Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مواعيد فنية - ثقافية: برنامج الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 11:24
مسرح - الفنون الدرامية: فنانو الدراما بالمغرب بمجلس النواب - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:04
متابعات - تغطيات صحفية: بلاغ الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 29 نيسان/أبريل 2019 10:30
مواعيد فنية - ثقافية: موسم السينما الصينية بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 18:14
أخبار - منوعات - إصدارات : روائع الفن الانطباعي العالمي بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 13:09
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: فيلم المنتقمون: نهاية اللعبة - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:21
متابعات - تغطيات صحفية: بيتر بروك يفوز بجائزة أستورياس - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:06
بحوث - مقالات - دراسات: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 3) - الثلاثاء, 23 نيسان/أبريل 2019 19:14
مختارات - كتابات - مواضيع: اتجاهات نقدية معاصرة - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 09:40
مواعيد فنية - ثقافية: ندى الحاج ببيت الشعر في المغرب - الجمعة, 19 نيسان/أبريل 2019 11:09
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

قراءة محمد سيف في صباح ومسا

الخميس, 21 آذار/مارس 2019 12:09

مسرحية “صباح ومسا”، تناص مع النص أم كتابة ركحية مغايرة


بقلم الدكتور محمد سيف - باريس

النص بالنسبة لعبد الجبار خمران، هو مادة للتحول، مادة للخلط بين الموسيقى، الرقص، الفن التشكيلي والكلمات. منذ تأسيسه لفرقة دوز تمسرح، وهو يرفض أي شكل من أشكال الانفصال، والتسلسل الهرمي بين طرقه المختلفة في الاقتراب من المسرح وتناوله له.  تتوزع اهتماماته المتنوعة بين الكتابة وإعداد الكتب، وإقامة الورشات، والتمثيل، في مسرحية “الحريق” ومديرا فنيا للعمل، والمساعدة الإخراجية، في مسرحية “الخادمات” مع المخرج جواد الأسدي ومديرا فنيا للعمل أيضا، وفي مسرحية “صباح ومسا” مخرجا ومؤلفا للعرض وليس للنص. وهو العمل الأول له على رأس فرقته المسرحية ” دوز تمسرح”، الذي يعتمد مشروعه فيها بالدرجة الأساس على تحويل عالم النص وشخصياته من خلال الكتابة الركحية لإنتاج نص مصاحب أو محايث للنص الأصلي، إن صح التعبير، و زعزعت استقرار ثوابته البارزة لخلق جمال وحشي جديد. بلا شك، لقد انطلق عبد الجبار خمران، من نص المؤلف غنام غنام، كفكرة تمهيدية للتفكير بالعمل، نسج من خلالها قنوات قدمت للحجة النصية، وسلطت الضوء عليه بنوع من الأمانة وفقا لوجهات النظر التفسيرية، اللعبية، والجمالية المتناسقة. كان النص لعبد الجبار خمران بمثابة دليل لعمل الخشبة، الهدف منه إعادة وبلورة النتائج الدرامية، التي تدخل فيها بشدة في جميع مراحل إنتاجها، تمثيلا، سينوغرافيا، موسيقى، و كوريغرافيا، مع الحفاظ بكل تأكيد - على استقلالية كل عنصر من عناصرها - بعين نقدية لكل أنشطته المسرحية، ساعيا إلى تطويرها وتحقيق أفضل وضع ممكن لها، أي أنه كان في مركز ثقل العمل المسرحي، يتنقل بين تحويل النص إلى تمثيله، وعرضه، في أوسع معنى لهذه الكلمة، دون ان ننسى شروط التلقي والتفسير الاجتماعي، لا سيما كلما تغيرت الشروط الاجتماعية والتاريخية للتلقي تغير المعنى.

في مقاربة عبد الجبار خمران المسرحية، وإن كانت مغايرة بشكل نسبي، لكونها اعتمدت على الرؤية الكوريغرافية التي ترجمت وحاكت كل ما هو غير مرئي فيه، من خلال كتابة نص العرض بأجساد الممثلين الراقصة، ومتاهة حركاتهم، وقفاتهم، وصرخاتهم المنطلقة في الهواء، وبعض التحركات والخطوط المنحنية التي لا تدع جزءا من الفضاء المسرحي دون استخدام، لاستخلاص معنى لغة جسمانية جديدة أساسها الإشارات لا الكلمات فقط، أي أن الجسد وظاهريته الحركية يولدان مستوى من المعنى، المادي والجسدي، الذي يتجاوز الخطاب.  فشخصية (هي) عندما تدخل الخشبة، أو في أول حضور لها يكون من خلال الرقص، وكذلك شخصية (هو)، وهذا ما يجعل الكتابة الدراماتورجية التي لجأ إليها المخرج تقوم بتحفيز الحدس الإبداعي غير الواعي لجسم الممثل، في كثير من الأحيان، ومساعدة مصمم الرقصات (توفيق ازديو) على الحدس الكوريغرافي وفق منطقه ورؤيته الخاصة للعمل. حتى لو أن مفهوم الدراماتورجيا كان مرتبطا في البدء، بالكتابة أو التأويل المسرحي للنص، إلا أن ممارستها تطور إلى حد كبير في وقتنا الحالي، وهذا ما يترجمه “عبد الجبار خمران” في عرضه كدراماتورج للركح، بمعناه الأوسع، من خلال مساعدته للممثلين للتمكن من إيجاد وتطوير “لغتهم” وتوضيحها بشكل أفضل؛ وهذا، أولا وقبل كل شيء، عمل المخرج المعاصر، طالما أنه يعمل على تشجيع الفنانين على تحديد أهداف عملهم بشكل أكثر وضوحا، وهذا أيضا ما يحفز بحد ذاته، إلى لغة الحوار والتبادل في وجهات النظر بين فريق العمل. ففي عرض “صباح ومسا”، هناك “ترجمة” متعددة التخصصات للنص، إن صح التعبير، ترجمة إلى لغة وثقافة وفنون أخرى مختلفة، تولى الفنانون أدائها وتأويلها. وب تتبعنا لأفكار ”والتر بنجامين” و”جاك دريدا”، تصبح وظيفة الترجمة أو مهمة المترجم ليس من الضروري أن تكون مخلصة للمصدر الأصلي إلى حد كبير، وذلك لإدخالها لغة وعناصر جديدة غير معروفة بالنسبة للنص، وبهذه الطريقة تقوم بتجديده. ومع ذلك، لمسنا من خلال قراءتنا لنص المؤلف و مشاهدتنا للعرض، أن هناك نوعا من الوفاء لنص المؤلف، و للمؤلف نفسه، من خلال كتابته السيميائية والإيقاعية و اللفظية وغير اللفظية في تنفيذ العرض. فالمخرج كان يستمع بشكل أو بآخر إلى “كلام” النص: في تغيراته، وزلاته، وفجواته، من أجل قيادة “قوته” والكشف في نهاية المطاف، عن محتواه، وإبراز دلالاته، غير المباشرة، واللعب الممكن على ومع اللغة، في المنظور الذي هو، في أفضل الأحوال، يكون قادرا على حماية معانيه المتعددة ومكوناته. وتكمن إحدى المهمات الرئيسية للمخرج الدراماتورج، في مصاحبته لمُصمِّم الرقصات أو أي فنان آخر، في مساعدته على تحديد البنية الأساسية للأداء. ويكمن دوره أيضاً في تجسيد وجهة نظر أي متفرج مستقبلي، من خلال تذكير المصمم، الراقصين، الممثلين، وجميع أفراد فريق العمل، بأن أفعالهم لا يمكن أن يكون لها معنى إلا إذا تم تفسيرها للمشاهد وتم فهمها من قبله.

في هذا المشروع الشخصي الأول، يخترع “عبد الجبار خمران” نص الفنان “غنام غنام” انطلاقا من دراما معاشة تعيشها الشخصيات في حالات من الفقد، والضياء، والقهر، وفقدان صوتها الإنساني سواء فيما مضى من حياتها والحالية في عتمة مستقبل غامض.

الفضاء الذي أثثته سينوغرافيا (يوسف العرقوبي) كان مجردا، يقع على أطراف المدينة، وليس فيه سوى عمود كهربائي في أعلاه مصباح تستحم وتغتسل بضوئه كل شخصية من الشخصيات قبل دخولها الخشبة، ومصطبة في إحدى زوايا المسرح، ومكان للعازف والمغني في بعض الأحيان، الذي يبدأ العرض بإصدار دقات نحاسية من احدى أدواته الموسيقية، تذكرنا بأجواء معبد بوذي، وتشير ضمنيا إلى منتصف الليل. وما أن يستقر العازف/المغني في أسفل يسار الخشبة، يقتحم عتمة المسرح صوت عبور سيارة مسرعة مثل البرق، ضوئها الحاد والمفاجئ يكشف عن المكان شبه الخالي الذي ينتظر ملئه، ثم يتبعها بوق شاحنة أخرى تضيء المكان بسرعة خاطفة. وهذا ما يضعنا أمام أحداث تجري في مكان خارجي. بعد أن يستقر الصمت المطبق بضع لحظات، نسمع في نهايته وقع كعب عالٍ لفتاة يسبق دخولها. عندئذ تبدأ اللعبة المسرحية.

تدخل شخصية “هي” (رجاء خرماز)، تضع قدماها في مكان مظلم وبارد، لا يتردد ولا يرن فيه أي صوت! ولا ينبثق منه أي شيء تقريبا. تبدأ بلعب رقيق مع حقيبتها سرعان ما يتحول إلى رقص وحشي يعبر عن حالة توقها للحرية والإحباط الذي تشعر به، في آن واحد، من خلال التدرج الديناميكي المتصاعد، الذي يجب تمثيله بكل فوارقه الدقيقة. ففي المسرح نحاول دائما أن ندفع الحالات إلى ما هو أبعد من الواقع، وأن نخترع نوعا من التمثيل الذي يكاد أن يكون غير معروف في الحياة، لكي نلاحظ جميعا بأن المسرح يذهب بعيدا، وأنه يطيل الحياة بنقلها. يرافق ذلك تغير في الإضاءة و أنغام موسيقية في حالة تحضير، ثم تجلس على الأريكة معطية ظهرها للعالم. بعد لحظات قليلة، يدخل “هو” (توفيق ازديو) بحركات راقصة متوثبة فيها الكثير من التوجس والقلق الذي يكشف عنه من خلال إلتواءاته الجسدية وتبعثرها في الفضاء، لكي تترجم الألم، الارتباك، والخوف، في آن واحد، ناسجة علاقة جسدية بين الشخصيتين، منذ الوهلة الأولى للعرض. نلاحظ أن الإحباط هو المحرك الخيالي الذي يفكك كل شيء يقترب من هاتين الشخصيتين اللتين لا يشير إليهما أي اسم في البداية. هذه هي البداية التي ستصبح فيما بعد نهاية، لمخلوقين ضلا طريقهما في عالم غير عادل. المكان لا يتغير، وإنما تتحرك مفرداته وفقا للحالات المتدفقة للشخصيات، التي تلتقي هنا عن طريق الصدفة أو القدر. وعندما تشتبك مع بعضها البعض، تلجأ إلى الكذب كوسيلة للبوح والتعبير عن خوفها وترددها، ربما لكي يحميا نفسهما من الأخر، أو ربما ليخفيا حقيقتهما من خلال بوح واعترافات مليئة بالتلفيق المربك، الذي يؤدي شيئا فشيئا إلى حقائق مختلفة ومتضاربة في صحتها؛ حقائق مرتبطة بالواقع الحسي لتجربتهما المعاشة أو ربما المتخيلة، أو الاثنين معا. وبما ان الواقع متبدل، فإن الحقيقة متغيرة و متبدلة هي أيضا، و يتوقف وجودها على غيرها لسبب من الأسباب. من خلال هذا الاصطدام الشائك للشخصيتين، نكتشف أحلامهما، تاريخهما، و أوجاعهما. فالشخصيات تحلم، تتخيل، وتكذب، وتجعل من خيالاتها وأحلامها وكذبها حقائق سرعان ما تتغير من مشهد لآخر، بل يصل بهما الكذب إلى درجة أن يكذبا معا، و أحدهما يكمل كذب الآخر، لكي يتخلصا من صرامة القانون والتقاليد الاجتماعية المكبلة، وفعل جناية الحب في نظرها، وذلك في المشهد الذي يجدهما الحارس الليلي للمكان، متلبسان بفعل غواية الحب. وبعد سؤال وجواب يقولان له بأنهما متزوجان وإن اسمهمها صباح ومسا، وقد جاءا إلى هنا للاحتفال بأول يوم التقيا فيه في هذا المكان. هذا بالإضافة إلى أكذيب أخرى كثير: فـ”هو” مثلا، يتغير اسمه من أمين إلى إسماعيل، و”هي” تحكي مرة لتقول إن أمها بائعة متجولة وأبوها شرطي طرد من مهنته لإدمانه على الكحول ومرة تقول إن أباها ليس بشرطي وإنما عسكري استشهد في خدمة الوطن. “هو” يحتضن أربعة دمى (من تصميم محسن بنحدو) تكاد لا تفارقه، يتعامل معهن وكأنهن زوجات له، ربما لشعوره بالوحدة وعدم تواصله مع الأخرين، ولهذا يلجأ للكذب واختلاق القصص وحتى الوهم، لا سيما أنه قد هجر غرفته التي أحس أنها تشبه القبر، وقد التجأ إلى هذا المكان الهامشي خوفا من ان تضبطه صديقته مع امرأة أخرى، وإلى أخره من الأكاذيب والتلفيقات التي تكشف عن براعة المؤلف الذي يميل إلى الإمساك بالحقيقة من خلال عصاه الخاصة به، ليعطي لكائناته الهامشية شكلا من أشكال التعبير المأساوي الذي لا يستبعد الكوميديا. وهذا ما عززه المخرج بنوع من الحرفية من خلال تحولات الإيقاع اللغوي، والحركي والسينوغرافيا، واللعب مع مفردات الديكور، وكذلك، الموسيقى التي كانت حاضرة على المسرح مثل قائد لأوركسترا العرض بكليته. بالإضافة إلى عنصر التمسرح الذي كان حاضرا هو أيضا منذ بدأ العرض حتى نهايته، من خلال اللوحات الكورغرافية، ومن خلال إشعارنا بأننا داخل نوع من المسرحة التي تتغير فيها الأدوار والأضواء، وعلينا تقبلها لأننا مشاركين غير مباشرين بلعبتها، فـ”هو” يمثل، على سبيل المثال وليس الحصر، دور أبيها عندما يزجرها و يؤنبها على تأخيرها الليلي؛ اللعب مع الدمى وتحريكها ومحاكاتها من قبل الاثنين، بطريقة مسرحية واضحة؛ حضور العازف وتعليقاته الغنائية واشتراكه في اللعب، في أدائه مرة لدور الأب وأخرى لدور الحارس الليلي للمكان الذي هما فيه، وإلخ. فالمخرج لم يبن عرضه بشكل تقليدي ولم يقدم قصة حب عادية، تغرق المتفرج بنوع من الوجد والعاطفة الجياشة، وإنما قدم حكاية شائكة ومختلفة لا تجري أحداثها بشكل خطي متسلسل، وتحيل بكل تفاصيلها إلى التمسرح أكثر مما تحيل إلى المغنطسة الفرجوية، ربما للتقرب مرة أكثر من الحياة الواقعية للحدث وأخرى في الابتعاد عنه، من خلال الجسد الراقص الذي يهتز من مخاوف هذا العالم الذي لا يرحم.

إن قصة العمل، تتناول موضوع الحياة والموت. فشخصية (هي) تبحث عن الحياة ولكن بلا جدوى، وشخصية (هو) ينشد الموت، من خلال رغبته في الانتحار، وهذا ما يتحقق في نهاية المسرحية، عندما يلقي نفسه بالنهر. بعد سماعهما صوت منبه الإنذار لسيارة الإسعاف أو الشرطة. حيث ينتابهما نوع من الهستيريا التي تكشف الغطاء عن قصصهما الحقيقية. (هو) يعتقد أن سيارة الإسعاف جاءت لتعيده إلى مستشفى المجانين الذي هرب منه، وهي تظن أن الشرطة جاءت تبحث عنها لتعيدها إلى السجن بسبب اتهامها بقتل زوجها بدفعه إياه من نافذة الطابق الخامس للعمارة، ولكنها في حقيقة الأمر لم تفعل وإن كانت تتمنى ذلك.

إن التعديلات التي أجراها المخرج والإضافات التي تمثلت بفن الكوريغرافيا الذي كان له حضور أساسي، أعطت العرض نوعا من الديناميكية السحرية من خلال حضور الراقص والمصمم (توفيق ازديو) كممثل وراقص في آن واحد، قد أنتج مسرحية جديدة، وخلق نصا من نص، إن جاز القول، لم يؤثر سلبا على النص الأصلي، أو يقوم بمصادرته، وإنما على العكس، ألقى الضوء من خلال تتبع مساره، على تمفصلاته الرئيسية. وخاصة في مشاكل الاتصال في معاني الكلمات والحالات التي تختلف من شخصية لأخرى، والحاجة إلى لعب دور لأجل الاقتراب من الأنا المثالية، وإظهارها بالشكل الذي تريده الشخصية من أجل إخفاء بعض عيوبها وانتكاساتها.

لقد استعار المؤلف غنام غنام عنوان أغنية فيروز صباح ومسا، لكي يمنح شخصياته أسماءا دلالية أكثر مما هي أسماء حياتية مألوفة، ولكي يشير إلى الصباح والمساء اللذان لا يمكن نسيانهما لأنهما موجودان في كل يوم تبزغ فيه الشمس، مثل الحب، الذي بدونه لا يمكن للحياة أن تسمر (صباح ومسا شي ما بينتسى، تركت الحب وأخذت الأسى، لعل وعسى إترك هالأسى، ويرجع لي حبي صباح ومسا)، وإلى الأسى أيضا، الذي رافق الاثنين معا في كل مسارات حياتهما. وهذا ما جعل المخرج يستخدم مقاطع من الأغنية الأصلية ليس كمؤثر موسيقى تصويرية وإنما كغناء حي مختلف قام بأدائه (زكريا حدوشي)، في الوقت الذي يرقص عليه الأثنان رقصة الفالس. بحيث خلق المخرج من جسد الممثلين، هنا وفي مواضع أخرى من العرض، (جسد متكلم أو حاكٍ) بـ”موجب مايرهولد”، يتكلم ببلاغة وارتياح ويتحرر ويقاوم جميع التصرفات والقوالب السلوكية التي يفرضها المجتمع على كل رجل وامرأة. و(الجسد القابل للتمدد والاتساع، مثلما يقول “أوجين باربا” هو جسد في حالة تمثيل) [1]، يشارك كعلامة مبدعة، في نسخ العالم الخيالي على الخشبة وهو عنصر أساس في المحاكاة.

تكمن القوة التفسيرية لكل من (رجاء خرماز وتوفيق ازديو)، في المقام الأول في واحدة من صفاتهما الجوهرية: أصالتهما. وكأن هذين الدوران قد تم إنشاؤهما لهما. علما ان “توفيق ازديو” ليس بممثل وإنما راقص ومصمم رقص محترف، ولكنه في هذا العرض أصبح ممثلا مقتدرا، استطاع أن يؤدي دوره كما لو انه قد درس التمثيل وليس الرقص. ويعود الفضل في ذلك إلى المخرج عبد الجبار خمران، الذي أراد ان يتجاوز المألوف ويذهب بالمسرح نحو المغامرة المسرحية للمسرح نفسه، والأمر ينطبق أيضا على “رجاء خرماز”، التي لم تدرس الرقص وإنما التمثيل، ومع ذلك كانت تؤدي بجسد راقص لا يمكن رؤيته دون اندهاش ومفاجئة. فبالإضافة إلى تفرد نهجهما بالأداء، كانت هناك رغبة مشتركة لتجديد أنفسهما؛ لإيجاد المزيد من الحرية في صرامة لغة الرقص والأداء الخاص بهما؛ لاكتشاف المزيد من النماذج الجمعية وطرق الخلق حيث يصبح المؤدون مشاركين حقيقيين في عالم الرقص، وأفعاله الملموسة، دون أن يفقدا براعة الجسم الراقص. لقد كانا متعلقان بشخصياتهما كما لو أنهما كانا هما نفسهما المعنيان بالقصة، ينتقلان من أداء لآخر بمرونة حميمية، وفي سياقات زمكانية مختلفة ومتنوعة، وسط ديكور استعاري مثالي صممه (يوسف العرقوبي)، وأنعشه “زكريا حدوشي” بعزفه الموسيقي وغنائه، ومحاكاته لعالم يصعب العثور على الحب فيه.

المسرح هو فن المفارقات التي تلعب على جدلية الأضداد بين النص والتمثيل والرقة والمتانة في العمل الفني. بهذا المعنى، تمثل الكتابة المسرحية مساحة يجب ملؤها: فالنص موجه لأن يأخذ الحياة أو يصبح لحما حيا من خلال صوت الممثلين واللعب. أما بالنسبة للشخصيات، وبعيدًا عن إدانتها لبقائها ككائنات ورقية، يُطلب منها التجسد على خشبة المسرح. بحيث يصبح جسد الممثل (“الجسد الموجِّه”، الذي يرغب فيه المشاهد، ويستوهمه، ويماثله مع ذاته. وإن كل تمثيل بالرموز والسيميائية يصطدم بالحضور الجسدي للممثل وصوته وصعوبة ترميزه)[2].

[1] –– Le Corps en jeu, sous la direction d’O. Aslan, Paris, Editions du CNRS, réimpression, 1996.

[2] – Patrice Pavis P. 2002, Dictionnaire du théâtre, Paris, Armand Colin, p.71.

 

الازدواجية الثقافية في المسرح الغربي

تاريخ آخر تحديث: الأربعاء, 13 آذار/مارس 2019 11:31 الأربعاء, 13 آذار/مارس 2019 11:19

الازدواجية الثقافية في المسرح الغربي مسرحية أرلوك نموذجا


بقلم الدكتور محمد سيف


قبل فترة ليست بالبعيدة، شاهدت على خشبة مسرح “لا كولين” في العاصمة الفرنسية باريس، عرضا مسرحيا يعالج موضوعه إشكالية “الآخر”، وذلك من خلال شخصية شاب أفريقي اندلعت الحرب في بلاده فاضطر للهرب شأنه شأن الكثير من سكان المدن والعواصم ذات الحروب الدائمة. ولكن المفارقة الدرامية في هذا العرض، تكمن في الكيفية التي هرب فيها من بلاده مختبئا في احدى الحقائب العائدة إلى مسافرين “زوج وزوجة” بلجيكيين، كانا في زيارة سياحية لبلاده، وعندما دقت طبول الحرب فيها، قررا أن يعودا من حيث ما جاءا، بترك المستعرة الأفريقية والتوجه إلى بلادهما الآمنة، ولكن قبل ان يشمعا الخيط مثلما نقول في الدارجة العراقية، و يطلقا أقدامهما للريح، قاما بجولة في السوق و اشتريا ما لذّ وطاب لهم من التحف والتماثيل الأفريقية بأرخص الأسعار وأدناها قيمة، وذلك من أجل تزيين صالون الضيوف والتباهي بها. وبعد تأخر طويل في المطار وقلق وتوتر زادت من حدته أصوات القذائف والمدافع والهلع البادي على وجوه الناس التي راحت تركض في كل الجهات، وصلت الطائرة المتأخرة أخيرا وأقلت المسافرين إلى بر الأمان. ولما وصلت الزوجة بيتها الهادئ السعيد، بدأت بفتح حقائبها وتفحص تحفها وتماثيلها الأفريقية التي وضعتها فيها بعناية فائقة. وهكذا، وهي غارقة في فتح حقائبها الواحدة تلو الأخرى، اتجهت نحو الحقيبة الكبيرة التي بدت لها منذ الوهلة الأولى، ثقيلة بشكل غريب مبالغ فيه، وهذا مما اضطرها بالاستعانة بزوجها لفتح الحقيبة. وفي غمرة السعادة والقهقهة المتعالية من قبل الزوجين، يفتحان الحقيبة بعد جهد جهيد، ثم تقع المفاجئة، عندما يجدان بدلا من تمثال الخشب إنسانا من لحم ودم. وهنا تبدو المفارقة المسرحية التي يختلف الزوجان بسببها. فالزوج “ليون راب” يريد تسليم هذا التمثال/الإنسان من اللحم والدم إلى الجهات المسؤولة خوفا من المصاعب التي سوف يتكبدها تاجر صغير من جراء اصطحاب وإيواء أفريقي غير مصرح به، في حين ان الزوجة “جين”، تصر على ضرورة الاحتفاظ به، والعمل على مساعدته، وذلك للحصول على أوراق رسمية تسمح له بالبقاء على الأراضي البلجيكية. وبين الرفض والقبول وتدخل الابنة الصغيرة “جيزل” التي تقع في حبال حب الشاب الأفريقي “أرلوك”، يرضخ الزوج لرغبة زوجته وابنته.

ولكن يبقى سؤال محير يؤرقهم: كيف يمكن الإجابة على الأسئلة التي سوف يطرحها المجتمع عند رؤية الغريب؟ وانطلاقا من هذه الحيرة العائلية المشتركة، تتساءل المسرحية بدورها بكيفية درامية، اجتماعية، سياسية، عن الطرق والصيغ الحديثة التي ينظر فيها المجتمع الغربي إلى الأخر الغريب؛ تتساءل عن مدى تطور هذا الأخير في العقلية الأوربية، كيف كان ينظر إليه بالأمس وكيف صار ينظر إليه اليوم؟

إن أول ما ادهشني في هذا العرض، هو حداثته التي تحاول اللحاق بعجلة الزمن، من خلال نمط الوعي الذي يكابر ويقاوم من اجل الانتصار على حالة اليأس، فهو لا يتحدث عن الماضي والحاضر فقط، وعن اللاتسامح، وعن بعض أشكال العنصرية، وإنما عن موضوع الساعة الأكثر اشتعالا، مثلما يتحدث وبشكل واسع وعميق عن غريب في المدينة، عن ظاهرة اجتماعية وعالمية تعرض لها ويتعرض لها الكثير من البشر، في الكونغو، البوسنة، العراق، سوريا واليمن وإلى أخره من الذين تركوا أوطانهم مكرهين مرغمين بسبب الحروب العرقية والجوع والدكتاتوريات الأبدية، بحثا عن حياة أفضل في مكان آخر غير مؤكد، لا يعرفون فيما إذا سيستقبلون فيه أم لا ؟

ولكن الذي أدهشني أكثر فأكثر في هذا العرض الجميل، والمتقن إلى حد كبير، هو أن خشبة المسرح التي اتسعت لعشرة ممثلين كانوا جميعهم من البيض، لم تتسع لممثل أفريقي واحد، علما ان المسرحية تدور وتحكي قصة أرلوك، ذلك الشاب الأفريقي الصغير الذي وعد جده ذات يوم بأنه سوف يترك بلاده الغارقة في جحيم الحروب الأهلية، ويهاجر إلى أوروبا من أجل أن ينشر ويبث تاريخ بلاده المشرفة على الموت!

إن طرح المسألة هنا وبهذه الطريقة قد يثير العديد من الأسئلة والأجوبة، لا سيما نحن نعرف أن توزيع الشخصيات في أي مشروع مسرحي، يعود بالدرجة الأساس إلى شخص واحد، وهو المخرج، سواء كانت الشخصية رجل ابيض، أسود، رجل أو امرأة، فهي في نهاية المطاف إنسان، أي، ممثل أو ممثلة، وهو بحكم عمله كممثل، قادر على جعلنا نعتقد بكل شيء، وخاصة ما هو مخالف لشخصيته الحقيقية. أي في المسرح يجوز للممثل أن يلعب أي دور من الأدوار مهما كانت مواصفاته، : مثلما يمكن للمرأة أن تلعب دور رجل، صغير أو كبير، يوناني أو سويدي، ابيض أو زنجي، كل هذا يعتبر إثراء للمسرح ويحمل تفسيرات استثنائية نسبية من شانها أن تجمل المسرح نفسه. فالممثل يمكن أن يلعب كل شيء. وهنا يتساءل المخرج الفرنسي جورج لافودانت: “ إذا كان بالإمكان أن يلعب رجل أبيض شخصية “عزيز” في مسرحية “العودة إلى الصحراء”، لبرنارد ماري كولتس، فلماذا لا تلعب شخصية “مارثا” من قبل امرأة صينية وتلعب شخصية “ماثيو” من قبل فتاة ...؟ وستكون هذه بادرة مفرطة ولكنها قابلة للقراءة” ؟ ويجيب على تساؤلاته هذه بشكل ساخر بعض الشيء: ولكن من باب الصدفة أن يتم التضحية بدور العربي دائما! مثلما تم التضحية من باب الصدفة أيضا في مسرحية “ أرلوك”! وإلا ما الذي يمنع من ان يلعب دور الشاب الأفريقي أرلوك، ممثل إفريقي، بدلا من ممثل ابيض؟

إن الممثل على الخشبة، وفقا لـ برنارد ماري كولتس، لشخصياته، هو جسد حتى قبل اللعب، إنه يعرضه كجسد: يقدم مظهرا خارجيا مبهما، غير قابل للعب، موجود على الخشبة مسبقا؛ مظهر موجود خارج اللعب، يوجه للمتفرج من خلاله، حمولات، ثقافية، اجتماعية، تقليدية، وسياسية فورية.

إن كل ثقافة بمثابة “رحلة طويلة” تتخذ مسارات متعددة، وتعمل مباشرة على تحويل نظرة أولئك الذين ينظرون إليها، من خلال تحولها وانصهارها في بوتقة الأماكن التي تستقبلها. والمسرح كما نعلم كان مسافرا دائما وأبدا، إنه في رحلة مستمرة نحو الآخر، المتفرج المحلي أو الأجنبي، وإن كل مرحلة من مراحل تاريخه، قد بنيت على الاضطراب، والتحدي، و الانفتاحات التي خلقتها رحلات الممثلين، والفرق. ولقد شهد القرن العشرون العديد من الرحلات والتبادل الثقافي من خلال الجولات الدولية لهذه الفرقة أو تلك، وقد اثر كل هذا على مهنة المسرح وتنقلاته تأثيرا مضاعفا، من خلال الالتقاء الفني الذي يحدث بين ثقافتين وطنيتين، غريبتين عن بعضهما البعض، غالبا ما تكون الأولى مصدرا، والثانية هدفا، مثل عمل الترجمة من لغة لأخرى. وإن نقل الثقافة “الأصل”، غالبا ما يتسبب في أحداث ظواهر تحدي واعتراض وتأثير يعزز من هويتها الخاصة، ويحط أو يثري علاقتها مع الثقافة الأخرى، الذي يفسره التعليق عليها، سواء كان ذلك خصبا أو عقيما، من خلال عامل التبني لجزء منها. إن نماذج “نقل الثقافة” هذه، بغض النظر عن التبادل والتأثير، فهي عديدة، مثلما يقول باتريس بافيس، ويمكن تلخيصها بالتكيف، التشويه، التعديل، التقليد، النقل، الاستيعاب، الاقتراض، الاقتباس، الكولاج، التطعيم، التغيير، التهجين، والتفاعل. إنها تنقل الفكرة التي تجعل كلا الثقافتين تكونان شريكتان لبعضهما البعض، بتشجيعهما على إقامة التعاون الوثيق بينهما.

 
 

التراث في المسرح العربي

السبت, 19 كانون2/يناير 2019 16:29

التراث في المسرح العربي

بقلم الأستاذ الباحث عبيد لبروزيين

 

البحث عن قالب مسرحيّ عربيّ، مختلف ومغاير عن مسرح الآخر/ الغرب، أدى إلى ظهور تنظيرات وبيانات تسعى إلى البحث عن هوية المسرح العربي، مسرح يستمد أصالته من التراث، ويحافظ على بعض القوانين الأرسطية للمسرح، يصبو للحفاظ على الكينونة العربية الإسلامية، وفى نفس المسار، يحاول الإجابة عن تساؤلات تتعلق بالقضايا الاجتماعية والحاجة إلى النهضة والتقدم، وفي هذا السياق توالت الأعمال المسرحية، حيث قدم ألفريد فرج "النار والزيتون"، وقدم عبد الرحمن الشرقاوى "وطني عكا"، ومعين بسيسو "ثورة الزنج"، وسعد الدين وهبة "المسامير" و"يا سلام سلم الحيطة بتتكلم" و"رأس العش"، وغيرهم كثير، وهنا نجد، مثلا، أن عبد الرحمان الشرقاوي اتخذ من شخصية الحسين بن علي بطلاً دراميا معبراً عن حرقة الحاضر/المظلم من خلال مسرحيتيه "الحسين ثائراً" و"الحسين شهيداً". لقد كانت شخصية الحسين، شخصية ثائرة، لذلك وجد فيها بعض المسرحيين ضالتهم في معالجة قضايا العصر، فها هو محمد علي الخفاجي يستحضره في "ثانية يجيء الحسين"، ويستحضره محمد عفيفي في "هكذا تكلم الحسين"، إنها رؤية برغماتية لتوظيف التراث في المسرح، برغماتية تستند إلى إيديولوجيا المرحلة التاريخية.

والملاحظ من خلال عناوين هذه المسرحيات، أنها قدمت في سياق تاريخي متأزم، وفي جو مشحون بالغضب إثر الهزائم التي منيت بها الدول العربية، وما يميز شخصياتها أنها متمردة ثائرة، عكس مجمل شخصيات مرحلة التأسيس، كرد فعل لحالة الهزائم التى أصابت المجتمعات العربية فى تلك الفترة العصيبة، إنه تعاط مختلف مع التراث، تعاط يتجاوز ماضي السلطة وحاضرها، وإلى الانتفاضة والثورة على الثقافة الكلاسيكية السائدة، وبالتالي فإنه رفض ضمنيّ للسلطة القائمة، بمفهوم السلطة الواسع، السلطة الإدارية والدينية والثقافية والاقتصادية.. وبهذا النوع من المسرحيات، لم يعد، في نظرنا، التراث محنطا وساكنا، إنه فعل مستمر في الزمان والمكان، وهذا ما منح التراث حيوية و تجددا، غاب في مرحلة الاستعمار، تعاط يجسد أيضا مواجهة الواقع الجديد الذي استفاقت عليه الأمة العربية.

وللحديث عن نزعة تجديد التفاعل بين المسرح والموروث الثقافي، منذ منتصف القرن العشرين، سنبرز ذلك من خلال الاحتفالية والمسرح السياسيّ، مركزين على عبد الكريم برشيد في النظرية الأولى، وسعد الله ونوس في الثانية، لأنهما وظفا التراث من أجل التعامل مع القضايا الاجتماعية، إنها رؤية براغماتية للتراث، تشكل بؤرة لتقاطع التيار السلفي والليبرالي، ومن خلالها طرحت أسئلة على ما يمكن أن يكون عليه المسرح، لذلك دعا رائد الاحتفالية في كتابه الأخير إلى "الاحتفالية المستقبلية".

1 - الاحتفالية: فلسفة التجاذب بين الحاضر والماضي

أولى عبد الكريم برشيد أهمية كبيرة للتراث، سواء على مستوى التنظير أم على مستوى الكتابة الإبداعية، حيث وظفه بأنواعه المختلفة، الإنسانيّ والأدبيّ والشعبيّ والأسطوريّ، لإضفاء نوع من الخصوصية على المسرح العربي والمغربي، إنه صورة أخرى للتأصيل في إطار ثنائية الأنا والآخر، وهو على أي حال، لا ينكر أخذه عن التجربة المسرحية الغربية، وتأثره ببعض تياراتها، الاحتفالية بهذا المعنى، تحقق للأصالة والمعاصرة بشكل من الأشكال، بحث آخر عن هوية المسرح العربي شكلا ومضمونا بالعودة إلى التراث والانفتاح على المسرح الغربي.

تقوم الاحتفالية على استلهام التراث باختلافه وتنوعه، وما يميزها أنها ترى التراث "ذاكرة حية، وفي هذه الذاكرة الجماعية نخبئ إرثنا الثقافي والفكري والفني فيها"1. وإضفاء صفة الحياة على التراث، يقابلها ما كان عليه المسرح في مرحلة التأسيس أو الاستعمار (الموت/ الجماد/ السكون)، وبهذا تميز تعامل عبد الكريم برشيد مع التراث، إنه بحث عن نص غائب من خلال التفاعل بين الحاضر والماضي، نص يعكس رؤية فنية وجمالية تراثية، تستجلي هموم الإنسان البسيط، ففي مسرحيته "ابن الرومي في مدن الصفيح"، فشل النموذج الأول في التعامل مع التراث من خلال شخصية ابن دانيال، الذي اعتلى خشبة المسرح يسرد الحكايات القديمة دون مراعاة المشاهدين، فانشغلوا عنه باللعب، قبل أن تتدخل ابنته دانيازاد، لتنبهه بأن ما يحتاجون إليه هو التطرق لقضايا عصرهم، وسرد هموم الناس، وهو انتقاد صريح للتعامل السلبي مع التراث، أو الرؤية السلفية للتراث التي تغلف الحاضر بالماضي.

إن برشيد في طرحه النظري والإبداعي2، يحاول تأسيس وعي بأهمية التراث في حفظ الهوية الثقافية لشعوب دول العالم الثالث، وهو الفعل الذي بوأ هذه النظرية مكانة كبيرة في العالمين، العربي والإسلامي، خصوصا بعد استشعار خطر العولمة والتثاقف والأسلبة، ومنه، تكون شعرية برشيد مبنية بشكل كبير على التراث، إذ يتضاعف توظيفه فوق خشبة المسرح من منظور سيميائي ليخلق نوعا من الجمالية الأصيلة، المرتبطة بالهوية والخصوصية الثقافية، سواء كان مضمونا أم رقصا أم أغاني شعبية أم أشكالا فرجوية كالحلقة وغيرها، غير أن نظرته للتراث مختلفة بشكل كبير عما كان سائدا، فلا معنى لكل هذا التراث إن لم يكن من أجل التغيير، من أجل تحقيق الممكن.

وبهذا المعنى، أصبحت علاقة الاحتفالية بالتراث علاقة انصهار وتجاذب، حيث يصير المسرحيّ والتراثيّ في قالب احتفالي يرمي الوصول إلى النص الغائب، تجاوز الكائن إلى ما يجب أن يكون، نص فرجوي يحمي خصوصية الشعوب وهويتها من الحداثة المقلدة حسب تعبير طه عبد الرحمان، بل "أكدت العديد من الدراسات الجامعية والنقدية التي أنجزت حول مسرح برشيد، خلال العقود الثلاثة الماضية، أن هذا المسرح قد وجد هويته، ترك للتراث الشعبي، وللتراث العربي المدون، حرية السيطرة على الشكل المسرحي وعلى مضمونه، وذلك خارج شروط اللعبة المسرحية وخارج قوانينها الغربية "الأرسطية" و"البرشتية" فجاءت كتاباته، تراثية الشكل، وتراثية المضمون، احتفالية الاتجاه والرؤى"3، إنها رؤية حداثية تتضمن رؤيته للعالم، تنبني أساسا على علاقة الاحتفالية بالتراث، دافعُها المحافظة على الخصوصية الثقافية، ولكن في ظل الانفتاح على قضايا العصر، إنها رؤية وسط بين التأصيل والمثاقفة، غير أن الركن الأول في تصور برشيد كان محط انتقاد حاد في الدراسات النقدية المسرحية، لكون "المسرح الأوربي الذي اعتمد على ثقافات الشرق مسرحا متوهجا، ولم يتهم بأنه مستلب أو غير طبيعي لأن أوربا تجاوزت الرؤية المرضية للخصوصية، وهي الرؤية التي تسوق لها الاحتفالية بشكل مرضي وهستيري"4. وبالرغم من أننا نرى عكس ما ذهب إليه سعيد الناجي، لأن التراث في الاحتفالية متجدد، خرج من دائرة التحنيط، وأصبح معطى للقراءة والتأويل مستفيدا كما قلنا سابقا من الغرب نفسه، لأن "المسرح الاحتفالي في بحثه عن الخصوصية لم يقطع كل خيوطه مع الغرب، فهو يؤمن بأن الآخر جزء أساسي من مكونات الذات، من هنا كان التمييز بين التبعية وبين التثاقف الفكري والفني"5.

ولعل في رأي سعيد الناجي جانبا من الصواب فيما يتعلق بالتنظير؛ لأن الارتكان إلى التراث والتاريخ والتغني به، بغية الحفاظ على الخصوصية المغربية أو العربية، قد يجعل جيلا أو جيلن يسكنون إلى الماضي، معرضين عن الحاضر والمستقبل، أو يعيشون الحاضر في الماضي، وهنا تكمن خطورة التعامل مع التراث، مما يؤدي إلى تقوقع سلبي على الذات الجماعية، فيجعلها ذلك خارج حركة التاريخ، ولكن، يجب الإشارة إلى اختلاف علاقة الاحتفالية بالتراث على مستوى الإبداع، ذلك أن الدعوات التنظيرية باستلهام التراث جعلت الأمر يبدو وكأنه انغلاق على الذات، في حين كان التراث في الأعمال الإبداعية منفتحا على الواقع وقضايا الإنسان المعاصر، وإلا فماذا يفعل امرؤ القيس في باريس في مسرحية "امرؤ القيس في باريس"؟  ولماذا جاء عبد الكريم برشيد بابن الرومي ليعيش في مدن الصفيح في مسرحيته "ابن الرومي في مدن الصفيح"؟

ومنه نؤكد مرة أخرى أن الاحتفالية في تعاملها مع التراث، قد استطاعت أن تقطع مع التعامل الذي أرسى أسسه المسرحيون في مرحلة الاستعمار، إنها تجعل التراث فعلا حيا على خشبة المسرح، تراث يحتويه الحاضر ولا يحتويه الماضي، لذلك لا يمكن تشكيل صورة عامة حول هذا التجاذب إلا من خلال استحضار التنظير والفعل الإبداعي. وعلى الأقل هذا جانب إلى ما كان يدعو إليه المفكرون العرب في التعامل مع التراث، ومنه يمكن القول إن المسرح العربي بعد النكسة شهد تعاملا مختلفا مع التراث، رؤية ثورية، لكنها اصطدمت بجملة من العراقيل التي قلصت من امتدادها، من بينها مسرحيون ذوو توجهات يسارية، عارضوا التراث في المسرح، وجعلوه غربي الشكل والمضمون.

2 - المسرح السياسي... سعد الله ونوس وإحياء التراث

إن ما يهمنا من حياة سعد الله ونوس المسرحية، هي تلك الفترة التي سافر فيها إلى فرنسا، حيث تكون في معاهدها، وتأثر بثلة من المسرحيين الحداثيين الذين حاولوا تجاوز التقنيات المسرحية الكلاسيكية، أمثال بروتلد برشت وبسكاتور وأنطوان أرطو، وعند عودته إلى سوريا، بدا تأثره واضحا وهو يستمد مضامين مسرحياته من التراث، فمزج في فرجته بين الأصالة والمعاصرة، الأمر الذي يشترك فيه مع عبد الكريم برشيد، وتجلى ذلك بالخصوص في بياناته المنظرة لمسرح عربي، فها هو يطرح سؤالا على المخرج المسرحي الفرنسي جان ماري سيرو: "ماذا كنت تفعل لو أنك في بلد كبلادي حيث لا توجد تقاليد مسرحية، أي نصيحة تقدمها لنا كي نجد مسرحنا؟ فأجاب(سيرو: "ينبغي الانطلاق من كل ما هو حكاية شعبية وتقاليد، وقد وجد دائمًا في التاريخ الإسلامي… فلديكم تراث غني بالنقد الذكي. (جحا) مثلاً هو شخصية لا تستطيع أن تقوم بثورة، لكنه تراث شعبي، استطاع أن يحتفظ عبر قرون طويلة بصفاء الهجوم على مفاسد الإقطاع، فالتراث الشعبي قاعدة جيدة للانطلاق، وهي مليئة بالإمكانيات… بوسعكم أنتم بالذات أن تساعدوا التجربة المسرحية على الخروج من أشكال التجمد التي وصلت إليها أوروبا"6. إنها النصيحة التي عمل بها ونوس، غير أنه مزج بين الانفتاح على الغرب واستلهام التراث، من خلال الأخذ بتقنيات المسرح الغربي، إنها رؤية جديدة لتفاعل المسرح مع المروث الثقافي، رؤية جدلية ماركسية تصبو لمساءلة الماضي، ومد الجسور بينه وبين الحاضر، وهنا تتشكل هوية جديدة، هوية منفتحة على النص الغائب، ما نريد أن يكون عليه المسرح، ما نريد أن يكون عليه المستقبل، وفي رؤيته هذه، لابد من الإشارة إلى أن ونوس قد تأثر ببروتلد برشت وبيسكاتور.

وفي ظل السياق السوسيوثقافي المضطرب بسبب وقع الهزيمة على الشعوب العربية، سيظهر مفهوم تسييس المسرح، حيث أصبح بالنسبة لونوس أداة للتحفيز والمساءلة، فاستمد التراث ليكون عنصرا فاعلا في مسرحه، تراث يغلفه الحاضر ولا يغلفه الماضي، إنها رؤية حداثية للتعامل مع الموروث الثقافي، حيث عمد ونوس لاستلهام المضامين التراثية، الحكايات والأساطير المعروفة، ليس بدافع تسليط الضوء عليها، بل من أجل مناقشتها، ومعالجة قضايا العصر، وعلى هذا الأساس كتب مسرحيته "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران"، ومسرحية "الفيل يا ملك الزمان"، و"رأس المملوك جابر"، إنها مسرحيات تستلهم التراث وتجعله معاصرا في طرحه وأدائه فوق الخشبة.

استلهام يختلف في رؤيته عن التوظيف السطحي السائد في فترة الاستعمار، الذي رفضه هو الآخر متأثرا بآراء المفكرين الغربيين والعرب، الذين انتقدوا بحدة التيار السلفي، رفض أن "تكون أشكال الفرجة الشعبية مجرد حلية شكلية، وهي بذاتها ليست ضمانة لأي أصالة، إن ما يؤصل المسرح هو قوله وكيفية القول، وفي سياق هذه العملية المركبة، يمكن أن نستفيد من تاريخنا وأشكال فرجتنا، كعناصر في البنية العضوية للعمل"7.

لقد سعى سعد الله ونوس من خلال مسرحه السياسي إلى مسرح جدلي، مسرح يعري تناقضات المجتمع، ويشكل وعي الطبقات الاجتماعية المضطهدة بواقعها، وهو ما جعل التراث، في مسرحه، وسيلة وليس غاية، إنها رؤية حداثية بامتياز كما يصفها يونس محمد عبد الرحمان عندما يقول بأن "استخدام التراث والأسطورة في المسرح هو رؤية حداثية، وكثيرا ما تكون تقدمية طليعية كمسرحيات صلاح عبد الصبور، الأميرة تنتصر، ومأساة الحلاج، والحسين ثائر لعبد الرحمان الشرقاوي، ومسرحيات سعد الله ونوس، الملك هو الملك، ومغامرة رأس المملوك جابر"8.

لقد استوعب ونوس المادة التراثية، ولم يجعلها تسيطر عليه، بل وظفها للنقد والرفض والسخرية من مفارقات الواقع، وكان يقتضي توجهه هذا أن لا يكون منتقيا للأحداث كما فعل غيره، بل تعرض للأحداث التاريخية المتأزمة في التاريخ العربي، وهو ما يتناسب مع منطقه الجدلي في أعماله المسرحية، إنها كتابة إبداعية نقدية في نفس الوقت، إبداعية بأسلوبها و شعريتها الخاصة، ونقدية لأنها تنتقد مظاهر انحلال المجتمع وتناقضاته، والتطرق للقضايا المؤرقة للإنسان العربي من هزائم وتراجع على مختلف المستويات، لذلك سيعتمد أساليب تغريبية تراثية مثل الحكواتي الذي يكسر الجدار الرابع لمخاطبة الجمهور والتفاعل معه، فضلا عن الشكل أيضا، مثل توظيف الحلقة ليخرج عن قوالب المسرح الغربي بما يناسب الجمهور العربي كما فعل ذلك في مسرحيته "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران" "فالناس الذين يسمرون يجتمعون على شكل حلقة يتحلق الناس حولها في ليالي الصيف المقمرة"9 وذلك ليخلق نوعا من الألفة بينه وبين المتلقي العربي حتى لا يجد نفسه غريبا عن العمل المسرحي المقدم أمامه.

وهذا ما يجعلنا نقول بأننا انتقلنا في مرحلة ما بعد الكولونيالية من إحياء التراث إلى تكريس نوع من الوعي بالتراث، لقد تحولنا، بتعبير محمد عابد الجابري، من كائنات تراثية إلى كائنات لها تراث، حيث أصبحت الذات تخلق مسافات بينها وبين الموروث الثقافي، وهو الأمر الذي مكنها من مساءلته وتحليله، بل والشك فيه أحيانا في أفق خلق مصالحة شاملة مع الماضي.

وفي هذا السياق، يمكن اعتبار توظيف سعد الله ونوس للتراث بمثابة إحداث قطيعة إبستيمولوجية مع توظيفه في مرحلة التأسيس أو الاستعمار، وهو يدخل ضمن تجربة جديدة لاستلهامه، مع ثلة من المسرحيين العرب، بعد الاستعمار في ظل الهزائم المتتالية، إنه لا يعود فقط إلى التراث الذي يجسد الانتصارات والأمجاد، بل يعود، أيضا، إلى التراث الذي يعكس الانتكاسات، ويوافق طرحه وأسلوبه الجدلي، ومن هنا كانت انعطافة ونوس في استلهام التراث بمختلف أنواعه، فتحقق نوع من الرهان، البحث عن هوية المسرح العربي، شكلا ومضمونا، لكن هذا الأسلوب، وإن كان مناسبا للفترة التاريخية التي عاش فيها ونوس، فإن الألفية الثالثة، وخصوصا بعد الربيع العربي، بدأت تتكشف تجربة جديدة في التعامل مع التراث، وفق معطيات العصر الحديث. فما مظاهر هذا التجديد؟ وكيف يمكن للتراث في الفعل المسرحي أن يكون رؤية جديدة ومتجددة؟

 

المراجع

1 - عبد الكريم برشيد، الإحتفالية مواقف ومواقف مضادة، دار نشر المعرفة، 2001، ص: 61.

2 - إننا نميز بين طروحات عبد الكريم برشيد النظرية والإبداعية، إذ نجد اختلافا ملحوظا بينهما، لأن طروحاته النظرية تكون غالبا ردة فعل لانتقاد الاحتفالية، وهو ما يجعله يعرف المسرح تعريفا غامضا "المسرح حفل واحتفال"، كما أن كتاباته في هذا الجانب تطغى عليها شخصيته الإبداعية، لذلك لا يمكن الإلمام بما جاء به نظريا إلا بالعودة إلى منجزه الإبداعي. وهو المنجز الذي بوأ الاحتفالية انتشارا واسعا على المستوى العربي، بغض النظر عن كونه يشرح المنجز النظري.

3 - محمد أديب السلاوي، المسرح المغربي، جدلية التأسيس، منشورات مرسم،  ص: 197.

4 - سعيد الناجي، مهنة المسرح المغربي، مسارات وتقاطعات، ضمن كتاب جماعي، المسرح المغربي بين التنظير والمهنية، منشورات المسرح والدراما التابعة لكلية الآداب والعلوم الانسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، ص: 42.

5 - عقا أمهاوش، الفعل المسرحي المغربي والنظريات الغربية الحديثة، م س، ص: 133.

6 - سعد الله ونوس، بيانات لمسرح عربي جديد، ط1، دار الفكر الجديد، بيروت, لبنان، 1988م، ص: 232.

7 - سعد الله ونوس، بيانات لمسرح عربي جديد، م س، ص: 132.

8 - يونس محمد عبد الرحمان، تأثير ألف ليلة وليلة في المسرح العربي المعاصر والحديث، دار كنوز الأدبية، ط1،1995، ص: 47.

9 - أحمد صقر، توظيف التراث في المسرح العربي، مركز الاسكندرية للكتاب، 1998، ص: 46.


 
 

أساليب جديدة في المسرح الغربي

الجمعة, 11 كانون2/يناير 2019 11:59

أساليب جديدة في المسرح الغربي

بقلم عبد العزيز جدير

تكمن أهمية كتاب “من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافة الفرجة” للألمانية إريكا فيشر ليشته، الصادر عن “المركز الدولي لدراسات الفرجة” بالمغرب، في كونه يجمع بين دراسات كتبتها الجامعية الألمانية في ما بين فترتي 1986 و2016، دراسات تعرض لتطور مسرح المثاقفة من جهة، وترصد تطور هذا المفهوم والانتقادات التي وجهت له في ما بعد، لتحط الرحال عند ما يسمى منظومة تناسج ثقافات الفرجة من جهة ثانية.

ونشأ التفكير في مسرح المثاقفة انطلاقا من التمركز الأوروبي اعتبارا من الرحلات الأولى لجيل الرواد، منذ مشاهدة أنطونان أرطو لمسرح الباليني بباريس سنة 1931، ومشاهدة بريشت لأوبرا بيكين في إحدى زياراته لموسكو للمشاركة في مؤتمر دولي للمنتجين المسرحيين، حضره ثلة من الباحثين والمخرجين الكبار يومها (1935).

وبعد ذلك ظهر إلى الوجود ما يسمى “أثر التغريب”، الذي كان يسكن عمل بريشت مخرجا من دون أن يحضر في إدارة الممثل. وقد لعبت الرحلات الأولى للرواد، وزيارات الفرق اليابانية والصينية للعالم الغربي سواء أميركا أو أوروبا، الدور الرئيسي في التعرف على هذه القوالب والأساليب المسرحية أو الفرجوية الآسيوية بالتحديد. ونتج عن ذلك ابتكار أساليب جديدة في المسرح الغربي متأثرة بهذه الأساليب والقوالب سواء منها “النو” و”الكابوكي” و”الكاتاكالي”.

وقد تجلى التأثير في المسرح المعاصر والتجريبي ابتداء من ستينات القرن الماضي، مع رحلة كروتوفسكي مثلا نحو المسرح الشرقي، ورحلة بيتر بروك وغيرهما، عبر ابتكار تقنيات مستلهمة أصلا من الأساليب الشرقية مثل “الهاناميتشي”، وتموضع الجسد وتقنياته.

ويبين الكتاب أن المسرح الغربي ثار على الأساليب الكلاسيكية، وذلك من خلال الانفتاح على رحابة التقنيات الشرقية. وتم التعامل مع هذه التقنيات بشكل فولكلوري أحيانا. ولم يتم الاعتراف بهذه الثقافات الفرجوية الشرقية في أحايين أخرى، إلا في حدود تمظهرها في المنجز المسرحي الغربي، مما يبين قوة التمركز حول الذات الغربية.

وتعتبر هذه هي المنظومة الأولى لمسرح المثاقفة. والتي تم انتقادها في ما بعد، سواء في محافل الفيدرالية الدولية للبحث المسرحي أو في غيرها. من ذلك انتقد روستم باروتشا بشكل لاذع تجربة “مهابهاراتا” لبيتر بروك في منتصف الثمانينات، بينما كان الكل يمجد هذه التجربة باعتبارها تجربة جريئة، ومشاهدتها مهمة وضرورية. فانبرى باروتشا لنقد بروك قائلا “إنك أفرغت المهابهاراتا من محتواها السياسي والثقافي والديني والحضاري، واستلهمت فقط ما هو فولكلوري شكلا ومضمونا”.

وهكذا، ولد يومها ما سمي بحرب المثاقفة، فأبرزت حرب مسرح المثاقفة مواقف مناهضة، واستشكلت مسيرة المسرح الغربي نحو الشرق. وأكد روستم أن الغرب يتعامل بنوع من التمركز نحو الذات، ولا يعترف بمساهمات المسارح الشرقية في تغذية المسرح الغربي بل وأيضا صياغة حلول لمشاكله، مما يؤكد عدم وجود مسرح منكفئ على ذاته. حيث يطرح السؤال نفسه أليس المسرح مجالا للتفاعل والتلاقح والحوار؟

واتضح هنا ميلاد مرحلة جديدة في تاريخ المسرح الغربي، وتتمثل في اعترافه بإسهامات الآخر في تطوير منجزه. ومع بداية الألفية الثالثة ران صمت مطبق على الموضوع حتى ظهر المشروع البحثي الرائد الذي حملت لواءه فيشر بألمانيا، وهو مشروع منفتح على جميع مكونات صناعة الفرجة دوليا.

انطلق المشروع باستضافة مجموعة من الفعاليات المسرحية من القارات الخمس، على أساس أن البحث في مفهوم التناسج، والحوار والتفاعل بين الثقافات الفرجوية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، كل من موقعه.

وقد أسهم مترجم الكتاب في هذا المشروع منذ تأسيسه سنة 2008 إلى الآن، انطلاقا من انكبابه على دراسة المسرح المغربي والعربي، ونشأته في ظل الاستعمار، ثم البحث عن الذات، وذلك من منطلق النقد المزدوج.

تبرز فيشر عبر تناسج ثقافة الفرجة أن المسرح الإغريقي ذاته محصلة حوار مع ثقافات سابقة عليه. ويؤدي هذا التصور الجديد إلى خلخلة التمركز حول الذات، والانفتاح على رحابة الآخر، بل يؤدي أيضا إلى ما يسمى بـ”غزو الاختلاف” وهو فعل يؤدي إلى مناهضة الخطابات التي تروم الانكفاء على الذات سواء كان مصدرها شرقا أو غربا.

ونذكر أن كتاب “من مسرح المثاقفة إلى تناسج ثقافة الفرجة” للألمانية إريكا فيشر ليشته، صدر مؤخرا وترجمه عن الإنكليزية الناقد المسرحي خالد أمين. وللكاتبة العديد من البحوث المسرحية الهامة التي نذكر من بينها كتابها “سميائيات المسرح”، وقد قدمت فيه نظرية متكاملة لنظام السيميوزيز المسرحي، وكذلك “جماليات الأداء: الطاقة التحويلية للفرجة” (2004)، و”عودة ديونيسوس” (2013)، و”تناسج ثقافات الفرجة: نحو إعادة التفكير في “مسرح المثاقفة”.

 

 
 

جوائز المسرح بين النمطية والتحديث

الأربعاء, 09 كانون2/يناير 2019 19:14

جوائز المسرح بين النمطية والتحديث

بقلم عصام أبو القاسم / الشارقة

نادت ندوة «الجوائز المسرحية العربية بين النمطية والتحديث»، التي نظمت أمس، في إطار الدورة الثامنة والعشرين من أيام الشارقة المسرحية، بنشر تقارير اللجان المحكمة في المسابقات المسرحية، باعتبار أن لها قيمة تثقيفية ونقدية و توثيقية مهمة، ودعت الندوة التي أدارها المسرحي العماني عماد الشنفري إلى توسيع نطاق الجوائز المخصصة للمسرح، بحيث تشمل جميع المشتغلين بالعمل المسرحي، ولا تقتصر على الكتّاب والمخرجين والممثلين، كما شددت مداخلات الندوة على أهمية استحداث جوائز تتوجه إلى الفرق والمؤسسات والمبادرات الداعمة والناشرة والمنشطة للمسرح.

وفي مداخلته التي جاءت في استهلالية الندوة، تحدث المخرج المغربي أمين ناسور عن ضرورة «طرح الأسئلة» على واقع الجوائز المسرحية العربية، ملحاً على أن تقليد منح الجوائز في الثقافة المسرحية العربية يعاني من قصور في التفكير والنظر، وأن مناسبة فوز بجائزة ما في المجال المسرحي العربي، على الرغم من أهميتها من الناحية الإعلامية والمادية، إلا أن هناك العديد من الشواهد الدالة على أنها لا تخلف أثراً على تجربة الفائز، وهو سأل: لننظر من حولنا إلى العروض التي توجت بجوائز في السنوات القليلة الماضية، من يتذكرها اليوم؟ كم من البلدان زارت وأي جولات أنجزت؟». ودعا ناسور إلى أن تراعي الجهات المنظمة للجوائز والمسابقات عند تشكيلها للجان اختيار نخبة من أصحاب التجربة، المنزهين من الغرض ومن غير أولئك المتسابقين المحتملين على الجائزة ذاتها في وقت لاحق. وهو استغرب لماذا يتم «تجاهل النقاد» في اللجان التحكيمية المسرحية ؟

من جانبها، تحدثت الكاتبة الكويتية تغريد الداوود، التي فازت بجائزة الشارقة للتأليف المسرحي، ومنحت أخيراً جائزة الدولة التشجيعية في بلدها، عن تجربتها الشخصية، وفي هذا السياق قالت: «إن الفوز بجائزة يعود على الفائز بخاصة إذا كان شاباً وصاحب تجربة جديدة، بالاعتراف والتقدير، كما أنه يشجعه ويحفزه»، وأضافت: «الدولة المتقدمة تؤمن بضرورة إقامة مثل هذه المسابقات، لترقية المجال و لتوطين الممارسة الفنية وتعميقها وللمحافظة على الموهوبين حتى لا يتسربوا إلى مجالات أخرى».

وذكرت الداوود أن المجال المسرحي العربي يحتاج أكثر ما يحتاج إلى الجوائز؛ إذ أن معظم المشتغلين بهذا المجال ليس لديهم سواه لضمان الدخل المادي. وتحدثت الكاتبة الكويتية عن ثراء الجوائز المسرحية في الشارقة وقيمتها العالية، والحفاوة التي يقابل بها من يظفر بها.

وحكى المخرج الأردني خليل نصيرات، في مداخلته، عن «ضغط الجوائز»، وكيف أن فوز أحدهم بجائزة لا يعني بالضرورة أنه وجد الحافزية التي تمكنه من إنجاز المزيد من العروض أو الأعمال، مشيراً إلى أنه يعرف كثيرين فازوا بجوائز ولكن فوزهم لم يكن سبباً في استمراريتهم، وذكر أيضاً أنه يعرف من الفائزين من جعله فوزه يضبط إيقاع أعماله الفنية على أساس أنها ستنافس في جوائز بعينها.

من جانبه، دعا المسرحي التونسي إلى استحداث تقاليد جديدة في فكرة الجوائز المسرحية، وقال في هذا الاتجاه: «إن هناك ضرورة لتكريم المؤسسات والمبادرات والمجموعات المسرحية التي تعمل على ترسيخ الفن المسرحي وشيوعه». وتحدث المسرحي التونسي عن أشكال الجوائز المسرحية المعروفة في المجال العربي، فهي تنقسم إلى جوائز للعروض «الإخراج والتمثيل والكتابة إلخ»، وجوائز للتجربة، أي تمنح لأولئك الذين استمروا بتجاربهم الإبداعية مدة طويلة.

وطلب البحري أن تتوجه لجان التحكيم في المسابقات المسرحية العربية إلى نشر تقاريرها وألا تبقيها خبيئة الأدراج، فالنقاش حول هذه التقارير يثريها، كما أن من شأنه أن يغير في ذهنية الاحتجاج والرفض التي ترافق غالباً حفلات إعلان الجوائز العربية بشكل عام.


 
 

الصفحة 3 من 23

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com 
theatretafukt@gmail.com

GSM: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.