Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مواعيد فنية - ثقافية: برنامج الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 11:24
مسرح - الفنون الدرامية: فنانو الدراما بالمغرب بمجلس النواب - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:04
متابعات - تغطيات صحفية: بلاغ الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 29 نيسان/أبريل 2019 10:30
مواعيد فنية - ثقافية: موسم السينما الصينية بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 18:14
أخبار - منوعات - إصدارات : روائع الفن الانطباعي العالمي بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 13:09
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: فيلم المنتقمون: نهاية اللعبة - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:21
متابعات - تغطيات صحفية: بيتر بروك يفوز بجائزة أستورياس - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:06
بحوث - مقالات - دراسات: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 3) - الثلاثاء, 23 نيسان/أبريل 2019 19:14
مختارات - كتابات - مواضيع: اتجاهات نقدية معاصرة - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 09:40
مواعيد فنية - ثقافية: ندى الحاج ببيت الشعر في المغرب - الجمعة, 19 نيسان/أبريل 2019 11:09
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

قراءة في قانون الفنان والمهن الفنية

تاريخ آخر تحديث: السبت, 24 تشرين2/نوفمبر 2018 09:24 السبت, 24 تشرين2/نوفمبر 2018 09:14

قانون الفنان والمهن الفنية و أنظمة الحماية الاجتماعية من التأصيل الدستوري إلى الإقرار التشريعي و المبادرة الحكومية والتنظيم النقابي المهني

بقلم الأستاذ الباحث محمد أمين بنيوب

تتناول هذه الدراسة موضوع قانون الفنان و أنظمة الحماية الاجتماعية، على ضوء التجربة المغربية الجنينية ومدى سلطة الفاعل السياسي وقدرة الفاعل الثقافي / المهني، في وضع مسارات جديدة و خطط جريئة لمنظومة الفنون مبنية على مبدئي  الحق و الواجب و منسجمتين مع قيمتي الإنصاف و المساواة، حتى لا تبقى المهن الفنية وممارسيها، مرتكزة على البكائية والانتظارية ومعرضة للاستجداء والإحسان و أحيانا الرعونة والبهتان. فالمهن الفنية بحاجة اليوم إلى ترافع و حوار عموميين لدي الفاعل التشريعي والفاعل الحكومي، باعتبارهما سلطة دستورية، كما أن هذا الشكل من التناظر العمومي، تعبير من تعابير الديمقراطية التشاركية، والذي يعد الحوار والتفاعل آلية من آلياتها. فأسس الحماية الاجتماعية للفنان المغربي، تنبني على أربع اعتبارات أساسية، الاعتبار الدستوري والاعتبار التشريعي والاعتبار التنظيمي والاعتبار المهني، باعتبارهم الضامنين لموقع الفن وممارسيه، من حيث موجبات حمايته ودعم حقوله الإبداعية وتطوير مهنه، بهدف تحقيق مجتمع الفكر والثقافة و الإبداع والمناصفة.


  • الاعتبار الدستوري

إننا بصدد موضوع موصول بجذوره في الأحكام الدستورية، التي من بينها على سبيل المثال، من حيث الارتباط بالهوية (تصدير دستور 2011)، فالفن و الإبداع كتعبير ثقافي امتداد من امتدادات الهوية الثقافية الوطنية بمختلف مكوناتها العربية الإسلامية، و الأمازيغية و الصحراوية الحسانية الغنية و المتجدرة بعمقها الإفريقي و الأندلسي و العبري و المتوسطي و المنفتحة على الثقافات و الحضارات، معتمدة في ذلك على قيم التسامح و الحوار و الاعتدال . فالمكانة التي يتبوؤها الفن و الإبداع و المبدع في التأصيل الدستوري ترتكز على ما يلي:

  • يندرج الفن بارتباط وثيق مع حرية الإبداع و النشر و العرض ( فصل 25 من الدستور ) و بوصفه في نفس درجة الأدب و البحث العلمي و التقني .

  • يتأسس الفن على قاعدة الحكم الدستوري القاضي بحرية الفكر و الرأي و التعبير ( الفصل 25)،مما يكون معه المشرع الدستوري قد أصل للحماية و النهوض بالفن في مختلف تعابيره و مجالاته و بالنتيجة،فإن ماتم تأصيله من حيث الهوية ثم إقرانه و ربطه بحقين مصونين من صميم الحضارة الإنسانية المشتركة وهما حماية الفكر والتعبير،و يترتب عن ذلك،التأكيد الدستوري على دعم السلطات العمومية للإبداع الثقافي و الفني و تنميته وتطويره و حمايته و تنظيم مجالاته وأنماطه ( تشريعات و مؤسسات )، بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية ومهنية مضبوطة ( فصل 26). كما أن المقتضى الدستوري، يؤكد على عمل السلطات العمومية في توفير المناخ الملائم والفعال، الذي يمكن من تعمــيم حريـة المواطنين والمساواة بينهـم، ومـن مشاركتـهم في الحـياة المدنـية و السياسـية والثقـافية و الاقتـصادية و الاجتماعية. ( الفصلين 6 و 31).

  • يرتكز الفن على أجرأة المؤسسات الدستورية المعنية بالهوية الثقافية والتعدد اللغوي و التنوع الثقافي و باقي المؤسسات المعنية بالثقافة الوطنية و العلوم و المجتمع المدني الواردة في المقتضى الدستوري (الفصول 5 – 32 – 33 – 151).

  • الاعتبار التشريعي

في ضوء التطورات الدستورية الجديدة المكرسة و المعززة لوظيفة الفن و مهنييه في المجتمع وفي نطاق ما يكفله من حقوق و حريات، ومن أجل الاستجابة للتحديات البنيوية و المؤسسية وحفاظا على المكتسبات الجزئية التي تم تحقيقها منذ سنة ( 1998) حتى اليوم، يعد التدخل التشريعي من طرف سلطة البرلمان أساسيا لفائدة التطلعات المشروعة للمهنيين، بغاية الاستجابة لأوجه الخصاص التي تعرفها المنظومة  التشريعية المتعلقة بالفنان وأنظمة حمايته. وتجدر الإشارة و للتاريخ فان مجلسي الأمة و ضمن المقتضى التشريعي و تجاوبا مع مطالب الكتل المهنية و أجهزتها النقابية تم انجاز مايلي :

  • إصدار قانون المؤلف و الحقوق المجاورة ( 2000 ).

  • إصدار قانون الفنان ( 2003)، تم تعديله وتتميمه من طرف فرق الأغلبية وسجل بتاريخ (31/07/2015 تحت رقم 202) وتمت المصادقة عليه من طرف البرلمان بتاريخ (09/02/2016).وصدر تحت اسم قانون المتعلق بالفنان والمهن الفنية بتاريخ 25 غشت 2016 .

  • إصدار مرسوم بطاقة الفنان ( 2006)، تم منحها في البرلمان ( 2007 ).تم تعديل المرسوم في ( شثنبر 2012 ) وأعيد تعديله من جديد بتاريخ 25 اكتوبر 2015 ويحدد شروط وآليات ومعايير منح وسحب البطاقة المهنية للفنان والبطاقة المهنية لتقنيي وإداريي الأعمال الفنية.

  • إنشاء التعاضدية الوطنية للفنانين ( 2007 ) بمبادرة من النقابة المغربية لمحترفي المسرح و شركائها، والتي استهدفت التغطية الصحية، حيث يتم تمويلها من قبل وزارة الثقافة ووزارة الاتصال في نطاق دعم عمومي لا يتعدى ( 350 مليون سنتم ) ، إضافة إلى مساهمات الفنانين السنوية. وكل هذه المداخيل تبقى جد محدودة ولا تغطي كل الحاجيات الاجتماعية والصحية والحالات الطارئة.

  • إصدار القرار المشترك لوزير الثقافة ووزير الاقتصاد والمالية بتاريخ 10 دجنبر 2014 والمتعلق بتحديد كيفية دعم المسرح.

  • مصادقة المجلس الحكومي بتاريخ 2 غشت 2018 على مرسوم يحدد لائحة المهنية الفنية وهو قيد النشر بالجريدة الرسمية.

  • إصدار قرار لوزير الثقافة والاتصال بتاريخ 20 نونبر 2018 يهم تحديد البيانات التي تشتمل عليها البطاقة المهنية للفنان والبطاقة المهنية لتقنيي وإداريي الأعمال الفنية وكذا الوثائق المطلوبة لتقديم ملف طلب إحدى هاتين البطاقتين أو ملف تجديدهما.

  • وبالرغم من هذه المكتسبات القانونية ،يبقى الوضع الاجتماعي للفنان المهني يتسم بالهشاشة ونذرة آليات الحماية الاجتماعية .وبالنظر للحالات المستعصية والطارئة للفنان وذويه، يحظر دائما التدخل الملكي السامي، التكفل بالعديد من الحالات و دعمها ماديا و صحيا واجتماعيا.

ضمن هذا المفترق، تحتاج الحماية الاجتماعية للفنان إلى تدخل تشريعي، يرصد المكتسبات السالفة للذكر ويبادر إلى إرساء قواعد و آليات جديدة للحماية الاجتماعية بواسطة :

  • تدقيق جوانب الحماية الاجتماعية عبر وضع فقرات جديدة و مفصلة في قانون الفنان المزمع تعديله، بغاية تمكين السلطة التنفيذية و أجهزتها المشرفة على قطاعات الثقافة و الفنون،من اتخاذ التدابير الإجرائية و الهيكلية والبرنامجية و المؤسسية الكفيلة و الضامنة بتفعيل الأحكام القانونية التي تصدر عن البرلمان.

  • تدعيم و تعميم الديمقراطية التشاركية بمطالبة الجمعيات و التكتلات المهنية للفنانين، بتقديم مذكرات وعرائض تفصيلية في شأن مطالبها واقتراحاتها و مساهمتها في تطوير مجال الحماية الاجتماعية بصيغ تشاركية و تعاقدية.

  • عقد جلسات استماع وتناظر عموميين ما بين الكتل المهنية الفنية و الفاعل التشريعي بمختلف فرقه و توجهاته حتى تكتمل الصورة بشكل دقيق، حول المهن الفنية و مجالات اشتغالها و طرائق حمايتها و حماية ممتهنيها وتقعيد حقوقها وواجباتها و تأصيل مكتسباتها ووضع تصورات عقلانية وواقعية لتوسيع القطاع الثقافي الفني ليأخذ مكانته في النسيج الاقتصادي و الاجتماعي و الرمزي للأمة.

  • إقرار حق التفاوض الجماعي والتناظر العمومي مع المؤسسات المهنية الفنية، حول ملفاتها المطلبية سواء من طرف الفاعل التشريعي والفاعل التنظيمي ( رئاسة الحكومة والمؤسسات الحكومية المعنية بالقطاع الثقافي والفني ومجالس الجهات والمدن والقطاع الخاص ).

  • تمتيع الكتل النقابية و الفنية بحق الترشيح لمجلس المستشارين بمقتضى الدستور، باعتبارها تمثل فئة مهنية منسجمة على غرار المنظمات المهنية، الواردة في الوثيقة الدستورية ( فصل 63 ).

  • الاعتبار التنظيمي

في دول المعمور،تمارس مهنة الفن عبر ثلاثة أنماط مهنية أساسية،من حيث الممارسة ومجال الإنتماء للمؤسسة الفنية المشغلة للفنان. أولا، كفنان موظف في إدارة عمومية حكومية أو ترابية يتقاضى عنها أجرا شهريا ويتمتع بحقوق الحماية الاجتماعية الواردة في المساطر و الإجراءات العمومية وبذلك يكون محميا من طرف الدولة. ثانيا، كفنان عامل يتقاضى أجرا عن إبداعه في إطار مؤسسة خاصة إذ يستفيد  من التشريعات و المساطر التي تحكم مدونة القطاع الخاص. ثالثا،كفنان حر يمارس إبداعه بشكل منتظم أو متقطع في إطار عقد الشغل أو عقد المقاولة. هذه الحالة الأخيرة، هي التي تطرح إعمال الحماية الاجتماعية الشاملة والتفكير في صيغ مرنة لإرساء وضع اجتماعي يكفل الحقوق للفنان وذويه.

اليوم في المغرب ، نحن في البداية من حيث الاعتراف و التنظيم و الحماية و الدعم وتجربتنا فتية في الزمن التشريعي والفضاء العمومي و المحيط المهني والمقترح الآن، في ظل تعاقدي سياسي جديد يضمن الحقوق والواجبات للأفراد والجماعات. فالمهن الفنية وما تقدمه من خدمات مباشرة أو غير مباشرة لمجتمعنا و لاقتصادنا وما تروجه لصورة المغرب الثقافي داخليا و خارجيا، بحاجة ماسة لمنظومة حمائية اجتماعية للفنان، مرتكزة على مجموعة من الآليات والتدابير الوقائية الجماعية، من شأنها منح وتمتيع الفنان وذويه من موارد مالية وخدمات عينية، لمواجهة المخاطر الاجتماعية في حالات تقليص الموارد المالية العمومية وارتفاع تكاليف المعيشة وفقدان الشغل وانسداده. لدى فالحماية الاجتماعية، يجب أن تشمل التدابير التالية :

  • التكفل الطبي الشامل للفنان وعائلته تشمل الأمراض والإعاقة وعدم القدرة عن العمل وحوادث الشغل المهنية والأمراض المهنية والتعويضات العائلية والنفقات الاستثنائية الناجمة عن الزواج والولادة والوفاة.

  • تأمين الانخراط في تقاعد يكفل مسيرته الفنية وفق الضمانات والمكتسبات التي يتمتع بها سائر مهني التشريع الخاص ذات صلة بالمهن الحرة ( الشيخوخة – المعاش – استرجاع الأموال وإعادة تقسيمها وتوزيعها ) .

  • الحق في سكن ملائم أو تعويضات عن السكن .

  • ضمان الشغل أي تعويض عن العطالة و تعميم آلية الإدماج و إعادة الإدماج في سوق الشغل الفني .

  • مواجهة الفقر والإقصاء الاجتماعي عبر التعويضات الاجتماعية وفق ماتنص عليه التشريعات الوطنية .

  • الاهتمام بالفنان ذوي الاحتياجات الخاصة و إدماجه في الحياة الثقافية والفنية ورعايته وفق نظام خاص.

هذه صورة أولية، حول الحماية الاجتماعية للفنان و مداخل لتطويرها والنهوض بها. نقترح عمليا ثلاثة إجراءات استعجالية متمثلة في:

  • تعزيز الحماية القانونية لعائدات الفنان ومداخله الفنية المترتبة عن الحقوق الثقافية والحقوق المجاورة باعتبارهما مصدرين أساسيين من مصادر تعزيز المداخيل والنفقات الاجتماعية .

  • الإسراع تشريعيا و تنظيميا في إنشاء مؤسسة الخدمات الاجتماعية للفنانين وتمكينها من مصادر التمويل عبر مساهمة الدولة والقطاعات العمومية وشبه العمومية والقطاع الخاص و الإنخراطات الفردية للفنانين حسب الدخل الفني واقتطاعات الفنان الأجنبي وإقرار الفاعل التشريعي، ضرائب ورسومات استثنائية ضمن النفقات العامة للدولة، بغية دعم الخدمات الاجتماعية و تنويع مصادرها .

  • مبادرة الكتل النقابية والمهنية الفنية، في وضع أجندة إقتراحية مبنية على تصورات عقلانية و حقيقية للانخراط في حوار عمومي وعلني حول مدونة الشغل الفنية، عبر مفاوضات جماعية ومسؤولة، تأخذ بعين الاعتبار مكانة الثقافة والإبداع وأدواره ووظائفه في تطوير الديمقراطية والتنمية ومجتمع المعرفة والعلم.

  • التنظيم المهني

استنادا على ما تقدم، يأتي مقترح القانون الجديد، يقضي بتغيير وتتميم قانون رقم 71.99 والمتعلق بالفنان والذي تقدمت به فرق الأغلبية بتاريخ (31/07/2015)، حيث هم إعادة النظر في جوهر قانون الفنان السابق، شكلا ومضمونا وتوسيع أبوابه وبنوده (16 بابا و 58 مادة). فهذا المقترح، جاء مفصلا لمفهومي طبيعة العمل الفني وكيفية تنظيم أسسه المهنية ووضع آليات تنظيمية وحمائية لهما، آخذا بعين الاعتبار مقاربة شاملة ومتداخلة للمفهومين السابقين ووضعهما في السياق الدستوري والحقوقي والمؤسسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للبلاد. لكن أهمية هذا المقترح القانوني للفنان و مهنه، تبقى رهينة بالآليات المواكبة لعمل الفنان تشريعا وتنظيما ومدى قدرة الكتل النقابية الفنية والجمعيات المهنية في تأطير القطاع الفني وهيكلته ونجاعة السياسات العمومية المرافقة لتلك الآليات، عبر رسم استراتيجيات وخطط وبرامج، للرفع من قيمة العمل الفني والمشتغلين به والدفع بالإنتاج الإبداعي والثقافي، ليشكل رأس مالا لا ماديا، مساهما في الدورة الاقتصادية والتنموية للمجتمع و مرسخا لقيم الديمقراطية والحداثة والحقوق والواجبات وثقافة الانفتاح في أبعادها الوطنية والكونية.

فمقترح قانون الفنان الجديد، كيفما كانت مضامينه وأبوابه وبنوده وطموحاته ومراميه، لا يمكن أن يصنع فنا وإبداعا لوحده، بل هو فقط أداة للاعتراف وتأطير الحقل الفني وتنظيم سوق الشغل وفق قواعد مضبوطة واتفاقات مشتركة. ويبقى العمل النقابي حجر الزاوية والركيزة البناءة من أجل الحوار والتفاوض، المفضي إلى مكتسبات مهنية والسبيل الوحيد الكفيل لإقرار وضعية حقيقية للفنان المغربي وجعل منظومة الفنان بمختلف تجلياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية، بيد الكتل النقابية المواطنة، الممثل الفعلي لمطالب الفنان وطموحاته و ألا تترك لحسابات سياسوية أو تحت رقبة أصوات شائخة وعدمية، ظلت  لعقود وحيدة، مستفيدة من ريع الدولة وسوء تنظيم المهن الفنية الذي يدعم ويحمي مكتسباتها باستمرار.

فالعمل النقابي اليوم، بحاجة إلى خطاب مجتمعي حداثي، يرتكز على ترافع عمومي، حول قيمة الثقافة والفن في المجتمع وإشاعة صورة مغايرة للمثقف والفنان المواطن والمسؤول، بدل الاتكاء على خطاب ماضوي وتقليداني بكائي، ظل لسنوات يقيد الفنان وإنتاجه، بقيود المسكنة والصدقة والتسول والاستجداء. إذ لا مجال اليوم، للمزايدات والحسابات الضيقة و الفردنة، كل ذلك يفضي نحو ثقافة الانعزال والعدمية والانتهازية. فالتعددية النقابية في المجال الفني  كماهي متعارف عليها دوليا، مشروعة وتكفلها المواثيق الدولية و تحرس على إعمالها المرجعيات الوطنية وتسهر على حمايتها و إنفاذها السلطات العمومية. أعني بالتعددية تلك التي تنبثق من الهاجس المهني . ترتكز على مشروعية مجتمعية. تتوفر على خلفيات فكرية وثقافية وعمق مهني وفي تفاوض دائم ومستمر مع النسق السياسي وقادته و فاعليه. غير ذلك مجرد تعددية وهمية بزعامة مرحلية لاقتناص فرص انتهازية واحتلال مواقع هشة ومعتلة. هدفها إفساد التفاوض الجماعي وخلق اللبس والغموض في الحقل المهني. هذا لاينسحب فقط على الميدان المسرحي الوطني، بل يتعداه ليشمل حقول المهن الفنية برمتها.

تاريخيا، انبثقت التعددية النقابية الفنية من رحم الحركات العمالية منتصف القرن التاسع عشر، وتطورت وتجسرت  بنضالات ومراس الفنانين بمختلف مهنهم ومنحت بذلك ثقافة نقابية فنية مبنية على الوحدة النقابية. أما التعددد فهو مرتبط فقط بتنظيم وتأطير كل مهنة فنية بخصوصياتها المتفردة وضبط قواعد الممارسة المميزة لها. أما التعدد العددي هكذا و إصباغه صبغة دستورية وحقوقية، فهو يسيء للمهن الفنية ويعطل كل المبادرات التفاوضية ويؤجل كل الترافعات العمومية ويكبل تطور الممارسة المهنية الفنية ويخلق وعيا نقابيا سطحيا بدون أفق فكري وعمق استراتيجي . ولنا عودة لدراسة قانون الفنان والمهن الفنية لاستقرائه وفق التحولات التي يشهدها القطاع  الوطني الفني و المهني.

 

في فلسفة التجاذب بين المسرح والتراث

الخميس, 22 تشرين2/نوفمبر 2018 18:26

في فلسفة التجاذب بين المسرح والتراث (1)

بقلم الأستاذ الباحث عبيد لبروزيين


التجاذب المستمر بين المسرح والتراث، هو في حقيقة الأمر، انعكاس لجدلية مؤرقة في الفكر العربيّ الحديث والمعاصر، إنها جدلية الحاضر والماضي، القائم وما كان قائما، بكل حمولتهما الثقافية والسياسية والاجتماعية والإيديولوجية، إحياء التراث أحيانا، أو الوعي بالتراث أحيانا أخرى، جاء نتيجة هموم النهضة القومية التي سعت إلى تجاوز عصر الانحطاط، والخروج من دوّامة الهزائم والانكسارات المتتالية، التي أحدثت شرخا كبيرا في الهوية العربية، فكان إحياء القديم/الأمجاد، الماضي المشع في الذاكرة، وبهذا هيمن الماضي و أرخى بظلاله على الحاضر، وأصبح مرادفا للهوية والأصل، وملاذا للاختباء من كل جديد، لاسيما بعد هيمنة الرؤية السلفية في قراءة التراث.

أضحى التراث بهذا المعنى، غاية لتحقيق الأصالة، والحفاظ على الهوية في ظل الاتجاه نحو العولمة، وهو ما أدى إلى إلغاء الزمن والتطور، وأصبح التراث يشكل معالم الحاضر والمستقبل في استراتيجية من العقل العربي للهروب من وقع الهزائم، وإذا كان التيار السلفيّ ينظر إلى التراث نظرة تقديسية منغلقة، فإن التيارات اللبرالية قرأته بمناهج غربية، أدت، حسب محمد عابد الجابري، إلى نفس النتائج تقريبا، بينما دعا المغالون من هذا التيار إلى إحداث قطيعة إبستمولوجية معه، وهذا نقاش سيأخذنا بعيدا عن عوالم الفرجة، غير أنه لا بد من استحضاره لوضع هذه الإشكالية في سياقها الفكري العام.

لا تستقل علاقة المسرح بالتراث عن الأطروحات الفكرية التي تسعى إلى إحياء الماضي، أو قراءته قراءة نقدية موضوعية جديدة، غير أننا نجد أنفسنا في الدراسات المسرحية، نستعمل كلمة التراث، ليس للدلالة على الماضي فقط، بل للدلالة أيضا على الثقافة الشعبية، مقابل الثقافة العالمة أو الرسمية، التي لا تصبح تراثا إلا في احتكاكها بالتاريخ، لذلك نعت هذا النوع من التراث، بقصد أو عن غير قصد، بمصطلح قدحي تم تجاوزه لاحقا، وهو الأشكال ما قبل مسرحية.

وفلسفة التجاذب بين المسرح والموروث الثقافي، يعود بنا إلى ما قبل ظهور المسرح في بلاد اليونان، حيث كان في البدء فرجة تراثية، مقترنة بالإنسان منذ التجمعات البشرية الأولى، منها ما هو طقسي (الاحتفالات الديونيزوسية) وشعائري (الاحتفالات الشيعية في العراق) واحتفالي (الأهازيج والاحتفالات في الأعراس).

هكذا يؤرخ ظهور الفن المسرحي لعلاقة التجاذب بين التراثي والمسرحي في الفعل الفرجوي الإنساني، إنها علاقة تجاذب مستمر عبر التاريخ، غير أن المرحلة الأولى من تاريخ المسرح، وهنا أقصد الشعرية الأرسطية التي امتدت ردحا طويلا من الزمن، لم يتناول فيها الدارسون علاقة المسرح بالتراث، وأقصد هنا الأشكال الفرجوية الشعبية واستلهام التاريخ، لأن الإرث الثقافي المسرحي فيما بعد، تحول بكامله إلى تراث، وهو ما لم يكن متوافرا في المرحلة الأولى. والمرحلة الثانية، وأقصد بها شعرية ما بعد أرسطو، كان فيها التجاذب بين المسرح والموروث الثقافي قويا وعنيفا، منذ الدعوات الأولى لجون جاك روسو ومن تلاه، وانعكس هذا التفاعل القويّ في النظريات المسرحية من خلال مسرح القسوة، والمسرح الملحمي، والمسرح الاحتفالي، والحكواتي... والعروض المسرحية، أيضا، ونخص بالذكر هنا تجربة أبي الخليل القباني والطيب الصديقي والطيب لعلج وسعد الله ونوس.

وإذا كانت العودة إلى التراث، قد جاءت بعد دعوات من رموز الفكر والأدب في الغرب، فإن النهضة العربية، قامت بدورها على دعوات محمد عبدو، والأفغاني، ورفاعة الطهطاوي، وحسين مروة، وعبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الكبير الخطيبي، وغالي شكري، وزكي نجيب محمود، وأدونيس، ويوسف الخال، وحسن حنفي، وهو ما أدى إلى التأثير على الفهم المسرحي للتراث، خصوصا في الشق التنظيري المرتكز على التأصيل، وبهذا قامت التجربة المسرحية العربية في مرحلة التأسيس على مفهوم التأصيل باعتباره صلة الوصل بالماضي، الذي جعل المسرح العربي، رهين دائرة مغلقة، حيث كان التراث في المسرح مرادفا للأصيل، والسبيل للانتصار للهوية الحضارية والثقافية، في مواجهة الآخر/الغرب، غير أن المتتبع للتراث في الفعل المسرحي العربي، يدرك أنه يختلف من مرحلة لأخرى، وهو ما جعل الاشتباك بالموروث الثقافي يتخذ ثلاثة أبعاد:

البعد الأول: إحياء التراث في ظل النهضة العربية (مواجهة الاستعمار).

البعد الثاني: توظيف التراث لنقد الواقع وتغييره (ما بعد الاستعمار).

البعد الثالث: توظيف التراث توظيفا جماليا من خلال التقنيات المسرحية الحديثة (الألفية الثالثة).

وفي أفق هذا التجاذب المستمر، تشكلت شعريات مسرحية ترتكز على التراث في بناء خطاباتها، مستلهمة اللهجات واللغة، والاحتفالات والأفعال الإنسانية الماضية، والأمثال والحكم، والسّير والحكايات، وفي الجانب البصري، استلهم اللباس والديكورات والرقص والموسيقى والإضاءة.

حضور التراث في التنظيرات المسرحية، لا يمكن أن ينظر إليه بمعزل عن سياقه المسرحي والإيديولوجي، وعن السياق السوسيوثقافي للتجربة المسرحية بشكل عام، لذلك يحضر هنا من خلال هدفين، الأول معرفي، تحقيق معرفة بالتراث، واستجلاء عناصره ومكوناته، والثاني إيديولوجي، حيث لا يمكن أن تتحقق معرفة بالتراث إلا من خلال رؤية حديثة تستند إلى مرجعيات فكرية، قد تكون سلفية أو ليبرالية.

وإجمالا، إن ما نسعى إلى تقديمه، هو رصد خصائص توظيف التراث في مراحل تطور المسرح العربي، والأهداف التي يمكن تحقيقها من وراء ذلك، بينما تبقى الإشكالية التي سنحاول الإجابة عنها في المقالات المقبلة تتمحور حول أن التراث يسعى للحفاظ على الهوية الحضارية والثقافية، في حين أثبتت الدراسات الحديثة أن الهوية تتسم بالحركية والتفاعل والاستمرار، فأي هوية سنحافظ عليها؟ وهل استطاع التراث أن يحقق أهداف دعاة التأصيل المسرحي؟


 
 

بيان سيدي قاسم للإحتفالية المتجددة

الخميس, 15 تشرين2/نوفمبر 2018 18:58

بيان سيدي قاسم للإحتفالية المتجددة

الحلم الاحتفالي من النشوء إلى الارتقاء

الدكتور عبد الكريم برشيد

سيدي قاسم 31 أكتوبر 2018

حلم بالألوان الطبيعية

يقول أبو حنيفة النعمان (علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك، فله ما رأى، ولنا ما رأينا) وبالنسبة إلينا في المسيرة الاحتفالية نقول الكلمة التالية: حلمنا رؤية، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك، فله ما رأى، ولنا ما رأينا)

هي نفس الأسئلة إذن، نعود إليها أو تعود إلينا، ولا يمكن أن نغادرها أو نبتعد عنها أبدا، لأنها جزء من كياننا الوجودي والفكري والجمالي والأخلاقي، وتتعلق هذه الأسئلة بحقيقة عمرنا الفكري والإبداعي، والذي صغناه في مشروع كبير سميناه المشروع الاحتفالي، والذي عاش معنا وداخلنا، حتى أصبح هو نحن ونحن هو، ومن هذه الأسئلة يمكن أن نذكر :

( ــ هل كان ذلك الذي عشناه وكتبناه كان حلماّ؟

ــ وهل هناك حلم يستمر أربعين عاما؟

ـ وكيف تم هذا الحلم الطويل جدا، بأعين مغمضة أم بعيون مفتوحة؟) 1

هكذا تساءلت في كتاب ( عبد الكريم برشيد وخطاب البوح) والذي هو حوار بحجم كتاب، ولقد كان ذلك ردا على سؤال ذ عبد السلام لحيابي ( تعهدت الاحتفالية على نفسها أن تصل إلى الكونية رغم أن الإبحار كان صعبا جدا، فهل تحقق من هذا الحلم شيء؟)

وجوابا على هذا السؤال قلت ( أكيد أن الأحلام الطويلة والكبيرة لا يمكن أن تصنعها إلا النفوس الكبيرة، وهكذا كان الحلم الاحتفالي بكل تأكيد، كان طموحا، وكان سورياليا وصوفيا، وكان مثيرا ومدهشا بغرائبيته و عجائبيته، ولو كان حلم ليلة واحدة عابرة لانتهى عند مطلع النهار، ولو كان حلم شخص من الناس، ما كان له كل هذا الإشعاع، ولما تبنته أمة كاملة، من ماء محيطها البارد إلى ماء خليجها الدافئ، ولما أصبح اليوم من أهم مشاريعها الجمالية والفكرية والعلمية العصر الحديث) 2

وتأتي هذه التساؤلات المشروعة عشية احتفال الحلم الاحتفالي ببلوغه سن الثانية والأربعين من عمره، ولقد رأيت أن تصدر هذه الورقة من مدينة سيدي قاسم، وأن يكون ذلك بمناسبة أيامها المسرحية، وأن أشرك الجميع معي في هذا التفكير العلني المسموع، مؤكدا على الحقيقة التالية، وهي أنه لا وجود للغنى إلا بالتعدد، ولا وجود لأي مستقبل جديد إلا بالحلم الجديد، وأنه لا يمكن أن نقترب من الحقيقة إلا عندما تتعدد وتتنوع وجهات النظر.

وفي مسرحية ( يا ليل يا عين) يدور الحوار التالي بشأن التعدد والاختلاف:

(عـبـد الـلـه: إن الأصل في هذا الوجود يا عبد البصير أنه متعدد الألوان والأصباغ، فهو مثل الطاووس تماما، حقيقته في تعدد ألوانه، والتي هي نفس ألوان الأرض، ونفس ألوان السماء وكل الأشياء، وإذا اختزلنا ألوان هذا الطاووس في لون واحد أوحد، وكان هذا اللون هو الأسود، فإنه لن يظل طاووسا كما خلقه الله ..

عبد الصبور: وماذا يصبح يا عبد الله ؟

عـبـد الـلـه :     يصبح غرابا، وما أكثر الدعاة إلى غربنة الوجود وإلى غربنة الحياة،  وإلى غربنة عقول وأرواح كل الأحياء، ولأنني ـ يا عبد البصير ـ لا أفكر كما يفكر كل الناس، فإنني مجنون وأحمق، وعلامة جنوني وحمقي أنني أدخلت المصحة (لنفسه ) وهل هي فعلا مصحة أو هي سجن ؟) 3


ولأننا لم نكن من دعاة (غربنة) الفكر والفن والسياسة والحياة، فقد اجتهدنا من أجل أن نكتشف الألوان الأخرى والأضواء الأخرى والأفكار الأخرى والحالات الأخرى والمواقف الأخرى، وصغنا كل ذلك في حلم كبير أسميناه الحلم الاحتفالي، ولقد كان هذا الحلم  بكل ألوان الطاووس، ولم يكن أحادي اللون، ولا كان غرابي اللون.

درجات الحلم و درجات العبقرية

في البدء إذن، كان الكائن (الخام)، هكذا قلنا، وهكذا سنقول دائما، وبالحلم وحده أصبح هذا الكائن إنسانا، وكان ضروريا أن يكون مختلفا ومخالفا، ولقد تمكن من أن يرتقي إلى درجة الإنسانية الحق، وبطاقة هذا الحلم السحرية والعجائبية استحق أن يكون مختلفا ومتميزا عن كل الحيوانات الأخرى، وأصبح من حقه أن يكون كائنا مدنيا حالما، وأن يكون في حلمه حرا، وأن يكون مسافرا، وأن يكون عالما، وأن يكون غنيا، وأن يكون شاعرا، وأن يكون عرافا ومتنبئا، وأن يكون جميلا، وأن يكون قويا، وأن يكون في متخيله الحلمي أكبر من جسده المادي، وأن يكون بشطحاته الإبداعية أكبر من واقعه اليومي المحدود والمسدود، وبهذا فقد كان أهم ما يميز الإنسان الاحتفالي أنه كائن حالم ومتحرر بالضرورة، ولقد أدرك دائما بأن الحق في الحلم هو أصدق وأجمل وأنبل كل الحقوق، وبهذا فقد كان ضروريا أن يكون شاعرا في حلمه، وأن يكون عرافا ومتنبئا في رؤيته ورؤاه، وأن يمد بصره وبصيرته إلى الآفاق البعيدة جدا، وأن يرحل بحلمه إلى العوالم الغريبة والعجيبة والمثيرة والمدهشة، والحلم وحده هو الآلية الداخلية الكبيرة والخطيرة التي تنتج  الصور الممكنة الوجود، وهو الذي يؤسس العوالم الأخرى الجديدة، أما الزمن، فهو هذا الفضاء المفتوح الذي يسع كل الأحلام وكل الخيالات وكل الصور وكل الهذيان الإبداعي الخلاق.

وانطلاقا من هذا المعنى، فقد انطلق هذا الإنسان الاحتفالي من درجة البدء المؤسس للوجود، وفضل أن يشتغل بفعل الحفر التأسيسي، وأن يبدأ من تربة هذه الأرض، وأن يوجد اللاموجود بعد ذلك، وأن يكون الممكن، وأن يصل بحلمه المشروع إلى عتبة المحال، وأن يطرق الأبواب المغلقة، وأن ينظر إلى الأعلى دائما، وأن يعشق الأعلى والأسمى، وألا يلتفت إلى الخلف إلا .. في مرآة نفسه وروحه ووجدانه وخياله، وأن يكون متفائلا بالضرورة، إيمانا منه بأن الأجمل والأكمل هو ما يمكن أن يكون غدا، ولعل هذا هو ما جعل هذا الاحتفالي مخاطرا ومغامرا بالضرورة أيضا، وجعله شاهدا على الحقيقة الغائبة والمغيبة، وجعله شهيدها في نفس الآن.

والحلم الاحتفالي هو أساسا صورة، ومن طبيعة هذه الصورة أنها غير مادية، وأنها أكبر من المكان، وأنها أرحب من الزمان، وأنها في غرائبيتها فوق واقعية، وقد تكون كل أجزائها من هذا الواقع اليومي والتاريخي، ولكنها مركبة تركيبا احتفاليا جديدا، وهي بهذا سوريالية أو أسطورية أو صوفية في بينيتها العميقة الخفية.

نحن نؤمن بأن هذه الاحتفالية العامة قد أوجدها الزمن الكوني العام، وأنه قد أوجدها التاريخ العام، ولكنها ـ في المقابل ـ قد أوجدت هي أزمانها المتعددة الخاصة، والتي هي أساسا أزمان للفعل التأسيسي الخلاق، ولعل أهم ما يميز هذا الزمن الاحتفالي المركب هو أنه موجود بين زمنين متقابلين ومتناقضين، الأول هو الزمن التأصيلي المنكفئ على نفسه، والثاني هو الزمن التجريبي الهارب من الذات الحقيقية، والموجودة الآن ـ هنا، إلى الذوات الأخرى الغائبة، والمنتسبة إلى الأرض الأخرى، وإلى العوالم الأخرى، وإلى الثقافات الأخرى، وإلى المناخات الأخرى، وإلى الإبداعات الأخرى، وإلى اللغات الأخرى، والتي لها قيمتها بكل تأكيد، ولكن في إطار شروطها وسياقاتها الخاصة، والتي لا يمكن أن تقبل التهريب والاستيراد والاستنساخ، ومن طبيعة الروح الاحتفالية أنها لا تقدس الموتى، لأن الموت في ذاته ليس قيمة،  وقد يكون عطبا من أعطاب الوجود، أو مرضا من أمراض الحياة، كما أنها لا تتطلع إلى الغيب، ولا تشتغل بالغيبيات، ولا تؤمن بالأصنام والأوثان، وهي لا شيء يشغلها إلا الإنسان والإنسانية، ولا شيء يحركها إلا الحياة والحيوية، ولا شيء يسحرها إلا المدينة والمدنية، ولا شيء يفتنها إلا جمال النفوس والأرواح والحالات والأشياء، ولا شيء يقنعها إلا العقل الحر في الوطن الحر.

في كتاب ( المؤذنون في مالطة) فصل بعنوان ( الحق في الحلم والتفاؤل) وفيه نسوق الحديث التالي (ومن جميع كل الحقوق التي نتحدث عنها اليوم، ونتمسك بها، ونطالب بها، فإننا ننسى ـ أو نتناسى ـ أهمها وأخطرها، والذي يمكن أن يتمثل في الحق في الحلم والتفاؤل. إن الكائن ضيق ومحدود، ولكن فضاء الممكنات رحب و واسع، ومتعدد الأبعاد والمستويات، و المظاهر والتجليات والدلالات) 4

الحلم والاحتفال والزمن

وهذا الاحتفالي الحالم هو الذي قال يوما:

( لدي اليوم من الصور أكثر مما لدي من الكلمات

ولدي من الأسئلة أكثر مما لدي من الإجابات

ولدي من الإشاعات أكثر مما لدي من المعلومات

ولدي من الأحلام أكثر مما لدي من الوقائع

ولدي من الشك أكثر مما لدي من اليقين

ولدي من الضرورات أكثر مما لدي من الاختيارات

ولدي من التجارب أكثر مما لدي من التجريب) 5

إن من طبيعة هذه الاحتفالية الحالمة أنها لا تعشق الزمن لذاته، ولكن لما يمكن أن يكون فيه من حياة وحيوية، ومن جمال وجمالية، ومن صور لها معناها ومغزاها، وبهذا فهي لا تبكي على الأطلال، فقط لأنها أطلال بالية، ولا تحن إلى الماضي، فقط لأنه الماضي الذي ضاع، وهي لا تسعي لأن تعيش نفس ما عاشه الآخرون في الأمكنة الأخرى وفي الأزمنة الأخرى، لأنه لا وجود لحياة يمكن أن تعاش أكثر من مرة واحدة، كما أنها لا تعمل من جل أن ( تحيي) الذي فات ومات، ولا أن تعود للذي لا يمكن أن يعود، ولهذا فقد عملت دوما من أجل تأسيس زمنها العيدي الخاص، انطلاقا من (النحن) الحية والفاعلة والعاقلة و المحتفلة والمعيدة في هذه الاحتفالية الوجودية الكبرى، وانطلاقا أيضا من هذا ( الهنا) الجغرافي، والذي له كلمته بكل تأكيد، وله خصوصيته، وانطلاقا من هذا ( الآن) التاريخي الجديد والمتجدد، والمتحرك دائما باتجاه ما يمكن أن يكون، وما يحتمل أن يكون، وما نتصور وما نحلم أن يكون.

وفي البحث عن المعنى الحقيقي لهذا الزمن تساءلت الاحتفالية مع سانت أوجستين الذي قال ( ما الزمن؟.. إنني لأعرف معرفة جيدة ما هو، بشرط ألا يسألني أحد عنه، لأنه لو سألني أحد ما هو، وحاولت أن أفسره له، لارتبكت) 6

في الأدبيات الاحتفالية يتردد اسم السندباد كثيرا، وهو في الرؤية الفكرية الاحتفالية شخصية أساسية ومحورية، وهذا بالتأكيد هو ما يجعلني أقول عنها ( إن السندبادية جزء من فلسفتي، وإن رحلاتي ليست بحرية ولا أرضية أو جوية فقط، ولكنها رحلات في الزمن المطلق، وهي رحلات في المكان المطلق، ورحلات في النفس والوجدان، ورحلات في العقل والروح، ومن تكن هذه وجهة رحلاته لابد أن يتعب كثيرا، والتعب الصادق في الحياة الصادقة هو .. ملح هذه الحياة، وملح هذا الوجود بكل تأكيد) 7

في هذا الحلم الاحتفالي شيء كثير من الجرأة ومن التحدي، وفيه شيء غير قليل من التخطي ومن التجاوز ومن الارتقاء إلى الأبعد وإلى الأعلى، وفيه جرعة قوية من السكر الواعي ومن العربدة الفكرية والإبداعية، وفيه شيء من الانفلات من اليومي، ومن المادي الحسي، ومن الواقعي الجامد، وتؤكد الاحتفالية على أن هذا الواقع اليومي هو مجرد وجه واحد من وجوه الحقيقة المتعددة والمتنوعة والزئبقية والماكرة، ويبقى الجانب الآخر الخفي من الحقيقية ممنوعا و مقموعا، ويظل في حاجة متجددة إلى حلم الحالمين، وإلى قراءة العرافين، وإلى نبوءة المتنبئين، وإلى بصيرة المستبصرين، وهذا ما حاولنا أن نقوم به في حلمنا الاحتفالي الكبير، والذي استمر لحد الآن لأزيد من أربعة عقود، ومازال في بداياته الأولى، ومنذ تلك البدايات التأسيسية الأولى أكدنا على أن الحلم هو ( الرفض، بشكل مؤدب و محتشم، وهو يمثل درجة الصفر في سلم التمرد والثورة) 8

ولهذا فقد كان ضروريا أن نقول ما يلي ( لو أننا وجدنا في هذا الواقع اليومي ما يقنعنا فكريا ما فكرنا،

ولو وجنا فيه الجمال الصادق ما حلمنا بالجمال، ولو وجدناه منظما ما أنفقنا أربعين عاما في تنظيم

فوضاه، ولو وجناه واضحا ما عملنا على تحليله وتفكيكه وتأويله، وعلى إعادة تركيبه بشكل آخر مختلف ومغاير )

الحاضر والغائب في الرؤية الاحتفالية

في هذا العالم إذن، هناك حقيقة غائبة، أو مغيبة، أو مقموعة، أو ممنوعة، ولكنها بالتأكيد موجودة، إن لم يكن ذلك هنا، فهي هناك، وإن لم تكن حاضرة في هذا اليوم، فهي حاضرة في الآتي من الزمن، وقد آمنا دائما بأن كل آت قريب، وبأن ما نمشي باتجاهه لابد أن ندركه، ورددنا مع النفري قوله على لسان الحق ( القرب الذي تعرفه مسافة.. والبعد الذي تعرفه مسافة.. وأنا القريب البعيد بلا مسافة) وهكذا هي الحقيقة في العين الاحتفالية، قريبة بعيدة بلا مسافة.

لقد انطلقنا في هذا الحلم الجماعي من المسلمة التالية، وهي أنه لا يمكن تجاوز أي شيء، أو الانتقال إلى أية فكرة، أو إلى أي فعل جديد، إلا بعد وجود هذا الشيء أولا، وبعد تأسيس هذه الفكرة أولا، وبعد تحقيق هذا الفعل أولا، وهذا ما جعلنا نبدأ بالتأسيس أولا، إيمانا منا بأنه لا معنى للتجديد التجريبي إن لم يكن تجديدا لشيء موجود بالفعل، ولهذا يكون من الغريب العجيب أن تجد اليوم من يتحدث عن ما بعد الدراما، وهو لم يؤسس بعد الدراما، وأن تجد من يتحدث عن ما بعد الحداثة، وهو لم يدرك درجة الحداثة، وأن تجد من يتحدث عن الدراما البديلة، وبديلة لأي شيء؟ وإذا كان ابن رشد قد قال ( الحق لا يضاد الحق) فإن الاحتفالية تقول بأن الجمال لا يضاد الجمال، وبأنه لا وجود لأبة تجربة وجودية إبداعية حقيقية يمكن أن تكون بديلا لغيرها من التجارب، من هذا المعنى انطلقنا، ليكون حلمنا الاحتفالي جزء أساسيا وحيويا من الحلم الإنساني والكوني العام.

حلمنا إذن كان إضافة، هكذا أردناه أن يكون في معناه الحقيقي، وليس هكذا تم تفسيره وترجمته وتأويله، عن سوء نية أو سوء فهم، أو عنهما معا، لست أدري، وأعتقد أن هذه الاحتفالية ليست مسئولة عن تخلف جزء كبير من النقد المسرحي المغربي ـ العربي اليوم، والذي صعب عليه أن يقرأ هذه الاحتفالية داخل شرطها التاريخي والجغرافي والحضاري، وداخل سياقاتها ومناخاتها الخاصة، ولم يتمثل هذا الحلم (الصغير) في إطار المشروع العربي النهضوي الكبير والخطير.

في هذه الاحتفالية سرنا على نهج (إخوان الصفا) وأسسنا جماعة أعطيناها اسم ( جماعة المسرح الاحتفالي) وكان ذلك بمدينة مراكش بتاريخ 27 مارس من سنة 1979 وكان القصد أن نحلم بشكل جماعي داخل هذه الأسرة الفكرية والروحية، والممتدة من ماء المحيط إلى ماء الخليج، وأن نقتسم فيما بيننا الحالة الاحتفالية والرؤية العيدية للوجود، وأن ننطلق جميعنا، كل من موقعه الخاص، من الفكرة الاحتفالية أولا، وأن نؤسس الفكر الاحتفالي والفن الاحتفالي ثانيا، وأن نتعايش داخل المدينة الاحتفالية الممكنة الوجود ثالثا، لقد انطلقنا من أخوة الروح بدل أخوة الدم، وحاولنا أن ننتسب جميعا إلى نفس الرحم، وإلى نفس الأم، وأن نعيش جميعا داخل نفس البيت الاحتفالي الكبير، ولقد كان هناك من فهم أننا نؤسس حزبا، أو نوجد رباطا صوفيا، ولذلك فقد حاربتنا بعض الأحزاب، وهاجمنا بعض المتحزبين المتعصبين، من غير أية ذرة وعي بحقيقة الأخوة الاحتفالية، والتي هي أخوة مفتوحة على كل الناس، وأنها بذلك ليست مغلقة في وجه أي أحد، وهذه الأخوة هي التي جعلتنا نقول ( نحن إخوة في الفن والفكر والإبداع، أبونا العقل، وأمنا الحقيقة، وأخونا الجمال، وعشقنا الحكمة، وأختنا الفضيلة، وهدفنا الكمال الأسمى، أي كمال الأجساد والنفوس والأرواح) وهل في هذه الأخوة ما يمكن أن يغضب؟

بمثل هذا الحلم الجماعي وحده يمكن للمفرد أن يخرج من فردانيته، وأن يجد إنسانيته، وأن يحقق حريته، وأن يتحرر من عزلته، وأن يستعيد دوره داخل الجماعة المفكرة والمبدعة والمفسرة والمغيرة، وأن يتمرد على الوجود النمطي في المجتمع المعلب، ولقد أكدت الاحتفالية دائما على أن من لا يحلم لا يتمرد، وعلى أن من لا يتمرد لا يمكن أن يكون ذاته، ولا يمكن أن يعيش حياته وأعماره، ولا يمكن أن يوجد في أزمانه الحقيقية الخاصة، ومن الممكن أن يكون مجرد رقم في الحساب، أو يكون مجرد صوت في الجوقة المنشدة، أو مجرد صراخ في جماعة الهتافين، أو يكون مجرد ظل، أو يكون مجرد صدى، ولهذا أكدت هذه الاحتفالية كثيرا على الحق في الاختلاف، وأكدت على الإبداع في مقابل الاتباع، وعلى الأصيل في مقابل الدخيل، وعلى الحلم في مقابل الوهم، وعلى الفعل في مقابل الانفعال، وانطلاقا من هذا المبدأ خاصمت الدروس الجاهزة، وثارت على التعاليم الفوقية والغيبية، وتمردت على المدرسية في المسرح أولا، وفي الفن والفكر والعلم وفي كل الصناعات ثانيا، ولهذا فقد كان ضروريا الرجوع إلى المسرح في درجته المؤسسة الأولى، أي إلى درجة الاحتفال، ومن هذه الدرجة بدأت مسيرتنا نحو تأسيس أو عادة تأسيس مسرح الحياة الجديدة بوعي جديد.

حلم يتفلسف بالكلمة والصورة

ذلك الحلم السبعيني إذن ـ من ذلك القرن الذي مضى ولم يمض ـ لم يفقد بريقه بعد، ولقد تأكد بأنه قد أصبح اليوم، مع توالي الأعوام والعقود، حلما كبيرا عابرا للقارات، وعابرا للأمكنة والأزمنة، وأن ذلك الشباب الذي كناه لم يفقد حماسه وثقته في حلمه المشروع، وأعتقد أن الأفكار الأصيلة لا يمكن أن تكون إلا جديدة ومتجددة على الدوام، وبغير هذا ما كان ممكنا أن تـتأسس المشاريع الفكرية والجمالية في العالم الكبرى، وأن تكون في الزمن أكبر من اللحظة الزمنية العابرة.

في هذا الحلم وجدنا أنفسنا نفكر ونتفلسف، ولم يكن للفلسفة عندنا غير معنى واحد أوحد، والذي هو محبة الحكمة، ولقد رأينا أننا في هذا المسرح لا نشتغل على فن واحد، ولكن على كل الفنون، ولقد وجدنا أنفسنا نردد تلك الكلمة القديمة ـ الجديدة  التي تقول ( المسرح أبو الفنون) كما اقتنعنا بتلك المقولة الأخرى التي تقول ( الفلسفة أم العلوم) ولقد اقتنعنا أن هذا المسرح، بالإضافة إلى أنه آداب وفنون وصناعات متحدة، فهو علوم إنسانية أيضا، وبهذا فقد كانت العلوم المسرحية جزء أساسيا وحيويا من فلسفة العلوم العامة، وهذا بالتأكيد هو ما جعل الاحتفاليين يحتفون بالفكر الفلسفي، وجعلهم يؤكدون على الحقيقية التالية، وهي أنه لا يمكن تأسيس العلم المسرحي الجديد، ولا يمكن إقامة الفقه المسرحي الحديث، ولا يمكن وضع النحو المسرحي للغة المسرحية الجديدة إلا بالفلسفة المسرحية الجديدة، ولقد تعزز هذا الاقتناع بصدور كتاب يحمل عنوان ( فلسفة التعييد الاحتفالي: في اليومي وفي ما وراء اليومي) 9

ولأن هذه الفلسفة ـ في الحلم الاحتفالي ـ لم تكن مطلوبة لذاتها، فقد وجد الاحتفاليون أنفسهم يقولون مع أندري سبونفيل ( الفلسفة لا معنى لها إلا بقدر ما يقربنا من الحكمة، يتعلق الأمر  بأن نفكر جيدا كي نعيش جيدا، وهذا وحده ما يعني التفلسف في الحقيقة) 10

ونحن تفلسفنا من أجل أن نحلم بشكل جيد، ومن أجل أن نفكر بشكل جيد، ومن أجل أن نكتب مسرحا بشكل جيد، ومن أجل أن نؤسس بلاغة مسرحية بشكل جيد، ومن أجل أن نتمثل الجمال، في الفن والحياة بشكل جيد، ومن أجل أن نقرأ الواقع والتاريخ بشكل جيد، ومن أجل أن نتحاور ديمقراطيا في المسرح بشكل جيد، ومن أجل أن نتلاقى مسرحيا بشكل جيد، ومن أجل أن نؤسس الرؤية الإخراجية بشكل جبد، ومن أجل أن نعطي الممثل ثقافة تجعله يمثل بشكل جيد.

ولعل أجمل ما في الحلم الاحتفالي هو أنه حلم صادق، ولعل أجمل وأنبل ما في الحالم الاحتفالي هو صدقيته وشفافيته، وهو عشقه للجمال والكمال، وهو جنونه العاقل، وهو فوضويته المنظمة، وهو ثباته على الثوابت، وهو روحه القتالية التي لازمته على امتداد أربعة عقود من الزمن، وهو جرأته في الفكر والعلم والفن، ولقد كان في كل مساره صوفيا ( إذا نطق كان كلامه عين حاله) وهذا الاحتفالي الحالم هو الذي قال مع أبي ذر الغفاري (الصدق ما ترك لي صديقا) قالها وعاش المنفى في وطنه، وقالها وعاش الغربة والعزلة بين أهله وصحبه، وهذا هو حال الحالم الاحتفالي في هذا الزمن المأتمي الرديء.

ولعل أهم ما ميز هذا الفعل الحالم دائما هو أنه لم يكن حلما انفعاليا أو مزاجيا، ولكنه كان حلما عاقلا وعالما ومسئولا، ولقد انطلقنا في هذا من القناعة التالية، وهي أنه ( عندما يحلم العقل، فإنه يصبح بإمكان الإنسان أن يسترد كل شيء، وأن يلحق بأي شيء، يسترد زمنه الضائع، وفحولته وبراءته الضائعة، وذوقه المضيع، وثقافته الضائعة) 11

حول هذا الحلم، اختلف المختلفون، فالمدرسيون قيموه بمعيار النجاح والفشل، وتجار الكلمة والإبداع قيموه بمنطق الربح والخسارة، وتجار السياسة قيموه بحسب تموقعه على الخرائط السياسية والحزبية، وذلك انطلاقا من الأسئلة التالية: هل هذا الحلم يميني أم يساري؟ هل هو تقدمي أم رجعي؟ هل هو سلفي أم حداثي؟ هل هو ديني أم لا ئكي؟ هل هو مع الرحمان أم مع الشيطان؟

وأعترف ـ أنا الاحتفالي ـ بأن نشوة النجاح أو نشوة الفوز أو نشوة الانتصار ( ليس لها في حياتي كبير تأثير، وأخطر منها نشوة الوجود، وأهم منها نشوة الحياة، وأنبل منها نشوة الصحة العضوية والنفسية والروحية، وأروع منها نشوة الإحساس بالخلق والابتكار، ونشوة السير في طريق التأسيس، ونشوة الصدق مع الذات ومع العالم، أما النجاح، فما أسهله اليوم يا صاحبي، وما أقصر الطريق إليه، وبإمكان أي تاجر أو مغامر أو مقامر أو سمسار أن يحققه، وفي لمح البصر، وبأبخس الأثمان أيضا) 12

الحلم والغرابة و الإدهاش

في الحلم يحضر فعل الإدهاش بكل تأكيد، ويتبدى هذا الواقع على حقيقته الشفافة، ويكون بذلك أجمل وأكمل وأنبل، وتدرك العين الحسية والحدسية صوره الحقيقية الخفية أو المصادرة أو المهربة، تحضر بكل أبعادها ومستوياتها المتعددة، وفي كل تجلياتها المتنوعة، وفي كل تمظهراتها القريبة والبعيدة، وفي كل درجاتها الكائنة والممكنة، وفي كل حالاتها الظاهرة والخفية، ويصبح هذا الواقع ( البسيط) مركبا تركيبا صادما ومستفزا في كثير من الحالات، ويكون فيه شيء كثير من الغرابة ومن العجائبية ومن اللامنطق، ويكون بذلك صعبا على الفهم، وعلى التفسير البراني، ولعل هذا هو ما حصل مع الحلم الاحتفالي المركب والمعقد، والذي قرئ قراءة فيها شيء كثير من التبسيط ومن التسطيح أيضا.

وانطلاقا من تلك الرؤية الحلمية والعيدية، أثثت هذه الاحتفالية عالمها وكونها بالعناصر الجديدة والغريبة، وبالوقائع الجديدة، وبالأجساد والأرواح الجديدة، وأوجدت بينها علاقات أخرى ممكنة الوجود، اقتناعا منها بأنه لا مستحيل في الحلم، وبأنه لا حدود للخيال، وبأنه لا نهاية للحياة، وبأنه لا ضفاف للروح، يظهر هذا في الكتابات النظرية بكل تأكيد، والتي فيها شيء من العقل المفكر، وفيها كثير من الخيال المحلق في السماوات العالية والبعيدة، وفيها العلم والشعر، وفيها الفن والصناعة، وفيها الفقه والبلاغة، تماما كما يظهر في الكتابات الإبداعية، والتي سميناها احتفاليات مسرحية حية في الحياة الحية، ولم نسمها نصوصا مسرحية مكتوبة في الكتب المعتقلة في الرفوف، في هذا الإبداع الحيوي يتداخل الواقعي والتاريخي، ويتعايش العلم والفن، ويتقاطع اليومي مع الأسطوري، ويتحاور المألوف والمعروف مع العجائبي والسحري، وفي هذا المعنى يقول ذ. كمال فهمي في حديثه عن ( المسرحية) الاحتفالية، مشيرا إلى أن ( بنيتها غير تقليدية وغير مدرسية، وحققت الإثارة والإدهاش انطلاقا من عناوينها الغريبة: امرؤ القيس في باريس وعنترة في المرايا المكسرة،، اسمع يا عبد السميع، ابن رشد بالأبيض والأسود، ابن الرومي في مدن الصفيح، فاوست والأميرة الصلعاء) 13

وهذا التأكيد على الفعل الحيوي في الفكر الاحتفالي لا يعني أنه لا يؤمن بالكتابة، خصوصا عندما تكون هذه الكتابة فاهمة، وتكون عالمة، وتكون مفتوحة على العقل الشاعر، وتكون متجاورة ومتحاورة جدليا مع الشعر العاقل، كما أنها لا تستهين بقيمة أفكار الأساتذة المفكرين، ولا بعطاءات المبدعين الخلاقين، وهي بهذا تحترم النقل وتحترم العقل معا، مع التأكيد على قناعتها بما يقوله المعتزلة من أنه ( إذا تعارض العقل والنقل فاتبع العقل) ونضيف نحن المقولة التالية ( إذا تعارض الواقع والحلم فاتبع الحلم) ونؤكد على أنه لا قيمة لحلم لا يجمل الواقع، ولا يجدد القديم، ولا يعيد إنتاج الأشياء الموجودة بشكل مختلف ومغاير.

في الحلم فوضى ظاهرة دائما، ووراء هذه الفوضى نظام خفي، نظام لا تراه إلا العيون السحرية الخارقة، أي عيون الشعراء والحكماء وعيون المبدعين الخلاقين، وهذا النظام يحتاج للكشف عنه، ويحتاج إلى الرحيل إليه حيث هو، وبحثا عن جماليات هذا النظام المغيب ـ في الحياة والفكر وفي الإبداع معا ـ خاطر الاحتفالي بركوب متن الخيال، اقتناعا منه بأنه ليس بعد الغموض إلا الوضوح، وليس بعد الجهل إلا العلم، وليس بعد هذا النقص إلا الكمال، وليس خلف هذا القبح الواقعي إلا الجمال الحلمي، وليس بعد هذه الغفوة العابرة إلا الصحو المقيم، وليس بعد هذا الاستعباد إلا الحرية.

يقول السورياليون في واحد من بياناتهم ( نحن مختصون في التمرد) ونعتقد أنه لا وجود لحركة إبداعية أو فكرية طلائعية لا تكون مختصة في التمرد والثورة، ونؤمن بأن قدر المجددين أن يتحرروا من سلطة وسطوة السائد المستبد، وأن يكونوا في طليعة الحالمين الخلاقين والمبدعين.

حلم بطعم الرفض والتمرد

في هذا الحلم بحثنا عن المعنى، معنى أن نكون أولا، وأن نكون نحن الآن هنا ثانيا، وليس في أي مكان آخر، أو في أي زمان آخر، لقد بحثنا عن حقيقة وجودنا، وعن حقيقة أنفسنا، وعن حقيقة الآخر الذي لا يمكن أن نكتمل به، والذي يساعدنا على أن نرى شيئا من صورتنا وحقيقتنا في عينيه، وفي رؤيته، وفي تفكيره، وفي كتاباته، وفي إبداعه، ولقد مارسنا حقنا المشروع في السؤال، وفي الفضول المعرفي، وفي الشغب الفكري، وفي الكلام المسؤول، وفي التعبير الحر، وفي الجرأة العالمة، ولقد وجدنا أنه لا مجال للوصول للحقيقة إلا برفض الوهم والزيف، وأنه لا مجال للقبض على الجمال إلا برفض القبح والرداءة، ولقد تكلمنا وكتبنا، ولم نسكت عن الحق، وكان ضروريا أن نرفض كل كلام لا يحمل معنى، وأن نرفض كل كتابة لا تحمل رسالة، ولا  تضيف لهذا الوجود أية قيمة معرفية أو جمالية أو أخلاقية.

وفي عشقنا للحق والحقيقة، كان ضروريا أن نحب الوجوه، وأن نخاصم الأقنعة، وأن نرفض كل وجه لا يحمل ملامح واضحة، ولقد رفضنا كل فن لا يحمل بصمة خاصة، ورفضنا كل جسد بلا وجدان وبلا عمق وبلا روح؛ جسد له طول وعرض، وله كثافة ووزن، ولكنه بلا محرك، وبلا طاقة وجدانية محركة، وبالنسبة للحلم الاحتفالي فإن كل جسد بلا روح هو مجرد جثة، أو مجرد صورة، أو مجرد تمثال، أو مجرد (مانكان) ولا شيء كثر من ذلك.

ولقد أكدنا على ضرورة أن تحمل التجارب الفكرية والإبداعية الجديدة أسماءها الخاصة، كما أكدنا على أن كل ولادة جديدة تستوجب أن يحمل المولود الجديد اسما جديدا، وعلىه، فإن كل ما لا يسمى لا وجود له، وهو بذلك في حكم العدم، ولهذا فقد أعطينا لحلمنا الاحتفالي الجماعي اسماءه، وكانت هذه الاسماء هي المسرح الاحتفالي، وكانت هي الواقعية الاحتفالية في المسرح، وكانت هي الاحتفالية، وكانت هي الاحتفالية الجديدة، وكانت هي الاحتفالية المتجددة، وإذا كان هناك اليوم تجارب مسرحية فوضوية ليس لها نظام، وليس لها مسار ولا خط سير، فما ذنبنا نحن؟ كما أكدنا على أنه لا وجود لأية نبتة إبداعية أو فكرية ليس لها نواة صلبة، وليس لها أرضية صلبة تصعد منها، وليس لها تربة غنية وسخية تخرج منها، وليس لها مناخ فكري تحيا فيه وبه.

ولأننا نعشق الحياة، في إنسانيتها الصادقة، وفي حيويتها المتجددة، وفي مدنيتها المتحضرة، وفي حقيقتها وصدقيتها، وفي جمالياتها الظاهرة والخفية، فإننا نرفض حياة لا جديد فيها، ونرفض فنا لا يجمل الواقع، ونرفض أية تجربة وجودية أو بداعية لا خلق فيها ولا إبداع ولا جهاد ولا اجتهاد، كما نرفض أي دور مسرحي في مسرحية الوجود لا اختيار فيه، ونرفض حرية لا عقل فيها، ونرفض  اختيارا لا اجتهاد فيه، ونرفض اجتهادا لا جرأة فيه، ونرفض جرأة لا مخاطر فيها.

في المسرح، نرفض كل فعل تأصيلي مغلق على نفسه، فعل لا يجدد، ولا يتجدد بتجدد الأيام والأعوام، ولا يتحرك، ولا ينمو، ولا يفعل، ولا يتفاعل مع الأفعال الأخرى، المشابهة أو المخالفة، ولا يكون حديثا في كل عصر حديث.

وبالمقابل، فإننا نرفض كل فعل دخيل لا يتلاءم ولا يتناغم مع الأصيل، ولا ينصهر فيه، ولا يؤسس معه فعلا جديدا ومتجددا، وهذا هو الحلم الاحتفالي كما عشناه وأسسناه من قبل، وكما نحياه الآن هنا، وكما يمكن أن يصبح مستقبلا ..

الهوامش:

1 ــ عبد السلام لحيابي ( عبد الكريم  برشيد وخطاب البوح حول المسرح الاحتفالي )

منشورات إيديسوفت ـ الدار البيضاء ـ 2015 ــ  ص 170

2 ــ نفس المرجع السابق ـ ص 170

3ــ  ع. برشيد ( يا ليل يا عين) موال مسرحي ـ إيديسوفت  الدار البيضاء ـ

4 ـ  ع. برشيد (المؤذنون في مالطة ) كتاب الجيب ـ منشورات االزمن ـ الرباط 1999 ــ 111

5 ــ ع. برشيد ( اعترافات الحكواتي الجديد ) منشورات ديهيا ـ مدينة أبركان ـ ص 25 ـ26

6 ــ سانت أوجستين ( اعترافات) ترجمة سعيد الغانمي ـ مجلة ( نزوى) سلطنة عمان ـ ع:31 يوليوز 2002 ــ ص 27

7 ــ  ع. برشيد  ( اتهامات أخرى مشرفة ـ ركن ( أنا الموقع أعلاه) مجلة ( طنجة الأدبية) طنجة ـ 2015 ـ ع 57 ـ ص 4

8 ــ (المؤذنون في مالطة) نفس المرجع السابق ـ ص 99

9 ــ ع. الكريم برشيد ( فلسفة التعييد الاحتفالي: في اليومي وفي ما وراء اليومي) منشورات توبقال ـ الدار البيضاء ـ

10 ــ أندري سبونفيل ( حكمة الحداثيين) دار وليلي للطباعة والنشر ـ مراكش ـ ط1 ـ 2004

11 ــ (المؤذنون في مالطة) نفس المرجع السابق ـ ص 100

12 ــ ع. برشيد (اتهامات بتقدير مشرف جدا ) ركن ( أنا الموقع أعلاه) مجلة ( طنجة الأدبية) ع 56 ــ 2015 ـ ص 3

13 ــ  كمال فهمي ( المسرح والفلسفة هل الاحتفالية فلسفة؟ مجلة المدى ـ الدار البيضاء ـ 2015 ــ ص 84

 
 

هيئة المسرح: سنكون يوما ما نريد

الجمعة, 26 تشرين1/أكتوير 2018 15:37

الهيئة العربية للمسرح في افتتاح مهرجان فلسطين: "سنكون يوما ما نريد"

أصدرت الهيئة العربية للمسرح بيانًا تحت عنوان "سنكون يومًا ما نريد"، ألقته الفنانة الفلسطينية نسرين فاعور خلال افتتاح فعاليات مهرجان فلسطين الوطني للمسرح.

وجاء في البيان: إليكم في فلسطين التي ترحل لها عيوننا كل يوم، إليكم وأنتم تطلقون الدورة الأولى من "مهرجان فلسطين الوطني للمسرح" مهرجانًا لفلسطين، كل فلسطين، هذا المهرجان الذي حلمنا به معًا منذ العام 2013، وعملنا من أجله في العامين الماضيين لكي يرى النور الآن، ليكون مسحة حرية تمسح جدرانًا وأسلاكًا تثخن البدن الواحد.

وأضاف البيان: "كنا نأمل كما كان المخطط أن نكون معًا اليوم على أرض فلسطين ضمن وفد الفنانين العرب، فرقة دوز تمسرح بمسرحية "الخادمتان" المغربية من إخراج جواد الأسدي، والدكتور عبد الرحمن بن زيدان من المغرب، والدكتور محمد المديوني من تونس، وأيمن السعيداني من تونس، الدكتور سامح ماهران عضو مجلس الأمناء في الهيئة العربية للمسرح من مصر، والدكتور نبيل بهجت من مصر، ومن الأردن كل من محمد الضمور، وحسين الخطيب، وحكيم حرب، وفيصل دراج، ومحمد بني هاني، وسوسن دروزة، والدكتور مظفر الطيب من العراق، ومن سوريا: الدكتور عجاج سليم، سلوى حنا، والدكتور حبيب غلوم من الإمارات، وإسماعيل عبد الله الأمين العام للهيئة العربية للمسرح من الإمارات، والدكتور يوسف عايدابي مستشار الهيئة العربية للمسرح من السودان.

واختتم البيان بالقول: كل هؤلاء كانوا قادمين من أجل المسرح الفلسطيني الذي يشهد اليوم ولادة أول مهرجان وطني للمسرح في تاريخها، لكننا نقدر حجم المعاناة والضغط الذي تواجهون، والذي يمارس على الفعل الثقافي كواجهة نضالية، من هنا نقول لكم، نحن وكل المسرحيين العرب في كل مكان معكم، نتمنى لكم النجاح والتوفيق. إن هذا إلا دافع لمزيد من التعاون والعمل والأمل.. ونردد جملة درويش "سنكون يومًا ما نريد".

وانطلق مهرجان فلسطين الوطني للمسرح في دورته الأولى بالتعاون بين كل من وزارة الثقافة الفلسطينية والهيئة العربية للمسرح خلال الفترة من 25 أكتوبر وحتى الأول من نوفمبر المقبل بمدينة رام الله.


 
 

قراءة في بريسا لمسرح الأفق

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 15 تشرين1/أكتوير 2018 18:46 الإثنين, 15 تشرين1/أكتوير 2018 12:45

قراءة في العرض المسرحي « بريسا » لمسرح الأفق

عندما يتفاعل المسرح مع نبض الشارع. ويرقى باليومي والناس إلى فضاء المتخيل

بقلم الناقد محسن زروال

منذ سنوات خلت٬ ولا نقاش في المسرح المغربي إلا عن الدعم الذي تخصصه وزارة الثقافة ضمن ما سمي بالإعانات المالية٬ لتشجيع المسرح المغربي بجميع أنماطه ولغاته ولهجاته الوطنية٬ حتى أضحى الموسم المسرحي مرتبطا به٬ إذ غالبا ما تعرف الساحة المسرحية حراكا يرتبط أساسا بنتائج الدعم و بمرحلة مشاهدة العروض التي حظيت ملفاتها بقبول اللجنة٬ لكنه ما يلبث أن يخفت تدريجيا حتى يختفي ولا يعاود الظهور مرة أخرى إلا حين يتعلق الأمر بالمستحقات وجدولتها وتأخر استيفائها. ففي الوقت الذي كان الرهان على مشروع الدعم لتشجيع المسرح المغربي والرقي بجودة منتوجه٬ أصبح النقاش عن نتائج الدعم أهم من المنجز نفسه. وبدل أن يتحول الدعم المسرحي إلى حافز على الإبداع ومحركا لعجلة التنمية الثقافية٬ تحول بفعل البيروقراطية الإدارية من جهة٬ وبفعل الاتكال الكلي على موارده من جهة أخرى٬ إلى واحد من معيقات تطور المسرح المغربي وجودة إبداعاته. أمام الحالة هذه٬ تعالت في السنوات الأخيرة أصوات عدة تصدح بالبحث عن صيغ أخرى للخروج من عنق الزجاجة ومن الزاوية الضيقة التي ُزج فيها المسرح المغربي عبر تأمين الدعم المسرحي كحق دستوري مع العمل على تجويده وتطوير آلياته٬ وأيضا بالبحث عن مصادر جديدة للدعم٬ خارج منظومة دعم وزارة الثقافة٬ لتسهيل عملية الإنتاج المسرحي والانتقال به إلى أفق جديد يساعد على الرقي بالممارسة المسرحية وتجويد منجزها. في هذا السياق٬ انتهجت العديد من الفرق المسرحية سبيل الإنتاج خارج منظومة الدعم٬ إما بشكل ذاتي أو عبر خلق شراكات عدة مع عدد من المؤسسات والهيئات الوطنية والدولية. وقد استطاعت هذه الفرق٬ بانفتاحها على مصادر تمويل جديدة أن تخط لنفسها مسارا مميزا بعيدا عن دواليب الدعم الرسمي. يمكن أن نذكر في هذا الباب عددا من الفرق كفرقة الأكواريوم٬ وفرقة داباتياتر٬ ومسرح أنفاس٬ ومسرح تانسيفت.... إضافة إلى فرقة مسرح الأفق التي تعد من أوائل فرق مسرح الهواة التي ولجت غمار الاحتراف عبر نهج سياسة الإنتاج الذاتي منذ بداية القرن الحالي٬ إذ استطاعت وعلى مدار ست سنوات٬ أن تنتج ذاتيا ست عروض مسرحية٬ وتشارك في ثلاث دورات من مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (2004/2003/2002). إضافة إلى مهرجان الفجيرة للمونودراما بالإمارات العربية المتحدة بعرض ”الناس والحجارة“ للكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد.

وقد حاولت الفرقة كغيرها من الفرق المسرحية المغربية الاستفادة من الدعم المسرحي إلا أن مشاريعها ظلت دوما خارج مفكرة لجن الدعم٬ كما الحال هذا الموسم مع مشروع توطين الفرقة بمسرح ”للاعيشة“ بالمضيق٬ إلا أنه لم يحظ بموافقة اللجنة على غرار مشاريع أخرى. رغم كونها تحاول استعادة ألقها الذي عرفته بداية القرن الحالي٬ عبر معاودة الإنتاج الذاتي الذي افتتحته الموسم الماضي بإنتاج مسرحية ”بيك نيك“ للكاتب الإسباني ابن مدينة مليلية المحتلة فرناندو آربال٬ وحملت توقيع المخرج الشاب طارق ال ّشاط الذي سبق ووقع العديد من الأعمال المسرحية ضمن محترف الفدان بمدينة تطوان.

وفي الوقت الذي تراجعت فيه العديد من الفرق التي لم تحظ مشاريعها بقبول لجنة الدعم وارتكنت إلى الصمت٬ قررت فرقة مسرح الأفق إنتاج عرضها المسرحي الجديد بالإعتماد على إمكانياتها الذاتية دون التنازل عن خياراتها الجمالية أو تقليص طاقمها الذي أثثت به وثائق ملفها.

غير أن ما يميز فرقة مسرح الأفق وعبر مسار تجربتها الطويلة٬ كونها من الفرق المسرحية الأوائل التي انفتحت على مبدعين خارج أسوار مدينة تطوان٬ فقد سبق لها أن انفتحت في أول موسم لها على الأستاذ ”إدريس المامون“ مترجما٬ والمرحوم ”امحمد مكروم الطالبي“ معدا دراماتورجيا٬ والممثلة القديرة ”كريمة شموط“ التي افتقدها المسرح المغربي بعد قرار هجرتها إلى الديار الإسبانية. وانسجاما مع خياراتها هذه٬ عادت فرقة الأفق هذه السنة لتنفتح على خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي٬ خاصة على تجربة المخرج علي البوهالي الذي سبق ووقع العديد من الأعمال مع عدد من الفرقة المسرحية المغربية. لكنه هذه السنة عاد بمشروع حاول أن يصب فيه تصوراته عن المسرح الذي يراه ويحاول التبشير به في الكثير من النقاشات واللقاءات التي يحضرها أو يساهم فيها. ومعروف عن المخرجين الشباب من خريجي المعهد العالي الذين تتلمذوا على يد المخرج المسرحي مسعود بوحسين وتشبعوا بتجربته٬ أنهم يرتكنون في تصورهم المسرحي على محاولة الإجابة على أسئلة من قبيل: ما المسرح الذي نريده؟٬ ما السبيل إلى إنتاج عرض مسرحي بقدر ما يكون عملا احترافيا يتضمن كل عناصر الجودة والاحترافية٬ يكون بالمقابل٬ قريبا من الجمهور ومرتبطا به؟. كيف يمكن إرجاع ثقة الجمهور المغربي الذي يتسم بالتعدد والتنوع؟. ويعتبرون الإجابة عنها أولى الخطوات في إنتاج فرجات مسرحية مغربية٬ كما الحال مع المخرج عزيز أبلاغ في مسرحية ”دون جوان“ و المخرج أمين غوادة في ”ال ّرابوز“ وعلي البوهالي في ”بريسا“ الذي اهتدى٬ في سياق بحثه عن أجوبته الخاصة٬ إلى فرضية جعلها مرتكزا لاشتغاله الركحي. تتحدد الفرضية في السؤال التالي: ماذا لو انطلقنا في إنتاج العرض من مواضيع يومية تلامس هموم وانشغالات المواطن المغربي المستهدف أساسا من العمل المسرحي٬ خاصة مواطن المدن الشمالية دون إغفال تشعب قضاياه وامتداداتها المكانية٬ وتقديمها بأسلوب واقعي وبلغة بصرية تبتعد ما أمكن عن الإغراق في الشكل دون إسفاف أو ابتذال!؟ فرضيته هذه٬ جعلته يختار بمعية المؤلف رحيم المسعودي٬ خمس شخصيات اضطرت للرحيل من مدنها واختارت إحدى مدن الشمال المنفتحة على العالم الآخر والمفضية إلى ما وراء البحر٬ محملة بمعاناتها وإحباطاتها٬ بحثا عن فضاء أرحب لتأمين مستقبلها أو استعادة ماضيها المهدد بالزوال. لذلك اختار المقهى كفضاء للتلاقي٬ وفي الوقت نفسه٬ فضاء للانطلاق والهجرة. ففيه تتجمع أحلام الشخصيات وتؤمن عيشها الآن هنا٬ وفي الوقت نفسه٬ مكان لتأمينها هناك / غدا. ففي المقهى يتجمع السماسرة الباحثون عن الراغبين في الهجرة٬ والأجانب الذين يشكلون بالنسبة للكثيرين جواز سفر لحياة بديلة. فهو الفضاء الوحيد القادر على تأمين الحلول للشخصيات الخمس. بما فيهم الحاج (عبد السلام الصحراوي) صاحب المقهى الذي طفق يستشعر خريف عمره ويرغب في استعادة شبابه من خلال علاقته بحليمة التي يسعى للارتباط بها بعد عودته من الحج رفقة زوجته العجوز. حليمة (هند بن اجبارة)٬ الشابة الجميلة التي تسعى لتأمين المال لشراء عقد عمل والسفر خارج البلد٬ أو تأمين زوج شرقي قادر على حملها بعيدا عن الديار. وفي غيابه تعمد إلى استغلال جمالها في إغواء الرجال من أجل كسب مال إضافي يؤمن لها ما تبحث عنه٬ موظفة جمالها كسلطة للضغط على الحاج بغية كسب مال إضافي حتى لو اضطرت إلى التواطؤ معه لتقليص أجرة صديقتها ”هاجر“ و أخيه ”المعطي“ للاستفادة منها لتأمين عقد العمل٬ بل إنها تذهب حد دفعه للاستغناء عن فكرة الحج ومدها بثمنه. على عكس حليمة٬  تحضر شخصية ”هاجر“ (زاهو الهواوي)٬ صديقتها المطلقة التي عاشت مع زوج مغربي وخلصت في ختام تجربتها معه إلى أن الحياة التي تريدها لا يمكنها أن تستقيم مع أمثاله من المغاربة. لذلك فهي الأخرى تسعى للرحيل خارج الوطن خاصة بعد أن استطاعت العثور على عقد عمل ”كونطرا“ وتريد تأمين ثمنها٬ لكنها عكس حليمة تختار الاشتغال بجد بدل بيع جسدها. إذا كانت حليمة وهاجر شخصيتان تجريان وراء الهجرة٬ وتسعيان لتأمينها. فإن المعطي (علي البوهالي) المولع بإصلاح الساعات يصر على التشبث بالأمل في تأمين محل صغير خاصة بعد أن عاد من تجربة فاشلة في الديار الإيطالية٬ ليجد نفسه في مواجهة عقلية أخيه ”الحاج“ المتحجرة الذي يشغله في المقهى كحمال ويصر على احتقاره ويوغل في إذلاله بسبب الغيرة. فالحاج يرى دوما في المعطي الشاب الذي ينافسه في كسب ثقة ورضا٬ وحب حليمة. مقابل هذه الشخصيات الأربع٬ تحضر شخصية ”ماني“ (ياسر الترجماني) الشاب الإفريقي الذي هاجر إلى المغرب واستقر به٬ بحثا عن حياة أفضل٬ مستغلا ولعه بالموسيقى. فاختار قضاء جل يومه عازفا أمام مقهى الحاج مقابل ما يجود به المارة. ف ”ماني“ يشكل بالنسبة ”للمعطي“ الماضي الذي أضاعه حين قرر العودة إلى المغرب٬ لذلك فهو غالبا ما يقسو عليه لأنه يذكره بفشله قبل أن يعترف له في الأخير وكأنه يواجه نفسه ويقر لها بالخطأ الذي ارتكبه حين عاد من المهجر. تفاصيل أحداث المسرحية وارتباطها بالمعيش اليومي٬ دفعت بالمخرج علي البوهالي إلى الاعتماد على التمثيل الواقعي دون مغالاة أو إطناب٬ دافعا بإمكانيات ممثليه إلى حدها الأقصى مع بعض الإنزياحات التي تنزاح بالعرض من بعده الواقعي وتزج به في المتخيل٬ خاصة في المشاهد المرتبطة بالأحاديث الداخلية التي تكشف نوايا الشخصيات والمسكوت عنه في تركيبتها. كما عمد السينوغراف رشيد الخطابي إلى رسم ملامح فضاء غارق في البينية من خلال اختيار اللون الرمادي الذي جعل المقهى تقف على الحد الفاصل بين الانفتاح والانغلاق٬ بين الداخل والخارج٬ بين الواقع والمتخيل٬ وقسم المخرج فضاء اللعب إلى فضاءات عدة مرتبطة بتيمات معينة أو بحالات نفسية خاصة. كما الحال بفضاء البوح أو فضاء السلطة الذي تحدده طاولة الحاج إذ تكتسب مع توالي العرض سحرا خاصا ويصبح مجرد النظر إليها أو الجلوس فيها عصيانا وتمردا على سلطة الحاج. ومن المثير في عرض ”بريّسا“ التوظيف الذكي للفنان ”ياسر الترجماني“ الذي لعب دور الموسيقى ”ماني“ الذي يعزف أمام مقهى الحاج٬ إذ زاوج بين العزف الذي يأتي كاستجابة لطلبات الزبائن وبين الموسيقى التي تعبر عن الأجواء العامة للمشاهد وتلك التي تتحول إلى صوت خارجي يعلق على الأحداث.
عموما تبقى تجربة عرض ”بري ّسا“ واحدة من التجارب التي تحتاج إلى الكثير من الدعم٬ بالنظر أولا إلى غمار الإنتاج الذاتي الذي اختارته الفرقة٬ وبالنظر ثانيا إلى الصدى الذي خلقه العرض بمدينتي المضيق وتطوان. وتشكل في اعتقادي الشخصي الانطلاقة الحقيقة للمخرج علي البوهالي ولفرقة مسرح الأفق التي تعد في المستقبل القريب بمسار سيكون له أثره الطيب على المسرح بالشمال.

 
 

الصفحة 4 من 23

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com 
theatretafukt@gmail.com

GSM: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.