Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مسرح - الفنون الدرامية: Tafoukt Theater on tour in Europe - الإثنين, 28 كانون2/يناير 2019 16:18
مواعيد فنية - ثقافية: Teatro Tafoukt de gira por Europa - الإثنين, 28 كانون2/يناير 2019 16:02
متابعات - تغطيات صحفية: Théâtre Tafoukt en Europe - الخميس, 24 كانون2/يناير 2019 14:51
مسرح - الفنون الدرامية: مسرح تافوكت في جولة بأوروبا - الخميس, 24 كانون2/يناير 2019 14:36
أخبار - منوعات - إصدارات : "كلاي" للروائي أحمد الكبيري - الخميس, 24 كانون2/يناير 2019 13:47
مسرح - الفنون الدرامية: عروض جديدة لعرض كلام الجوف - الأحد, 20 كانون2/يناير 2019 17:34
أخبار - منوعات - إصدارات : تهويد القدس في مسرحيات الأطفال - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 18:29
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: تتويج ” الطوق والأسورة” بالقاهرة - الخميس, 17 كانون2/يناير 2019 18:15
مسرح - الفنون الدرامية: هواة غيروا تاريخ المسرح - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:58
أخبار - منوعات - إصدارات : موازين: موعد دورة 2019 - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:46
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

دراسات الفرجة: أفق بحثي متجدد

دراسات الفرجة: أفق بحثي متجدد


بقلم د. خالد أمين (عن الفرجة)

أدى المسرح على مر العصور دور أداة استثنائية للتحويل؛ لأنه يملك قوة تحويلية طاغية، ولكن ما علاقة ذلك بأنواع العروض الأخرى؟ وأية خبرة جمالية تفرزها الطقوس والأعياد والمباريات الرياضية والتجمعات السياسية لكي نطلق عليها مصطلح عروض؟ وهناك بعض العروض الثقافية، التي أطلق عليها الطليعيون اسم “عرض”، ربما لأنهم كانوا يأملون في أن تتحول هذه العروض إلى عروض مسرحية، أو ربما اعتبروا هذه العروض محاولات لتقديم نموذج جديد للمسرح يفتقر له القرن؛ لأنهم أدركوا أهمية القوة التحويلية للعرض.” (إيريكا فيشر ليشته، جمالية الأداء، 346)

* إشكالية الاصطلاح:

منذ الكتاب المؤسس “أبحاث في المسرح المغربي” للدكتور حسن المنيعي تم تداول وترسيخ ‘الفرجة’ من حيث هي مفهوم مفصلي في أدبيات النقد المسرحي المغربي. يؤكد المنيعي: “أن تحديث الفرجة المغربية لا يمكن أن يتحقق في فعل الانغلاق على التراث، واستحضاره نموذجا مضادا للنموذج المسرحي الغربي، وإنما أيضا في فعل الانفتاح على الممارسة الغربية،والتعامل مع أشكالها القديمة والمستحدثة”(1) يغدو استعمالنا لكلمة “فرجة” في المغرب كونه مرادفا وليس بديلا لمفهومي “العرض” و”الأداء” لدى إخوتنا في المشرق العربي، ذلك لأن “الفرجة” كلمة جد متجذرة من حيث التداول نظرا لمكانتها السامقة في متخيلنا الفرجوي الشعبي. كما أن “العرض الفرجوي” يؤدي نفس معنى “فرجة” spectacle في اللغة الفرنسية. ومع ذلك، فإن “الأداء” قد يوحي بأحادية الإنجاز خاصة حينما يتعلق الأمر بالمسرح وباقي الفنون الأدائية الأخرى التي لا يكتمل تحققها إلا بحضور الجمهور كطرف ثان في المعادلة.(2)

الفرجة، بالنسبة لنا، هي أشمل من الأداء ومن المسرح، ذلك لكونها تستوعب الاثنين معا، بل و تتجاوزهما لتشمل الشعائر، والاحتفالات، والمراسيم، والسيرك، وأشكال الاحتجاج الجماهيرية، والسلوكات الفرجوية الشعبية من قبيل الحلقة، إمعشارن، رقصات أحواش و أحيدوس، وبابا عيشور، و بوجلود (بيلماون)، و سونا… لقد اكتسبت كلمة “فرجة” بالتدريج في اللسان العربي المعنى الذي تشير إليه كلمة spectacle، و المتفرجspectateur.(3) وإذا ما تتبعنا المسارات الإيتيمولوجية لكلمة “فرجة” في مختلف المعاجم العربية سنجد أنها تطورت من “الشق بين الشيئين” كما هو وارد في الذكر الحكيم “وإذا السماء فرجت”، أي انشقت، إلى “انكشاف الغم ومشاهدة ما يتسلى به” و”الخلوص من الشدة والهم”، مرورا ب ’الفرجة في الصلاة’ وهي الفجوة والخلل في الصف، والمقصود الشرعي من إثارتها كمنفذ للشياطين هو الدعوة لعدم ترك الفرج (بمعنى الفجوات) بين المصلين.

والحال أن الاستعمال الأخير يتضمن في خلفيته معنى إحداث تأثير في النفس والآخرين (انكشاف الغم، ومشاهدة ما يتسلى به). لقد أصبحت “الفرجة” اسما جامعا للعديد من السلوكات الفرجوية، لكن مع مراعاة مقتضى الحال. فدلالة التضمين في كلمة “فرجة” تشمل دلالة اللفظ على جزء مسماه باعتبار ‘مشاهدة ما يتسلى به’ الذي يحيل مباشرة لردود فعل المتفرجين أثناء فعل المشاهدة/ المشاركة. كما أن تداول كلمة “فرجة” في المغرب هو أكثر قوة من المشرق. باختصار، تنطوي “الفرجة” على قوة الفعل وردة الفعل، وهي بذلك تظهر المقصود بأبلغ لفظ.

أما “الأداء” بمعنى Performance، كما يؤكد مارفين كارلسن في كتابه Performance: a Critical Introduction “الأداء: مقدمة نقدية”، فهي كلمة متعددة المظاهر ومتشعبة المعاني إلى درجة يصعب حصر كل مجالاتها الدلالية و أوجه استعمالاتها؛ بالإضافة إلى كون Performance ظاهرة أمريكية بامتياز، من الناحية التاريخية والنظرية، رغم انتشار المفهوم وتداوله عالميا.(4) ف ’الأداء’ performance، على سبيل التمثيل، لا تؤدي نفس معنى ‘فن الأداء’ performance art، ذلك أن الأولى قد تحيل أيضا بشموليتها إلى أداء محرك سيارة ما بينما يحيل ‘فن الأداء’ إلى حدث مشهدي استثنائي وعابر قد يعتمد على توليف يجمع بين فنون مختلفة…. كما أن كلمة performance تطرح مشاكل عدة حينما تترجم إلى اللغات الأخرى. أمثل لهذا بعدم وجود مرادفات دقيقة لها بالفرنسية تفيد مختلف الدلالات الأخرى بالإضافة إلى كلمة spectacle.

لقد أصبحت كلمة فرجة في مدونة النقد المسرحي المغربي جد متجذرة من حيث التداول، لذلك كان من الضروري الارتقاء بها كي تصبح مفهوما إجرائيا في الأوساط الأكاديمية… وقد بدأ التقعيد النظري لهذا الاشتغال مع أستاذنا والأب الروحي لمشروعنا الحالم ومؤسس حقل دراسات الفرجة بالمغرب، الدكتور حسن المنيعي الذي أعاد الاعتبار للفرجة في المجال البحثي منذ كتابه الأول “أبحاث في المسرح المغربي” مرورا ب “المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة”… وإنما سعينا بمعية الثلة الكريمة من رفاقنا في المركز الدولي لدراسات الفرجة هو المضي قدما لتنزيل مجال دراسات الفرجة منزلة رفيعة في الجامعة المغربية.

** مفهوم ‘الفرجة’ في مدونة النقد المسرحي:

يدفعنا مفهوم الفرجة إلى إعادة النظر في السلوكات الفرجوية الخارجة عن دائرة الممارسة المسرحية الصرفة؛ والأهم من هذا هو إعادة تقييم مفهومنا للمسرح. تبرز الباحثة ديانا تايلر Diana Taylor في معرض حديثها عن فرجات أمريكا اللاتينية –التي تشبه وضعيتنا الما بعد استعمارية في الكثير من المناحي- أنه بات من الضروري “أن نتخلى عن المفهوم التقليدي للمسرح؛ يجب أن نعوض كلمة مسرح ب”الفرجة”، وهي الكلمة التي تتيح لنا إمكانية إدماج كل أنواع فنون الأداء التي تركها المسرح وراءه، كما تمكننا من النظر إلى المسرح في حد ذاته من وجهة نظر نقدية.”(5) مع المنعطف الفرجوي ابتداء من ستينيات القرن الماضي بدأت شعب الدراسات المسرحية تعيد النظر في تركيزها على النصوص الدرامية أكثر من العروض الفرجوية. فأصبح الكل يتطلع لاستقبال زمن الفرجة، وهو الزمن الذي أعاد الاعتبار لنص الفرجة باعتباره نصا جامعا تنكتب فيه ومن خلاله مجموعة من النصوص الأخرى بما فيها نص المؤلف، ونص المخرج، ونص الممثل، ونص السينوغراف… وصولا إلى نص المتفرج.

لقد حوَّل البحث الجامعي الاهتمام إلى الخاصية الإنبعاثية للفرجة عكس ما كان رائجا قبل ذلك بأن الفرجة تأتي بعد الحياة كحضور، أي أن الفرجة هي مجرد شكل تمثيلي يحاكي حضورا معينا وهو النص الدرامي تحديدا. وقد كان هذا الانتقال، من الفرجة كمرآة تعكس شيئا آخر غير ذاتها إلى الفرجة من حيث هي كتابة منبعثة من سيرورة الممارسة الفرجوية ذاتها، مصحوبا بنقل التشديد من نص الفرجة إلى سياق الفرجة. كذلك أصبح التركيز أكثر على شكل ومحتوى الفرجة التي غالبا ما توحي إلى نمط تواصل موسوم ورفيع المستوى؛ يسلط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية، والجمالية للسيرورة التواصلية. إذن يمكن اعتبار الفرجة أكثر من مجرد محاكاة أو تمجيد لبناءات ثقافية متعالية و مثالية. ومن ثَم تبرز الفرجة في الوقت ذاته الذي يتم فيه بناء المجتمع من لدن ممثلين اجتماعيين، وذلك من خلال إيحاءات ثقافية مصوغة تحيل على أحداث وتجارب ماضوية بطرق متأثرة باللحظة الراهنة، ولكن دائما بعين نحو المستقبل.

إذا أفصح تنوع وتعدد الثقافة الإنسانية باستمرار عن خاصية المسرحية theatricality، بمعنى الطرائق السيميائية التي تتيح إمكانية تحويل الأجساد المادية والأشياء إلى علامات ترمز بدورها إلى علامات أخرى؛ وإذا تشكلت جماهير الفرجة باستمرار من حيث هي مجموعات ثقافية مصغرة، فكيف لقواعد هذه الفرجة واستجابة الجمهور لها أن تعكس بنيات ثقافية دالة وشاملة؟ يمكن اعتبار الفرجة، إذن، ليس فقط كجنس تعبيري يتواصل من خلاله الناس، ولكن أيضا، وسيلة للتفاعل والتعليق على التجربة الثقافية. وإذا كان ينظر للطقوس والشعائر باعتبارها فرجات مثقلة بالمسرحة، فكيف يجب إعادة النظر في تعريف المسرح؟ إن مفهوم الفرجة يمكننا من إعادة النظر في السلوكات الفرجوية الخارجة عن دائرة الممارسة المسرحية الصرفة؛ والأهم من هذا هو إعادة تقييم مفهومنا للمسرح.  في نفس السياق، يرى أوجينيو باربا أن “الطقس يتشكل دائما من خلال إعادة فعل تمت تأديته في الأصل من لدن قوة خارقة أو بطل أسطوري. لكن في اللحظة التي نفصل فيها هذه التقنية عن معتقدها الديني، فإننا نحتفظ فقط ببنية فارغة.”(6) هذه البنية الفارغة، تحديدا، هي المسرح، الذي نشأ جراء انسلاخه عن البنية الشعائرية وانتقاله من المعبد إلى الأكورة AGORA.(7)

من المؤكد أننا إذا قبلنا ادعاء رتشارد شيكنر (8) R. Schechner بأن الفرجة عبارة عن “سلوك مصاغ أكثر من مرة”، وجب علينا، إذن، أن نتساءل والحالة هاته عن  قوة هذه الإعادة؟ كيف اهتدت دراسات الفرجة إلى إضاءة مظاهر تمثيل الحضور (أي القدرة على إعادة صوغ حدث ماضوي لا يزال مشعا في ذاكرة ومتخيل الجماهير بصيغة الجمع)؟ ترتكز أغلب الدراسات التي تعنى بالفرجة على مسألتين: تتحدد المسألة الأولى في البعد التواصلي الذي تتميز به الفرجة؛ أما الثانية، فتتعلق بالفعل أو الممارسة الفرجوية في حد ذاتها، كما يذهب إلى ذلك Richard Bauman: “ليس فقط التواصل الذي يتشكل اجتماعيا، ولكن المجتمع أيضا متشكل تواصليا، بما أنه ينتج و يعاد إنتاجه عبر أفعال تواصلية” (9) أما بالنسبة لـ Clifford Geertz، فالفرجات عبارة عن قصص يرويها الناس لأنفسهم حول أنفسهم (10)(1973). من هنا، يمكن النظر إلى الفرجة بما أنها دراما اجتماعية مصغرة تعبّر عن لحظات حاسمة ودالة في الثقافة الإنسانية. وهذا ما يحملنا على القول بأن الفرجة تتميز، في أغلب الأحيان، بالمضاعفة، بل أكثر من ذلك، فإن مضاعفة صناعة الفرجة لا يمكن أن تنفلت من قبضة الإنعكاسية Reflexiveness. ففي شهادة بليغة في حق رتشارد شكنر أبرز أكوسطو بوال أن الفرجة تكمن في الحدود الفاصلة بين الحياة والمسرح: “عادة ما يقول الناس أن عرضا فنيا حقيقيا سيكون دائما استثنائيا، يستحيل إعادته: لا يمكن لنفس الممثلين في نفس المسرحية أن يعيدوا نفس الفرجة، المسرح هو الحياة. يقول الناس أيضا، أنه في الحياة، لا نقوم بأي شيء لأول مرة؛ نعيد دائما التجارب والعادات والطقوس… الحياة هي المسرح.”(11)

الفرجة وعاء للذاكرة الاجتماعية بدل كونها أحد الأعراض التاريخية. لذلك تحاور الفرجات تاريخ صدمة ما لكن دون أن تتحول إلى صدمة هي الأخرى. إذ تمكننا الفرجة من حيث هي بؤرة لخطابات متعارضة من إنتاج وإعادة إنتاج المعاني. وهذا المنحنى من الفرجة إلى الحياة، رغم حفاظه على المسافة المرآتية، يجعل من الفرجة الشكل التعبيري الأكثر حظوة للتعليق على الصراع بشتى تجلياته؛ وفي السياق ذاته، يمكن اعتبار الفرجة شكلا فنيا مصوغا. ولعل ما يميزها عن باقي متاهات الحياة اليومية هي تلك الخصائص الطقوسية والجمالية التي تسعفها في إيقاف الزمن الذي نحيا فيه لارتياد زمن الفرجة. قد تتضمن الفرجة لغة شعرية، أو حركات تعبيرية رفيعة المستوى، أو عناصر فنية أخرى. كما أنها تعرض أمام جمهور يتكون من أغلبية لها ذاكرة مشتركة مع صانعي الفرجة. وفي هذا الإطار، فإن انفصال الفرجة عن الحياة اليومية لا يصل إلى حد القطيعة، ولكنه يجعلها تجربة مكثفة و موسومة Marked. وهذا ما يتيح إمكانية ما يدعوه V.Turner بـ Communitas، أي لحظات التوهج الوجداني التي تندثر فيها الفوارق الاجتماعية بين الناس لتتحول إلى شيء آخر كالزمالة المبنية على التجربة الجماعية المشتركة. و’الكميونيتاس’ باللاتينية هي المجتمع الغير منتظم حيث يكون الناس جميعا سواسية. وتكون محصلة هذه التجربة الوجدانية الفريدة التي تلغى فيها الفوارق الاجتماعية وغيرها اختراق الهوة بين الملاحظ والملاحَظ، المتلقي والمرسل، وتنتج ‘خلقة Habitus مشتركة من حيث هي جماع سلوكات ومهارات مكتسبة اجتماعيا تضم كلا من صانعي الفرجة والجمهور. هكذا ينبعث المجتمع مجددا عبر ومن خلال الفرجة كحدث استثنائي بيني يفرض إيقاعه وزمنه على الواقع الحال. (12)

تعتبر الفرجة سيرورة، بالنسبة للبعض منا؛ بينما يعتبرها آخرون نتيجة لصيرورة ما. وهي أيضا ذلك الذي يختفي، بالنسبة للبعض؛ أما بالنسبة للبعض الآخر، فهي ذلك الذي يحتفظ به من حيث هو ذاكرة مجسدة embodied memory. لذلك كله، تتميز الفرجة بكونها حول النسيان والتذكر في نفس الآن، الاختفاء وإعادة الظهور مجددا. مع نهاية القرن الماضي، احتد النقاش في الأوساط الجامعية الغربية، والأمريكية منها بخاصة، حول ماهية الفرجة الحية المتسمة بالمباشرة؛ في مقابل الفرجة ‘الموسطة’ والتي يمكن مشاهدتها في أي وقت من خلال وسيط ما (Philip Auslander 1999, Peggy Phelan 1993). بالنسبة إلى فيليب أوسلاندر، يجب النظر إلى الفرجة المباشرة والفرجة الموسطة من حيث هما مترابطتين عوض كونهما متباعدتين؛ ذلك أن الفرجة المباشرة تتميز بكونها قابلة للتوثيق في وسيط آخر. في حين اعتبرت بيكي فيلان من جامعة ستانفورد الفرجة زائلة وغير قابلة للحفظ أو التوثيق: “تكمن حياة الفرجة فقط في الحاضر. لا يمكن حفظها أو توثيقها أو تسجيلها، أو بالأحرى المساهمة في انتشارها من حيث هي تمثيل للتمثيل: وحينما تحفظ (من خلال وسيط ما) فإنها تتحول إلى شيء آخر ليس بفرجة… إن الشرط الوجودي للفرجة يكمن في كونها تكون هي فقط جراء اختفائها”. وموقف فيلان، هذا، يكرس مفهوم الفرجة من حيث هي آنية وزائلة في الآن نفسه: آنية لكونها تنبعث جراء لقاء المؤدين والجمهور في المكان والزمان نفسيهما؛ وزائلة لكونها تختفي فور حدوثها من حيث هي حدث استثنائي بيني. من جانب آخر، تؤكد إيريكا فيشر ليشته أن الحضور – ولو غير موسط – يتشكل دائما عبر إستراتيجيات الوسائط؛ وهذا يعني أنه لا حضور بمعزل عن الوسيط بما في ذلك جسد الممثل. كما أن فيشر ليشته ترى أن الفرجة المباشرة liveness تتشكل من خلال الوجود المادي للمؤدين والجمهور في الفضاء الزمكاني نفسه… مع فيشر ليشته، إذن، أصبح مفهوم الوسائطية جزءا لا يتجزأ من تعريفها للمسرحة theatricality والفرجوية / الأدائية Performativity.

** أين تتمظهر الفرجة؟

عكس اللوحة التشكيلية التي توجد داخل إطار شيء ملموس، حسب ريتشارد شيكنر، والرواية التي تنبعث من الكلمات، فالفرجة توجد من حيث هي فعل ورد فعل وعلاقة بين طرفين. وأيضا حسب فيشر ليشته، يكمن جوهر مفهوم الفرجوية / الأدائية في الوجود الجسدي بين المؤدين والجمهور كشرط مسبق لإنجاز فرجة ما. وحينما تشدد فيشر ليشته على البعد الاجتماعي للقاء المسرحي، فذلك لكونها تريد إبراز دور المتفرج في تحقيق الفرجة من حيث هي حدث استثنائي بيني؛ فالتفاعل المتساوي بين الفاعلين يصبح علامة كل الأحداث الفرجوية: “تنجز الفرجة داخل ومن خلال الحضور الجسدي لكل من الممثلين والجمهور؛ ذلك أن كل فرجة تستدعي مجموعتين من الناس: “الفاعلون” و”المتفرجون”، يوجدون في زمن محدد ومكان معين لأجل تقاسم موقف ما… تنبعث الفرجة من لقائهم وتفاعلهم”.(13)

وهكذا، تصبح الحلقة المرتدة لتبادل الأثر لا مفر منها نتيجة حضور الجمهور؛ فمهما كانت ردة فعل الجمهور، فإنها لا محالة تؤثر على المؤدين. من هنا، فالقوة المتضمنة في مشاركة جمهور الفرجة قد وجدت أحسن تفسير لها في نظرية فيشر ليشته تحت عنوان autopoetishe feedback-schleife “الحلقة المرتدة لتبادل الأثر”. فالتجربة الجمالية لعرض ما، حسب فيشر ليشته، لا تعتمد فقط على العمل الفني من حيث هو أداء لفاعلين فوق الخشبة؛ “بل، أيضا، ردود فعل المشاركين الموجودين في الطرف المقابل للمؤدين”. (14) لذلك بادرت في معرض تحديدها لمجال الفرجة إلى إبراز أربع خصائص مميزة: “

1 – تولد الفرجة جراء الوجود الجسدي للمؤدين والجمهور، وانطلاقا من لقائهم وتفاعلهم مع بعضهم البعض؛

2- ما يحدث في الفرجات هو عابر و زائل، ومع ذلك نعيش تمظهرات سيرورة الفرجة بطريقة جد مكثفة في الحاضر؛

3- لا تنقل الفرجة معاني مسبقة، ولكنها تبني المعاني انطلاقا من سيرورتها؛ 4- تتميز الفرجات بخلقها للحدث، لذلك تتيح إمكانية تحقيق شكل ما من التجربة البينية.“(15)

غالبا ما ينظر إلى الفرجة كحدث ملموس و محدود في الزمان والمكان يتضمن عرض فعل ما، والحال أن الفرجة هي أيضا مفهوم وطريقة لفهم الظواهر في شتى تمظهراتها. يتضمن مفهوم الأدائية / الفرجوية عدة مستويات من المعاني. ومع ذلك، لا يجوز أن يكون وضوح هذه الدلالات المختلفة بمنأى عن مراعاة مقتضى الحال. لذلك يمكن اعتبار الأدائية/ الفرجوية performativity، بادئ ذي بدئ، تمظهرا للمسرحة theatricality  بمعنى أنه إذا كان شيء ما أدائيا فهو يشبه في ذلك من حيث الشكل والأهداف والآثار عرضا مسرحيا ما. أما أدائي / فرجوي performative، فهو يحيل لمفهوم فلسفي دقيق يخص صيغة وقدرة الكلام الأدائي و يتصل اتصالا وثيقا بمجال التداولية اللسانية عند الفيلسوف اللساني جون أوستين (Austin). لقد عرف هذا الأخير ‘الأدائي’ من حيث هو تلفظ لا يعبر عن وضعية سابقة بأي شكل من الأشكال، ذلك لأنه يؤدي فعلا ما أثناء فعل الكلام. فالكلام الأدائي يفعل ما يقوله أثناء التلفظ؛ وهو بذلك عمل مضمن في القول (أو العمل بالقول an illucutionary act)…

مفيد جدا في هذا المقام التذكير بأن أوستين قد استثنى الخطاب المسرحي في نقاشه، لأن هذا الخطاب لا يعبر حقيقة عن نوايا المؤدي أثناء فعل التلفظ وهو يتقمص دورا ما… ومع ذلك، يستوعب مفهوم ’الأدائي’ Performative  مفاهيم أخرى من قبيل تنفيذ وتحقيق فعل ما. وهذا الفهم بدوره استيعاب للخلاصات التركيبية التي وصلت إليها الفيلسوفة الأمريكية جوديث باتلر Judith Butler، والتي تقول في هذا السياق: “تفعل أفعال الكلام الإنجازية  performative utterances ما تقوله في لحظة النطق بها. فهي لا تعد أفعالا عُرفية فحسب، بل تعد أفعالا ’شعائرية’ أيضا كما عبر عن ذلك أوستين. إنها تفعل فعلها بمقتضى الصورة الشعائرية التي تكتسيها. كما أن تَكرارها  في الزمان يجعلها  تحتفظ لنفسها بفسحة عمل  لا تقتصر على لحظة النطق بها في حد ذاتها. صحيح أن فعل الكلام الإنجازي يفعل  فعله في لحظة النطق به، لكن أيضا، بما أن لحظة النطق هذه تندرج ضمن شعيرة، فإنها لا تكون لهذا السبب لحظةًغفلاً معزولة أو متفردة. حين تكون اللحظة مدرجة  في طقس، أو جزءا من شعيرة، تكون عبارة عن تاريخية مكثفة condensed historicity. إنها تتخطى نفسها في اتجاهيْ الماضي والمستقبل؛ وأثر استدعاء السابق والآتي هو الذي يشكل لحظة النطق، وينفلت منها في الآن ذاته”.(16)

وبما أن الفرجة كممارسة محتواة تؤدي إلى تأثير محدد عند الجمهور، فإن تحويلها إلى نص أصبح أمرا إشكاليا و معقدا بالنسبة للعديد من الباحثين. إن النص و العرض الفرجوي لهما ارتباط عضوي كصيرورة تحويل من وسيط لآخر، قد يرتبطان كمراحل، بالنظر إلى المنتوج النهائي أو كطبقات متشابكة قابلة للتفكيك والفرز حين تحلل الأفعال التواصلية؛ ولكنهما لا يرتبطان كتمثيلات لأحداث ما. فنص الفرجة هو، في الواقع، أكثر من مجرد تمثيل لحضور ما، أو أيقونة لفعل تواصلي يمكن اعتبار الفرجة، إذن، طريقة يعي بها الناس ثقافتهم، وفي ذات الوقت، هي وسيلة الإثنوغرافي لإنتاج وعي معين حول الثقافة ذاتها. إن مفهوم الفرجة له قابلية وقدرة على احتواء قضايا متعددة وشائكة من قبيل السلطة، التاريخ، الأصالة، التناص، الذاكرة، المقدس، الوجدان… يمكن اعتبار الفرجة، إذن، كنبع لانبعاث الثقافة ووسيط يعكس الثقافة. صحيح أن الفرجة آنية تزول فور إنجازها، إذ توجد ضمن زمان ومكان معينين، لكنها “تضيع بشكل لا رجعة فيه حينما تنتهي. لا يسعفها أن تعاد بالطريقة ذاتها مجددا.”(17) تأثيرها يظل مشعّا في ذاكرة المتلقي. بعد انتهائها، تستشرف الفرجة أفقا آخر، وذلك في ذاكرة ونصوص وممارسات ممارسيها وجمهورها، علاوة على الباحثين في ميدان الفرجة. كما أن الفضاء الذي تشغله الفرجة الشعبية يتميز ببعده الرمزي؛ فهو لا يقيم القطيعة بين عوالم العام والخاص عبر فصل الممثلين عن الجمهور. بل أكثر من هذا، تستدرج أغلب الفرجات الشعبية جمهورها للمشاركة في صناعة الفرجة عوض الاكتفاء بالتلقي السلبي وهذا يعني أن جمهور الفرجة سرعان ما يتحول إلى صانعها. لا يوجد حد فاصل بين الوهم والحقيقة. وهذا ما يجعلها تراوح بين القدسي والدنيوي، “العام والخاص” إنها ببساطة، تتموضع في فضاءات المابينية.

تنتمي الفرجة، إذن، إلى ريبرتوار الذاكرة المجسدة. ففي الوقت الذي تحفظ ذاكرة الأرشيف رصيدا من الوثائق والمخلفات الأركيولوجية مثل العظام والأدوات المستعملة من طرف الإنسان في زمن ما والتي تمثل في حد ذاتها ‘دليلا’ على أحداث الماضي، تعمد الريبرتوار إلى تخزين ذاكرة مستبطنة/ مجسدة –وهي تتكون في الغالب من التراث اللامادي مثل السلوكات الفرجوية، والرقص والغناء والشفهية وباقي المعارف الزائلة والتي تفقد بريقها حينما تستنسخ بشكل من الأشكال أو توثق لأجل إشباع رغباتنا في الأرشفة ضمن ما يسميه ديريدا ب ’حمى الأرشيف’. إلى هنا، يمكن القول بأن الفرجة هي جزء لا يتجزأ من السلوك الاجتماعي؛ وهما معا يتواجدان قيد الاختبار ضمن عملية الشرعية الاجتماعية. كما أنه هناك شبه إجماع لدى الباحثين في مجال دراسات الفرجة على أن التحقق المادي للفرجة مشروط على الأقل بتوفر خمس مبادئ: مبدأ المباشرة، ذلك أن الفرجة يجب أن تكون حية؛ مبدأ الارتجال، لأنه يعتبر أس الفرجة حتى لما تكون مبنية على نص مكتوب؛ مبدأ المشاركة، فالفرجة عمل تشاركي، ليست ثمة فرجة فردية، وبالتالي لا يوجد هناك مسرح فردي لأن التحقق الفعلي للفرجة يكمن في تواجد مؤدي/ مؤدين وجمهور؛ مبدأ الشرعية، فبما أن الفرجة جزء لا يتجزأ من السلوك الاجتماعي فإنها تتماشى مع سيرورات الشرعية الاجتماعية؛ أما المبدأ الخامس والأخير فهو الأفق الاستشرافي للفرجة، إذ تكمن سلطة الفرجة في قدرتها على إبراز ما هو مستحيل في الواقع، أو ما لم يتم تخيله بعد…

ولعل الإحالة إلى الماضي غالبا ما تثير نوعا من الحنين للحظة تاريخية أصيلة من خلال العودة إلى أزمنة البدء الأولى. ولكن المشاريع النقدية ما بعد البنيوية طالبت بوضع مفاهيم من قبيل” الأصيل” و” الخالص” تحت المجهر لتفكيك منظوماتها المتمركزة عبر وصلها بسياقات تحققاتها داخل ومن خلال الفرجة. إن أسطورة الأصيل والخالص أصبحت في وضعية جد معقدة من خلال التأثيرات الناتجة عن كتابة المحو والتي غالبا ما تتسم بها صناعة الفرجة كصيرورة، بالإضافة إلى تأثيرات مفاهيم أخرى من قبيل الهجنة، والزمن، والحوار بين الذاكرة والتاريخ، الحضور والغياب /التمثيل… عبر وسيط الفرجة، يصبح الماضي الأصيل من حيث هو موضوع ولحظة خالصة سلسلة من التمفصلات التاريخية الحداثية التواقة لاستشراف الاختلاف différence عوض تكريس الصيغة الأحادية لتاريخ موحد. وهذا يعني أن التاريخ في حد ذاته أصبح مجرد سرد يحاول قدر الإمكان الإمساك بلحظة خالصة باتت زئبقية فور انتهائها.

** فرجة الاحتجاج والمجال العمومي المسرحي العربي:

تعتبر الفرجة الشكل التعبيري الأكثر حظوة للتعليق على الصراع بشتى تجلياته. ولعل ما يميزها عن باقي متاهات الحياة اليومية هي تلك الخصائص الطقوسية والجمالية والسلوكات التعبيرية الرفيعة وغير المعتادة، والملفتة للانتباه. فالصيرورة الاجتماعية فرجوية بامتياز، كما أن انفصال الفرجة عن الحياة اليومية لا يصل إلى حد القطيعة، ولكنه يجعلها تجربة مكثفة و موسومة. وهذا ما يتيح لحظات التوهج الوجداني التي تذوب فيها الفوارق الاجتماعية، مفسحة المجال للتجربة الجماعية المشتركة. وتكون محصلة هذه التجربة الوجدانية، انبعاث المجتمع عبر الفرجة ومن خلالها.

وإذا كان الجسد المجتمعي في حالة غليان، كما هو شأن الحراك الحالي في ظل وقع التعثرات التي يعيشها الربيع العربي مشرقا ومغربا وحركة احتلوا العالمية Occupy Movement (18) فإنه  يتيح  إمكانية  تمظهر  شذرات من هذا  الغليان  من خلال فرجات الاحتجاج – وهي فرجات  تفصح عن مواقف سياسية في المجال العمومي.  قد تبدو هذه الفرجات  عفوية، وغير مخطط لها، لكنها، في واقع الأمر، تعكس خبرة الجسد المنتفض  وذاكرته الفرجوية/ الطقوسية الجماعية.  ففي شهادة بليغة في حق رتشارد شكنر، مؤسس شعبة دراسات الفرجة  Performance Studies بجامعة نيويورك،  أبرز أكوسطو بوال أن الفرجة تكمن في الحدود الفاصلة بين الحياة والمسرح: “عادة ما يقول الناس أن عرضا فنيا حقيقيا  سيكون دائما استثنائيا، يستحيل إعادته: لا يمكن لنفس الممثلين في المسرحية نفسها، أن يعيدوا الفرجة نفسها، ذلك أن المسرح هو الحياة. يقول الناس أيضا، أنه في الحياة، لا نقوم بأي شيء لأول مرة؛ فنحن نعيد دائما التجارب والعادات والطقوس… الحياة هي المسرح.”(19) والحال، أن فرجة الاحتجاج تتموقع بدورها في فضاء بيني؛ كما تنحو  نحو إعادة  الاعتبار للدور السياسي الذي يجب أن تضطلع به الأدائية Performativity في زمن تشيئ الفرجة.

يمكن النظر إلى احتجاجات ‘الربيع الديمقراطي’، ومنتديات مسرح المجتمع، أو المسرح التنموي، والفرجات الوسائطية المرتبطة بالحراك، وظواهر أخرى، بما في ذلك ظاهرة الاحتراق بالنار في الأماكن العمومية من حيث هي فرجات احتجاج. لقد شكل فعل الاحتراق بالنار الشرارة الأولى لما سمي ب ‘الربيع العربي’ في الإعلام الغربي، وهي الشرارة التي أطلقها محمد  البوعزيزي (20) من تونس، مقدما جسده كفضاء مشهدي غروتسكي، وموضوع في الآن نفسه لفرجة احتجاج قاسية و ملتبسة: كونها قاسية، فذلك لأنها قدمت مؤديها قربانا لمتفرجين حاضرين في عين المكان، لكنهم غير مستعدين للتعاطي مع بشاعة ‘الحدث الفرجوي’، سواء باعتبارهم جمهورا، أو شهود عيان. هؤلاء المارة تحولوا قسرا، وليس عن طيب خاطر، إلى جمهور لفرجة ال بوعزيزي دون سابق إنذار، أو تواطؤ ممكن. أما كونها ملتبسة، فلأنها نقلت الجسد القربان إلى بنيات مجتمع الفرجة، و إيواليات الإنتاج، والاستهلاك الإعلامي، فأصبح هذا الجسد فرجة مشيئة ولا إنسانية، وعرضة للاستهلاك في النشرات الإخبارية، والوصلات الإشهارية لعالم مولع بأخبار الدمار الشامل… وهنا تحديدا يقترح علينا الفيلسوف الفرنسي المتمرد جي دبور Guy Debord  مدخلا آخر لاستشكال فرجة الوسائط من خلال إبراز الخاصيات المهيمنة في عالمنا المعولم، حيث يقول: “كل الحياة داخل المجتمعات التي تسيطر فيها آليات الإنتاج العصرية تنتظم على شاكلة تراكم للفرجات. فما كان يعاش بطريقة مباشرة أصبح مبعدا بواسطة تمثيل ما.” (SS, 15) إذن، بالنسبة لدوبور، فالنظام المعرفي الراهن يتميز بالسريان السريع للأنماط الاستهلاكية، والبنى الوسائطية التي تدعمها، حيث تصبح الفرجة هدفا لذاتها بعد سطوة التمثيل على الحضور. في دراسة قيمة بعنوان “في ‘مجتمع الفرجة’” يقدم الفيلسوف المغربي عبد السلام بنعبد العالي قراءة مثيرة لكتاب جي دوبور؛ إذ يرى بأن الفرجة هي تلك “الحركة الدؤوبة التي تطبع مجتمع الفرجة”.(21) و تتمظهر من خلال الإعلام العمومي والدعاية وصناعة الرأي العام، “كي تحول العالم الذي لم يعد في الإمكان الإمساك به إلى صور، فتضعها تحت الأنظار.” هكذا يصبح مجتمع الفرجة مجتمعا “يعاش فيه الشيء مبتعدا عن ذاته مفوضا بديله و صوره عنه. إنه المجتمع الذي يستبدل فيه العالم المحسوس بمقتطف من الصور التي توجد فوقه، والتي تقدم نفسها على أنها هي المحسوس بلا منازع.” (بنعبد العالي)

ولعل القاسم المشترك بين كل هذه الفرجات هو تقمص الأدوار داخل ‘المجال العمومي’، كسلوك سياسي مفعم بالباروديا، والغروتيسك، والكرنفالية. والحال، أن الفضاء الذي تشغله الفرجة يتميز ببعده الرمزي؛ فهو لا يقيم القطيعة بين عوالم العام والخاص عبر فصل الممثلين عن الجمهور، بل أكثر من هذا، تستدرج أغلب فرجات ‘المجال العمومي’ جمهورها للمشاركة في صناعة الفرجة عوض الاكتفاء بالتلقي السلبي لها. وهذا يعني، أن جمهور الفرجة سرعان ما يتحول إلى صانعها. لا يوجد حد فاصل بين الوهم والحقيقة. وهذا ما يجعلها تراوح بين القدسي والدنيوي، العام والخاص. إنها ببساطة، تتموضع في فضاءات المابينية. فـ ’المجال العمومي’ بدوره يعبر المجال الخاص، ومجال السلطة العمومية من خلال آلية الرأي العام الذي ينبه الدولة لحاجيات المجتمع.

** لماذا الفرجة والمجال العمومي إذن؟

‘المجال العمومي’ هو مساحة من الحياة الاجتماعية، حيث يتجمع الناس معا لمناقشة القضايا المجتمعية، بما فيها السياسات الحكومية؛ وفي رحاب هذه المساحة الحرة، تتبلور اتجاهات الرأي العام. لقد طور هابرماس مفهوم ‘المجال العمومي’ عن إيمانويل كانت، ليصف البنى الخطابية التي أفرزها عصر التنوير في بعض المجتمعات الأوروبية منذ منتصف القرن الثامن عشر مع ظهور الصالونات والصحف والمقاهي والنوادي، وهي في الغالب تنذر ببزوغ أنوية ‘المجتمع المدني’. وظهر ‘المجال العمومي’ بموازاة مع التحولات البنيوية في المجتمعات البرجوازية الأوروبية ليصبح شكلا من أشكال التجمع في ‘الأماكن العامة’ بهدف التداول الحر في قضايا الشأن العام. ومع ذلك، فالمجال العمومي هو أيضا حلبة تتصارع فيها العديد من التجمعات الجماهيرية المتنافسة، وسرعان ما يتحول إلى ميدان معارك، كما أكدت ذلك شانتال موف Chantal Mouffe ذات مرة.

يستعمل ثلة من الفنانين الثائرين ‘المجال العمومي’، إذن، للفت الانتباه إلى وجهات نظرهم السياسية، مثلهم في ذلك مثل المتمردين الذين يتفننون في أساليب الاحتجاج. فمن خلال الجسد الفرجوي، يبرزون مواقفهم السياسية علانية، ودون مناقشة أو تداول حر مع الأطراف الأخرى التي تخالفهم الرأي. وفي هذا السياق، تتشكل فرجة الاحتجاج من حيث هي نموذج للفعل السياسي الذي يقع خارج نطاق توافق الآراء السياسية الحزبية، كما أنه لا يخضع مؤسساتيا للأحزاب، أو النقابات، أو المنظمات الأخرى.

هل يمكن الحديث عن مجال عمومي عربي؟ ما مدى تماثله مع نموذج هابرماس؟ هل هو مختلف عن بنية المجال العمومي في دول ‘الشمال’، أم أنه امتداد لما تسميه المفكرة الهندية سبيفاك بـ “الشمال الإقطاعي-في-الجنوب”the Feudal North –in-the South؟ هل لا تزال مساحة ‘المجال العمومي العربي’ محدودة وتحت رقابة النظم الشمولية أو غيرها؟ هل يمكن الحديث عن تدهور حرية الإبداع والتعبير الفني في المجال العمومي بعيد الحراك، وفي ظل حكومات بمرجعيات محافظة معروفة؟ هل يمكن الجزم بأن الأحزاب الدينية الحاكمة في بعض بلدان الربيع تمارس نفس دور الأنظمة المنهارة في الرقابة على عقول المبدعين والفنانين؟

من المؤكد أنه مع شبكة الإنترنت وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، اتسعت دوائر ‘المجال العمومي’ من خلال تطور نوع جديد من الديمقراطية التشاركية الواسعة النطاق. فالتدوين السياسي في الفضاء المعلوماتي، أنشأ مجالا عاما افتراضيا يضاف إلى المجال العمومي التقليدي الذي كان يتسم بالمحدودية في ظل نظم شمولية أو شبه شمولية. ومع الربيع العربي، أصبح “الفايسبوك” –مع ثلة من شباب مصر، وتونس، ودول عربية أخرى: نواره فؤاد نجم، وائل غنيم، أسماء محفوظ، منير بن صالح…- محركا للثورة، ومحفزا للتغيير الاجتماعي والسياسي. ومن خلال الفايسبوك، وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، تم الالتفاف على رقابة النظام البوليسي والتعتيم الإعلامي بتونس، وتم نقل أحداث سيدي بوزيد وتعميمها في ربوع تونس. وفي مصر، تم تبادل المعلومات اللوجيستيكية لاحتلال الميادين على صفحات الفايسبوك… “إذا نظرنا إلى بداية الثورة في مصر، فقد كانت دعوتها من العالم الافتراضي عبر المواقع الالكترونية المختلفة، قال الشاب وائل غنيم وهو أحد الداعين للثورة (أنا لم أفعل شيئاً غير أني جلست على الكي بورد)، وتكشف هذه العبارة، من جهة عن دور التقنية أو العالم الافتراضي في إشعال العالم الواقعي. ومن جهة أخرى عن أجساد مهمشة ثائرة على قيم المجتمع وتناسى النظام و عقلنته للأشياء”. (22)

ومع ذلك، لابد من التأكيد في هذا المقام، أن شبكات التواصل الاجتماعي هي مجرد وسائل لتحقيق الديمقراطية في عالمنا العربي، واستعمالها لا يجب أن يتعدى كونها أنجع وسيلة تواصل في عصرنا الراهن. لم تكن هذه الوسائط المحرك الأساسي للحراك، كما يدعي كثيرون… بل إن المحرك الرئيسي للثورات العربية هو تغييب ‘التسعة والتسعين في المائة’ من تسيير الشأن العام بالإضافة إلى تدهور أوضاع المواطنين على أكثر من مستوى… وهو ما يثمنه المفكر العربي عزمي بشارة بقوله: “لو جلس الجميع على فيسبوك لما قامت الثورة.. لقد أصبح كل من لديه فيسبوك يظن أن له دورا كبيرا في صناعة التاريخ.. هذه المواقع قامت فقط بدور التعبئة الأيديولوجية في الثورات”. وعلى الرغم من ذلك، فإن الوسائط الرقمية قربت المسافات بين الثوار…  لهذا يمكن اعتبار ‘دراسات الفرجة’ من أهم المجالات البحثية التي قد تسعفنا في مقاربة فرجات الاحتجاج بما فيها ما أفرزه الربيع العربي من زخم هائل من العروض المشاكسة في الفضاءات العمومية.

** ‘دراسات الفرجة’: مجال بحثي يلغي الحدود بين التخصصات الجامعية

منذ بروزها في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، كتخصص أكاديمي قائم الذات، تبوأت دراسات الفرجة مكانة مركزية في الدراسات الأنثروبولوجية، والفلكلورية، والمسرحية على حد سواء، و بتركيزها على السياق و السيرورة برزت دراسات الفرجة كرد فعل ضد الدراسات المسرحية المرتكزة أساسا على النصوص الدرامية عوض تحققاتها الإنجازية على شكل فرجة مسرحية. يذكرنا ريتشارد شيكنر، أحد أهم أقطاب هذا المجال، ومؤسس شعبة دراسات الفرجة بجامعة نيويورك، أن دراسات الفرجة “هي (البينية). إنها مجال عابر للتخصصات، والثقافات، وبهذا تكون غير قارة. تقاوم دراسات الفرجة، أو بالأحرى ترفض التعاريف الجاهزة. لا يمكن لدراسات الفرجة كتخصص أن تصنف بشكل قاطع، لأنها تتجاوز الحدود، وتذهب إلى حيثما لا نتوقع وجودها… تفترض دراسات الفرجة أننا نعيش في عالم ما بعد استعماري مفعم بحوار الثقافات المختلفة والتي تتداخل فيما بينها مستشرفة رحابة الهجنة. إنها لا تحتفي بالنقاء purity “.(23)

إن دراسات الفرجة هي محصلة التبادل المثمر بين  الدراسات المسرحية وتخصصات أخرى مجاورة من قبيل الأنتروبولوجيا الثقافية، دراسات الفولكلور و الإثنو-موسيقا… ولعل أهم ما يميز هذا المجال البحثي الحيوي هو عدم وجود شرعة ثابتة من الأعمال والأفكار والممارسات، أو أي شيء آخر بإمكانه  تحديد مجالات اشتغالها. فانفتاح ‘أبحاث في المسرح المغربي’، الكتاب المؤسس لدراسات الفرجة في الجامعة المغربية، على الهوامش الفرجوية المحايثة من قبيل ‘الحلقة’، ‘سيدي الكتفي’، ‘سلطان الطلبة’… لخير دليل على مراوحة دراسات الفرجة بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية، النصوص التراثية والكتابات المعاصرة، الشفهية والأدبية… تقتبس دراسات الفرجة من التخصصات المجاورة، وهي بذلك حقل مشرع على رحابة أفق البحث العلمي. ولعل أهم ما يميز دراسات الفرجة، مثلها في ذلك مثل الفرجة ذاتها كما بينا سابقا، هو الاستبطان embodiment. أما قاعة الدرس، فتعتبر فضاء فرجويا ممتلئا في حد ذاته، وهي بؤرة الفرجة ذاتها بالإضافة إلى كونها المكان المستثمر لدراسات الفرجة…

** خلاصة أولية:

انطلاقا من العقدين الأخيرين من القرن العشرين بدأت شعب المسرح في الجامعات تعيد النظر في مهامها وأهدافها. لقد أدرك حينها أساتذة المسرح بأنهم قد أصبحوا منعزلين عن مشهد الفنون الأدائية السريع التحول بفعل تناسج ثقافات الفرجة.  ولكن رغم اتساع مجال اشتغال دراسات الفرجة إلا أنه لا يزال بحاجة إلى المزيد من الجهد لتفادي التمركز الأورو-أمريكي؛ فرغم انفتاح الجمعية الدولية لدراسات الفرجة على أصوات العالم إلا أنها، كما تقول جانيل رينلت الرئيس الأسبق للفيدرالية الدولية للبحث المسرحي، “ستواجه تحديا أكبر في العقد القادم، والمتمثل في محاولاتها الحثيثة لتكون دولية بحق. لا يزال التناقض قائما بين التطلع نحو العالمية والهيمنة الأنجلو-أمريكية على المنظمة.” نستشف من هذه الشهادة البليغة أننا، نحن المتموقعون جنوبا في ظل النظام العالمي الجديد، نحتاج لإعادة النظر في ‘دراسات الفرجة’ من موقعنا نحن هنا في الضفة الجنوبية والآن. أملنا أن لا نعيد إنتاج نفس صيغ الماضي القريب والتي راوحت عموما بين ‘تأورب مطلق’ يعيد إنتاج نفس أسئلة الغرب الآخر  دون مساءلتها و ’اغتراب في الماضي’ يفضي إلى رقص مسعور حول الذات المفقودة. فدراسات الفرجة، من موقعنا نحن، في حاجة إلى إعادة الكتابة وتفكيك كل أشكال التمركز. كما أنها يجب أن تخضع لمنطق الاستيعاب والتجاوز، التفكيك وإعادة البناء.

** الهوامش:

(1) حسن المنيعي، “أفق تحديث الفرجة المغربية“، ضمن المصنف الجماعي (الفرجة بين المسرح والأنثروبولوجيا)، منشورات كلية الآداب بتطوان، 2002، ص. 14.

(2) أؤكد في هذا المقام أن الاختلاف بين المغرب ومصر، على سبيل التمثيل، هو مجرد اختلاف في التداول لا غير، إذ أننا نستعمل الكلمتان معا. وقد لمست هذا شخصيا حينما طلبت مني إيريكا فيشر ليشته مناقشة ترجمة المصطلحات الدقيقة في كتابها مع الباحثة المصرية الصديقة الدكتورة مروة مهدي التي أنجزت الترجمة العربية. وقد أبرزت الباحثة المتألقة مروة مهدي أوجه الاختلاف في ترجمتنا لبعض المصطلحات في مقدمتها: “نظرًا لجدة موضوع الكتاب على النقد العربي، فقد قابلتني صعوبات كثيرة في ترجمة المصطلحات غير الموجودة في اللغة العربية، بداية من العنوان الأصلي للكتاب “Ästhetik des Perfomativen“، حيث دارت نقاشات طويلة مع الكثير من الباحثين العرب في مجال دراسات العرض حول ترجمة كلمة Performative المأخوذة بوضوح عن كلمة Performance والتي تترجم بكلمة “العرض” في العربية، واقترح د.خالد أمين (أستاذ دراسات العرض بجامعة المغرب، ورئيس المركز الدولي لدراسات الفرجة) ، استخدام لفظة “الفرجة” التي تقترب كثيرًا من المعنى المراد ويسهل الاشتقاق منها (الفرجة، الفرجوي، الفرجوية…)، كما أنها استخدمت بالفعل من قبل النقاد المغاربة، ومركز دراسات الفرجة الذي يرأسه د. خالد أمين بالمغرب – والذي يعني بدراسات فن العرض – يبدو مثالاً جيدًا على ذلك، ورغم ذلك تبدو لفظة “فرجة” غريبة على القارئ المصري.” مقدمة دة مروة مهدي لترجمتها لكتاب إيريكا فيشر ليشته البديع “جماليات الأداء: نظرية في علم جمال العرض، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012، ص. 8-9.

(3) لا يتشكل معنى “الفرجة” في المعجم الاستدراكي، كما خلص الدكتور عز الدين بونيت في دراسته القيمة، إلا من خلال توافر ثلاثة شروط:

–الإطار الاجتماعي- الثقافي: لا تكون فرجة إلا الأشياء والأفعال التي تدرك باعتبارها كذلك في وضع ثقافي واجتماعي معين.

– المشاركة: لا تتحقق الفرجة إلا من خلال مشاركة المتفرج فيها، أي من خلال استعداده للتفرج وإدراكه لما يراه باعتباره فرجة؛ سواء تعلق الأمر بالفرجة بمعنى تبديد الهم والغم أو بالفرجة بمعنى المتعة والاستمتاع. وهي بذلك محصلة فعلين و رغبتين لا بد من تعانقهما: الرغبة في التفريج التي تحرك صانع الفرجة أو مقترحها، والرغبة في التفرج التي تحرك مستهلك الفرجة. ويقودنا هذا إلى الشرط الثالث.

-الفعلية: لا تكون الفرجة إلا نتيجة فعل قد يتخذ شكل الحاجة إليها (الهم والغم الذي يدفع إلى البحث عن الفرجة) أو الرغبة فيها أو السعي نحوها أو القيام بما يؤدي إليها. (عز الدين بونيت، “الفرجة في المتخيل اللغوي العربي محاولة لتحديد ظاهراتي”، ضمن كتاب الفرجة الخاصة بالموقع، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، طنجة، 2011).

(4)Marvin Carlson, Performance, a critical introduction (NY: Routledge, 2004) p. 2.

(5) Diana Taylor, Negotiating Performance: Gender, Sexuality, and Theatricality in Latin America (Durham &

London: Duke Univ., 1994) p. 11.

(6)Eugenio Barba, 1986, p 45.

(7) يتيح لنا أرسطو جردا لكل المراحل التي عرفها تطور تراجيديا أتيكا، حيث يؤكد أنه في المقام الأول، أضاف اسخيلوس الممثل الثاني؛ ثانيا، قلص من حضور الرقص الذي تؤديه الجوقة؛ ثالثا، أعطى الأولوية للحوار من خلال تقليص مساحات السرد الملحمي؛ رابعا، أضاف سوفوكليس الممثل الثالث؛ خامسا، فأضاف المشهد – التشكيل. سادسا، كانت الحكايات الصغيرة قد اتبعت بحكايات ذات ثقل كبير؛ سابعا، لم تتحرر التراجيديا من الملفوظ الكروتسكي إلا متأخرا، بواسطة التخلص من الدراما الهجائية و أضحت ذات قيمة بكيفية تامة؛ ثامنا، تغير الوزن من التيترامترا إلى اللامبي. للمزيد من التدقيق، انظر ردجواي Three Notes of the Poetic of Aristotle in Classical Quarterly, vol Vi. 1912: 242-

(8)ichard Schechner, Between Theater and Anthropology (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1985).

(9)Richard Bauman, Performance in Folklore, Cultural Performances, and Popular Entertainments: A communications–centred Handbook, ed. Richard Bauman (New York and Oxford: Oxford University Press, 1992) xiv.

(10) Clifford Geertz, The Interpretation of Cultures(New York: Basic Books, 1973).

(11) Augusto Boal, in Performance Studies: An Introduction, by Richard Schechner (London & N. Y.: Rutledge:

2002) p. II.

(12) لقد كرس V.Turner حياته للبحث في الطقوس والفرجات بشتى تلويناتها وأشكالها المختلفة؛ فاعتبر الطقس (الشعيرة) Ritual متجذرا في تخوم السيرورة الاجتماعية. وانتهى Turner إلى خلاصة أساسية وهي أن السيرورة الاجتماعية فرجوية بامتياز. كما عمد إلى استشراف مفهوم المابينية Liminality في فهمه للطقوس، وذلك لأنه يعتبر الطقس غير خاضع للبنية/البنينة، لأنه لعبي، كرنفالي وخلاق في ذات الوقت. وهكذا حظيت الفرجة بموضع مركزي في تفكير Turner وذلك لأن الأجناس الفرجوية هي بمثابة نماذج حية للطقوس كأحداث مصوغة. وهذا يعني أن الفرجة تتضمن في جوهرها حدثا طقوسيا: أي “سلوكا أعيدت صياغته”(Schechner 1985).

(13)Erika Fischer-Lichte, “The Emergence of New Theatrical Communities: How Cultures Interweave in Performance“, in Interweaving Performance Cultures/Critiquing Postcolonialism (ed.) Khalid Amine (Tetouan: faculty of Letters and Humanities Publications, 2010) p. 10.

(14) Fischer-Lichte, The Transformative Power of Performance, p. 36.

(15) Fischer-Lichte, « Culture As Performance: Theatre History as Cultural History », inActs / Proceedings, Historia Do Teatro E Novas Tecnologias, p. 2.

في مناسبات عدة تِكد الباحثة الألمانية إيريكا فيشر ليشته على هذا الأمر: “استنادا إلى ما ورد في كتابي الأخير “جماليات الأداء: نظرية في علم العرض”، فإن الفرجات تجسد حالة من البينية. ذلك أن الفرجة ترتهن بفعل تلك الحالات التي تتحقق عبر الحضور الجسدي للمؤدين والجمهور. فالجمهور المشارك يتأثر بكل ما يصدر عن المؤدين، وبدورهم يتأثر هؤلاء بردود فعل الجمهور. هكذا، لا يتحقق الوجود الفعلي لفرجة ما إلا أثناء سيرورتها حيث تنبعث من التفاعل بين المؤدين والجمهور.”

Erika Fischer-Lichte “Interweaving Cultures in Performance: Different States of Being In-Between”. New Theatre Quarterly, 25, pp 391-401.

(16)  Judith Butler (1997) Excitable Speech: A Politics of the Performative. New York: Routledge, p. 3

(17) Erika Fisher-Lichte, The Transformative Power of Performance, p. 75.

(18) حركة احتلوا (احتجاجات احتلوا) هي حركة عالمية، بدأت بحركة احتلوا وول ستريت في مدينة نيويورك الأمريكية في 17 سبتمبر 2011، ثم تحوَّلت إلى حركة عالمية في 15 أكتوبر 2011.

(19)  Augusto Boal, in Performance Studies: An Introduction, by Richard Schechner (London & N. Y.: Rutledge: 2002) p. II.

(20) طارق الطيب محمد البوعزيزي (1984- 2011)، مواطن تونسيقام يوم الجمعة 17 دسمبر 2010 بإضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية لعربة الخضر، مصدر رزقه. وحسب عائلة البوعزيزي، فإن الشرطية فادية حمدي،صفعته أمام الملأ، وقالت له Dégage (ارحل)، فأصبحت هذه الكلمة شعار الثورة للإطاحة بالرئيس بن علي، وكذلك شعار الثورات العربيةالمتلاحقة. وحسب سالم البوعزيزي، شقيق الشهيد محمد البوعزيزي، فإن الصفعة التي تلقاها شقيقه، هي التي أججت لديه فكرة الانتحار قائلاً: “معروف في قبيلة الهمامة أن الذى تضربه امرأة نلبسه فستاناً“. ورغم تبرئة المحكمة للشرطية فادية حمدي بعد ثورة الياسمين، فإن شهادة سالم البوعزيزي تظل مثيرة للجدل، خاصة أنها تضمر احتقارا لا إنسانيا للمرأة… ففادية حمدي، هي الأخرى، ضحية النظام المستبد الذي قدمها قربانا لتهدئة الأوضاع بعد زيارة بن علي لمحمد البوعزيزي في المستشفى.

(21) عبد السلام بنعبد العالي، “في ‘مجتمع الفرجة’”، الملحق الثقافي، الاتحاد الاشتراكي، الجمعة 7 فبراير 2014، العدد 621. 10، ص. 8.

(22) الدكتور محمد سمير الخطيب، “مشهدية ميدان التحرير الجسد والمكان والسلطة“، ورقة قدمت في ندوة “فرجة التحولات/ تحولات الفرجة، طنجة 2012.

(23) Richard Schechner, in The Ends of Performance, p. 360.

 

عـن شعريـة الدراما الحديثة

عـن شعريـة الدراما الحديثة


بقلم د. حسن المنيعي

لم تعمل النظريات الجمالية في القرن السابع عشر على تأسيس جمالية درامية أصيلة. لقد كان مشروعها المشترك هو التزام الكتاب بـ”شعرية أرسطو” دون التفكير في خلق قطيعة مع معاييرها، ومنها على الخصوص مفهوم “المحاكاة” Mimésis الذي يحدد الفن باعتباره تقليداً للطبيعة، ثم مفهوم الوحدات الثلاث، وعلى الخصوص “وحدة الحدث” التي تميز لدى “أرسطو” بين “التراجيديا” و “الملحمة”، حيث تحاكي الأولى أناساً يقومون بشيء ما، بينما تحاكي الثانية عبر “السرد”. لهذا، فإن المسرح قد ظل – خلال هذه الحقبة منصهراً في الشعر الكلاسيكي، ومنهمكا في التمييز بين الأجناس الأدبية (تراجيديا – كوميديا – تراجيكومديا الخ..). لكن التراجيديا تظل الجنس المفضل لدى الكتاب، لأنها “تقدم للجمهور صورة نبيلة عن أنفسهم، كما تحقق لديهم متعة باطنية (التطهير)(*).

وإذا كان هذا الجنس يقصد به “الدراما” Le drame، فإن الجمالية التي ارتبطت بالقرن الثامن عشر، وجزء كبير من القرن التاسع عشر، ستقترح تصورات فنية وجمالية في هذا الموضوع كان من حصيلتها بروز مسرح درامي يخضع لنبوغ الكاتب ورؤيته للعالم، وأفق انتظار الجمهور. وانطلاقاً من مبدإ “حرية الفن”، أنتجت المدرسة الرومانسية شعرية درامية تنظر إلى المسرح باعتباره فناً تنحصر وظيفته في خدمة كل شرائح المجتمع، وفي الانفتاح على التاريخ والعالم. وقد ركزت نصوصه على بطل يتموضع في قلب الحدث، وعلى مراعاة وحدة الموضوع دون التمييز بين ما هو مأسوي (التراجيديا) أو هزلي (الكوميديا): الشيء الذي جعلها تنتج ما سمي بـ”دراما الغروتيسك” التي نجد أهم تنظير لها في مقدمة مسرحية “كرمويل” لـ”فكتور هوجو”، والتي سيكون لها تأثير كبير على المسرح الطلائعي.

لكن أهم ما سجله القرن التاسع عشر، هو الاهتمام بالممثل كما فعل ذلك “ّديدرو” Diderot من خلال كتابه “تناقض حول الممثل” (نشر سنة 1830). ثم الدخول في مغامرة “الإخراج المسرحي”. في هذا الصدد، أسس “أندري أنطوان” A. Antoine سنة 1887 “المسرح الحر” ليمارس في نطاقه، ولأول مرة، وظيفة المبدع الثاني: أي المخرج المسرحي، الشيء الذي جعل هذا الفن ينضاف إلى إعداد الفرجة، كما أدى إلى تحديد جديد للمسرح يركز على مصطلحات مثل الحركة، والديكور، والصوت.

إضافة إلى ذلك، قام ّديدرو” بابتكار دراماتورجيا تطرح تساؤلات حول الوحدات الأرسطية نتج عنها جنس درامي يكتب نثراً، ويدرس الأوضاع الإنسانية والصراعات التي تجري بين أفراد العائلة (دراما العائلة). لذلك لم تعد “المحاكاة” في رأيه انعكاساً للواقع، بل “إيحاء” بعناصره ومكوناته. وهذا ما جعل نظريته عن الدراما تعطي الأهمية لمفهوم “الاحتمال” vraissemblance الذي أصبح مرتبطا بالطبيعة الإنسانية والمواقف، والتي يدعمها سمو الحدث وإيقاعاته في نطاق البناء الدرامي.

وقد سايره في هذا الاتجاه العديد من الكتاب أمثال “بومارشي” Beaumarchais وسبستيان مرسيي S. Mercier. مما أدى إلى هيمنة التنظير حول “الدراما”، الذي كان من نتائجه تحول الكتابة الدرامية بعد أن أصبحت مواصفات الإخراج تظهر في “النص”، خصوصا على مستوى العناية بالإشارات المسرحية Didascalies، واللوحات، والديكور إلى درجة أن “ديدرو” كان يعالج قضايا الخشبة بعين الفنان التشكيلي. من هنا، تميز مسرح القرن التاسع عشر بعدة طروحات نظرية حول “المسرح الدرامي” ركزت في الأساس على الكتابة الدراماتورجية، وضرورة انتشالها من هيمنة القواعد الأرسطية وخصوصا مفهوم التطهير (باعتباره فضيلة أخلاقية)، ثم مفهوم العرض التقليدي، الذي يجعل من الخشبة فضاء للإيهام يحبس أنفاس الجمهور دون أن يكون له رد فعل سوى الإحساس بالخوف والشفقة.

لتجاوز هذا الموقف، وجه “جان جاك روسو” J. J. Rousseau نداء إلى المسرحيين يدعوهم إلى تجاوز هذه الوضعية، وتعويضها بتوحد احتفالي للشعب مع ذاته من خلال إمتاعه بعروض في الهواء الطلق. وفي نفس الخط، أدانت الحركة الرمزية (الفرنسية على الخصوص) العرض الذي يعكس الواقع ولا يتعداه، كما انحازت إلى رصد العمق اللا منطقي للعالم وخبايا النفس البشرية. وقد تجسد هذا التوجه في “درامات” تقوم على رموز وإيحاءات انعكست في أعمال “ميترلنك” و “بول كلوديل”، و “تشيكوف”، و “إبسن”، و “أوغست ستراندبرغ”.

أما على المستوى الفني، فقد عاب “ريشار ﭭاغنر” R. wagner. -في ألمانيا – على الفن الدرامي عدم وجود وحدة بين العناصر التي تؤسس فرجته. لهذا اقترح مفهوم “النتاج الشامل” الذي يعمل على تجميع عناصره الدرامية مبدع واحد. وهذا ما أدى إلى إعادة النظر إلى الإخراج المسرحي، وتطوير آفاقه على يد منظرين أمثال ّأدولف آبيا” A. Appia و “غوردن غريغ G. Graig اللذين عوضا واقعية الديكور بعناصر رمزية وتجريدية تمتزج بتركيبات ضوئية، لخلق انطباعات في نفسية المتفرج بدل إيهامه بالواقع.

هذا، ومع أن المسرح قد ظل في بداية القرن العشرين، يركز على المحاكاة، فقد عرف بروز المدرسة التعبيرية التي كانت رد فعل ضد “الطبيعية” التي تدرس الإنسان من خلال بيئته، وتقحمه ضمن الجماعة لتقف على حياته وتطوره. وعلى العكس من ذلك، ركزت “الدراما التعبيرية” على الإنسان باعتباره رمزاً لطبقة محددة، كما رصدته في حالة تمرده ضد المحيط الاجتماعي الذي يعد فضاء يعرقل حريته، ويهدد كيانه. من هنا، لم تعد المسرحية (الدراما) تخضع لحدث بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما أصبحت عبارة عن لوحات تؤشر إلى “محطات” يقدم الفعل الدرامي في نطاقها موزعاً على فضاءات. لكن أطرافه تتوحد عبر رابط موضوعي يستطيع الجمهور إدراكه من خلال نموذج البطل، الذي قد يكون مثالياً أو مبتذلا في نفس الوقت، مادام أن الدراما (دراما المحطة) لا تعتمد على صراع كلاسيكي، بقدر ما تقوم على معالجة العيش اليومي. لهذا، كان لها تأثير كبير على كتاب المسرح الحديث الذي سيحقق طفرات هائلة على يد منظرين هما “أنطونان أرطو” A. Artaaud و “برتولد برشت” B. Brecht اللذان أبدعا شعريتين دراميتين عرفت الأولى “بمسرح القسوة”، والثانية “بالمسرح الملحمي”.

* شعرية أرطو وبرتولد برشت

لقد أكد الأول “أرطو” أن الفن المسرحي لا يمكن له أن يعبر عن الطاقة الخلاقة للحياة إلا إذا شكل أثر الفرجة “قوة” لا “انعكاساً”. ومن ثم، نادى بخلق قطيعة مع التقليد المسرحي الأدبي، كما رفض اللغة التي تحرص على التفريق بين الكلمات والأشياء. أما عن النص، فلم يعد، في نظره، إلا ذريعة لدعم فرجة تتجاوزه كلياً، وذلك بما تنطوي عليه من أبعاد فنية تنعكس في الحركة، والموسيقى، والصراخ، وجمالية الأكسسوارات. وكذا في “سحرية” الكلمات، وكل ما يعيد المسرح إلى أصوله المقدسة الأولى، ويحرر غرائز الإنسان الدفينة. وهذا ما جعل شعريته التي ضمنها كتابه “المسرح وضعفه” تلح على ضرورة الفصل بين ما نعيشه وما يقدم فوق الخشبة.

أما “برشت”، فقد تميزت شعريته بإدراج السرد في النص الدرامي، وكذا في الإخراج المسرحي لتتحول الخشبة برمتها إلى فضاء للحكي. لذلك، شكلت “لدراما الملحمية” أو الجدلية نقيضا للدراما الكلاسيكية القائمة على الإيهام. علما بأن ما يميز شعرية “برشت” هو تقنية “التباعد” Distanciation التي تعني تجريد نسق أو طابع من كل ما يحتوي عليه حقيقة، أو ما يحدده، وابتكار مكانه ما هو غريب ومدهش. وهذا يعني أن أثر التباعد يهدف إلى جعل المتفرج ينظر إلى ما يشاهده أو ما يجري فوق الخشبة باعتباره ملاحظا يقظا، ومحايداً تجاه كل القضايا التي تعرض أمامه. وهذا يعني أن عليه أن يقدم أحكاما منطقية حول الفرجة، التي ترتكز بنيتها على مشاهد قصيرة ومتلاحقة تجري فوق خشبته عارية، وفي نطاق تمسرح واضح.

* بيترزوندي والدراما الحديثة

لقد كان لشعرية كل من “أرطو” و “برشت” أثر كبير على الممارسة المسرحية الحديثة والمعاصرة، لأن الأولى تميزت بتمردها ضد المفهوم الكلاسيكي للمسرح الذي يرتكز على النص، كما أعطت الأولوية للمخرج باعتباره منظما ساحراً للعرض المسرحي. أما الثانية، فقد أعادت النظر إلى جوهر “المسرح الدرامي” Th. Dramatique كما حدده أرسطو، أي باعتباره مسرحاً يجعل “الملحمة” l’epopée (التي ترتكز على السرد) تعارض “الدراما” Le drame (التي يدعمها الخطاب). إضافة إلى أن فرجة المسرح الدرامي (التقليدي) تقوم على صراع لا يتيح للمتفرج إبداء رأيه النقدي حوله.

من هنا، كان المسرح الملحمي – كما أكد على ذلك المنظر الألماني بيتر زوندي Peter Szondi– مصدر أزمة بالنسبة للدراما التقليدية منذ سنة 1880. في هذا الصدد. قدم في كتابه الشهير “نظرية الدراما الحديثة” الإطار الجدلي الذي يتمفصل المسرح في نطاقه باعتباره أزمة للدراما التي تحقق، مع ذلك، استمرارها إلى جانب أشكال مسرحية ذات بنية ملحمية. وقد حرص، في هذا الجانب، على تحليل مختلف أشكال الأدب الدرامي الحديث انطلاقا من فرضية تميز بين الشكل الدرامي والمضمون الملحمي (الذي يحدد باعتباره خاصية مشتركة بين الملحمة، والمحكي والرواية).

في هذا المجال، يرى أن الدراما هي “جنس مطلق” وعالم ثانوي مستقل، وأن لها مرجعية ذاتية ومنغلقة على نفسها. كما أنها تمتلك زمنها الخاص ومنطقها الداخلي الذي يقصي كل مرجعية خارجة عنها، لأنها تتظاهر – بحكم اعتمادها على مسرح العلبة – بتجاهل حضور جمهور سلبي خلال العرض، ولكنه جمهور إيجابي من خلال الاندماج. إضافة إلى ذلك، فإن الدراما تركز، منذ عصر النهضة، على إنّية العلاقة البينذاتية والروابط الإنسانية مما جعل “الحوار” Le dialogue يحتل الصدارة في مسار الحدث الدرامي وتطوره. على أنه في القرن التاسع عشر، تم إقحام عناصر “ملحمية” في بنية الدراما: الشيء الذي جعلها تعيش أزمة في علاقتها مع الأدب الدرامي الملحمي الحديث. وقد انحصر إدراك هذه الأزمة على أنها تناقض دراماتورجي قائم بين استمرار الشكل التقليدي للدراما، وحضور مضمون جديد ذي بنية ملحمية (إما سردية أو روائية) يفرض، كما يفعل المحكي، وجهة نظر ذات (شخصية أو خارجية) على موضوع (الحدث الدرامي).

من هنا، توجهت الدراما نحو النسيج الاجتماعي باعتباره شهادة، ولكنه لا يشكل إلا جزء من كل ينفلت من قبضتها، أو نحو مسرح الحميمية الغنائي Lyrique الذي يفضل “اللامرئي” على “المرئي”. أما عن المسرح الملحمي (الذي فرض نفسه من خلال ما أخرجه “إروين بيسكاتور” من أعمال درامية، وكذا من خلال مسرحيات “برتولد برشت”، فقد كان يقدم أهم المحاولات الرامية إلى حل تناقضات الدراما الحديثة. من ذلك، أن الشكل الدرامي قد أخد ينبثق من هذا المضمون الملحمي الجديد، الذي تولد عنه شكل دراماتورجي حديث عمل على تقويض الشكل التقليدي.

وبما أن “بيسكاتور” كان يهتم أيضا بالسينما، فقد وظفها في إخراجاته منذ سنة 1927. وهذا ما يؤكد على بروز تلك البنية الشكلية الملحمية، خصوصاً على مستوى هيمنة وجهة نظر ذات (المؤلف أو المخرج) على موضوع (الحدث الدرامي أو المادة المسرحية)، أو على مستوى فعل خلاّق يتجسد في التوليف montage من خلال التجاور. فبعد أن كان الحدث في الدراما ينحدر من تطور وحصيلة المعطيات الإنية الداخلية للصراعات الإنسانية، صار، مع هذا الأدب الدرامي الملحمي الجديد، نتاج توليف متسام يقوم به مؤلف. وهذا يعني أن الحدث قد تم إبعاده (نظرية التباعد البرشتية) ليتحول إلى موضوع حكائي يقدم فوق الخشبة. بتعبير واضح، لقد تم تعويض الحدث بالمحكي الركحي.

على ضوء هذه الإشارات (التي هي حصيلة دراسة للمسرح الأوروبي من سنة 1880 إلى 1950) أمكن لـ”بيترزوندي” أن يقف على أزمة الدراما لا من حيث شكلها، بل وأيضا من حيث التقليد الفني الذي يتحكم في عرضها فوق الخشبة. لهذا خلص إلى الاستنتاج التالي: وهو أن حل هذه الأزمة يقتضي التنظير للمسرح لا باعتباره “نصا درامياً”، وإنما باعتباره “ممارسة ركحية”. وهذا ما جعله ينحاز إلى المسرح الملحمي البرشتي، حيث عده ثورة في الممارسة المسرحية الحديثة، وأسلوبا جد متطور في مجال الدراماتورجيا.

وكما هو معلوم، فإن شعرية “برشت” قد غيرت مسار المسرح، كما أنها أثارت نقاشاً حاداً بين مؤيدين ومعارضين. ومع أن المسرح المابعد/برشتي قد ظل متأرجحا بين الدرامي والملحمي، وذلك حسب وضعية المتفرجين وصانعي الفرجة، فإن من الشعريات التي ظهرت في السبعينيات شعرية “مسرح المقهورين” التي ارتبطت بالمسرحي العالمي ّأوغستو بول”   Augusto Boal، والتي تهدف إلى مقاومة سياسة القهر في كل المجتمعات الإنسانية، كما تهدف إلى دعم الفكر الاحتجاجي الفاعل لدى الجمهور. وهي في الأساس نتاج اطلاع “بول” على أعمال “برتولد برشت” ونظريته عن المسرح الملحمي، حيث اكتشف لديه “أن المسرحية لا يمكن أن تنتهي بالطمأنينة والتوازن، وأن عليها، على العكس من ذلك، أن تؤشر إلى المنعطفات التي يمر منها لا توازن المجتمع، وفي أي اتجاه يمكن رفع وتيرة التغيير”. إضافة إلى ذلك، اكتشف في دراسة له عن المسرح الشعبي “أن على المسرحي أن يغادر القاعات المركزية، وأن يذهب إلى ضواحي المدن حيث يمكن له أن يلتقي هناك بالناس الذين يريدون تغيير المجتمع حقيقة”.

وإذا كانت هذه الشعرية قد انتشرت في العالم نظراً لاعتمادها على الجمهور/ المتفرج Le Spect – acteur، والعمل الجماعي، والاهتمام بطرح القضايا اليومية، فإن أشكالها (مسرح المنتدى – مسرح الصورة – قوس قزح المتعة الخ..) تتعامل مع الجمهور مباشرة انطلاقا من مبدإ ديمقراطي يجعل المتفرج يتمتع بحرية التفكير، والتعبير عن آرائه ومواقفه، لأن أهم عنصر فاعل في مسرح المقهورين هو “الجسد الإنساني” الذي يتحول إلى موضوع، وممثل، ومبدع ومغيّر لأوضاعه.

شعريات حديثة الانتشار

منذ بداية السبعينيات، عرف المسرح تحولات كبيرة كان أهمها انفتاحه على الفنون الأخرى التي جعلت الخشبة تعج بأساليب درامية جديدة يظل النص المسرحي في بعضها عنصرا ثانويا، خصوصا بالنسبة للعروض التي تعتمد مفهوم “المسرح الشامل” الأرطي. وإذا كانت هذه التحولات تعد إسهاماً للمخرجين في المقام الأول (خصوصا الذين يمارسون مسرحاً احتفالياً له علاقة مباشرة بالحياة اليومية)، فإن المنظر الألماني “هانس – تيز ليمان Hans – Thies Lehmann قد اهتم بهذه التحولات، وعمل على رصدها في نهاية التسعينيات (1999) وذلك في كتابه “مسرح ما بعد الدراما” Le théâtre Postdramatique الذي يمكن اعتبار ما ورد فيه شعرية درامية حديثة تطرح بديلا عن “المسرح الدرامي” و “المسرح الملحمي”.

وقد أكد في هذا الباب أن المسرح الغربي (منذ العصر الإليزابيتي وإلى نهاية القرن العشرين) كان مسرحاً خاضعاً للمقولة الأرسطية حول المحاكاة، والتطهير، ووحدة الحدث والبعد السيكلوجي الأخلاقي. إلاّ أن مسرح الطليعة الذي يمثله “مسرح العبث” أنتج نصوصا تقوم على التشذر، كما حرص بعض المخرجين على ممارسة مسرح شامل أنتجت جماليات ركحية جديدة تعتمد الفنون البصرية، والسينما، والكوريغرافيا، والوسائطية (الفيديو) والتشكيل، إضافة إلى الأشكال المسرحية المتفجرة التي سادت فيما بين 1950 – 1960 كمسرح الوقعة Happening والمسرح البيئي وفن الجسد body art.

ورغم أهمية شعرية المسرح الملحمي، وشيوع تطبيقها في العالم، فإن “ليمان” لم يعترف بثورتها في مجال الدراماتورجيا، بل نظر إليها على أنها “مجرد تجديد ونهاية للدراماتورجيا الكلاسيكية”، وأنها تحتوي على أطروحة تقليدية في الأساس مادام أن الحكاية La fable تظل بالنسبة لــ”برشت” الحجر الأساس في المسرح. لذا، فمن المستحيل، انطلاقاً من الحكاية، فهم الجزء الأكبر في المسرح الجديد الذي ساد فيما بين 1960 – 1990 بما في ذلك الصيغة النصية التي تبناها الأدب المسرحي (بكيت – هندكه – ستروس – مولور Muller (1).

وهكذا، واعتمادا على الفرجات التي شهدها فيما بين سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي (والتي كان أغلبها أعمالا أنجزت ضد أدب العبث الذي يرتبط بفلسفة، أو أدب (*)لم يعمل أي منهما على ابتكار ممارسة جديدة للخشبة، بقدر ما كانا يتموضعان في مسار استمرارية الدراما، ويعكسان رمزية الفكر)، دافع “ليمان” عن مسرح يقوم على الأدائية Performance أي عن مسرح يقوم على اللعب، ويتحرر من النص الدرامي، ولا يعير أدنى اهتمام لوجود تراتبية بين المنظومات الركحية والأكسسوارات المستعملة، وعلى الخصوص بين الخشبة والنصوص، مادام أن هذه الأخيرة لن تكون ركحية (أي قابلة لأن تقدم عبر اللعب والكلام). وإنما هي على العكس من ذلك تكتب ضد الخشبة، التي لا تعمل على تجسيد محتوياتها بقدر ما تقترح أساليب فنية تجعلها تنفتح على عوالم جديدة.

من هنا، يشكل “مسرح ما بعد الدراما” ثورة ضد الإخراج المسرحي الذي يقوم بتفكيك النص، ويدعو إلى توسيع أفق الممارسة المسرحية اعتماداً على كتابة دراماتورجية تخترق الأجناس، وتنصهر فيها عدة أساليب درامية تحول الفضاء الركحي إلى بؤرة تمسرح مشترك بين الجمهور والممثلين: الشيء الذي دفع “ليمان” إلى تسمية “مسرح ما بعد الدراما” يـ”الكورا – غرافي chora- graphie، أي الذي تتم كتابته عبر الفضاء، والزمن والجسد، لا من خلال النص. وهذا ما جعله ينبذ مبدأ “الحدث” L’action و “الحكاية” La fable لبلورة “موقف” أو “حالة” يتكفل جسد الممثل بإبرازهما، لأن الممثل يعد في الجوهر ّمؤدياّ Performer لا يعمل على محاكاة شخصية ما. وإنما يتجنب الاندماج في باطنيتها أو مشاعرها، لاكتشاف مشاعره وإحساساته الدفينة شأنه شأن الرياضي.

إن مفاهيم من هذا القبيل هي التي عرضت هذه الشعرية – رغم أصالتها – لانتقادات من لدن بعض النقاد وممارسي المسرح نظرا لرفضها لعناصر أساسية مكونة للدراما مثل الحكاية، والحدث والشخصيات، إضافة إلى أن “ليمان” لم يأخذ بعين الاعتبار ما راكمه المسرح من تجارب حديثة بعد سنة 1999، كما أنه اعتمد – للدفاع عن شعريته نماذج مسرحية (كانطور Kantor – غروبر Gruber بوب ولسون B. Wilson – بينا بوش الخ) تعارض التقليد المسرحي، وتدفع النسق الدرامي إلى الانتقال من “المعنى” إلى “الحسية” Sensualité، أو بتعبير آخر، إلى تحويل الفن المسرحي إلى فن “اللامعنى”، وإقصائه عن الحقل السياسي، مع أن كل ما سجله المسرح من تجارب حداثية (منذ الثمانينيات) من خلال تعامله مع التراجيديا القديمة، وإعادة كتابة نصوص خالدة، وكذا من خلال ما عرفه الإخراج المسرحي من تطور في علاقته بالفنون الأخرى؛ كل ذلك ما يزال يؤكد على حضور الدرامي Le dramatique في عملية الإنجاز المسرحي.

أخيراً، إذا كان المسرح الدرامي الكلاسيكي هو مصدر ظهور شعريات حديثة نظرا لهيمنة النظرية الأرسطية عليه، وتنوع الخطابات والتفسيرات حولها، فقد صدر في فرنسا سنة 2007 كتاب هام تحت عنوان: “أرسطو أو هامة المسرح الغربي” Aristote ou le Vampire du th. Occidental. وهو من تأليف “فلورانس دبون” F. Dupont أستاذة جامعية متخصصة في الأدب الإغريقي واللاتيني على الخصوص.

وقد ركزت في عملها، هذا، على الأطروحة التالية: وهي أن الإيديلوجية المسرحية الغربية قد انصاعت لتفسير معكوس يعد في الجوهر خطاً ارتكبه التقليد حول شعرية أرسطو، حيث قرأها باعتبارها كتاباً يصف حقيقة المسرح، بينما يتعلق الأمر في الواقع بنص جد معياري يبتكر مسرحاً ذا طابع ثقافي لا يقوم على اللعب، ولا يهتم بالجسد والموسيقى. في مقابل ذلك، كان على هذا التقليد أن يراعي أهمية “المسرح اللاتيني” الذي كان يقدم عروضًا تجري في إطار “شعرية” خاصة، واعتماداً على اللعب.

ومن ثم، فقد كان هذا المسرح يعرف باسم “الألعاب الركحية Ludi scaenici، لأنه لا علاقة له بـ”المحاكاة”. وإنما هو فرجة التفاعل المباشر مع مادة العرض. على ضوء هذه الملاحظة. دعت “فلورانس دبون” المسرحيين إلى خلق قطيعة مع هيمنة المسرح الأرسطي، كما دافعت عن مسرح حي لا يكون هدفه هو تقديس “النص”، وإنما إنجاز فرجة تقوم على اللعب، وتستمد مرجعياتها من الأشكال المسرحية الشعبية، والكوميديا المرتجلة والـﭭودفيل.

وبعد هذا العمل (أي في سنة 2012)، نشر المنظر الفرنسي الكبير “جان بيير سرزاك” J. P. Sarrazac كتابه “شعرية الدراما الحديثة” Poétique du Drame moderne درس فيه الصيرورة الركحية للمسرح، وذلك عبر تحليل لمفهوم الدراما منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى اليوم. وقد انطلق في دراسته من أطروحة بيترزوندي” عن “نظرية الدراما الحديثة. وهذا ما جعله يقدم لنا “شعرية مفتوحة” تدافع عن مسرح حي أطلق عليه تسمية “المسرح الرابسودي”(2) الذي ينحصر في الجمع، بطريقة دينامية، بين أشكال تعبيرية متعددة وهجينة، وذلك عن طريق “التوليف” أو “التشذير”: أي هدم وإعادة بناء أشكال مسرحية أو خارج/مسرحية (رواية – قصة قصيرة – مقالة فلسفية – رسائل – جريدة، محكي عن الحياة) لإنتاج عمل يتقاطع فيه الدرامي، والملحمي، والغنائي.

هذه إشارة مقتضبة إلى أهم الشعريات الحديثة التي تؤكد لنا أن المسرح هوفن متحول يقوم على الابتكار الذاتي،وعلى التنظير الذي يراعي أصول الدراما التقليدية.إنه فن اجتماعي بامتياز يجعلنا دوما في علاقة مع لغات ركحية تتأرجح بين ما هو أصيل وحديث.

** الإحـالات:

(*): استعمل جان بيير سرزاك هذا المصطلح لأول مرة في كتابه “مستقبل الدراما” للحديث عن كتاب الدراما الجدد (المترجم).

(1):  Hans- Thies Lehmann : Le Théâtre postdramatique, ed l’arche, Paris, p.44.

(*): اعتمدنا لكتابة هذا التقديم على بعض المراجع التي لها علاقة بموضوع المسرح وشعرياته.

(2): المسرح الرابسود ي: théâtre Rhapsodique يمكن ترجمته إلى العربية بـ “مسرح الراوية”، لأن الرابسود هو مصطلح إغريقي كان يطلق على الرواة الذين كانوا يتنقلون بين المدن لتقديم قصائد شعرية أو مقاطع من الإليادة والأوديسا.


 
 

ترجمة الأفلام والمسلسلات قبل الإصدار

ترجمة الأفلام والمسلسلات قبل الإصدار الرسمي


بقلم أحمد إبراهيم

عادة يتأخر الإصدار الرسمي للأفلام والمسلسلات الأجنبية على هيئة أقراص رقمية DVD & Blu-Ray ويحوي في الغالب إضافات على نسخة الفيلم المعروضة في القاعات السينمائية مثل المشاهد المحذوفة، ومقابلات مع كادر العمل، وترجمات رسمية لعدة لغات منها العربية في معظم الأحيان.

لكن المتابع للسينما لا ينتظر عامًا أو أكثر قبل الإصدار الرسمي، إضافة إلى صعوبة توافره على الإنترنت؛ فيلجأ إلى نسخ مقرصنة تبدأ بالظهور على مواقع التورينت متفاوتة الجودة بين نسخ مصورة بكاميرات داخل السينما إلى نسخ فائقة الدقة بعد عدة أشهر.

تختلف الحال بالنسبة للمسلسلات؛ فهي تتوافر بعد عرضها على القنوات الأميركية خلال ساعة على الأكثر وتكون بدقة عالية. هنا، يتصدر المترجمون المشهد، كل منهم بحسب سرعته ودقة ترجمته كي تكون متاحة للمشاهد بأسرع وقت وبشكل مجاني.

مع بدء ثورة الإنترنت عريض الحزمة، كان المترجمون يعملون بشكل تطوعي. وبسبب قلة الترجمات العربية الموجودة على الإنترنت، عملوا على إغناء الترجمات عن طريق سحب الترجمة من الإصدارات الرسمية للأفلام الذائعة الصيت وإعادة رفعها على الإنترنت. تكون صيغة الترجمة IDX وتمتاز بصعوبة التحرير ويتجاوز حجمها (1-3) ميغابايت، ولعبت خيارات المترجمين الفنية دورًا كبيرًا في ما تتم ترجمته.

يحتل موقع Subscene المركز 37 من ناحية التصفح في المملكة العربية السعودية. يظهر الموقع حضورًا كبيرًا للترجمات العربية من ناحية الكم والكيف (بحسب نظام التقييم المتبع في الموقع)؛ فتشكل الترجمات السيئة التي تعتمد على برامج ومواقع الترجمة، نسبة ضئيلة من المجموع. ويلحظ المتابع ارتباط أسماء بعض المترجمين بمسلسلات ذاع صيتها بشكل مرافق لاسم المترجم مثل "هاشم الذي قام بترجمة LOST على مدى 6 أعوام"، أو بأفلام معينة؛ فنجد مترجمين يتخصصون بترجمة الأفلام الأوروبية الحديثة أو الأفلام التلفزيونية التي بدأت تستقطب أسماء كبيرة في هوليوود. هذا بالإضافة لتعاونات شللية بين مجموعات من المترجمين بهدف الاستعجال في إصدار الترجمة، وتكون الترجمات في الغالب بصيغة Srt التي تمتاز بسهولة التعديل الزمني والنصّي، ولا يتجاوز حجمها نصف ميغابايت.

يوضح المترجم منذر تلاليني في حديث إلى "جيل": "عدد المترجمين الذين يعملون بمقابل مادي أكثر من المتطوعين، نظرًا لتنافس المواقع على جذب المشاهدين بتقديم محتوى حصري لا يتوافر عند غيرهم".

عن نفسه، يقول إنه يعمل مترجمًا بمقابل مادي مع أحد المواقع، إضافة لترجمة بعض الأعمال التي تستهويه بشكل تطوعي: "بدايتي مع الترجمة كانت في محاولاتي لترجمة الرواية اليابانية No Longer Human للكاتب أوزامو دازاي. تختلف ترجمات الأفلام والمسلسلات عن هذا النوع من الترجمة". يتابع: "أما بدايتي الحقيقية في هذا المجال كانت مع الموسم السادس من المسلسل الشهير Game of Thrones حين صدرت حلقتان منه، وكانت الترجمة تتأخر لأيام، وتمكنت من ترجمة الحلقة الثالثة فور صدورها قبل أي مترجم آخر. لا أطيق مشاهدة ترجماتي القديمة الآن نَظَراً لسوء تنظيمها ووضوح عدم خبرتي آنذاك".

تختلف الأسس التي يختار المترجمون بناءً عليها ما يترجمونه من أفلام ومسلسلات. لكن الأغلب يتوجه نحو أفلام البوكس أوفيس الحديثة، أو الأعمال التي يضم كادرها أسماء عريقة وبالضرورة أفلام الأبطال الخارقين.

وفي حالة المسلسلات، فإن المترجمين في الغالب يراعون القناة المنتجة للعمل، فأعمال قنوات الكيبل المدفوعة hbo - showtime- amc غير معرضة لخطر الإلغاء، مثل مسلسلات القنوات المفتوحة fox- abc- nbc التي يمكن إيقاف عرضها حتى بدون إكمال الموسم. ويميل المترجم في بداية أعماله إلى الأفلام والمسلسلات المشهورة لكي يناله نصيب من شهرتها، وما يعود له ذلك بفوائد قد تصل إلى عقود احترافية؛ لذلك نجد نقصًا في الترجمات العربية للوثائقيات العلمية، والكلاسيكيات الأوروبية، وبالمقابل يغطي المترجمون العرب مجالًا واسعًا من الأفلام غير الأميركية (إيرانية ولاتينية وأوروبية) الصادرة حديثًا.

نائل حريري، طبيب ومترجم ارتبط اسمه بترجمة مسلسل House M.D يقول: "بدأت قصتي مع الترجمة في فيلم before sunrise عام 2005 حين لم أجد نسخة dvd مترجمة له. بحثت عن أساليب وبرامج الترجمة، واستغرقت أسبوعًا كاملًا في ترجمة الفيلم".

يرى حريري أن الحافز الأساسي للترجمة هو حب العمل الفني والرغبة في تعميمه: "كثير من الأفلام انتقيتها بسبب إعجابي بها. كما أن المسلسلات التي ترجمتها، وهي "غريز أناتومي" و"هاوس إم دي"، اخترتها بسبب كون المترجمين السابقين غير قادرين على إيفائها الدقة الطبية المستحقة، فطلبت منهم تركها لي. هذا العمل تطوعي وغير مأجور، لذلك فهو يحتاج شغفاً والتزامًا قد لا يتوفر دائمًا".

يختلف المترجمون العرب عند نقطة إضافة التعليقات على الترجمة، والحدود الرقابية على النص المترجم من ناحية الشتائم وكالإساءات الدينية. يقول حريري: "تثير التعليقات حفيظتي. هدف المترجم نقل الكلام الأصلي بالتوازي مع الصورة البصرية، وليس إنشاء دائرة معارف. لو كان هناك أي تفاصيل إضافية مهمة لكان أحرى نقلها للجمهور الناطق باللغة الأم كذلك".

يضيف: "بالنسبة للحدود الرقابية لا حدود على الترجمة سوى الأمانة والدقة في النقل. تخضع شروط العمل الفني ومقاييسه لخالق هذا العمل الفني، وأمام المترجم دومًا خيار تجاهل العمل وتجنبه، أما إذا اتخذ قرار الترجمة فهو ملزم أدبيًا بكل التفاصيل الدقيقة".

برأي منذر تلاليني أنه يتوجّب على المترجم أن يوضّح معنى كلمة يستعصي عليه ترجمتها في حدود النص، كما يفعل مترجمو الروايات باستخدام الحاشية. أما الحدود الرقابية فهي خاضعة للحدود الأخلاقية للمترجم: "الشتائم أترجمها كما هي، ولكن بالتقليل من حدّتها دون الإنقاص من المعنى الذي من المفترض بها أن توصله للمشاهد. وبالنسبة للأفكار المتطرفة، أنا شخص مسلم ولكن أراعي مشاهدة مُختلف الأشخاص بمُختلف الديانات لترجماتي، أترجم النص كما هو، أنا مُترجم ولست بمحرّر، ووظيفتي تقتضي ترجمتي وليس إبداء آرائي سواء كانت دينية أم لم تكن".

 
 

ما النقد؟ مقالة عن فضيلة فوكو

ما النقد؟ مقالة عن فضيلة فوكو

بقلم جودث بتلر / ترجمة: فاطمة الشملان

ماذا يعني إسداء نقد؟1 إنه شيء يمكنني أن أراهن بأن أغلبنا يفهمه بحس عام. لكن تصبح الأمور أكثر ارباكا إذا حاولنا التفريق بين نقد هذا أو ذاك الموقف أو النقد كممارسة عامة بشكل أكبر، أي ما يمكن وصفه دون الإشارة إلى عناصره المخصوصة. هل يمكننا حتى طرح سؤال كهذا عن الصفة العامة للنقد دون الإيماء إلى جوهر النقد؟ وإذا ما توصلنا لصورة عامة، توفر شيئا يقترب من فلسفة النقد، هل سنخسر حينها الفارق بعينه بين الفلسفة والنقد الذي يعمل كجزء من تعريف النقد ذاته؟  النقد دائما هو نقد بعض الممارسات المنشئة، الخطابية، المعرفية، المؤسساتية، وتخسر صفتها في اللحظة التي تجرد فيها من عمليتها وتُجعل واقفة لوحدها كممارسة عمومية. ولكن إذا كان هذا صحيحا، فإنه لا يعني بأن العموميات مستحيلة أو بأننا غائصين بالفعل في المخصوصات. على العكس، ندوس هنا على منطقة من العمومية المقيدة، تلك التي تنقب الفلسفي، ولكن يجب إذا ما كانت ستبقى نقدية أن تظل على مسافة من ذلك الإنجاز بعينه.

إن المقالة التي أستعرضها هنا هي عن فوكو، لكن دعوني أبدأ باقتراح ما اعتبره موازيا بشكل مهم بين ما سعى ريموند وليامز وثيودور أدورنو بطرق عدة لتحقيقه تحت اسم “الانتقاد” وما سعى فوكو لفهمه عبر “النقد.” أؤكد بأن شيئا من مساهمة فوكو نفسه إلى وبالتحالف مع الفلسفة السياسية التقدمية سيتجلى في مسار المقارنة.

قلق ريموند وليامز بأن مفهوم الانتقاد قد حصر بإفراط في مفهوم “إيجاد الخطأ”2 واقترح بأن نجد تعبيرا لأنواع الاستجابات التي نملكها، خاصة للأعمال الثقافية، “والتي لا تتخذ طبع (أو حق أو واجب) الحكم.” وما نادى به هو نوع من الاستجابة المحددة، واحدة لا تُعمم بسرعة فائقة، كتب:” ما يحتاج أن يُفهم دائما،” “هو نوعية الاستجابة، والتي ليست حكما بل ممارسة.” أعتقد بأن هذا السطر الأخير يُعلِّم مسار تفكير فوكو على الموضوع، بما أن “النقد” تحديدا ممارسة لا توقف الحكم من قبله فحسب بل توفر ممارسة جديدة للقيم مبنية على ذاك الإيقاف بعينه.

إذن لوليامز، فإن ممارسة النقد ليست مختزلة في الوصول إلى أحكام (والتعبير عنهم). يصنع أدورنو وبشكل مهم ادعاء مشابها حين يكتب عن ” خطر…الحكم على ظاهرية فكرية في صيغة جمعية، جاهلة وتنفيذية واستيعابها في كوكبة سائدة من القوى التي وجب على الفكر كشفها.”3 إذن، من المهم الكشف عن “كوكبة القوى” تلك التي يعيقها التسرع في “الحكم” كفعل تمثيلي للنقد. فلأدورنو، تخدم عملية الحكم ذاتها فصل الناقد من العالم الاجتماعي في يده، وهي حركة تعارض النتائج لعمليته، مُشَكلة ” انسحابا من التطبيق”.  يكتب أدورنو بأن الناقد” حين بكل هيمنة يدعي علما أعمق بالموضوع، أي فصل الفكرة من الموضوع عبر استقلال الحكم النقدي فإنه يهدد بالخضوع لصيغة شيء مشابه للموضوع حين يحتكم الانتقاد الثقافي إلى مجموعة من الأفكار المعروضة، كما هي وتصنيمها كفئات منعزلة.” ولكي يعمل النقد كجزء من التطبيق بالنسبة لأدورنو، فعليه أن يقبض على الطرق التي تتأسس منها الفئات كما هي، بمقومها المنغلق. تعمل الأحكام لدى كلا المفكرين كطرق لتضمين مخصوص تحت فئة منشأة مسبقا، بينما النقد يسأل عن التأسيس المنغلق لمجال الفئات نفسها. وما الذي يصبح عند فوكو مهما خصوصا في هذا الميدان، هو محاولة التفكير بمعضلة الحرية وبالطبع الأخلاق بشكل عام متجاوزة الحكم حيث يشكل التفكير النقدي هذا النوع من الجهد.

ألقى فوكو في 1978 محاضرة بعنوان “ما النقد؟”4 وهي قطعة مهدت لمقالته المعروفة جدا “ما التنوير؟” (1984). إنه لا يسأل ما النقد فحسب بل يسعى لفهم نوع السؤال الذي ينشئه النقد، عارضا بعض الطرق التجريبية لتطويق نشاطه. ولعل ما يبقى مهما عن المحاضرة، والمقالة الأكثر تطورا التي لحقته، هو صيغة السؤال التي وضع بها الأمر. حيث سؤال “ما النقد” بعينه هو نموذج للمؤسسة النقدية موضع التساؤل، ولذا لا يستعرض السؤال المشكلة فحسب-ما النقد الذي من المفترض أننا نقوم به أو حقا نتطلع لفعله؟ – ولكنه يُحدِث نمطا معينا من التساؤل سيثبت أنه مركزي لنشاط النقد نفسه.

بالطبع، سأقترح بأن ما سعى فوكو لفعله بهذا السؤال هو شيء مختلف تماما عما يمكن أن نأتي لتوقعه من النقد. لقد جعل هابرماس من عملية النقد أمرا معضلا للغاية حين اقترح بتجاوز النظرية النقدية التي نتطلبها إذا ما سعينا لملاذ بالأعراف في صنع أحكام تقييمية عن الظروف والأهداف الاجتماعية. إن منظور النقد بالنسبة له هو القدرة على استدعاء الأساسات التي هي موضع الحديث هنا، أي ليس في تجريد التراتبية الاجتماعية والسياسية فحسب بل وتحقيق منظورات حيث يمكن أخذ مسافة معينة عن العالم الطبيعي من خلالها. بيد أن ولا واحدة من تلك النشاطات تخبرنا بأي اتجاه علينا التحرك، أو تخبرنا ما إذا كانت النشاطات التي ننخرط فيها تحقق نوعا من الأهداف المبررة معياريا. ولذا في نظره يجب على النظرية النقدية أن تفسح المجال لنظرية معيارية أقوى، كالفعل التواصلي، من أجل توفير أساس للنظرية النقدية، سامحة لأحكام معيارية أن تُصنع،5 وألا يكون للسياسة هدف واضح وتطلع معياري فحسب، بل أن نكون قادرين على تقييم ممارسات جارية باعتبار قدراتها للوصول لتلك الأهداف. وفي صنع هذا النوع من الانتقاد للنقد، أصبح هابرماس بشكل مثير للفضول غير ناقد لمعنى المعياري بعينه الذي وظفه. حيث يفترض سؤال “ما الذي علينا فعله؟”  بأن “نا الفاعلين” قد تشكلت ومعلومة، وبأن عملها ممكن، وأن الميدان الذي يمكنها العمل فيه محدود. ولكن إذا كانت هذه التشكيلات نفسها والمحدودات تملك عواقب معيارية، إذن سيكون من الضروري السعي خلف القيم التي تجهز المشهد للعمل، وسيكون هذا بعدا مهما لأي تساؤل نقدي في الأمور المعيارية.

وبالرغم من أن لعل لدى هابرماس إجابة على هذه المشكلة، فإن ليس هدفي اليوم تكرار تلك المجادلات أو الإجابة عليها، بل تسجيل المسافة بين مفهوم النقد الذي يُصنف كمعيار فقير بزاوية ما، وآخر أتمنى أن أعرضه هنا، ليس أكثر تعقيدا عما يفترضه الانتقاد المعتاد فحسب بل يمتلك، كما أحاج، التزامات معيارية قوية تظهر في صيغ سيكون من الصعب، إن لم يكن مستحيلا، قراءتها ضمن القواعد الحالية للمعيارية. أتمنى حقا أن أُظهر بأن فوكو لم يصنع مساهمة مهمة للنظرية المعيارية فحسب بل أن كلا من تجميله واعتباره للموضوع مرتبطان بالكامل مع كل من أخلاقياته وسياساته. وفي حين اعتبره البعض كجمالي أو كعدمي، أتمنى أن اقترح بأن الغزوة التي يعتركها في موضوع صنع الذات عبر الافتراض المسبق وفي التكون نفسه مهم لسياسة عدم الخضوع التي يقترحها. وبشكل متناقض فإن صنع الذات وعدم الخضوع يحصلان تزامنيا حين يُخاطر بنمط من الوجود غير مدعوم بما يسميه نظام الحقيقة.

يبدأ فوكو نقاشه بالتشديد على أن هناك قواعد لغوية لهم، أي “النقد”، مفرقا بين “المؤسسة الكانطية الرفيعة” المسماة نقد و” النشاطات الجدلية الصغيرة المسماة نقد” وبذا يحذرنا منذ البداية بان النقد لن يكون شيئا واحدا، ولن نكون قادرين على تعريفه بعيدا عن الأمور المتعددة التي يُعرّف من خلالها. “عبر وظيفته”، يكتب فوكو” يبدو [النقد] محكوما بالتبعثر، الاعتماد والمتغايرات الخالصة.” “إنه يوجد فقط عبر ارتباطه بشيء عدا نفسه.”

وبذا يسعى فوكو لتعريف النقد، ولكنه يجد بأن سلسة من التقاربات وحدها ممكنة. سيعتمد النقد على عناصره، ولكن عناصره في المقابل ستعرف معنى النقد بعينه. بالإضافة إلى أن المهمة الأولية للنقد لن تكون تقييم ما إذا عناصره- الظروف الاجتماعية، الممارسات، الصيغ المعرفية، القوة والخطاب- جيدة أم سيئة، مقدرة أو منحطة، ولكن لإجلاء هيكلة العملية ذاتها للتقييم نفسه. ما هي علاقة المعرفة بالقوة للدرجة التي تظهر بها يقيناتنا الأبستمولوجية داعمة لطريقة هيكلة للعالم تمنع الاحتمالات البديلة للتنظيم؟ يمكننا التفكير بالطبع بأننا نحتاج يقينا أبستمولوجيا من أجل الإقرار بالتأكيد بأن العالم وحري به أن يُنظم بطريقة معينة. إلى أي مدى مع هذا، تُدار هذه اليقينية من قبل صيغ معرفية تحديدا من أجل منع احتمالية التفكير بطريقة أخرى؟ الآن، يمكن للمرء أن يتساءل بحكمة، ما فائدة التفكير بطريقة أخرى، إذا لم نعلم قدما بأن التفكير بطريقة مختلفة سينتج عالما أفضل؟ إذا لم نمتلك هيكلة أخلاقية نقرر من خلالها وبمعرفة بأن احتمالات جديدة معينة أو طرق في التفكير ستقدم ذاك العالم حيث يمكننا الحكم على أفضليته بمعايير مؤكدة ومحققة مسبقا؟ بات هذا شيئا من الرد المعتاد على فوكو والعقلية الفوكوية. وهل نفترض بأن الصمت النسبي الذي رحب بهذا الطبع من إيجاد الخطأ لدى فوكو هو دلالة على أن نظريته لا تملك إجابات مطمئنة لتمنحها؟ أعتقد بأنه يمكننا الافتراض بأن الإجابات التي استعرضت لا تملك تطمينا كهدفها الرئيسي. هذا بالطبع دون القول بأن ما يمنع التطمين هو من حيث التعريف ليس الإجابة. إن الرد الوحيد بالتأكيد بالنسبة لي هو بالرجوع إلى معنى مبدئي أكثر لـ “النقد” من أجل رؤية ما الخطأ في السؤال المطروح، وبالتأكيد لطرح السؤال من جديد، ليمكن تخطيط توجه أكثر إنتاجية لمجال الأخلاقيات ضمن السياسة. يمكن للمرء أن يتساءل بالطبع عما إذا كان ما أعنيه “إنتاجي” سيُوجه بمعايير ومقاييس سأكون مستعدة لكشفها، أو تلك التي أقبض عليها جميعا في اللحظة التي اصنع فيها ادعاء كهذا. ولكني أطلب هنا صبركم حيث بدا أن النقد ممارسة تتطلب قدرا معينا من الصبر بالطريقة نفسها التي تتطلبها القراءة، بحسب نيتشه، بأن نتشبه قليلا بالأبقار أكثر من البشر ونتعلم فن الاجترار البطيء.

إن مساهمة فوكو لما يبدو كمأزق ضمن النظرية النقدية وما بعد النقدية لوقتنا، هي تحديدا في سؤالنا لإعادة التفكير في النقد كممارسة. حيث نطرح سؤال عن حدود أكثر طرقنا المؤكدة في المعرفة، والتي يشير لها وليامز كـ “طباع الذهن الغير نقدية” الخاصة بنا والتي يصفها أدورنو بالأيديولوجية (حيث “الفكرة الغير أيديولوجية هي تلك التي لا تسمح لنفسها لأن تُختزل “بمصطلحات عملية” وبدلا عنه تستبسل بشكل مطلق في مساعدة الأشياء نفسها لذاك التعبير الذي اقتطعته اللغة السائدة.” لا يتجه المرء للحدود من أجل حماس التجربة أو لأنها خطيرة وجذابة، أو لأنها تأتي بنا إلى قرب مقشعر مع الشر. يسأل المرء عن الحدود في طرائق المعرفة لأنه مر مسبقا أمام أزمة ضمن المجال الأبستمولوجي الذي يعيش فيه. تنتج الفئات التي يُنظم من خلالها المجتمع عدم اتساق أو عوالم كاملة من الغير منطوق. ومن هذا الظرف، أي الشق في نسيج شبكتنا الأبستمولوجية، تنبثق ممارسة النقد، مع الوعي بعدم وجود خطاب كفؤ هنا أو أن خطاباتنا السائدة قد أنتجت مأزقا. بالتأكيد قد ينتج الجدل نفسه، حيث يحارب فيه المنظور المعياري القوي مع النظرية النقدية، تلك الصيغة من المأزق الاستطرادي حيث ينبثق منها ضرورة وعجالة النقد تحديدا.

إن النقد لفوكو “وسيلة لمستقبل أو حقيقة لن تعرفها أو يصدف أن تحدث، إنه يشرف على حقل لا يريد ضبطه وغير قادر على تنسيقه.” إذن سيكون النقد ذلك المنظور على الطرق المحققة والمنظمة للمعرفة التي لم تُدمج على الفور في ذلك العمل التنظيمي. من المثير للاهتمام لدى فوكو أن هذا الانكشاف على حدود المجال الأبستمولوجي مربوط بممارسة الفضيلة، كما لو أن الفضيلة تضاد للتنسيق والنظام، كما لو أن الفضيلة نفسها توجد في المخاطرة في نظام قائم. وهو ليس خجلا من العلاقة هنا فيكتب ” هناك شيء في النقد مجانس للفضيلة.” ثم يقول شيئا يمكن أن يُعتبر حتى أكثر دهشة:” هذا السلوك النقدي فضيلة في العموم.”

يمنحنا فوكو إشارة إلى ما يعنيه بالفضيلة في مقدمة استخدام المتع: تاريخ الجنسانية، الجزء الثاني.6 ففي هذه المرحلة يوضح بأنه يسعى لتجاوز الاعتبار الفلسفي الأخلاقي الذي يصدر سلسلة من الأوامر. وكما يتقاطع النقد مع الفلسفة دون أن يتطابق معها تماما، كذلك فوكو في تلك المقدمة، يسعى لصنع من فكره الخاص مثالا على صيغة غير آمرة من التحقيق الأخلاقي. وبنفس الطريقة، سيتساءل عن الصيغ من التجارب الأخلاقية التي لا تُعَرّف بجمود من قبل القانون العدلي، أي حكم أو أمر حيث يُقال فيه للنفس أن تخضع ميكانيكيا أو بانتظام. يقول لنا في المقالة التي يكتبها، بأنها هي نفسها مثال على ممارسة كهذه، ” لاستكشاف ما قد يتغير، في فكرها ذاته، عبر ممارسة معرفة غريبة عليها.” تتعلق التجربة الأخلاقية بتحول ذاتي مدعوم بصيغة معرفية غريبة عما يملكها المرء. وتلك الصيغة من التجربة الأخلاقية ستكون مختلفة عن الخضوع لأمر. بالتأكيد، للمدى الذي يستجوب فيه التجربة الأخلاقية هنا أو في مكان آخر، يعتبر فوكو نفسه بأنه يصنع تحقيقا في التجارب الأخلاقية الغير منظمة بشكل أساسي أو بنيوي عبر المنع أو الحظر.

سعى في الجزء الأول من كتاب تاريخ الجنسانية 6 لإظهار بأنه لا يمكن فهم الممنوعات المفترضة من التحليل النفسي والاعتبار البنيوي للمحظورات الثقافية كثوابت تاريخية. بل بالاعتبار التأريخي، لا يمكن فهم التجربة الأخلاقية عبر اللجوء إلى سلسلة من الممنوعات الكاشفة ضمن زمن تاريخي معطى. فبالرغم من وجود نواميس   لتدرس، فإنه يجب دراسة تلك النواميس   بحسب علاقتها لأنماط وضعية تتوافق معها. ويقوم بادعاء بأن تشريع القانون يحقق نوعا من هيمنة ضمن القرن الثالث عشر ولكن إذا ما عاد المرء إلى الثقافات الإغريقية واليونانية الكلاسيكية فإنه يجد الممارسات أو” فنون الوجود” تتعلق بالعلاقة النامية للذات ومع نفسها. وبتقديم مفهوم “فنون الوجود”، فإن فوكو يعيد تقديم والتركيز على “الأفعال المقصودة والواعية”، تحديدا ” تلك الأفعال التي لا يضع من خلالها الرجال أحكاما للتصرف فحسب بل يسعون أيضا لتحويل أنفسهم لوجودهم الفردي، ولجعل حياتهم عملا فنيا.” وحيوات كهذه لا تتطابق ببساطة مع الأوامر التشريعية الأخلاقية أو الأعراف بطريقة تواءم فيها ذواتهم، التي تعتبر مصنوعة أو جاهزة مسبقا، في قالب أُعد مسبقا من قبل التشريع. على العكس، إن الذات تُفّصل نفسها عبر مفهوم العرف، تأتي لتستوطن وتندمج فيه، ولكن العرف ليس هذا الحس خارج المبدأ الذي تتشكل منه الذات. ما يعد قضية بالنسبة له ليست التصرفات أو الأفكار أو المجتمعات أو “الأيديولوجيات”، ولكن “الاستشكالية التي من خلالها يسمح المرء لنفسه أن يكون بالضرورة عبر الفكر، والممارسات على الأساس الذي تشكلت منه تلك الاستشكاليات.”

بالكاد يكون هذا الادعاء الأخير شفافا، ولكن ما يقترحه بأن أنواعا معينة من الممارسات التي صممت للتعامل مع أنواع معينة من المشكلات تنتج عبر الوقت ميدانا مستقرا من الكينونة كعاقبة لها، وهذا الميدان الكينوني في المقابل يقيد من فهمنا لما هو ممكن. وبالإشارة فقط إلى هذا الأفق الكينوني المتجلي، الذي أنشئ هو نفسه من سلسلة من الممارسات، سنكون قادرين على فهم أنواع من علاقات التشريعات الأخلاقية التي شُكلت وتلك التي ستتشكل فيما بعد. فعلى سبيل المثال، يعتبر فوكو بالتفصيل ممارسات عديدة من الصرامة، ويربط تلك بإنتاج نوع معين من الفرد الذكوري. إن ممارسات الصرامة لا تشهد على صحة منع واحد مستديم، بل تعمل في خدمة نحت نوع معين من الذات. أو إذا ما وضعت بشكل أدق، تصنع الذات نفسها نوع معين من الأفراد في دمجها أحكام السلوك التي تمثل مزية الصرامة. إن انتاج الذات هذا هو “إعداد وأسلوب لنشاط في ممارسة قوته وحريته.” لم تكن تلك ممارسة مضادة للمتعة الخالصة والبسيطة، ولكنها ممارسة متع في ذاتها، أي ممارسة المتعة في سياق التجربة الأخلاقية.

وبذا وفي القسم الثالث من مقدمته يوضح فوكو بأن عرضا تاريخيا زمنيا للنواميس الأخلاقية لن يكون وافيا، حيث لا يمكن لتاريخ كهذا إخبارنا كيف عيش بهذه النواميس وأكثر تحديدا ما هي صيغ التشكيل الفردي الذي تطلبته تلك الصيغ وسهلت له. ويصبح هنا أشبه ما يكون بظواهري. ولكن هناك بالإضافة للجوء إلى الوسائل التجريبية التي قُبض من خلالها على الفئات الأخلاقية، حركة نقدية كذلك، حيث لن تكون العلاقة الشخصانية بتلك الأعراف متكهنة أو آلية. ستكون العلاقة “نقدية” بمعنى أنها لن تتبع فئة معينة، بل تشكل عوضا عنه علاقة استجوابية مع مجال التصنيف نفسه، مشيرة بشكل ضمني على الأقل لحدود الأفق الأبستمولوجي الذي يُخلق من خلاله الممارسات. ليست النقطة هي الإشارة إلى سياق أبستمولوجي معطى مسبقا، ولكن تأسيس النقد كممارسة في ذاتها تكشف حدود ذلك الأفق الأبستمولوجي نفسه، جاعلا من محيط الأفق يظهر كما لو أنه ولأول مرة، يمكننا القول، في علاقة مع حدوده. بالإضافة إلى أنه تُظهر الممارسة النقدية هنا بأنها تستلزم التحول الذاتي بارتباطها مع حكم السلوك. إذن كيف يؤدي التحول الذاتي إلى إجلاء هذا الحد؟ كيف يُفهم التحول الذاتي كـ “ممارسة للحرية” وكيف تفهم هذه الممارسة كجزء من معجم فوكو للفضيلة؟

فلنبدأ أولا بفهم التحول الذاتي المطروح هنا، ثم نتأمل كيف يرتبط بمشكلة تسمى “النقد” التي تشكل بؤرة تداولاتنا هنا. بالطبع أن يدير المرء نفسه تحت ناموس من السلوك أمر، وصياغة نفسه كفرد أخلاقي بالعلاقة مع ناموس من السلوك هو أمر آخر (وسيكون أمر ثالث صياغة المرء لنفسه كمُخاطر بترتيب الناموس نفسه). توفر أحكام العفة مثالا مهما لفوكو. هناك فرق على سبيل المثال بين عدم الفعل تلبية لرغبات يمكنها انتهاك مبدأ يلتزم به المرء أخلاقيا وإنشاء ممارسة للرغبة، إذا جاز التعبير، معلومة بمشروع أخلاقي معين أو رسالة. إن النموذج الذي يتطلب فيه الخضوع لحكم قانوني سيتعلق بألا يفعلها المرء بطرق معينة، واضعا منعا فعّالا ضد الفعل بمقتضى رغبات معينة. لكن يأتي النموذج الذي يسعى فوكو لفهمه وبالفعل لدمجه وضربه مثالا ليأخذ الأمر الأخلاقي للمشاركة في تشكيل نوع من الفعل. يبدو أن نقطة فوكو هنا بأن الزهد والحرمان لا يفرضان ناموسا أخلاقيا مثبطا أو غير فعال، ولكن يشكلان في المقابل ناموسا أخلاقيا من السلوك وطريقة لتصميم كل من الفعل والمتعة.

أزعم بأن هذا التضاد الذي يطرحه فوكو بين الأخلاق المبنية على الأمر والممارسة الأخلاقية التي ترتبط مركزيا بتشكيل الذات، يسلط ضوءا مهما على الفارق بين الامتثال والفضيلة التي يعرضها في مقالته “ما النقد؟” ستعرف متضادات فوكو قدما عبر فهم “الفضيلة” مع الامتثال، مظهرا كيف تُنشئ هذه الصيغة من الفضيلة عبر اختلافها عن الامتثال الغير نقدي للسلطة.

تشكل مقاومة السلطة بالطبع دمغة التنوير لدى فوكو. وتمنحنا قراءة في التنوير التي لا تنشئ فقط استمرارية فوكو مع أهدافها فحسب، بل قراءة في معضلاته الذاتية في استرجاعه تاريخ التنوير نفسه. إن الاعتبار الذي يوفره لا يمكن لمفكر “تنويري” أن يقبله، لكن تلك المقاومة لن تفسخ التوصيفات الموجودة، إن ما يسعى إليه فوكو في توصيف التنوير هو بالضبط ما يبقى “غير مفكر فيه” ضمن مصطلحاته نفسها: أي أن ما يملكه هو تاريخ نقدي. ففي منظوره، يبدأ النقد بالتشكيك في المطالبة بالامتثال المطلق وإخضاع كل التزام حكومي مفروض على الرعايا لتقييم عقلاني وتأملي. وبالرغم من أن فوكو لن يتبع هذا المنعطف من المنطق، فإنه وبالرغم من هذا سيسأل عن المقياس الذي يحد أنواع الأسباب التي تأتي لتلقي بحملها على سؤال الامتثال. سيكون مهتما على وجه الخصوص بمعضلة كيف يشكل الميدان المحدود الفرد وكيف في المقابل يشكل الفرد ويعيد تشكيل تلك الأسباب. سترتبط تلك القابلية لتشكيل أسباب بشكل مهم مع علاقة التحول الذاتي المذكورة آنفا. يتطلب منك كي تكون ناقدا لسلطة تتموضع كمطلق ممارسة نقدية تحمل التحول الذاتي في كنهها.

ولكن هل ننتقل من فهم الأسباب التي نملكها للموافقة على مطلب تشكيل تلك الأسباب لأنفسنا، لتحويل أنفسنا في درب انتاج تلك الأسباب (وأخيرا، المخاطرة بمجال السبب ذاته)؟ أليست تلك معضلات مختلفة النوع، أم أن الواحدة منها تؤدي للثانية حتميا؟ هل الاستقلالية المُحققة في تشكيل الأسباب التي تخدم كأساس للموافقة على أو رفض قانون مُعطى هي نفسها تحول الذات الذي يحصل حين يصبح الحكم مندمجا في الفعل ذاته للفرد؟ كما سنرى، يُعتبر كل من تحول الذات عبر المنظور الأخلاقي وممارسة النقد صيغ من “الفن،” تصميمات وإعادة، مقترحة بأن لا مجال لقبول أو رفض حكم دون ذات مصممة كردة فعل لمتطلب أخلاقي واقع عليها.

وفي سياق حيث الامتثال مطلوب، يحدد فوكو الرغبة التي تُخطر السؤال “كيف لا يُحكم المرء؟” تشكل هذه الرغبة، والدهشة التي تعقبها، الدافع المركزي للنقد. إلا أنه من غير الواضح بالطبع كيف ترتبط الرغبة التي لا تحُكم بالفضيلة. إلا أنه يجلي مع هذا، بأنه لا يطرح احتمالية أناركية راديكالية، والسؤال ليس عن كيف تصبح غير محكوم راديكاليا. إنه سؤال محدد ينبثق فيما يتعلق بصيغة محددة من الحكومة: “كيف لا تُحكم كهذا، وبهذا، وباسم تلك المبادئ، وبكذا وكذا هدف في الذهن وبوسائل إجراءات كتلك، ليس كهذا، وليس من أجل هذا، وليس من قبلهم.”

تصبح هذه العلامة الفارقة لـ “السلوك النقدي” ومزيته المخصوصة. حيث السؤال نفسه، بالنسبة لفوكو، يولي سلوكا أخلاقيا وسياسيا، ” فن ألا يُحكم المرء، أو أفضل من هذا، فن ألا يُحكم هكذا أو مقابل تلك القيمة.” مهما تكن الفضيلة التي يرسمها فوكو هنا لنا، سيتعين عليها أن تكون متعلقة بتلك التي تعترض على فرض القوة، أو عواقبها، وعلى الطريقة التي تُقدم، وعلى أولئك الذين يقدمونها. قد ينجذب المرء للتفكير بأن فوكو يصف المقاومة ببساطة، لكن يبدو هنا أن “الفضيلة” قد استعيضت عن ذلك المصطلح، أو باتت الوسيلة التي أعيد به وصفها. علينا أن تساءل لماذا. بل أكثر، لقد وُصفت هذه الفضيلة كذلك على أنها “فن”، فن ألا يُحكم المرء “بكثرة”، إذن ما العلاقة بين الجماليات والأخلاقيات المعمول بها هنا؟

يجد فوكو أصول النقد في علاقتها مع مقاومة السلطة الكنائسية. في علاقتها مع العقيدة الكنسية، “عدم الرغبة بأن يُحكم كان حتما طريقة للرفض، تحدي، والحد من (قلها كما يحلو لك) الحكم الكنائسي. كان يعني الرجوع إلى النصوص المقدسة…كان يعني التساؤل عن أي نوع من الحقيقة أخبرتها تلك النصوص.” كان جلي بأن هذا الاعتراض قد شُنّ من أجل بديل، أو على الحد الأدنى، أرض منبثقة للحقيقة وللعدالة. أدى هذا بفوكو لصياغة تعريف ثاني للـ “النقد”: “عدم الرغبة بأن يُحكم…عدم الرغبة بقبول تلك القوانين لأنها ظالمة ولأنها…تخفي عدم شرعية جوهرية.”

إن النقد هو ما يفضح عدم الشرعية تلك، وذلك ليس لأن النقد يملك مصدرا لنظام سياسي وأخلاقي أكثر جوهرية. يكتب فوكو بأن مشروع النقد ” يتصادم مع الحكومة والامتثال الذي تشترطه” وأن ما “يُقصد بالنقد” في هذا السياق هو “ترويج الحقوق الموحدة والغير قابلة للنقض والتي على كل حكومة أيا كانت، سواء ملكية أو قضائية أو تعليمية أو أسر أبوية أن تخضع لها.” إلا أن ممارسة النقد مع هذا، لا تكشف عن تلك الحقوق الموحدة، كما يدعى منظرو التنوير، ولكنها “تروج لها.” غير أنها لا تروج لهم كحقوق ليست بإيجابية. إن “الترويج” هو فعل يحد من قوة القانون، فعل يعاكس وينافس أعمال القوة، أي القوة في لحظة تجددها. ذلك موقف محدود بعينه، ذلك الذي يأخذ الصيغة وما تؤكده كسؤال، في توكيدها ذاته، “حق” السؤال. منذ القرن السادس عشر وما بعده صار سؤال “كيف لا يُحكم المرء” محددا إلى “ما محدود حق الحكم؟” “عدم الرغبة بأن ُيحكم” هو بالطبع عدم قبول كحقيقة… ما تقوله لهم سلطة بأنه كذلك، أو على الأقل عدم قبولها لأن سلطة أخبرتكم بأنها حقيقة، لكن القبول بها فقط إذا ما اعتبر المرء الأسباب لفعل ذلك حقة. يوجد بالطبع كم لا بأس به من الضبابية في هذا الوضع، فما الذي سيشكل أرضية الصلاحية للقبول بالسلطة؟ هل تُستقى الصلاحية من الموافقة على قبول السلطة؟ أو أنها حالة تستند فقط على أساس صلاحية سابقة ومكتشفة يمنح المرء موافقته عبرها؟ وهل تلك الأسباب السابقة، في صلاحيتها، تجعل من الموافقة حقة؟ إذا كان البديل الأول صحيحا، فالموافقة إذن فيصل يُحكم من خلالها على الصلاحية، ويبدو أن موقف فوكو تقلص إلى صيغة من الطوعية. ولكن لعل ما يقدمه لنا عبر سبيل “النقد” هو فعل، بل حتى ممارسة للحرية، التي لا يمكنها التقلص إلى الطوعية بأي طريقة سهلة. حيث أن الممارسة التي وضعت من خلالها حدود السلطة المطلقة هي واحدة معتمدة جوهريا على آثار الأفق المعرفي الذي تعمل عبره. لا تستقي الممارسة النقدية معينها من بئر الحرية الفطرية للروح. بل تُعلم في المقابل في بوتقة التبادل المخصوص بين سلسلة من الأحكام أو المبادئ (الموجودة مسبقا) وتصميم الأفعال (التي تمتد وتعيد تشكيل تلك الأحكام المسبقة والمبادئ). يأتي تصميم الذات هذا بالنسبة إلى الأحكام ليُعد كـ “ممارسة.”

ففي منظور فوكو، متبعا كانط بحس واهن، فإن فعل الموافقة هو حركة انعكاسية من خلاله تُعزا أو تُسحب الصلاحية من السلطة. ولكن هذه الانعكاسية لا تدوم للفرد. هي لفوكو فعل يحوي بعض المخاطرة، حيث النقطة ليست الاعتراض على هذا أو ذاك المطلب الحكومي فحسب بل السؤال عن النظام الذي بات من خلاله مطلب كهذا شرعيا ومحتملا. وإذا ما اعترض المرء على الأوامر الأبستمولوجية التي أنشأت أحكام الصلاحية الحكومية، إذن فقول “لا” للمطلب سيحتاج مغادرة الأرضيات المنشئة لصلاحيته، مُعلِّمة حد تلك الصلاحية، وهو شيء أكثر مخاطرة بكثير من إيجاد بأن مطلبا معينا غير صالح. ويمكننا القول من هذا الاختلاف، بأن المرء يبدأ بولوج علاقة نقدية مع أوامر كهذه والمبادئ الأخلاقية التي يبعثونها. إن المعضلة في تلك الأرضيات التي يسميها فوكو بـ “غير شرعية” ليست في أنها جزئية أو مناقضة للذات أو تؤدي لمواقف منافقة أخلاقيا. إن المعضلة تحديدا هي بأنها تسعى لمنع العلاقة النقدية لتوسع قوتها لتنظيم ميدان الحكم الأخلاقي والسياسي برمته. إنها تقود جوقة الميدان وتفرغه بالتأكيد من ذاته. كيف يستدعي المرء سؤال القبضة التفريغية التي تملكها أحكام نظام كهذا على اليقينية دون المخاطرة باللايقينية، دون استيطان موقع التردد الذي يعرض المرء لتهمة اللاأخلاقية، الشر، جمالية المذهب. السلوك النقدي ليس أخلاقي وفقا للأحكام التي تحد ذات الشيء التي تسعى العلاقة النقدية لدمجه. لكن كيف يمكن للنقد دون ذلك أن يؤدي عمله دون المخاطرة بشجب أولئك الذين يكيفون ويستخلصون التجانسية من المصطلحات الأخلاقية ذاتها الموضوعة محل التساؤل في النقد نفسه؟

يسعى تفريق فوكو بين الحكومة والحاكمية أن العدة المشار إليها بالسابق تلج إلى ممارسات أولئك المحكومين، طرائقهم ذاتها للمعرفة، ووجودهم ذاته. أن ـُحكم لا يعني امتلاك صيغة مفروضة على وجود المرء فحسب، بل بمنحه شروطا حيث سيكون الوجود عبرها ممكنا أو غير ممكن. سينبثق الفرد عبر علاقته بنظام منشئ عن الحقيقة، ولكن يمكنه أن يتخذ وجهة نظر عن النظام المنشئ الذي يوقف بأثر رجعي أرضيته الأنطولوجية.

إذا كانت الحاكمية هي…تلك الحركة التي يُخضَع الأفراد عبرها لواقع من الممارسة الاجتماعية وعبر آليات القوة التي تتقيد بالحقيقة، حسنا إذن! سأقول بأن النقد هو حركة حيث يمنح الفرد نفسه من خلالها الحق

(le sujet se donne le droit) لمسائلة حقيقة تأثير قوتها ومسائلة قوة خطاباتها عن الحقيقة.

لاحظوا بأنه يقال هنا أن الفرد “يمنح نفسه ذاك الحق،” نمط من التنصيب والتخويل الذاتي الذي يبدو مُقدما انعكاسية الادعاء. هل تلك حركة متولدة ذاتيا تلقي بالفرد على ومقابل شواطئ سلطة مضادة؟ وما الفارق الذي سيصنعه، إذا كان هناك فارق، انبثاق ذاك التنصيب والتخويل الذاتي كـ “فن”؟ يكتب فوكو أن “النقد” “سيكون فن عدم الانصياع الطوعي، ذو مراس صعب منعكس [ [l’indocilité réfléchie.” “إذا كان فنا” في حسه، فلن يكون النقد إذن فعلا أوحدا، ولن ينتمي حصريا إلى ميدان شخصاني، حيث سيكون علاقة تصميمية للمطلب المفروض عليه. وسيكون التصميم نقديا للمدى الذي فيه، كتصميم، لا يمكن تحديده بالكامل مقدما، إنه يحوي احتمالية عبر الزمن تُعلِّم الحدود للقدرة النظامية في الميدان المطروح. إذن فتصميمية هذه “السوف” ستنتج فردا غير معروف بسهولة تحت اسم الحقيقة المنشأة. يعلن فوكو: ” سيضمن النقد بشكل رئيسي عدم خضوع الفرد في سياق [le jeu] ما نطلق عليه كلمة سياسة الحقيقة.

توائم سياسة الحقيقة علاقات القوة التي تحدد مقدما ما سيعتبر ولن يعتبر كحقيقة تنظم العالم في طرق معينة منتظمة وقابلة للتنظيم، والتي نأتي لقبولها كميدان معطى للمعرفة. يمكننا فهم بروز تلك النقطة حين نسأل: ما الذي يُعد شخصا؟ ما الذي يُعد جندرا متسقا؟ ما الذي يؤهل لمواطن؟ عالم مَن المُشرّع كحقيقي؟ نسأل بشكل فرداني: كيف أكون في عالم كهذا حيث معاني وحدود الفرد معدة مسبقة لي؟ بأي المعايير أُكبح ككائن من السؤال عما يمكن أن أكون؟ ماذا يحصل حين أبدأ بأن أكون حيث لا يوجد لذلك محل ضمن النظام المُعطى للحقيقة؟ أليس هذا هو تحديدا ما يُقصد بـ ” عدم خضوع الفرد في مسرحية…سياسة الحقيقة”؟

ما على المحك هنا هو العلاقة بين حدود الأنطولوجيا والأبستمولوجيا، الرابط بين حدود ما قد أصبحت وجود ما قد أخاطر بمعرفته. يطرح فوكو سؤالا مشتقا من حس النقد لدى كانط وهو سؤال عن النقد نفسه: “هل تعرف لأي حد يمكنك أن تعرف؟” “حريتنا على المحك.” وبذا، تنبثق الحرية على حدود ما يمكننا معرفته، في اللحظة ذاتها التي يحصل فيها عدم خضوع الفرد لسياسة الحقيقة، أي اللحظة حين تتخذ ممارسة مسائلة معينة الصيغة التالية:” ماذا أنا إذن، أنا الذي أنتمي إلى هذه الإنسانية، ربما لهذه الجزئية منها، في هذه النقطة من الزمن، في هذه الإنسانية الفورية المُعرّضة لقوة الحقيقة على العموم والحقائق على الخصوص؟” طريقة أخرى لوضع هذا هو في التالي:” ماذا، باعتبار النظام المعاصر للوجود، يمكن أن أكون؟” إذا الحرية على المحك بطرح هذا السؤال، فلعل المخاطرة بالحرية تتدخل بشكل ما مع ما يسميها فوكو فضيلة، مع مخاطرة معينة موضوعة في اللعب بالفكر وبالطبع اللغة حيث يأتي بالحدود التي يقف عندها النظام المعاصر للوجود.

ولكن كيف نفهم هذا النظام المعاصر للوجود الذي أخاطر في أنا نفسي؟ يختار فوكو هنا أن يصنف هذا النظام الوجودي المشروط المتكيف تاريخيا بطريقة تربطه مع النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، معرفا “العقلنة” بأنها تأثير الحاكمية على الأنطولوجيا. صافا نفسه مع التقليد النقدي اليساري ما بعد كانط حيث يكتب،

من اليسار الهيغلي إلى مدرسة فرانكفورت، كان هناك نقدا كاملا للإيجابية، العقلنة، للتقني والتقننة، نقد بأكمله للعلاقات بين المشروع الجوهري للعلم والتقنيات التي كان هدفها إظهار الصلات بين افتراضات العلم الساذجة على صعيد وصيغ الهيمنة المميزة للمجتمع المعاصر على الصعيد الآخر.

ففي منظوره، تتخذ العقلنة صيغة جديدة حين تأتي لخدمة قوة حيوية وما يستمر صعبا لأغلب الفاعلين الاجتماعيين والنقاد ضمن هذا الوضع هو تبيان العلاقة بين “العقلنة والقوة.” حيث ما يبدو مجرد نظام أبستمولوجي، طريقة لتنظيم العالم، لا يقر بسهولة بالإكراه الذي يحصل من خلاله ذاك التنظيم. كما أنه لا يظهر في أغلبه الطريقة التي تؤدي بها آثار التشديد والشمولية والعقلنة إلى تكثيف القوة. يسأل فوكو، ” كيف من الممكن أن أدت العقلنة إلى هيجان القوة؟” من الجلي بأن قدرة العقلنة الوصول إلى روافد الحياة لا تصنف أنماطا من الممارسات العلمية فحسب، “بل العلاقات الاجتماعية أيضا، منظمات الدولة، الممارسات الاقتصادية ولعل حتى السلوكيات الفردية؟”  تصل القوة لـ “هيجانها” وحدودها أثناء ما تقبض وتتخلل الفرد الذي تفردنه. تضع القوة الحدود لما يمكن للفرد أن “يكون،” والذي بعده لا يبقى “هو،” أو تقطن في ميدان من الأنطولوجيا الموقوفة. لكن تسعى القوة لإرغام الفرد عبر القوة القهرية، وتكمن مقاومة القهر في تصميم الذات والحدود الكائن المُنشئ.

أحد أول مهام النقد هي تبيان العلاقة “بين آليات القهر وعناصر المعرفة.” يبدو أننا نواجه هنا مجددا مع حدود ما هو معروف، حدود تمارس قوة معينة دون أن تُثبت بأي ضرورية، حدود يمكنها أن تُخطى أو يُحقق معها فقط عبر المخاطرة بأمان معين ضمن أنطولوجيا متاحة:

لا يمكن لعنصر معرفة أن يوجد إذا…لا يتطابق مع سلسلة من الأحكام والقيود، على سبيل المثال، التي يمتاز بها خطاب مُعطى في زمن مُعطى في كفة، وإذا في الكفة الأخرى، لا يحتوي على تأثيرات القهر أو ببساطة الدوافع المخصوصة لما هو مصدّق علميا أو عقلاني ببساطة أو مقبول ببساطة بشكل علم، إلخ.

ثم يستطرد لإظهار أن المعرفة والقوة ليستا منفصلتين في النهاية، بل تعملان سوية لتحقيق سلسلة من المعايير الحاذقة والصريحة للتفكير بالعالم:” إن الأمر بذلك ليس وصف ماهية المعرفة والقوة وكيف يمكن للأول أن يقمع الآخر أو كيف للآخر أن يعتدي على الأول، بل يجب وصف وشائج المعرفة- السلطة حتى نتمكن من القبض على ما يُشكل المقبولية لنظام ما.”

ولذا للناقد مهمتان مزدوجتان، أن يُظهر كيف تعمل المعرفة والقوة لتشكيل طريقة منتظمة بشكل ما لتنظيم العالم بما له من ” شروط المقبولية لنظام ما،” وأيضا ” تتبع النقاط القاطعة التي تشير إلى انبثاقها.” “ولذا ليس من الحاسم فقط عزل والتعرف على وشائج بين المعرفة والقوة المخصوصة التي تولد الميدان للأشياء المفهومة، ولكن لتتبع أيضا السبيل الذي يقابل من خلاله ذاك الميدان نقاطه القاطعة، أي لحظات انقطاعاته، المواقع التي يفشل فيها في تشكيل المفهومية التي يستند عليها. ما يعنيه هذا، هو أن المرء ينظر لكل من الظروف التي من خلالها يتشكل الميدان الموضوعي، ولكن أيضا لحدود تلك الظروف، أي اللحظات التي تشير إلى احتماليتها وتحولها. أي بعبارات فوكو، ” إذا ما تحدثنا من منظور تخطيطي، فإننا نملك تحركا مستديم، وهشاشة جوهرية أو التداخل المركب بين ما يكرر نفس العملية وما يحولها.”

وبالطبع فإن الطريقة الأخرى للحديث عن هذه الديناميكية ضمن النقد هو بالقول إن العقلنة تصطدم بحدودها في عدم الخضوع، حيث إذا انبثق عدم خضوع المرء في اللحظة التي تنكشف حدوده من قبل المعرفة المُشكلة عبر العقلنة، فإن عدم الخضوع إذن يدمغ تحديدا هشاشة وتحول أبستمولوجيات القوة.

يبدأ النقد بافتراض الحاكمية ومن ثَمّ إخفاقها في اشتمال الفرد الذي تسعى لمعرفته واخضاعه. ولكن الوسائل التي عُبّر بها عن تلك العلاقة ووصفت بها، بطريقة مركبة، على أنها خيالية؟ ولم تكون خيالية؟ وبأي معني هي خيالية؟ يشير فوكو إلى ” ممارسة تاريخية – فلسفية كان على المرء [من خلالها] أن يصنع تاريخا لنفسه، يختلق التاريخ، كما لو كان عبر الخيالية [de faire comme par fiction] من حيث كيف ستنتشر عبر سؤال العلاقات بين هياكل العقلانية التي تُعبّر عن خطاب حقيقي وآليات الإخضاع المربوطة بها.” إذن هناك بعدا منهجيا تشترك ذاتها مع الخيالية، والتي ترسم خطوطا خيالية بين العقلنة والإخضاع، بين وشائج المعرفة- القوة وهشاشتها وحدها. لم يقل لنا ما سيكون نوع هذه الخيالية، لكن من الجلي أن فوكو يستقي من نيتشه وتحديدا نوع الخيالية الذي أخبر عنه في أصل الأخلاق.

لعلكم تتذكرون بأنه في المجمل يبدو أن أصل الأخلاق لنيتشه هو محاولة العثور عل أصل القيم، هو يسعى في الحقيقة ليعرف كيف أُسس مغزى الأصل. والوسائل التي يسعى عبرها لشرح الأصل هي خيالية.  يُخبر عن خرافة النبل، وأخرى عن عقد اجتماعي، وأخرى عن تمرد عبد في الأخلاقية، وأخرى عن علاقات الدائن والمدين. ولا يمكن لأي من تلك الخرافات أن تُحدد في مكان أو زمان، وأي محاولة للعثور على تتمة تاريخية لأصول نيتشه ستفشل حتميا. وبالتأكيد في اعتبار يجد أصل القيم، أصل الأصل، نقرأ قصصا خيالية عن الطريقة التي نشأت منها القيم. يقول نبيل ما بأن الحالة هي كذا فتصبح كذلك: فعل الخطاب يدشن القيمة، فتصير شيئا ما كالمناسبة الغير منتبذة والسرمدية لنشأة القيم. حقا، يعكس صنع الخيالية لنيتشه ذات فعل التدشين الذي يُعزا إلى أولئك الذين يصنعون القيم. إذن هو لا يصف تلك العملية فحسب، بل يصبح ذلك التوصيف أمثلة على إنتاج القيم، ممثلة ذات العملية التي تسردها.

كيف يمكن لهذا الاستخدام الخاص للخيالية أن يرتبط لاعتبار فوكو للنقد؟ اعتبروا أن فوكو يحاول فهم احتمالية عدم الخضوع ضمن العقلنة دون افتراض أن هناك عنصر للمقاومة الذي يستوطن الفرد أو محفوظ في نمط جوهري نوعا ما. من أين تأتي المقاومة؟ هل يمكن أن يقال بأنها فيض حرية بشرية من نوع ما قُيّدت بأغلال قوى العقلنة؟ إذا كان يتكلم، كما يفعل، عن إرادة لا تُحكم، كيف يمكننا فهم وضع تلك الإرادة.

يعلق في رد لتساؤل ضمن هذه السطور، لا أعتقد بأن الإرادة التي لا تُحكم مطلقا هي شيء يمكن للمرء اعتبارها تطلعا أصيلا

(je ne pense pas en effet que la volonté de n’être pas gouverné du tout soit quelque chose que l’on puisse considérer comme une aspiration originaire).

أعتقد في الحقيقة بأن الإرادة التي لا تُحكم هي دائما الإرادة التي لا تُحكم على هذا النحو، بالطريقة تلك، من قبل هؤلاء الشخوص، مقابل هذا الثمن.

ويمضي كي يحذر ضد مطلقية هذه الإرادة التي دائما ما تنجذب الفلسفة لفعلها.  فيسعى لتجنب ما يسميه ” الذروة الفلسفية والنظرية لشيء سيكون هذه الإرادة التي لن تُحكم نسبيا.” حيث يوضح بأنه يتورط في مشكلة الأصل في اعتباره لتلك الإرادة، ويدنو كثيرا من التخلي عن هذا الحقل، ولكن يتجلى تردد نيتشاوي معين حين يكتب،

“لم أكن أشير إلى شيء سيكون أناركيا جوهريا، أن يكون كالحرية الأصلية ((qui serait comme la liberté originaire، مقاومة مطلقة وخالصة ضد أي حاكمية، إني لم أقله، ولكن ذلك لا يعني بأني أُقصيه بالمطلق

(Je ne l’ai pas dit, mais cela ne veut pas dire que je l’exclus absolument)

أعتقد أن محاضرتي تقف عند هذه النقطة، لأنها باتت طويلة جدا حتى الآن، ولأني أيضا أتساءل

(mais aussi parce que je me demande) … إذا كان المرء يريد تنقيب بعد النقد هذا، الذي يبدو لي بالغ الأهمية لأنه جزء وليس جزء من الفلسفة… إنه مدعوم بشيء قريب (qui serait ou) للممارسة التاريخية للثورة، عدم القبول بحكومة حقيقية في كفة، أو الرفض الفردي للحاكمية في الكفة الأخرى.”

مهما يكن ذلك الشيء الذي يحدده المرء حين يقاوم الحاكمية، فسيكون مشابها “للحرية الأصلية” و “وشيئا قريبا من الممارسة التاريخية للثورة.” مشابها لهم، ولكن بالتأكيد ليس نفسهم. أما عن ذكر فوكو للـ “حرية الأصلية،” فهو يعرضها ويسحبها في الوقت نفسه، حيث يعلق بـ “لم أقله” بعد أن كاد، وبعد أن أظهر لنا كيف كاد، بعد أن مارس ذلك الدنو الشديد الذي يُفضي لنا ما يمكن أن يُفهم كشيء من التشويق. ما الخطاب الذي يوشك على إغوائه هنا، مخضعا إياه لمصطلحاته؟ كيف يشتق من ذات المصطلحات التي يرفضها؟ أي شكل من الفن هذا يودي بنا لتقارب نقدي مُطبق المسافة؟ وهل تلك المسافة ذاتها التي تغذي ممارسة التساؤل، التحقيق؟ أي حدود للمعرفة يتجرأ لأن يتطرق إليها حين يجهر لنا بتساؤله؟ يتعلق المشهد الافتتاحي للنقد بـ ” فن عدم الانصياع الطوعي،” والطوعي، أو بالطبع “الحرية الأصلية” معطاة هنا، ولكن في صيغة حدس، في صيغة فن يوقف الأنطولوجيا ويأتي بنا إلى إيقاف عدم التصديق.

يجد فوكو طريقة لقول “الحرية الأصلية” وأعتقد بأن نطق تلك الكلمات تجلب له سعادة بالغة، سعادة ورهبة. يقولها لكن عبر أداء الكلمات، مخليا نفسه من ارتباط أنطولوجي، ولكن مُسرّحا الكلمات ذاتها لاستخدام معين. هل يشير إلى حرية أصلية هنا؟ هل وجد بئر الحرية الأصلية ونهل منه؟ أو أنه طرحها، ذكرها، قالها دون أن ينطق بها تماما؟ هل استحضرها حتى يمكننا أن نعيد معايشة أصدائها، وأن نعرف قوتها؟ إن أداء الكلمة ليس توكيدها، ولكن يمكن لنا القول بأن توكيدها مؤدى، ممثل بشكل فني، معرض لإيقاف أنطولوجي، تحديدا لكي تُنطق. وأن هذا الفعل الخطابي هو ما يُخلي العبارة “الحرية الأصلية” لبرهة من الزمن من السياسة الأبستمولوجية الذي تعيش ضمنها وتقوم بعدم خضوع معين للفرد ضمن سياسة الحقيقة. فحين يتحدث المرء بتلك الطريقة، فإنه مقبوض ومحرر بالكلمات التي يقولها مع ذلك. بالطبع، إن السياسة ليست مسألة حديث فقط، ولا أقصد بعث أرسطو في صيغة فوكو (بالرغم من أني اعترف بأن حركة كهذه تأسرني وأذكرها هنا كي أعرضها كاحتمالية دون أن أُلزم نفسي بها في التو.) تتمثل حرية معينة في هذه التلميحة اللفظية نحو نهاية المحاضرة، ليس بالرجوع إلى المصطلح دون ركيزة جوهرية، ولكن بالأداء الفني لإطلاقها من قيودها الاستطرادية المعتادة، خيلاء أن المرء ينطقها فقط إذا عرف مقدما ما هي ركيزتها.

سأزعم أن تلميحة فوكو شجاعة على نحو مستغرب، لأنها تدرك بأنها لا يمكنها ترسيخ ادعاء الحرية الأصلية. ويمنح عدم العلم هذا الاستخدام المخصوص الذي تملكه ضمن خطابه. إنه يواجها بشجاعة بأي حال، وكذلك يصبح ذكره، إصراره رمزا لنوع معين من أخذ المخاطرة الذي يحصل في حدود المجال الأبستمولوجي. وتصبح هذه ممارسة لفضيلة، ولعل ليس كما يصرح نقاده، علامة على القنوط الأخلاقي، وتحديدا للدرجة التي تطرح ممارسة من هذا النوع من الحديث قيمة لا تعرف كيف ترسخ أو تثبت نفسها، إلا أنها تطرحها على أية حال، وبذلك تظهر بأن مفهومية معينة تتخطى حدود المفهومية التي وضعتها القوة -المعرفة مسبقا. إن تلك فضيلة في أقل تقدير تحديدا لأنها تمنح منظورا يمكن للمرء من خلاله أن يحصل على مسافة نقدية من سلطة متأسسة. ولكنها أيضا فعل شجاع، العمل دون ضمانات، المخاطرة بالفرد على حدود تنظميها. كيف سيكون فوكو لو تفوه بكلمات كهذه؟ ما عدم الخضوع الذي سيمارسه لنا بهذا التفوه؟

لا يعني الحصول على مسافة نقدية من السلطة المتأسسة لفوكو التعرف على الطرق التي تعمل بها الآثار القهرية للمعرفة في تشكيل الفرد ذاته فحسب، بل في مخاطرة المرء بالتشكيل ذاته كفرد. ولذا في ” الفرد والقوة”8 سيزعم فوكو أن “بأن هذه الصيغة من القوة التي تُطبق نفسها إلى الفوري، الحياة اليومية التي تُصنف الفرد، وتحدده بفردانيته الذاتية، رابطة إياه لهويته الشخصية، فارضة قانون للحقيقة عليه يجب أن يتعرف ويتعرف الآخرون عليه فيه.”  وحين يتداعى أو ينكسر هذا القانون، فإن احتمالية التعرف تقع في خطر. ولذا حين نتساءل كيف يمكننا قول “حرية أصيلة”، ونقولها في خضم حيرة، فإننا نضع محل التساؤل الفرد الذي قيل بأنه متجذر في ذلك المصطلح، محررين إياه بتناقض، من أجل مغامرة يمكنها في الحقيقة أن تمنح المصطلح مادة جديدة واحتمالية.

وفي الختام، أود العودة ببساطة إلى مقدمة استعمال المتعة حيث يُعرّف فوكو الممارسات التي تعنيه، “فنون الوجود”، فيما يتعلق بإنماء علاقة المرء مع ذاته. يأتي بنا ذلك النوع من الصياغة قريبا من نوع الفضيلة التي تقدمها مناهضة المؤسساتية لفوكو. وكما كتبت آنفا، حين يقدم فوكو “فنون الوجود” فإنه يشير بأن فنون وجود كهذه كأفراد منتجين “يسعون لتحويل أنفسهم في وجودهم الفردي، وبجعل حياتهم تحفة فنية.” يمكننا الاعتقاد بأن هذا يمنح دعما لتهمة أن فوكو قد جمّل الوجود على حساب الأخلاقيات، ولكن سأقترح فقط بأنه أظهر لنا بأنه لا وجود للأخلاقيات ولا السياسة دون الالتجاء إلى هذا الحس الفردي من التكون. الفرد المصاغ بالمبادئ المؤثثة بخطاب الحقيقة ليس الفرد الذي يسعى لتشكيل ذاته بعد. مرتبطا بـ “فنون الوجود” فإن هذا الفرد يُشكّل ويتشكل، والخط بين كيف يتشكل وكيف يصير مُشكّلا نوعا ما ليس بالسهل لو خُط يوما ما. حيث ليس الأمر أن الفرد يُشكل ثم يقوم يبدأ فجأة يشكل نفسه. بل على العكس، إن تشكل الفرد هو المؤسسة ذاتها من الانعكاسية وعدم التفريق التي تتخذ عبء التشكيل. “عدم تفريق” هذا الخط هو تماما المفصل حيث تتقاطع المعايير الاجتماعية مع المطالب الأخلاقية، واللذان يُنتجان في سياق الصنع الذاتي الذي لا يكون ذاتي الابتداء مطلقا.

وبالرغم من أن فوكو يشير بشكل صريح جدا للقصد والتعمد في هذا النص، إلا أنه يقول لنا أيضا كم من الصعب فهم التصميم الذاتي بمصطلحات لأي فهم سابق للقصد والتعمد. حيث يقدم فوكو لفهم مراجعة تلك المصطلحات التي يتطلبها استخدامه لها، مصطلحات “أنماط الاخضاع أو التذويت/ subjectification”

إن تلك المصطلحات لا تتعلق بالطريقة التي يتشكل منها الفرد، ولكن كيف تصير ذاتية التشكيل. هذا التصيير لفرد أخلاقي ليس أمرا بسيطا من المعرفة الذاتية أو الوعي الذاتي؛ إنه يدلل على “عملية حيث يحد المرء الجزء من نفسه الذي سيصيغ هدف ممارسته الأخلاقية.” تحد الذات من نفسها، وتقرر المواد لصنعها الذاتي، ولكن يحصل الحد الذي تؤديه الذات عبر المعايير التي بلا شك واقعة مسبقا. وبذا إذا ما فكرنا بأن هذا النمط الجمالي للصنع الذاتي مساق ضمن الممارسة الأخلاقية، يذكرنا هو بأن هذا العمل الأخلاقي لا يمكن أن يحصل إلا ضمن سياق سياسي أعرض، سياسة المعايير. ويوضح أن لا تشكيل ذاتي خارج نمط التذويت، أي لا تشكيل ذاتي خارج المعايير التي تدير احتمالية تشكيل الفرد.

لقد انتقلنا بهدوء من الاعتبار الاستطرادي للفرد لاعتبار أكثر نفساني لـ “الذات” ولعل المصطلح اللاحق يحمل لدى فوكو وكالة عن السابق. تشكل الذات نفسها، لكنها تفعل ذلك ضمن سلسلة من الممارسات التشكيلية التي تتصف بأنماط من التذويتات بحيث أن المدى المحتمل لصيغها المحدودة قُدما بصيغ كهذه من التذويت لا يعني بأن الذات أخفقت في تشكيل ذاتها، أو أنها تشكلت بالكامل. على العكس، إنها مجبرة على تشكيل نفسها، ولكن ضمن صيغ قيد العمل أو عاملة مسبقا بشكل أو بآخر. أول لعل يمكن للمرء أن يقول، أنها مجبرة على تشكيل نفسها ضمن ممارسات حاصلة بشكل أو بآخر. ولكن إذا كان هذا التشكيل الذاتي قد عُمل في عصيان للمبادئ التي شُكّل المرء عبرها، إذن تصبح الفضيلة حينها الممارسة التي تصنع الذات نفسها في عدم خضوع، مما يمكن أن يقال بأنها تخاطر بتشويه نفسها كفرد، محتلة الموقع الغير آمن أنطولوجيا الذي يحوي السؤال من جديد: من سيكون فردا هنا، وماذا سيعتبر حياة، لحظة من التساؤل الأخلاقي التي تتطلب بأن نكسر عاداتنا في الحكم لصالح ممارسة مخاطرة أكثر تسعى إلى انتاج فني من القيود.

 


 

[1] This essay was originally delivered, in shorter form, as the Raymond Williams Lecture at

Cambridge University in May of 2000, then published in longer form in David Ingram, ed., The

Political: Readings in Continental Philosophy, London: Basil Blackwell, 2002. I am grateful to

William Connolly and Wendy Brown for their very useful comments on earlier drafts.

[2] Raymond Williams, Keywords, (New York: Oxford University Press, 1976), 75-76.

[3] Theodor W. Adorno, “Cultural Criticism and Society” in Prisms, (Cambridge, MA.: MIT

Press, 1984), 30.

[4] Michel Foucault, “What is Critique?” in The Politics of Truth, eds. Sylvère Lotringer and

Lysa Hochroth, (New York: Semiotext(e), 1997), transcript by Monique Emery, revised by

Suzanne Delorme, et al., translated into English by Lysa Hochroth. This essay was originally

a lecture given at the French Society of Philosophy on 27 May 1978, subsequently published

in Bulletin de la Société française de la philosophie 84:2 (1990) 35-63; 21

[5] For an interesting account of this transition from critical theory to a theory of

communicative action, see Seyla Benhabib, Critique, Norm, and Utopia: A Study of the

Foundations of Critical Theory (New York: Columbia University Press, 1986), 1-13.

[6] Michel Foucault, The Use of Pleasure: The History of Sexuality, Volume Two (New York:

Pantheon Press, 1985).

[7] Michel Foucault, The History of Sexuality, Volume One (New York: Random House, 1978).

[8] Michel Foucault, “The Subject and Power” in Hubert L. Dreyfus and Paul Rabinow,

eds., Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics, (Chicago: University of

Chicago Press, 1982), 208-228.

 
 

أسباب انهيار الصحافة الفنية

أسباب انهيار الصحافة الفنية


بقلم علي عبد الرحمان - مصر


سادت في الآونة الأخيرة حالة من الهجوم الشديد على الصحافة الفنية، سواء كانت المقروءة أو المسموعة، اتهمها البعض بالفبركة وعدم الالتزام بالمهنية؛ وربما يعود السبب إلى استسهال بعض الزملاء في بلاط “صاحبة الجلالة”، وعدم تحري الدقة حول بعض الأخبار التي يتم نشرها في المؤسسات الصحفية، بالإضافة إلى البحث عن ما يسمى بـ” الترافيك والشير” بالمصطلح الدارج، دون الاهتمام بالمضمون الذي يفيد القارئ والمتلقي.

وأصبح معظمنا يبحث عن الأخبار المثيرة للجدل والدخول في الحياة الشخصية بطريقة جافة دون مراعاة آدمية وحرمة الحياة الخاصة وما يمكن أن نسببه للغير من أضرار في “السمعة”.

الصحافة التي تعلمناها هي مهنة حقيقية تقدم رسالة مقدسة، حيث أنها مرآة لنقل الواقع، وليست تجارة ولا شعارات تتغير بمرور الزمن، وعقل له هدف وغاية، وهي صوت يخاطب العقول ويجعل الأمور بطريقة صحيحة نصب أعين القارئ، ومن أهم واجبات الصحافة نقل الأخبار والأحداث دون تحيز شخصي مع احترام الحقائق، ونرتبط بقانون الصحافة الأخلاقي وأن نلتزم بهذا في ظل ما نقدمه من توجيه ونقد وتقويم وعرض، مع قيَّم المجتمع وعاداته وتقاليده، وأن تكون المادة المعروضة تتفق مع الثقافة الشائعة، والمعتقدات الدينية والمعايير الأخلاقية. ببساطة شديدة الصحفي مرتبط بهذه المعايير.

دعونا نرصد أهم أسباب هبوط أسهم الصحافة الفنية، ومنها تداخل المصالح بين الصحفي والفنان مما يؤثر على مصداقيته وحياديته تجاه من يعمل معه والإشادة بفنه مهما أصاب أو أخطأ.

اتجاه الصحفي للحصول على الأخبار من مواقع التواصل الاجتماعي والصفحات الرسمية للفنانين والاكتفاء بالبيانات الصحفية التي تصدر من مكتبه الإعلامي مما أثر بالسلب علي جودة المحتوى الإعلامي المقدم للقارئ.

عرف المشاهير أن استمرارهم مرتبط بالصحفيين لذلك قاموا بجمع بعض الصحفيين حولهم “القبيضة”، هؤلاء مجموعة سخرت أقلامها لخدمة النجم الذي تربطهم به المصلحة.

غياب التخصص، في الماضي كان صحفي الفن ناقدا بارعا يعرف أصول المهنة وأساسيات الصناعة، أما الآن فلم يعد الأمر كذلك فلا يستطيع الصحفي التمييز بين الأصوات الجميلة أو العادية أو حتى القبيحة، وقليلاً ما تجد صحفيا في الفن يعلم أسماء الكادرات السينمائية أو أساسيات السيناريو أو الفرق بين الفيديو “الدراما والسينما”، ولو سألته مثلاً عن شادي عبد السلام، ستجده لايعرف عنه شيئَا وتحول النقد العلمي إلى مجرد انطباعات شخصية تحكمها الأهواء والمصلحة.

وعلى الصعيد الآخر، لا نجد أي مبرر لهجوم الفنانين على الصحفيين، وإذا كنا نعترف ونحن أبناء المهنة أننا لسنا ملائكة ضلت الطريق إلى دنيا البشر، ويجب على الفنانين الإعتراف بأنهم بشر يخطئون ويصيبون، فلا مبرر لهجوم الفنانين على الصحفيين، من حين إلى آخر.

وأخيرا في بلاط صاحبة الجلالة علينا الاعتراف بأنها تضم نجوما يملكون رصيدًا كبيرًا من الكفاءة والأمانة الصحفية، لا يجب الترويج دائمًا بأننا صحفيون للبيع؛ لأن الأغلبية قرروا منذ أن نشأت العلاقة الحميمة بينهم وبين القلم أن يكون ولاؤهم للقيمة قبل المادة وللشرف قبل المجد الزائف.. يرحل الجميع عن عالم الأحياء ولن يبقى في ذاكرة القارئ إلا الشرفاء.

 
 

الصفحة 4 من 21

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com theatretafukt@gmail.com
Télé: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.