرية شاملة للسلطة. وقد ضغط عليهِ الصحافيون في المقابلات واللقاءات ليعطيهم نظرية موحدة ولكنه كان دائمًا يعترض ولا يعطيهم شيئًا. فحسب فوكو، إن إعطاء نظرية واحدة شاملة، ليس أبدًا من أهداف عملهِ على السلطة. ولا يزال فوكو يشتهر بتحليلاته للسلطة، بل إن اسمه، بالنسبة لمعظم المثقفين، مرادف تقريبا لكلمة "السلطة". لكنه لم يقدم نفسه على أنه فيلسوف السلطة. فكيف يكون هذا معقولاً؟

وهنا يكمن ثراء وتحدي عمل فوكو. فعمله يعد نهجاً فلسفياً للسلطة يتميز بأنه مبتكر ومضنٍ ومحبطٌ في بعض الأحيان وفي كثير من الأحيان يمكن النظر لعملهِ على أنه محاولات مبهرة لتسييس السلطة نفسها. وبدلاً من استخدام الفلسفة ليجمع ويوّحد السلطة في جوهر خالدٍ، ومن ثم استخدام هذا الجوهر لفهم كثير من مظاهر السلطة في العالم، سعى فوكو للتخفيف عن الفلسفة ومن صورتها كجوهر جاف ومتجمّد. أراد تحرير الفلسفة لتتبع تحركات السلطة وحرارة وغضب عملها لتحديد "الكلمات والأشياء".

ولكي نقدر أصالة نهج فوكو، فمن المفيد أن نقارن ذلك مع الفلسفة السياسية السابقة. وقبل فوكو، كان الفلاسفة السياسيون يفترضون أن للسلطة جوهراً: سواء كان هذا الجوهر هو سيادتها أو تفوّقها أو سيطرتها الموحدة. وقد رأى المنظّر الاجتماعي الألماني ماكس فيبر (1864-1920) بشكل مؤثر أن سلطة الدولة تتكون من "احتكار الاستخدام المشروع للقوة البدنية". أما الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679)، والمنظر الأصلي لسلطة الدولة، فقد رأى أن جوهر السلطة هو سيادة الدولة، إذ يعتقد هوبز أنه وفي أفضل حالاتها فإن السلطة سوف تُمارس من الموقف المفرد للسيادة والتي دعاها "ليفياثان".

لم ينكر فوكو أبدًا حقيقة سلطة الدولة بالمعنى الهوبزي. لكن فلسفته السياسية تنبثق من شكوكه حول الافتراض (وكان مجرّد افتراض حتى حوّله فوكو إلى موضوع) أن القوّة الحقيقية الوحيدة هي السلطة السيادية. قَبِلَ فوكو أن هناك قوى حقيقية للعنف في العالم، وليس فقط عنف الدولة. وهناك أيضًا عنف مؤسّسي بسبب التكثيف الهائل لرأس المال والعنف القائم على نوع الجنس على شكل النظام الأبوي، والانتهاكات على حد سواء العلنية والخفية مثل التفوّق الأبيض على عدة أشكال مثل الرق والعبودية وفرض الخط الأحمر على شراء الفقراء للعقارات والآن الحبس الجماعي. وأكدت فلسفة فوكو أن مثل هذه الممارسات للقوة كانت عبارة عن معارض للسلطة السيادية، تمامًا على شكل الليفياثان. وما شكّ فيهِ فوكو هو الافتراض الذي يمكننا أن نستقرأه من خلال الملاحظة السهلة التي تقول: أن الشكل الأكثر تعقيدًا لفكرة السلطة يظهر فقط على شكل الليفياثان.

ومن خلال النظر إلى التفرّد الوهمي للسلطة، فوكو كان قادرًا أيضًا على تصورها موضوعة ضد نفسها. وقد استطاع أن يفترض وبالتالي أن يدرس إمكانية أن السلطة لا تفترض دائما شكلا واحدا فقط وأنه في ظل ذلك، يمكن أن تتعايش مع شكل معين من أشكال السلطة جنبا إلى جنب مع أشكال أخرى من السلطة أو حتى أن تتعارض معها. ومثل هذا التعايش والتعارض، بطبيعة الحال، ليست مجرّد مغامرات متضاربة، بل هي نوع من الأشياء التي يحتاج المرء إلى تحليلها تجريبيًا من أجل فهمها.

وبالتالي فإن افتراض فوكو المتشكّك سمح له بإجراء تحقيقات دقيقة في الوظائف الفعلية للسلطة. إن ما تكشفه هذه الدراسات هو أن السلطة، والتي تخيفنا بسهولة، اتضح بأنها أكثر دهاء لأن أشكالها الأساسية يمكن أن تتغير استجابة لجهودنا المستمرة لتحرير أنفسنا من قبضتها. و لأخذ مثال واحد فقط، كتب فوكو عن الطريقة التي جاء بها حيز سيادي كلاسيكي مثل المحكمة القضائية لقبول إجراءات شهادة الخبراء الطبيين والنفسيين الذين تُمارسُ سلطتهم وقوتهم دون اللجوء إلى العنف السيادي. إن تشخيص خبير لأحدهم "بالجنون" اليوم أو "بالشذوذ" قبل 100 سنة يمكن أن يؤدّي لتخفيف أو زيادة القرار القضائي.

وأظهر فوكو كيف أن السلطة السيادية لليفياثان (التاج والكنائس ورأس المال) على مدى السنوات الـ 200 الماضية صارت الآن في مواجهة شكلين جديدين من السلطة: السلطة الانضباطية (التي تدعى أيضًا بالسياسة التشريحية بسبب اهتمامها المفصل لتدريب الجسد البشري) والسياسة الحيوية. وكانت السلطة الحيوية (السلطة على الحياة) هي موضوع فوكو في كتابهِ تاريخ الجنسانية: إرادة العرفان، المجلد الأوّل. في حين أن سلطة الضبط والمراقبة والسياسة التشريحية للجسد، كانا موضع تركيز فوكو في كتاب المراقبة والمعاقبة.

وفي كتابهِ المراقبة والمعاقبة بنى فوكو بَصْمَتَه في السلطة أكثر من أي كتاب آخر بأسلوب دقيق من التحقيق في الآليات الفعلية للسلطة. والمجموعة الكاملة من محاضرات فوكو، والتي نشرت مؤخرًا في كوليج دو فرانس في باريس (لربما هي المؤسّسة الأكاديمية الأرفع في العالم، وقد حاضر فوكو فيها في الفترة 1970-1984) تكشف أن كتاب المراقبة والمعاقبة كان نتيجة لخمس سنوات على الأقل من البحوث الأرشيفية المكثفة.

وفي غمرة انشغال فوكو بعملهِ على هذا الكتاب، كان مندمجًا بشكلٍ عميق مع مواده، فعقد ندوات بحثية وأعطى محاضرات عامة ضخمة يتم نشرها حالياً تحت عناوين مثل المجتمع العقابي والسلطة النفسية. المواد التي تناولها تراوح في نطاق واسع ابتداءً من ولادة علم الجريمة الحديثة ووصولًا إلى الطب النفسي القائم على الجنوسة للهستيريا. وتظهر المحاضرات أفكار فوكو عن التنمية، وبالتالي تقديم نظرة ثاقبة لفلسفته في خضم تحولاته. وعندما رتّب في نهاية المطاف مواده الأرشيفية في كتاب، كانت النتيجة حجة موحدة وفعالة من المراقبة والمعاقبة.

والضبط والمراقبة، وفقًا لتحليلات فوكو التاريخية والفلسفية، هي شكل من أشكال القوة التي تخبر الناس كيفية التصرّف عن طريق إقناعهم لضبط أنفسهم ضمن ما هو "طبيعي". وهذه السلطة خرجت في شكل تدريب إصلاحي/ تصحيحي. فالمراقبة والضبط يعملان ببراعة ولا يضربان الموضوع الذي يتم توجيهه كما تفعل السيادة. يعمل مبدأ المراقبة والضبط بمهارة أكثر بل و برعاية دقيقة حتى، حتى تضمن طاعة الناس. ودعا فوكو المنتجات المطيعة والطبيعية للمراقبة والضبط بـ "الذوات الخاضعة".

 

الثقافة الصفراء

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 06 تموز/يوليو 2017 10:52 الأربعاء, 28 حزيران/يونيو 2017 11:02

الثقافة الصفراء

بقلم فوّاز حداد

 

تعتمد الصحافة الصفراء على الإثارة في سعيها إلى الانتشار السريع والتوزيع الواسع، ما ينعكس على رفع أرقام مبيعاتها، وذلك في بحثها عن الفضائح المالية والجنسية، وافتعال العناوين المبالغ فيها، والتهويل في الأخبار، وعدم الحرج في نقلها من دون تحقق، ولا تدقيق. أما علاقة هذه الصحافة باللون الأصفر فبالمصادفة، كانت الجريدة الرائدة التي استنّت هذا النوع من الصحافة، تطبع على أوراق صفراء رخيصة الثمن، فسُمّيت بالصحافة الصفراء.


الثقافة الصفراء، وتشمل السياسة والفكر والفن، يتشابه الهدف منها مع سابقتها، حيث يسعى أصحابها إلى التلاعب بالحقائق للتأثير في الرأي العام. ما المانع ما دام الطريق سالكاً بينهما اليوم تحت رعاية أنظمة فاسدة، تمنحها الشرعية والانتشار معاً؟ أما اللون الأصفر، فليس تيمّناً باصفرار الورق، بل لارتباطه باللؤم، حسب تعبير أدبي، فالابتسامة الصفراء، تخفي غير ما تظهره، يتستّر اصفرارها على مآربها، فإذا أوحت بالبراءة أو اللامبالاة، فما تخفيه هو السم الزعاف.


وراء الصحافة الصفراء شركات تبغي تحقيق الربح على حساب نشر الغسيل القذر، بينما الثقافة الصفراء وراءها دول تسعى إلى الاستيلاء على عقول الناس وإقناعهم بأن الاستبداد نعمة، والطغيان بركة من السماء، والحروب الوحشية ضرورة لا بد منها للقضاء على الفوضى، وأن السجون والمعتقلات سرّ الأمان.


الثقافة الصفراء أخطر من صحافة الإثارة، وإن كان كلاهما يمتحان من عقلية واحدة، يشعلان معارك لا صلة لها بحرية الرأي، ولا بالوطن، وإن تذرّعت بهما، ومن الطبيعي أن تفرز ما يتلاءم مع ما يستجد من انحطاط، يتبدّى في الاستسلام للسلطة، وظهور المثقف المأجور يسرح على الشاشات، واثقاً من نفسه، مدافعاً عمّا لا يدافَع عنه، بلغة معسولة، تفيض بالثرثرة، وتكديس الكلام، بما يقلب الحقائق إلى أكاذيب، و الأكاذيب إلى حقائق. تميزه ابتسامته الصفراء، وتَلَوّن مواقفه ووقاحته الجسورة. فيبرئ القتلة الملوثة أيديهم بالدماء، واللصوص ناهبي ثروات الأمة من دون أن يرفّ له جفن.


لا يختصّ المثقف المأجور بالسياسة فقط، إنه أديب أيضاً، يلعب دور القيّم على الأدب والوصي على الأدباء، ويحاول انتزاع مكانة له من خلال إسهامه المجعجع في النشاط الثقافي، ولا يرضى إلا بأرفع المناصب الثقافية، يحضر المهرجانات والمؤتمرات بالواسطة أو حسب التقاص في المنافع. من هذه المنابر يطلق تنظيراته الجسورة، ويوزّع اتهاماته، ويطلق أحكامه على متمرّدي الأدب، يبرّر التهميش ويبارك القمع، دفاعاً عن ماذا؟ عن كل ما يسوّغ الخيانة.


ليس المثقف المأجور عديم موهبة، وإن كان يصرفها على التزلف والنفاق، إسهاماته متواضعة، ولا ينقصها التهويل، مهما كانت تافهة. مطمئن إلى أن تكاثر المريدين والمطبّلين سيضعه مع الزمن فوق النقد، ولن يجوز عليه إلا الثناء. هاجسه المناصب والسلطة، وإن كان مجال ممارستها محدوداً، وما يفلح به هو جعل الحياة أكثر بؤساً، والأدب أكثر انحطاطاً.


 
 

أخلاقيات التصوير الصحفي

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 06 تموز/يوليو 2017 10:51 الخميس, 22 حزيران/يونيو 2017 21:45

أخلاقيات التصوير الصحفي

7 أسئلة يجيب عنها مُصوّرون محترفون

بقلم أسامة ربيع

الصورة أعلاه توضح جنوداً من منظمة نمور أركان الصربية المسلحة تقوم بركل وقتل مدنيين مسلمين في البوسنة بتاريخ 31 مارس 1992، اتُهمت تلك المنظمة لاحقاً بارتكاب جرائم حرب. تصوير: Ron Haviv

لا يمكنك إجراء محادثة هذه الأيام بخصوص التصوير الصحفي دون الخوض في تفاصيل أخلاقيات المهنة، لذا طلبنا من متابعينا على فيسبوك وتويتر وإنستغرام أن يرسلوا أسئلتهم، اخترنا من بينهم سبعة أسئلة يجيب عنها مصورو وكالة VII Photo Agency.

السؤال الأول: هل صحيح ما يُثار حول التصوير الصحفي بخصوص وضع أهمية التقاط الصورة فوق كل اعتبار ؟ فلو أخبرك أحدهم بوجود حد معين لا يُسمح بتعديه، هل تستمع له؟

يجيب عن هذا السؤال المصور “Ron Haviv” قائلاً: “فكرة الأهمية القصوى لالتقاط الصورة تختلف باختلاف كل موقف، فواحدة من أهم المهارات التي يجب أن يتميز بها كل مصور هي القدرة على اتخاذ القرار في أي لحظة، هذا القرار يعتمد على عوامل كثيرة بدءاً من المنظر المطلوب تصويره وكيفية تصويره وصولاً إلى الدافع وراء تصويره.

بجانب كل القرارات الخاصة بالتصوير، ينبغي عليك في نفس الوقت التفكير حول حضورك الشخصي في الصورة ومدى تأثيره وكذا تفاعلك مع الأشخاص والعوامل المحيطة، ففي بعض الأوقات يكون ثمن التقاط الصورة كبيراً للغاية، وأوقات أخرى سيحاول العاملون في المؤسسات سواء كانت قانونية أم لا العمل على منعك من التصوير، في كل تلك المواقف يكون الإدراك العميق لهدفك مهما للغاية مع طرحك للسؤال الأهم: هل تستحق صورة ما كل هذا؟

ليس بمقدور أحد إخبارك أهذا صحيح أم لا، فقرارك وقتها سيعتمد كليةً على قراءتك للحظة الحاسمة.”

السؤال الثاني: ما هو مقدار التعديل المسموح به في التصوير الصحفي إذا كان المبدأ هو إبراز الحقيقة؟ كيف ترى تقنيات التعديل الداخلية في الكاميرا مثل “التعريض الزائد – over exposure” أو “التعريض الناقص – Under exposure”، استخدام الفلاش وغيرها والتي تظهر صوراً لا تماثل ما نراه؟

يقول “Maciek Nabrdalik”: “كمصور صحفي، عليك أن تؤمن أنه على المدى الطويل يكون أثمن ما تملكه هي ثقة الناس في صورك، أنا لا أؤمن حقاً بوجود كاميرا تسجل بدقة ما نراه، ودوماً كان الخيار بالنسبة لي هو إما أن تثق بمستشعر ما صممه أحد المهندسين، أو أن تضع ثقتك في ذاكرة مصور ذو مصداقية وقصته خلف تلك الصور.

لقد كان للقيمة الجمالية دائماً موضعها في اهتمامات التصوير الصحفي، ولا أرى مشكلة في هذا خصوصاً إذا كانت القيمة الجمالية ليست هي الدافع الرئيسي خلف القصة أو الصورة في هذا النوع من التصوير.

إذا اخترت أن تدعو نفسك مصوراً صحفياً فيجب أن يتركز اهتمامك الرئيسي حول الموضوع لا على نفسك ولا موهبتك، محتوى الصورة هو الأهم، لذا من أجل محتوى جيد افعل ما تراه مناسباً، انشر قصتك ودع صورك تتحدث عن نفسها.

لكن كن على حذر من حساسية وخبرة متابعيك، هم لا يحتاجون أن توضح لهم ماذا يجب أن يروه، فكثير منهم يسافرون و يمكنهم التأكد اذا ما يمكن الثقة بك. في إحدى المرات استأجرتني مجلة للتصوير في بولندا، سأظل أتذكر دوماً نصيحة المحرر الذي قال لي: “لقد رأيت صوراً كثيرة لهذا المكان، والأكثرية منهم تميل إلى إظهار الدراما، نحن لا نريد توجيه قرائنا للشعور بشيء معين تجاه هذا المكان.”

إذا أردت أن تدرس لاحتراف المهنة، اقترح عليك قراءة تقرير “David Campbell” ويُدعى “مصداقية الصورة”. كما لم تشاهده من قبل: عشر صور مُذهلة تُظهر سحر الانعكاس

السؤال الثالث: كيف يمكنك التفريق بين التقاط صور قوية ومؤثرة، وكونك متعاطف مع احتياجات الأشخاص المطلوب تصويرهم؟

يجيب “Stefano De Luigi”: يطرح العديدون هذا السؤال عندما يبدأون العمل في مهنتنا، إلا أنني أعتقد أن الإجابة تتلخص في كونك صحفياً.

يوجد مصطلح شهير في مهنتنا هو “المسافة المناسبة”، وهي المسافة التي ينبغي على كل مصور وضعها بحرص بينه وبين قصته كي يظل في كامل تركيزه.

التعاطف من وجهة نظري موروث من مهنتنا ذاتها، أعتقد أن كوني مصوراً صحفياً معناه اهتمامي بحياة الآخرين على كافة الأوجه سواء كانت سعيدة أو حزينة أو مأساوية. المسافة الفاصلة مهمة، فهي تجعلنا نروي القصة دون التعديل فيها.

دورنا الرئيسي يقبع في الملاحظة، والملاحظة بموضوعية مطلوبة بشدة لأن القصة تحتاج لمن يرويها، هذه هي القاعدة التي تحكمني عندما أواجه موقفاً حياتياً صعباً. أنا لا أفقد تعاطفي لأني إنسان أولاً وأخيراً، لكنني أعرف موقفي جيداً، وهو كوني شاهد على ما يحدث.

في النهاية أود أن أنهي حديثي بمقولة “Don McCullin” والتي تساعدني دوماً حينما تمر علي لحظات صعبة: “عندما تقف أمام منظر مؤثر وترى إنساناً في موقف صعب يفقد كرامته فيه، حيث الظلم أو العنف، تسعة من عشرة أشخاص يديرون أنظارهم بعيداً لشعورهم بالحرج أو لعدم إحراج الشخص المتعرض لهذا النوع من الإيذاء، شخص واحد يبقي على نظره ناحية الضحية ويشهد على هذا الظلم ليترك بصمة ثابتة لا تُمحى تُرسل إلى الباقين ليساعدوا هؤلاء الضحايا و يخبروا العالم بما يحدث، هذا الشخص هو المصور الصحفي.”

السؤال الرابع: كيف تستطيع أن تُقيّم كصحفي الحاجة إلى العمل في مشاريع مع اعتبارات الحياة اليومية الاقتصادية، أعني هل تجد نفسك غير قادر على العمل في مشاريع معينة ذات اهتمام شخصي لأنك قد لا تكون قادراً على بيعها لوكالات إخبارية؟

يجيب “Davide Monteleone” قائلاً: دائماً ما أخبر تلاميذي “اختر قصة تهمك بشدة ولا تنس أن تغتنم خبرتها.” هناك نوع من المنافسة الشديدة في عالم التصوير اليوم، وإذا أبقيت على متابعتك للأحداث الرئيسية التي تدور في المجتمع لوجدت نفسك محاصراً بالآلاف من زملائك يعملون على نفس القصة.

يستطرد ديفيد: من المستبعد أن تجد نفسك في تلك الأحداث كونك مبتدئاً، بالتالي إذا وجدت قصة تملؤك شغفاً فلن تقف حظوظك عند فرصة الحصول على قصة فريدة، بل ستجد الأمر أسهل في استثمار وقتك ومالك.

فرصتك الأولى في الحصول على مقعد في الأحداث الرئيسية قد تكون صعبة، إلا أن اليوم هناك فرص كثيرة للحصول على متابعين لك ولعملك، على سبيل المثال: تستطيع أن تربط صورك لمجلة معينة بإنستجرام وإذا كانت قصتك جيدة، استطيع وقتها أن أضمن لك النجاح وقد تجني بعض المال.

دعني أقول لك أنك لن تصبح غنياً باختيارك لتلك المهنة، هذا ليس السبب الذي اخترتها لأجله، أليس كذلك؟يحتاج المصور لمصادر أخرى للمال كالمبيعات أو التحرير الصحفي، والتنوع سوف يكسبك المال.

بغض النظر عن أزمات الإعلام حالياً، لدينا نحن الحرية للإنتاج قصصنا التي نهتم بشأنها، بل يمكننا خلق جمهور مخصص لمتابعة أعمالنا مع فرصة كبيرة في نمو هذا الجمهور، التفرد هو عنوان هذا العمل اليوم، اختر القصة التي تحبها واستثمر بها بعض المال إذا لم تجد من يدعمك في البدء، كن قوياً وشغوفاً و لسوف تتم مكافأتك على مجهوداتك.

السؤال الخامس: كيف تضمن موافقة واحترام الأطراف التي تخوض أزمة معينة؟

يجيب “Ashley Gilbertson”: عندما أصور نادراً ما أطلب صوتياً موافقة الأطراف، في الغالب أقترب من الناس و الكاميرا ظاهرة لهم و بقصد مني أنظر لهم في أعينهم، في تلك اللحظة أحصل على التصريح بالتصوير أو يُطلب مني المغادرة.

في حالات عديدة، خصوصاً تلك التي تحتمل التأويل، أجلس وأتحدث مع الشخص لبرهة،أقدم نفسي واشرح عملي له، بعدما يشعر الشخص بالقليل من القوة والوضوح يستطيع وقتها اخباري برغبته حول تصويري له.

السؤال السادس: كيف تتعامل مع صناعة الأساطير في التصوير بمجال حقوق الإنسان، أعني الاحتياجات المتنافسة لإظهار شخص ما كما هو بصدق بينما المنظمات غير الحكومية تحتاج إلى رموز معروفة تمولها؟ ماذا تعتقد بخصوص طرق التصوير الوثائقية والتي بدأت في إبراز ما لا يستطيع أن يعرضه The medium كعمل بعض المصورين على قصص المرضى العقليين مثل ذلك الجنوب إفريقي الذي قصد مستشفيات الأمراض العقلية ليلتقط العديد من الصور للمرضى بالداخل؟

يقول “Ed Kashi”: أنا لا أشهد صناعة أي أسطورة كجزء من عملي مع المنظمات غير الحكومية، الأمر يتعلق أكثر بتعاملك مع عملائك، لم يُطلب مني مطلقاً ترويج شخصيات كأساطير، فمهمتي والتي أتقاضى عليها أجري تعتمد علي كراوٍ بصري للقصص بالإضافة لمهاراتي كصحفي.

بالنسبة للأنواع الجديدة من التصوير والتي تعتمد على التقنيات، نعم أقدرها لفنها وقيمتها التصويرية لكنها تثير بعض المخاوف بشأن تأثيرها على المهنة والعامة، هناك بالتأكيد رغبة بين المصورين الصحفيين و الوثائقيين ليصبحوا أكثر فنية، وفي بعض الحالات قد تتطور تلك الرغبة وتطغى فوق جودة ونزاهة المواد المراد إنتاجها.

عندما يتعلق الأمر بالوثائقية، هناك حدود لا يجب علينا تعديها في كيفية عرض الأشخاص المشاركين في العمل، وبصراحة أعتقد بخطأ استخدام المرضى لسرد قصصنا إلا لو طورنا أكبر قدر من الحساسية في التعامل معهم مع توضيح هدفنا ليكون مساعدتهم لا فضحهم، بالإضافة إلى احترامهم والحفاظ على كرامتهم.

السؤال السابع: ما هي أفضل نصيحة تستطيع تقديمها لمن يريد العمل على قضايا حقوق الإنسان ذات المحاذير الأخلاقية؟ كيف يمكنك التأكد من عرض قضايا حقوق الإنسان بدون تبسيط يفقد القضية هيكلها وتعقيدها؟

يجيب “Arthur Bondar”: الأسئلة الرئيسية التي ينبغي أن توجهها لنفسك هي، لماذا سأذهب إلى هناك؟ ما هو السبب الرئيسي لبقائي هناك؟ كيف بإمكاني مساعدة الناس في ذلك المكان؟

إذا كنت ستغطي قضايا حقوق الإنسان فيجب عليك أن تعلم بالخطر الذي يهدد حياة البشر، لا يمكننا عزل أنفسنا عما نراه والتعامل كصحفيين فقط، سيمر بعقلك دوماً السؤال الأخطر “هل يجب علي التقاط الصورة أم مساعدة الشخص؟”. إذا كانت إجابتك “لا” فأنت لا تصلح للعمل كمصور صحفي في قضايا حقوق الإنسان، هناك العديد من القضايا الأخرى التي نستطيع تغطيتها بعدساتنا.

لا يمكننا فقط عرض ما يعاني منه بشر آخرون كالمخدرات، تجارة الجنس، الصراعات، الأمراض إلخ.. فقد رأينا آلاف الصور لتلك القصص بالفعل، علينا الآن أن نعرض القصة وحلها، فمن المهم بمكان مساعدة الناس ومنحهم الصوت الذي لم ينالوه أبداً، أعتقد أنه كلما تعمقنا أكثر في القصة وقضينا وقتاً مع أفرادها كلما زادت استحالة تبسيطها والاستخفاف بها.

في بعض الأوقات أصطحب كاميرتي و أتطوع في معسكر للاجئين أو مستشفى للأطفال، أحاول إظهار الأمل في النفق المظلم، حتى لفرد واحد بين آلاف المصورين تأكد أن الأمر يستحق وقتك تماماً.

نُشرت النسخة الإنجليزية من هذه المقالة في موقع The medium


 
 

المنعطف السردي في المسرح

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الخميس, 22 حزيران/يونيو 2017 00:23

المنعطف السردي في المسرح وعودة فنون الحكي


بقلم الدكتور خالد أمين

"الحكاية الجديدة هي التي تروى من جديد فيتحول من يصغي إليها إلى راو وهكذا". (عبد الفتاح كيليطو، جذور السرد، ص. 300)

"السرد خطاب تخييلي أوثق صلة بالطريقة التي تصوغ بها المجتمعات النصية علاقة مسألة الغياب -بوصفه إحدى وسائل إنتاج الحقيقة- بهيمنة رمزية مؤسسة على تدبير الطرق المتبناة في إدراك العالم، بما هو نزوع نحو تملك شرعية الوجود الاجتماعية". (عبد الرحيم جيران، علبة السرد، ص. 205)

صادف عام 2016 الذكرى الثانية عشرة لمهرجان "طنجة المشهدية" التي دأب المركز الدولي لدراسات الفرجة على تنظيمه كل عام بمدينة البوغاز. وكان هدف مؤتمر هذا العام هو إثارة موضوع "المنعطف السردي في المسرح" ومواصلة اجتراح بعض الأسئلة المتعلقة بفنون الفرجة في بعدها الكوني.

العودة لفنون الحكي العربية

جدير بالتذكير في عتبة هذا الكتاب الجماعي بأن اجتهادات المركز الدولي لدراسات الفرجة مرتكزة بالدرجة الأولى على مسرحنا العربي في حدود علاقاته بما هو كوني؛ لذلك نؤمن بأن بناء صرح هذا المسرح يقتضي العمل الجماعي والكوني لأجل الانفكاك من بنية السلطة الاستعمارية العتيقة، من جهة، وهيمنة الاستعمار الجديد من خلال الأقنعة الجديدة المتمثلة في  سريان "القوة الناعمة" في شتى مناحي حياتنا اليومية بما فيها التبادلات الرمزية، من جهة ثانية. وجب التذكير -وقبل التطرق للمنعطف السردي في الممارسات المسرحية المعاصرة- بالعنوان الفرعي:"عودة فنون الحكي"؛ وهو النافذة المشرعة على مجمل طرائق العودة العربية المتأخرة إلى أنماط الحكي التراثية.

لم يتطور مسرحنا العربي مباشرة انطلاقا من فنون الحكي العربية؛ إذ كانت نشأته غربية مع "البخيل" لمارون النقاش. ولكنه عاد ليتصالح مع الوجدان الفرجوي لألف ليلة وليلة في مسرحيته الثانية الموسومة بـ"أبو الحسن المغفل وهارون الرشيد": عود على بدء؛ لذلك نعد تلك العودة لأنماط الحكي التراثية مع جيل الرواد الأوائل منعطفا سرديا مفصليا في مسرحنا العربي؛ بل النواة الأولى والبداية لمعالم التجربة المسرحية العربية في محاولاتها الانفكاك من هيمنة النموذج المسرحي الغربي.

برزت الحاجة لاستحضار تقاليد الحكي العربية العتيقة في مسرحنا العربي، من مقامة وغيرها، بهدف ابتكار أشكال مسرحية جديدة ضمن منظومة المسرح المحكي؛ فأصبح المسرحي العربي ابتداء من منتصف القرن الماضي يستشرف رحابة السفر في المتون السردية القديمة، والسرود الشفهية بخاصة. وقد أدى هذا الأفق إلى إنتاج هجنة مسرحية من جراء تناسج ثقافات فرجوية متنوعة. يؤكد عز الدين المدني أنه "حينما نعود إلى التراث العربي الإسلامي، وخصوصا إلى فنياته الجمالية لا نريد بذلك أن نستدل على صحة مفهوم الأصالة المزعوم وأن نقدس هذا التراث أكثر مما يطيق من التقديس"[i]؛ فبعد سفر طويل وبحث دؤوب في جماليات المتون العربية القديمة، اعتمد المدني مفهوم الاستطراد بوصفه خاصية جمالية مكنته من اقتراح شكل مسرحي يجمع بين القديم والجديد؛ فـ"الاستطراد في التأليف العربي القديم هو التداخل في الأغراض، والتراكيب في الأحاديث، وإلقاء الحديث على عواهنه وتكديسه على بعضه البعض. ولعله ثانيا سرد روايات متعددة وربما متناقضة لحدث واحد. ولعله ثالثا إيراد تحليلات وتأويلات كثيرة..."[ii].

لقد أسعفت تجربة المدني صاحبها في تحقيق الوصل بين الماضي، والحاضر، والمستقبل، انطلاقا من رؤية ملحمية بريشتية بامتياز. وتأسيسا على ذلك، سيتمكن من التفاعل الإيجابي مع المخزون التراثي العربي بهدف إنجاز فرجة مسرحية مكتملة، يتحقق فيها البعدان: المعرفي والجمالي، ويغدو فيها الوعي التاريخي سبيلا لإضفاء طابع الراهنية على الحدث التاريخي، وإمعان النظر في واقع الحال الآني. وبهذا المعنى، فإن استعادة المدني لثورة الزنج -على سبيل المثال- ومسرحتها وفق شروط السياق العربي المعاصر، كانت تتماشى مع التصور البريشتي للسرد الملحمي والمسافة التاريخية.

وقد كانت عملية نقل تقنيات الفرجة الشعبية المغربية المفتوحة من ساحة "جامع الفنا" إلى البناية المسرحية الغربية المغلقة استشرافا لرحابة تناسج ثقافات فرجوية مختلفة بوصفها ثورة مستمرة للأشكال، يتم من خلالها كتابة النصوص ضمن محور تقاطع الثقافات المختلفة؛ فمن خلال الالتفاف حول تقنيات الحلايقي، والسمايري، وعبيدات الرما، وسلطان الطلبة، والبساط... عبر الفنان المسرحي المغربي عن حالة القلق ووضعية التردد الثاوية خلف فعل كتابة "التابع".

تُعدّ وضعية من هذا القبيل جانبا من مأزق الهوية التي تتخبط فيه الذات المغربية راهنا؛ وهي الذات التي وجدت نفسها مشكلة في الحد الفاصل بين نمطين من الحكي على الأقل: الحكي الغربي والحكي العربي/ الأمازيغي، الإسلامي... هكذا، تساوق المسرح المغربي بقوة مع شرط هجنة ما بعد الاستعمار، وهي هجنة تشوش وتربك النموذج المسرحي الغربي في الوقت نفسه الذي يتم فيه تبنيه.

إن انخراط الفنان المغربي الرائد الطيب الصديقي- عن وعي- في هاته الدينامية منذ نهاية الستينيات خير دليل على تناسج الممارسة المسرحية العربية مع ثقافات فرجوية أخرى؛ حيث دشن مسار العودة لفنون الحكي التراثية بمسرحيات رائعة أصبحت تشكل أنوية حقيقية لريبيرتوار المسرح المغربي مثل: "ديوان سيدي عبد الرحمان المجذوب"، و"مقامات بديع الزمان الهمداني"، و"أبو حيان التوحيدي" و"الفيل والسراويل"... كما استشرف الصديقي أفقا مشرعا على المصالحة مع الوجدان الفرجوي المغربي من خلال التركيز على مسرحة نصوص حكائية، وشعرية تراثية مؤطرة في بنية الحلقة بوصفها وعاء لـ'قصصية معممة'[iii]، وبؤرة لتعايش ثقافات فرجوية مختلفة.

واتخذ الجزائري عبد القادر علولة المنحى نفسه؛ إذ صرف كل طاقته الإبداعية في العقد الأخير من حياته لتطوير منهج مسرحي مستمد من التقنيات السردية للحلقة والكوال الجزائري بخاصة؛ ذلك بعد أن حلق في سماء الإبداعات العالمية، وتأكد في نهاية الأمر أنه يستحيل تقديم رسالته الاجتماعية للجمهور الجزائري بمعزل عن الانفتاح على عاداتهم ووجدانهم الفرجويين. وعبر علولة عن انشغاله المتأخر بمسرح الحلقة في المؤتمر العاشر للجمعية الدولية لنقاد المسرح ببرلين عام 1987؛ ذلك بعد أن تأكد من عدم جدوى الترتيب المسرحي المحاصر داخل العلبة الإيطالية: نقرأ: "وفي خضم هذا الحماس، وهذا التوجه العارم نحو الجماهير الكادحة، والفئات الشعبية أظهر نشاطنا المسرحي ذو النسق الأرسطي محدوديته، فقد كانت للجماهير الجديدة الريفية، أو ذات الجذور الريفية، تصرفات ثقافية خاصة بها تجاه العرض المسرحي، فكان المتفرجون يجلسون على الأرض، ويكونون حلقة حول الترتيب المسرحي، وفي هذه الحالة كان فضاء الأداء يتغير، وحتى الإخراج المسرحي الخاص بالقاعات المغلقة ومتفرجيها الجالسين إزاء الخشبة، كان من الواجب تحويره. كان يجب إعادة النظر في كل العرض المسرحي جملة وتفصيلا."[iv]؛ فهذه الشهادة البليغة يمكن النظر إليها بوصفها بيانا تأسيسيا يرصد الدوافع التي أدت إلى فعل التجريب من خلال فرجة الكوال.

هذه ليست دعوات جوهرانية تروم الاغتراب في الماضي أو الرجوع إلى أصل ما للفرجة العربية - كما ادعت العديد من النظريات الانتقائية التي خرجت من تخوم الكراسي المريحة - بقدر ما هي محاولات تجريبية نابعة من التجربة الميدانية. خلص فيها علولة -في أثناء مراجعة تصوره للفن المسرحي برمته في حدود علاقته بالجمهور الجزائري- إلى القول: "عن طريق هذه التجربة التي استدرجتنا إلى مراجعة تصورنا للفن المسرحي، اكتشفنا من جديد- حتى وإن بدا هذا ضربا من المفارقة- الرموز العريقة للعرض الشعبي، المتمثل في الحلقة، إذ لم يبق أي معنى لدخول الممثلين وخروجهم، كل شيء كان يجري بالضرورة داخل الدائرة المغلقة، ولم تبق هناك كواليس، وكان يجري تغيير الملابس على مرأى من المتفرجين، وغالبا ما كان الممثل يجلس وسط المتفرجين بين فترتي أداء لتدخين سيجارة، دون أن يعجب من ذلك أحد."[v].

هل بالإمكان الحديث عن منعطف سردي آخر راهنا؟

بدأت العودة إلى فنون الحكي في المسرح الغربي المعاصر مع بيسكاتور، وبريشت بعد الموقف المناهض لاتجاه مظاهر التسريد القصصي الذي لازم الاتجاهات الواقعية بما فيها الواقعية الطبيعية. أصبحت استراتيجيات الحكي المتجذرة في الثقافات الفرجوية الأفريقية والأسيوية (بما فيها العربية) - وفي أعقاب رحلة المسرح الغربي نحو الشرق- تغزو أعمال ويلسون، وبروك، ومنوشكين، وآخرين...

نحن الآن في حاجة إلى تسليط المزيد من الضوء على التداخل بين "المنعطف السردي" ونظيره "الأدائي". أحيانا لا تتحكم في تصريف المادة الحكائية كرونولوجية خطية؛ إذ لا ينشد السرد بوصفه آلية لنقل تلك المادة الحكائية داخل معترك الممارسة المسرحية البديلة رهانات تمثيل واقع الحال كما هو. ساهم المنعطف الفرجوي، في السياق ذاته، أواخر القرن العشرين في إرباك الحدود بين الفنون وبين الفن ونقيضه؛ ذلك من خلال انفتاح المسرح على باقي فنون المدينة، بما فيها فن الأداء والفرجات الخاصة بالمواقع؛ فأصبح المسرح وسيطا موسعا يستوعب وسائط، وخطابات تخييلية متعددة وممانعة، لم تكن في الماضي القريب جزءا من الممارسة المسرحية.

نشهد في الزمن الراهن ازدهارا لم يسبق له مثيلا للعروض الحكائية، والمسرحيات المونولوجية في جميع أنحاء العالم بما في ذلك عالمنا العربي. هكذا يعود الحكي بقوة إلى الممارسة المسرحية المعاصرة؛ حيث يأخذ "المونولوج" الأسبقية على "الديالوج". ومن ثم، يزلزل وهم 'الدراما'. ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى هذه العودة بوصفها التفافا حول القصة، بل عرضا لممكنات الفعل القصصي. إنها سعي لتحقيق علاقة جديدة مع التمثيل المسرحي بعيدا عن العودة إلى 'الدراما'.

يجسد أداء الحكي السيرذاتي والوقائع في عديد من التجارب المسرحية المعاصرة الإمكانات الهائلة للمسرح الحكائي، فيغزو الواقع المعيش المسرح من جديد، ويستفزه انطلاقا من ردم الهوة بين الحكي الذاتي والحكايات الجماعية، الخاص منها والعام، الجمالي منها والسياسي. ويمكن عدّ اشتغال مجموعة "ريميني بروطوكول" السويسرية- الألمانية أنموذجا عبر الاعتماد على "خبراء الحياة اليومية" (Experten des Alltags) ومروياتهم وأجسادهم الجريحة، والإلقاء بهم في خشبة المسرح. والحال، أن العروض المعاصرة التي تعتمد المواد السير ذاتية، بما في ذلك 'المحاضرات الأدائية' كتلك التي قدمها ربيع مروة في الدورة السابقة من مهرجان 'طنجة للفنون المشهدية'، تؤكد التفاعل بين الواقع والخيال، ليس فقط في مظاهر تسريد  narrativization الذكريات الفردية، ولكن أيضا في طبيعة التأريخ نفسه.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن العودة إلى "المونولوغ" و"الجوقة" في الدراماتورجيا المعاصرة تكتسي أيضا دلالات عميقة؛ بحيث يعود استعمال المونولوج إلى المسرح الكلاسيكي، وهو وسيلة الكاتب الدرامي للكشف عن اضطرابات وأحاسيس وحالات نفسية ونوايا الشخصية؛ وهي تفكر بصوت مرتفع، صوت مسموع لدى الجمهور.

إن مناقشة هانس ليمان للعروض المبنية على الحكي، تتصل أيضا بهذا السياق؛ إذ يقول: "يعتبر مبدأ الحكي من أهم مرتكزات مسرح ما بعد الدراما، ذلك أن المسرح أصبح بؤرة للفعل السردي". (PD, 109) بالنسبة إلى ليمان، فالأعمال التي تقدم تأملا عموميا حول قضايا معينة عوض فعل درامي تؤكد وجود مشهد مسرحي ما بعد درامي. من هنا، تعدّ مظاهر التسريد الحكائي من أهم مكونات الأسلوب ما بعد الدرامي، بل حتى "مسرح ما بعد الهجرة"Post-Migrant Théâtre الذي أصبح حضوره لافتا بخاصة في أوروبا.

والحال، أن النقد المسرحي لم يطور آلياته النظرية والنقدية في اتجاه التعاطي مع هذه الظاهرة كما هو الأمر بالنسية إلى النقد الروائي خاصة مع (Genette, 1872; Cohn, 1981). يقول باتريس بافيس في السياق ذاته: "نحن إذن في مرحلة ما بعد السرد الدراماتورجي. وبالموازاة مع ذلك، نسجل من داخل الكتابة الدرامية المعاصرة منذ عام 1990 عودة إلى السرد، والحكي، ومتعة سرد القصص. ومع ذلك، فإن الدراماتورجيا، سواء كانت كلاسيكية، أو ما بعد كلاسيكية، لا تستفيد بما فيه الكفاية من النظريات ما بعد الكلاسيكية لعلم السرد، تاركة مع الأسف هذا العلم السائر في طريق التجديد في الظل"[vi]. هكذا إذن، يدعونا بافيس للمزيد من الانفتاح على ممكنات علم السرد الحديث بهدف مقاربة أساليب الدراماتورجيات الممانعة التي أصبحت تجتاح خشبات المسرح على المستوى الكوني.

قد يتحول السرد المحكي في عديد من الأعمال المسرحية المعاصرة إلى حكي موغل في استعمال الصورة، وهي حامل قد يبدو سهل الاستيعاب، إذ يغازل النظر بوصفه هو أسهل أداة تواصلية، كما عبر عن ذلك ريجيس دوبري في كتاب "حياة الصورة وموتها". وهنا أيضا يحق لنا أن نعيد طرح سؤال سبق أن طرحناه بصيغة أخرى في سياق ندوة "المسرح والوسائط" عام 2011: هل أبعدت الدراماتورجيا البصرية غالبية الجمهور عن الولع بالحكي المنطوق، حتى وإن تحقق من خلال الميكروفون؟ نلاحظ أحيانا  تدافع المؤدين نحو ميكروفون ما من أجل تحقيق وهم ذلك التدفق المفاجئ لدواخل الذات، ومعاناتها وانكساراتها كما هو الأمر بالنسبة لعديد من التجارب العربية المعاصرة: "دموع بالكحول"، "حادة"، "بين بين"، "بينما كنت أنتظر"... وهنا تحديدا يصبح الميكروفون الآلية التي تمكن من تحقيق عملية البوح، من جهة، ووسيلة الانفتاح على الآخر، من جهة ثانية. وهو في نهاية الأمر أداة وسائطية تذكر مستعمليها بأنهم في صدد مخاطبة أناس آخرين عبر أثير ما .... ومع ذلك، يجب الإقرار بأن التوظيف الواسع الانتشار للمكروفون في مسارحنا يستفز تدافعنا الهويتي وطمأنينتنا، ويدفعنا إلى الاعتراف بتأثيرات الآخر بما فيها الأسلوب مابعد الدرامي. فالميكروفون هو جهاز يحول الموجات الصوتية إلى طاقة كهربائية. ومن ثمة فهو يخلق قناعا صوتيا إلكترونيا يحجب الصوت الحقيقي للمؤدي. وهنا نكون بإزاء قطيعة مع التمثيل الطبيعي والاندماج. كما أن نص المونولوج، غالبا ما يقدمه الممثلون/ المؤدون وهم في وضعية جسدية ثابتة لا تعكس تعبيرا معينا؛ وهي وضعية أشبه بالقناع المحايد لدى جاك لوكوك. وهذا القناع يزيح الاندماج الكلي في الشخصية...

نسعى، إذن، من خلال هذا الكتاب الجماعي إلى استكشاف خطابات جديدة ومختلفة تتناول بالدرس والتحليل العلاقة المتبادلة بين الحكي والمسرح، في سياق ما نصطلح عليه "المنعطف السردي في المسرح". فانطلاقا من مناقشاتنا المستفيضة السابقة حول مواضيع شتى تتعلق بدراسات الفرجة، نقترح إجراء حوار ذي حدين يقوده الفنان، ويؤطره الباحث.

--------------------------------------------

الهوامش:

1- عزالدين المدني، ديوان الزنج، الدار التونسية للنشر، 1972.

2- المرجع ذاته.

3- راجع غريماس وكورتيس (1979).

4- حفناوي بوعلي، أربعون عاما على خشبة مسرح الهواة في الجزائر، منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين، الجزائر: 2002، ص. 229.

5- عبد القادر علولة، "الظواهر الأرسطية في المسرح الجزائري"، ديوان أعماله الكاملة (الجزء الثاني) ص. 16.

6- باتريس بافيس، ندوة مهرجان طنجة للفنون المشهدية، دورة 2014.

 
 

السفسطائيون.. بين الحقيقة والتضليل

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 06 تموز/يوليو 2017 10:50 الجمعة, 16 حزيران/يونيو 2017 23:45

السفسطائيون.. بين الحقيقة والتضليل

بقلم الكاتبة السورية لجينه نبهان

سنتناول في هذا المقال موضوع السفسطة والسفسطائيين؛ أفكارهم، ظروف نشأتهم، أعلامهم، و اتفاقهم واختلافهم مع من سبقهم. وكان دافعي في اختيار الموضوع، والبحث فيه، هو الإضاءة على ما لحق بهذه الفئة من تشويه استمر حتى القرن التاسع عشر، حيث تمّ إنصافهم إلى حدّ ما، لكن ورغم ذلك لم تزل الفكرة مغلوطة لدى الكثيرين الذين مازالوا يستخدمون المصطلح بمفهومه المشوه:

(السفسطة هي الحديث بغرض الحديث، أو الكلام الذي لا يفضي إلى شيء).

بداية.. لا بد من تعريف السفسطة، ومحاولة فهم الظروف التاريخية التي تهيأت لظهور السفسطائيين.

السفسطة.. كما تشير أغلب الكتب، هي مذهب فكري فلسفي نشأ في اليونان في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس قبل الميلاد، في مرحلة بدأ فيها انحسار سطوة فلاسفة الطبيعة، متزامناً مع انحسار الأوليغارشية (حكم الأقليات)، ليتم التركيز على الإنسان والاهتمام به: مكانته، حرية منطقه، مذهبه العقلي، ودوره في المجتمع. حيث قامت شيئاً فشيئاً ديمقراطية في أثينا: مجالس للشعب، وقضاة شعبيون. وكان شرط  هذه الديمقراطية الفتيّة كي تعمّ وتزدهر، أن يكون الشعب متنوراً بالدرجة الكافية، ليستطيع المشاركة في السيرورة الديمقراطية، وهنا تهيأت الظروف التاريخية لظهور السفسطائيين الذين توافدوا من المستعمرات الإغريقية على شكل جماعات، واستقروا في أثينا، وبدأوا بالفعل تعليم الناس مقابل أجر مالي.

أصل الكلمة

أصلها ينحدر من (سوفيسوس) sofia صوفيا. أي الحكمة والمهارة والأسبقية. والرجل (السوفوس) sofos هو الرجل البارع والعالم والجهبذ والحكيم.

أما السفسطة كمعنى ومفهوم.. فهي مجادلة تبدو كأنها موافقة للمنطق، لكنها تصل في النهاية إلى استنتاج غير مقبول، سواءً لتعذره أو لاستعماله الإرادي المغلوط لقواعد الاستنتاج، وبالتالي فإنه يمكن اعتبارها قولاً مموهاً، أو قياساً له شكل صحيح لكن نتيجة باطلة!. القصد منه تضليل المحاور. لذلك تم الخلط أحياناً بين السفسطة والمغالطة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن ما يميز الأولى عن الثانية أن السفسطة هي الرغبة الإرادية لدى السفسطائي بتضليل محاوره بهدف إحداث ارتباك فكري لديه (الآخر) يدفعه إلى التعمق في حججه الفكرية، ومن هنا ربما جاءت مقولة أن السفسطائيين تلاعبوا بالمدارك الفلسفية، لكنهم أفادوا المجتمع في أنهم أثاروا في نفوس الشباب الرغبة بالعلم وطلب المزيد منه.

وبالعودة إلى الفرق بين السفسطة والمغالطة، إذاً السفسطة تضليل إرادي هادف، بينما تبقى المغالطة لا إرادية.

إن هذا التحول الذي حدث في المجتمع الأثيني بالتوجه نحو الإنسان والابتعاد عن الغيبيات والتركيز على المنطق والعقل أثار حنق رجال الدين وذوي التوجهات اللاهوتية ومن ماثلهم بالاستفادة من الوضع الذي كان قائماً قبل هذا التحول، وإن الدور التعليمي والمعرفي الذي قام به السفسطائيين جعلهم يتلقون موجة الغضب والتشويه التي ذكرناها. حيث بدؤوا يكيلون لهم الاتهامات على أنهم السبب في غضب الآلهة على مدينتهم التي طفقت تنهار.

أفلاطون.. يقلل من شأنهم

ولقد كان أفلاطون على رأس المناهضين لهم، حيث ألّف عنهم خمس كتب عمد فيها إلى تشويه صورتهم والإساءة الشديدة لهم، ومن أهم التعريفات أو النعوت التي ألصقها بهم وضمّنها كتبه، أن السفسطائي صياد نفعي للشبان ذو طمع وجشع يشتري ويبيع أنواع التعاليم والمعارف دون علمٍ منه هل بضاعته صالحة أم فاسدة!، وأنه صغار مرتزقة ومناضل في حلبة الرياضة والخطابة، وماهر في المشاحنة و المعارضة والمناقضة، وهو مشعوذ و وحش ضار يلجأ إلى فن المخاتلة والصيد والاتجار.

وقد قال أفلاطون عن السفسطة أيضا: أنها الإيحاء أو الإيهام وخطابها مليء بالسحر والشعوذة، و بوجيز العبارة هم أدعياء معرفة يحاولون محاكاة الحكماء وهنا يمايز بين ثلاث فئات:

فئة السفسطائيين

فئة السياسيين

فئة الفلاسفة

وكأنما يقول أن هؤلاء ليسوا بمفكرين، ولا هم بفلاسفة!

سقراط.. يلتقي ويختلف معهم

أما عن الفيلسوف الأول سقراط وعلاقته بهم فقد التقى معهم في نقاط واختلف بأخرى. حيث كان هو الآخر يمتهن التعليم واهتم بالإنسان وركز عليه، لكنه اختلف معهم في أنه بيّن أن بعض القواعد والنواظم مطلقة، أهمها: الحق والباطل، والخير والشر. (بعكس نظرية أهم أعلام السفسطائيين بروثاغوروس الذي تحدث بالنسبية في النظر إلى الأمور وتقييمها).

وجعل سقراط جداله محاذياً للمنطق، فامتاز في الجدل بأنه جعل رد  السؤال بسؤال من جنسه حتى يستنبط الجواب من السائل نفسه. وربما كان متأثراً في ذلك بأمه التي كانت تعمل قابلة. فالجواب هو الجنين الكامن في كلّ منا، نملكه لكننا نحتاج أحياناً لمن يساعدنا على ولادته. لا شيء يأتي من خارجك.

أهم أعلام السفسطائيين

بروتاغوراس (480-411): كان من أهم أعلام السفسطائيين. وكان أول من فكر في قوانين النسبية (كما ذكرنا سابقاً) ويعتبره البعض الملهم لإنيشتاين. حيث قال من ضمن نظريته القديمة في النسبية ‘‘أن قيمة الأشياء نسبية، فليس ثمة خير من نفسه، أو شر في نفسه، وإنما هو خير وشر، عدل وظلم’’.

وقد كان هو الآخر مستوحى رفضه كل حقيقة مطلقة من هيراقليطس والقول بمبدأ التحول. فالإنسان في نظره كان مقياس كل شيء، حيث أنه مقياس الموجود من الأشياء و اللا موجود منها. وما يجدر ذكره أنه عندما سُئل عما إذا كان يؤمن بآلهة الإغريق اكتفى بالقول: ‘‘إن هذه المسألة دقيقة وحياة الناس قصيرة’’.

أيضا هناك غوريغاس (485 – 380) ق. م الذي كان يؤمن بأن الكلام قادر على إقناع الإنسان بأي شيء يريده المتكلم، فقط عندما تتوفر قوة الإقناع لديه (وهذا ما حاولوا أن يعلموه فعلاً).

أهمية السفسطائيون وما قدموه للغة والفكر

وبعد أن سلطنا الضوء على رأي كل من أفلاطون وسقراط في السفسطائيين، وأشرنا إلى أهم إعلام السفسطائية وما قدموه، على سبيل المثال لا الحصر، من سبق في قوانين النسبية، وكونهم ألهموا إنشتاين، كما يعتبر البعض. سنسعى في النقطة التالية للمقال لإثبات  تأثير السفسطائيون في اللغة والفكر.

فبالرغم من كل ما تعرض له السفسطائيين من تشويه في كل ما يخصهم، ورغم إحراق كتبهم، محاولةً لطمس وجودهم وليس فقط فكرهم، فقد كانوا أول من اخترع علم الاشتقاق (اشتقاق الكلمات) أو الاتيمولوجيا، ووضع القواعد اللغوية، كما أنهم أول من حاول دراسة مختلف أنواع البراهين والحجج بغض النظر عن معرفتهم في هذا المضمار أو ذاك.

فقد كانوا سادة فن الكلام، يكتبون الخطب في كل المناسبات حتى وإن كان ذلك بغرض الكسب والمال، وبالتالي فإنه يمكن اعتبارهم بحق مؤسسي فن الخطابة، وما كانوا ليترددوا أبداً في استعارة الحجج والأمثال من مفكرين سابقين، أو حتى من الأساطير (التي كان بروديكوس) المُحبذ للنقد الديني يقول بأنها مجرد سير ذاتية مُجمّله، وربما كان هذا من الأسباب التي أثارت الغضب عليهم أيضاً.

إذاً.. وبسبب موقفهم النقدي من جهة وغير الامتثالي من جهة أخرى، قام السياسيين بتبنيهم وكسبوا عداء الاثنين المتدينين من جهة أخرى.

كان السفسطائيون يحبون التجوال في العالم، عامدين إلى المقارنة بين مختلف نماذج الحكومات ملاحظين الاختلاف، وهكذا انطلقوا بالاعتماد على ملاحظاتهم يطرحون النقاش حول قضايا مهمة، كالتمييز بين ما هو محدد من قبل الطبيعة، وبين ما هو مكتسب وناشئ عن المجتمع. وهكذا أقاموا أُسس نقد المجتمع في إطار النظام الديمقراطي الأثيني، واستطاعوا بهذه الطريقة أن يلاحظوا أن عبارة (الحياء الطبيعي) مثلاً لا تقابل دوماً أشياء حقيقية!، ذلك أنه إذا قيل عن إنسان أنه خجول بصورة طبيعية، فإن ذلك يعني ضمناً أن هذا الخجل فطري، مع أن الحقيقة غير ذلك.

فالخجل ليس بالأمر الفطري، وليس خوف الإنسان من الظهور عارياً أمام الناس من عدمه، إلا أمر يتعلق بعادات وأعراف المجتمعات.

مما سبق ومن بعض ما سيأتي يصح القول أن السفسطائيين كانوا من أوائل المذاهب الفكرية التي تعرض أتباعها للتنكيل والنفي والقتل لمجرد كونها تخدم مصلحة الضعفاء، وتشكل انقلاباً على المسلّمات. فقد قتل أغلب قادتها وشُرد الباقون مثل ما حصل لـ (هيبياسي) الذي كان من أشهر قادة الديمقراطيين والذي تعرض فيما بعد للإعدام. و(بروتاجوراس) الذي أوكلت إليه مهمة وضع دستور للبلاد الإغريقية إبان الحكم الديمقراطي الجديد، فأحرقت كتبه ونفي عن أثينا. و(بروديكوس) الذي عذب وحوكم بشرب السم بتهمة إفساد عقول الشباب.

وهكذا فقد تم بالفعل تشويه صورة هذه الفئة الفكرية الفلسفية واستمر الحال كذلك حتى القرن التاسع عشر، والثورة الألسنية التي استهلها (فردينان دي سوسور) الذي أشار وركز على فضل السفسطائيين والدور الذي لعبوه، حيث أكدت هذه الثورة أن السفسطائيين كانوا فلاسفة، بل أساتذة في فن القول والخطابة والبلاغة.

_________________________________________

المراجع:

– كتاب السفسطائي لأفلاطون

– كتاب عالم صوفي لغوستاين غاردير

– موسوعة ويكيبيديا

 
 

الصفحة 9 من 21

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com theatretafukt@gmail.com
Télé: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.