Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
متابعات - تغطيات صحفية: رحيل مبدع النشيد الوطني المغربي - الأربعاء, 07 تشرين2/نوفمبر 2018 09:05
أخبار - منوعات - إصدارات : مكانة الأمازيغية في الإعلام بعد الدسترة - الأحد, 04 تشرين2/نوفمبر 2018 11:05
مواعيد فنية - ثقافية: ندوة قانون الفنان والمهن الفنية - السبت, 10 تشرين2/نوفمبر 2018 10:28
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: مسابقة السيناريو بمهرجان زاكورة السينمائي - الخميس, 08 تشرين2/نوفمبر 2018 12:38
متابعات - تغطيات صحفية: تونس تتوج بمهرجان هوارة للمسرح - الإثنين, 05 تشرين2/نوفمبر 2018 12:04
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: ياسين فنان يعود إلى السينما - الخميس, 08 تشرين2/نوفمبر 2018 09:55
مواعيد فنية - ثقافية: ورشة: المبادئ الأساسية لفن السينوغرافيا - الجمعة, 02 تشرين2/نوفمبر 2018 19:37
مسرح - الفنون الدرامية: فاطمة تحيحيت في ضيافة مسرح تافوكت - الأربعاء, 31 تشرين1/أكتوير 2018 19:25
أخبار - منوعات - إصدارات : تكريمات مهرجان هوارة الدولي للمسرح - الجمعة, 02 تشرين2/نوفمبر 2018 11:52
مواعيد فنية - ثقافية: الدرس الافتتاحي للموسم الإعلامي الجديد - الجمعة, 02 تشرين2/نوفمبر 2018 11:05
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

هيئة المسرح: سنكون يوما ما نريد

الجمعة, 26 تشرين1/أكتوير 2018 15:37

الهيئة العربية للمسرح في افتتاح مهرجان فلسطين: "سنكون يوما ما نريد"

أصدرت الهيئة العربية للمسرح بيانًا تحت عنوان "سنكون يومًا ما نريد"، ألقته الفنانة الفلسطينية نسرين فاعور خلال افتتاح فعاليات مهرجان فلسطين الوطني للمسرح.

وجاء في البيان: إليكم في فلسطين التي ترحل لها عيوننا كل يوم، إليكم وأنتم تطلقون الدورة الأولى من "مهرجان فلسطين الوطني للمسرح" مهرجانًا لفلسطين، كل فلسطين، هذا المهرجان الذي حلمنا به معًا منذ العام 2013، وعملنا من أجله في العامين الماضيين لكي يرى النور الآن، ليكون مسحة حرية تمسح جدرانًا وأسلاكًا تثخن البدن الواحد.

وأضاف البيان: "كنا نأمل كما كان المخطط أن نكون معًا اليوم على أرض فلسطين ضمن وفد الفنانين العرب، فرقة دوز تمسرح بمسرحية "الخادمتان" المغربية من إخراج جواد الأسدي، والدكتور عبد الرحمن بن زيدان من المغرب، والدكتور محمد المديوني من تونس، وأيمن السعيداني من تونس، الدكتور سامح ماهران عضو مجلس الأمناء في الهيئة العربية للمسرح من مصر، والدكتور نبيل بهجت من مصر، ومن الأردن كل من محمد الضمور، وحسين الخطيب، وحكيم حرب، وفيصل دراج، ومحمد بني هاني، وسوسن دروزة، والدكتور مظفر الطيب من العراق، ومن سوريا: الدكتور عجاج سليم، سلوى حنا، والدكتور حبيب غلوم من الإمارات، وإسماعيل عبد الله الأمين العام للهيئة العربية للمسرح من الإمارات، والدكتور يوسف عايدابي مستشار الهيئة العربية للمسرح من السودان.

واختتم البيان بالقول: كل هؤلاء كانوا قادمين من أجل المسرح الفلسطيني الذي يشهد اليوم ولادة أول مهرجان وطني للمسرح في تاريخها، لكننا نقدر حجم المعاناة والضغط الذي تواجهون، والذي يمارس على الفعل الثقافي كواجهة نضالية، من هنا نقول لكم، نحن وكل المسرحيين العرب في كل مكان معكم، نتمنى لكم النجاح والتوفيق. إن هذا إلا دافع لمزيد من التعاون والعمل والأمل.. ونردد جملة درويش "سنكون يومًا ما نريد".

وانطلق مهرجان فلسطين الوطني للمسرح في دورته الأولى بالتعاون بين كل من وزارة الثقافة الفلسطينية والهيئة العربية للمسرح خلال الفترة من 25 أكتوبر وحتى الأول من نوفمبر المقبل بمدينة رام الله.


 

قراءة في بريسا لمسرح الأفق

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 15 تشرين1/أكتوير 2018 18:46 الإثنين, 15 تشرين1/أكتوير 2018 12:45

قراءة في العرض المسرحي « بريسا » لمسرح الأفق

عندما يتفاعل المسرح مع نبض الشارع. ويرقى باليومي والناس إلى فضاء المتخيل

بقلم الناقد محسن زروال

منذ سنوات خلت٬ ولا نقاش في المسرح المغربي إلا عن الدعم الذي تخصصه وزارة الثقافة ضمن ما سمي بالإعانات المالية٬ لتشجيع المسرح المغربي بجميع أنماطه ولغاته ولهجاته الوطنية٬ حتى أضحى الموسم المسرحي مرتبطا به٬ إذ غالبا ما تعرف الساحة المسرحية حراكا يرتبط أساسا بنتائج الدعم و بمرحلة مشاهدة العروض التي حظيت ملفاتها بقبول اللجنة٬ لكنه ما يلبث أن يخفت تدريجيا حتى يختفي ولا يعاود الظهور مرة أخرى إلا حين يتعلق الأمر بالمستحقات وجدولتها وتأخر استيفائها. ففي الوقت الذي كان الرهان على مشروع الدعم لتشجيع المسرح المغربي والرقي بجودة منتوجه٬ أصبح النقاش عن نتائج الدعم أهم من المنجز نفسه. وبدل أن يتحول الدعم المسرحي إلى حافز على الإبداع ومحركا لعجلة التنمية الثقافية٬ تحول بفعل البيروقراطية الإدارية من جهة٬ وبفعل الاتكال الكلي على موارده من جهة أخرى٬ إلى واحد من معيقات تطور المسرح المغربي وجودة إبداعاته. أمام الحالة هذه٬ تعالت في السنوات الأخيرة أصوات عدة تصدح بالبحث عن صيغ أخرى للخروج من عنق الزجاجة ومن الزاوية الضيقة التي ُزج فيها المسرح المغربي عبر تأمين الدعم المسرحي كحق دستوري مع العمل على تجويده وتطوير آلياته٬ وأيضا بالبحث عن مصادر جديدة للدعم٬ خارج منظومة دعم وزارة الثقافة٬ لتسهيل عملية الإنتاج المسرحي والانتقال به إلى أفق جديد يساعد على الرقي بالممارسة المسرحية وتجويد منجزها. في هذا السياق٬ انتهجت العديد من الفرق المسرحية سبيل الإنتاج خارج منظومة الدعم٬ إما بشكل ذاتي أو عبر خلق شراكات عدة مع عدد من المؤسسات والهيئات الوطنية والدولية. وقد استطاعت هذه الفرق٬ بانفتاحها على مصادر تمويل جديدة أن تخط لنفسها مسارا مميزا بعيدا عن دواليب الدعم الرسمي. يمكن أن نذكر في هذا الباب عددا من الفرق كفرقة الأكواريوم٬ وفرقة داباتياتر٬ ومسرح أنفاس٬ ومسرح تانسيفت.... إضافة إلى فرقة مسرح الأفق التي تعد من أوائل فرق مسرح الهواة التي ولجت غمار الاحتراف عبر نهج سياسة الإنتاج الذاتي منذ بداية القرن الحالي٬ إذ استطاعت وعلى مدار ست سنوات٬ أن تنتج ذاتيا ست عروض مسرحية٬ وتشارك في ثلاث دورات من مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (2004/2003/2002). إضافة إلى مهرجان الفجيرة للمونودراما بالإمارات العربية المتحدة بعرض ”الناس والحجارة“ للكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد.

وقد حاولت الفرقة كغيرها من الفرق المسرحية المغربية الاستفادة من الدعم المسرحي إلا أن مشاريعها ظلت دوما خارج مفكرة لجن الدعم٬ كما الحال هذا الموسم مع مشروع توطين الفرقة بمسرح ”للاعيشة“ بالمضيق٬ إلا أنه لم يحظ بموافقة اللجنة على غرار مشاريع أخرى. رغم كونها تحاول استعادة ألقها الذي عرفته بداية القرن الحالي٬ عبر معاودة الإنتاج الذاتي الذي افتتحته الموسم الماضي بإنتاج مسرحية ”بيك نيك“ للكاتب الإسباني ابن مدينة مليلية المحتلة فرناندو آربال٬ وحملت توقيع المخرج الشاب طارق ال ّشاط الذي سبق ووقع العديد من الأعمال المسرحية ضمن محترف الفدان بمدينة تطوان.

وفي الوقت الذي تراجعت فيه العديد من الفرق التي لم تحظ مشاريعها بقبول لجنة الدعم وارتكنت إلى الصمت٬ قررت فرقة مسرح الأفق إنتاج عرضها المسرحي الجديد بالإعتماد على إمكانياتها الذاتية دون التنازل عن خياراتها الجمالية أو تقليص طاقمها الذي أثثت به وثائق ملفها.

غير أن ما يميز فرقة مسرح الأفق وعبر مسار تجربتها الطويلة٬ كونها من الفرق المسرحية الأوائل التي انفتحت على مبدعين خارج أسوار مدينة تطوان٬ فقد سبق لها أن انفتحت في أول موسم لها على الأستاذ ”إدريس المامون“ مترجما٬ والمرحوم ”امحمد مكروم الطالبي“ معدا دراماتورجيا٬ والممثلة القديرة ”كريمة شموط“ التي افتقدها المسرح المغربي بعد قرار هجرتها إلى الديار الإسبانية. وانسجاما مع خياراتها هذه٬ عادت فرقة الأفق هذه السنة لتنفتح على خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي٬ خاصة على تجربة المخرج علي البوهالي الذي سبق ووقع العديد من الأعمال مع عدد من الفرقة المسرحية المغربية. لكنه هذه السنة عاد بمشروع حاول أن يصب فيه تصوراته عن المسرح الذي يراه ويحاول التبشير به في الكثير من النقاشات واللقاءات التي يحضرها أو يساهم فيها. ومعروف عن المخرجين الشباب من خريجي المعهد العالي الذين تتلمذوا على يد المخرج المسرحي مسعود بوحسين وتشبعوا بتجربته٬ أنهم يرتكنون في تصورهم المسرحي على محاولة الإجابة على أسئلة من قبيل: ما المسرح الذي نريده؟٬ ما السبيل إلى إنتاج عرض مسرحي بقدر ما يكون عملا احترافيا يتضمن كل عناصر الجودة والاحترافية٬ يكون بالمقابل٬ قريبا من الجمهور ومرتبطا به؟. كيف يمكن إرجاع ثقة الجمهور المغربي الذي يتسم بالتعدد والتنوع؟. ويعتبرون الإجابة عنها أولى الخطوات في إنتاج فرجات مسرحية مغربية٬ كما الحال مع المخرج عزيز أبلاغ في مسرحية ”دون جوان“ و المخرج أمين غوادة في ”ال ّرابوز“ وعلي البوهالي في ”بريسا“ الذي اهتدى٬ في سياق بحثه عن أجوبته الخاصة٬ إلى فرضية جعلها مرتكزا لاشتغاله الركحي. تتحدد الفرضية في السؤال التالي: ماذا لو انطلقنا في إنتاج العرض من مواضيع يومية تلامس هموم وانشغالات المواطن المغربي المستهدف أساسا من العمل المسرحي٬ خاصة مواطن المدن الشمالية دون إغفال تشعب قضاياه وامتداداتها المكانية٬ وتقديمها بأسلوب واقعي وبلغة بصرية تبتعد ما أمكن عن الإغراق في الشكل دون إسفاف أو ابتذال!؟ فرضيته هذه٬ جعلته يختار بمعية المؤلف رحيم المسعودي٬ خمس شخصيات اضطرت للرحيل من مدنها واختارت إحدى مدن الشمال المنفتحة على العالم الآخر والمفضية إلى ما وراء البحر٬ محملة بمعاناتها وإحباطاتها٬ بحثا عن فضاء أرحب لتأمين مستقبلها أو استعادة ماضيها المهدد بالزوال. لذلك اختار المقهى كفضاء للتلاقي٬ وفي الوقت نفسه٬ فضاء للانطلاق والهجرة. ففيه تتجمع أحلام الشخصيات وتؤمن عيشها الآن هنا٬ وفي الوقت نفسه٬ مكان لتأمينها هناك / غدا. ففي المقهى يتجمع السماسرة الباحثون عن الراغبين في الهجرة٬ والأجانب الذين يشكلون بالنسبة للكثيرين جواز سفر لحياة بديلة. فهو الفضاء الوحيد القادر على تأمين الحلول للشخصيات الخمس. بما فيهم الحاج (عبد السلام الصحراوي) صاحب المقهى الذي طفق يستشعر خريف عمره ويرغب في استعادة شبابه من خلال علاقته بحليمة التي يسعى للارتباط بها بعد عودته من الحج رفقة زوجته العجوز. حليمة (هند بن اجبارة)٬ الشابة الجميلة التي تسعى لتأمين المال لشراء عقد عمل والسفر خارج البلد٬ أو تأمين زوج شرقي قادر على حملها بعيدا عن الديار. وفي غيابه تعمد إلى استغلال جمالها في إغواء الرجال من أجل كسب مال إضافي يؤمن لها ما تبحث عنه٬ موظفة جمالها كسلطة للضغط على الحاج بغية كسب مال إضافي حتى لو اضطرت إلى التواطؤ معه لتقليص أجرة صديقتها ”هاجر“ و أخيه ”المعطي“ للاستفادة منها لتأمين عقد العمل٬ بل إنها تذهب حد دفعه للاستغناء عن فكرة الحج ومدها بثمنه. على عكس حليمة٬  تحضر شخصية ”هاجر“ (زاهو الهواوي)٬ صديقتها المطلقة التي عاشت مع زوج مغربي وخلصت في ختام تجربتها معه إلى أن الحياة التي تريدها لا يمكنها أن تستقيم مع أمثاله من المغاربة. لذلك فهي الأخرى تسعى للرحيل خارج الوطن خاصة بعد أن استطاعت العثور على عقد عمل ”كونطرا“ وتريد تأمين ثمنها٬ لكنها عكس حليمة تختار الاشتغال بجد بدل بيع جسدها. إذا كانت حليمة وهاجر شخصيتان تجريان وراء الهجرة٬ وتسعيان لتأمينها. فإن المعطي (علي البوهالي) المولع بإصلاح الساعات يصر على التشبث بالأمل في تأمين محل صغير خاصة بعد أن عاد من تجربة فاشلة في الديار الإيطالية٬ ليجد نفسه في مواجهة عقلية أخيه ”الحاج“ المتحجرة الذي يشغله في المقهى كحمال ويصر على احتقاره ويوغل في إذلاله بسبب الغيرة. فالحاج يرى دوما في المعطي الشاب الذي ينافسه في كسب ثقة ورضا٬ وحب حليمة. مقابل هذه الشخصيات الأربع٬ تحضر شخصية ”ماني“ (ياسر الترجماني) الشاب الإفريقي الذي هاجر إلى المغرب واستقر به٬ بحثا عن حياة أفضل٬ مستغلا ولعه بالموسيقى. فاختار قضاء جل يومه عازفا أمام مقهى الحاج مقابل ما يجود به المارة. ف ”ماني“ يشكل بالنسبة ”للمعطي“ الماضي الذي أضاعه حين قرر العودة إلى المغرب٬ لذلك فهو غالبا ما يقسو عليه لأنه يذكره بفشله قبل أن يعترف له في الأخير وكأنه يواجه نفسه ويقر لها بالخطأ الذي ارتكبه حين عاد من المهجر. تفاصيل أحداث المسرحية وارتباطها بالمعيش اليومي٬ دفعت بالمخرج علي البوهالي إلى الاعتماد على التمثيل الواقعي دون مغالاة أو إطناب٬ دافعا بإمكانيات ممثليه إلى حدها الأقصى مع بعض الإنزياحات التي تنزاح بالعرض من بعده الواقعي وتزج به في المتخيل٬ خاصة في المشاهد المرتبطة بالأحاديث الداخلية التي تكشف نوايا الشخصيات والمسكوت عنه في تركيبتها. كما عمد السينوغراف رشيد الخطابي إلى رسم ملامح فضاء غارق في البينية من خلال اختيار اللون الرمادي الذي جعل المقهى تقف على الحد الفاصل بين الانفتاح والانغلاق٬ بين الداخل والخارج٬ بين الواقع والمتخيل٬ وقسم المخرج فضاء اللعب إلى فضاءات عدة مرتبطة بتيمات معينة أو بحالات نفسية خاصة. كما الحال بفضاء البوح أو فضاء السلطة الذي تحدده طاولة الحاج إذ تكتسب مع توالي العرض سحرا خاصا ويصبح مجرد النظر إليها أو الجلوس فيها عصيانا وتمردا على سلطة الحاج. ومن المثير في عرض ”بريّسا“ التوظيف الذكي للفنان ”ياسر الترجماني“ الذي لعب دور الموسيقى ”ماني“ الذي يعزف أمام مقهى الحاج٬ إذ زاوج بين العزف الذي يأتي كاستجابة لطلبات الزبائن وبين الموسيقى التي تعبر عن الأجواء العامة للمشاهد وتلك التي تتحول إلى صوت خارجي يعلق على الأحداث.
عموما تبقى تجربة عرض ”بري ّسا“ واحدة من التجارب التي تحتاج إلى الكثير من الدعم٬ بالنظر أولا إلى غمار الإنتاج الذاتي الذي اختارته الفرقة٬ وبالنظر ثانيا إلى الصدى الذي خلقه العرض بمدينتي المضيق وتطوان. وتشكل في اعتقادي الشخصي الانطلاقة الحقيقة للمخرج علي البوهالي ولفرقة مسرح الأفق التي تعد في المستقبل القريب بمسار سيكون له أثره الطيب على المسرح بالشمال.

 
 

ضياع الثورة في نهايات سعيدة

السبت, 13 تشرين1/أكتوير 2018 18:51

ضياع أحلام الثورة في نهايات سعيدة


القاهرة / مصر - إيمان عادل

 

لا يزال التعاطي مع "ثورة يناير" يجري بطريقة يمكن وصفها بالعاطفية، ونادراً ما يتم التعاطي معها بطريقة فكرية ترغب في مراجعة الأخطاء، حيث تسيطر في الأغلب الدفقات الشعورية واللاشعورية في صورة إحباط أو حنين أو فانتازيا أو بطولة، أو من خلال استدعاء حالة الضحية.

ينطلق الفيلم التسجيلي "نهايات سعيدة"، لندى رياض وأيمن الأمير، من هذه الانشغالات حول الثورة وضياعها، وضياع مسار وخطط وأحلام شخصيات تشعر بأنها وُلدت مع الثورة وتضيع بالضرورة معها، فالثورة في مصر أصبحت ترتبط لدى البعض بشكل أو بآخر بما هو شخصي وليس بما هو عام فحسب، بمعنى أن تتحوّل فكرة الثورة والتغيير كجزء لا يمكن حذفه من أي قرار شخصي سواء قرار زواج أو سفر أو عمل وما يتولد عن ذلك من صراع نفسي.

تدور أحداث الفيلم بشكل رئيسي عبر حوار متصل بين ندى رياض وأيمن الأمير اللذين ربطت بينهما الثورة في البداية، لكن الوضع المحبط للثورة سياسياً واجتماعياً جعل أيمن يفكر في الخروج من مصر لاستكمال دراسة السينما والهروب من الصورة التي تزداد قتامة، فيما ترغب ندى في البقاء، فهي ترى أن استكمال مشروع الثورة واجب حتى لا تقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه والداها من نشطاء جيل السبعينيات حينما سافرا من مصر محبطين وعادا إليها لا يرددان سوى أغاني الشيخ إمام.

يتواصل الفيلم كمحاولات للإقناع بين الطرفين. هذه المحاولات تنتهي جميعها بالفشل الذي أصبح يهدد العلاقة رغم متانة رابطها العاطفي، فالأسباب المقنعة هشة نتيجة حالة الإحباط والحيرة، فندى نفسها التي قد نعتقد أنها الأكثر مثابرة ورغبة في استكمال الطريق لا تعرف كيف تخدم الثورة وهي التي اعتادت على التظاهر ولا تدري ماذا تفعل كخطوة تالية، وأيمن الذي يبدو مصرّاً على ترك مصر هو في الحقيقة راغب في البقاء، وخيار الهجرة بمثابة حيلة نفسية للهروب مع إحساس واضح بالذنب.

يلخّص مشهد الدراجة التي ترغب ندى في تعلم قيادتها حالة العجز والتخبط، فالدراجة التي ستسمح لها بحرية الحركة ومراوحة مكانها لا تعرف كيف تتعامل معها رغم محاولاتها المتكررة في التعلم على يد أيمن، في المقابل، فإن الأخير يعرف جيداً كيف يراوح مكانه دون أثقال نفسية كبيرة.

فيلم "نهايات سعيدة" كان من المقرّر عرضه ضمن "أيام القاهرة السينمائية"، التي اختتمت الإثنين الماضي، وتم منعه من العرض، وهو منع غريب إذا فكرنا بطريقة الرقيب، فالفيلم لا ينتقد النظام الحالي بشكل مباشر أو غير مباشر، هو فيلم عن الهزيمة والمهزومين وأحلام ضائعة ومصير حائر لحلفاء الثورة.

يبدو أن الرقيب لم ير من الفيلم سوى أول مشهد والذي تظهر فيه الناشطة السياسية ماهينور المصري وهي تغني وتصفق مع آخرين ضمن حفل زفاف، ولم تظهر مرة أخرى بعد ذلك، لكن يبدو أن هذه اللقطة العابرة أثارت حفيظة ورعب الرقيب وقرّر إلغاء عرض الفيلم برمّته، لأنه ربما يرغب - إلى جانب حذف أرشيف الثورة - بأن تُنسى وجوهها المعروفة كأنها لم تكن.

 
 

قراءة في شابكة فرقة الأوركيد

الجمعة, 21 أيلول/سبتمبر 2018 20:55

شابكة: لفرقة زهر الأوركيد الأسطوري

ضمن أنفاس الكاتب ذ. محمد أمين بنيوب

النفس 219. أنا الموقع أعلاه وليس أدناه..

شابكة في بني ملال لفرقة عطر الملوك أو زهر الأوركيد الأسطوري…

1.كتابة برشيد وثنائية الهوية والحرية..

كان ولازال المبدع عبد الكريم برشيد يدعو لمسرح نابع من جذور التاريخ و مستلهم لوقائعه ومتفاعل مع تحولات المجتمعية وقضاياه المصيرية.

تقف منظومة الكتابة المسرحية البرشيدية عند سؤال جوهري وناظم لهذه الكتابة وموثق لتفاصيلها وتضاريسها الضاربة في الحضارة والثقافة والفرجة الكونية . إنه سؤال الإنسان الفاعل والمغير للكوكب البشري و الثواق للحرية والصراع من أجل استمرار وجوده. وجود بثنائية مزدوجة ومركبة ، الهوية والحرية. وحياة الدراما في تاريخ البشرية، عمقها الفكري والفلسفي، الدفاع عن هويات إنسانية وخطابها الثقافي والفني ترسيخ قيم الحرية والحوار المتمدن.

إذن، ماهو هذا الكائن الجبار الذي يستوطن دواخلنا ويفرض علينا تأريخ هوياته ونحث شجرة أنسابه وتدوين ألقابه والتحدث باسمه ونقل مأساته و ملهاته و سخرياته للعالم ؟؟؟

طبعا الدراما هي من تعالج الأوضاع السفلى للأجلاف والمستضعفين و تفضح أسرار الأوضاع العليا للمتسلطين علي الأعناق والأرزاق..

فمرة عطيل ومرة كودو ومرة الحكواتي الأخير ومرة جاليليو ومرة سيدي قدور العلمي ومرة كاهنة المطبخ ومرة المقامات واللائحة ممتدة في الزمان والفضاء والتاريخ. وفي أحايين كثيرة يجنى على نصوص تعد وتقتبس بدون وعي وتقدم بلا روح وبلا أفق معرفي وبلا حس جمالي، تحت ذريعة التجريب في الكتابة.

2.عرض شابكة ولعبة الأقنعة.

هذا مقال نقدي لمسرحية ترسم معالم هذه الثنائية، ثنائية الهوية الحربائية والحرية المقنعة والممنوحة عبر جرعات، كما طرحها خطاب نص على باب الوزير للكاتب

عبد الكريم برشيد والذي تحولت مضامينه وأفكاره وقيمته الفنية إلى شابكة بفعل فاعل…

هنا الفاعلون معلومون وليسوا بمجهولين. مادام الكاتب المسرحي منح لمبدعي العرض مساحات كبرى لكي يقوموا بتحويل بنيان النص وتنويع أحداثه ووضع هويات جديدة لشخوصه الماكرة والغارقة في السخرية، بغرض الاستجابة لأوضاع راهنية غارقة بدورها في المكر والخداع والتمويه وتغيير الأقنعة حسب الموقع. كل شخصية درامية يحدد مصيرها على الركح في مدى احتلالها لموقع السلطة. سواء سلط سياسية أو اقتصادية أو رمزية ومن لم يحدد مصيره في مستنقع اللعب الكرنفالي، فهو أقرب لحثالة آدمية معرضة على الدوام لكل أصناف التهجين و مآلها المحو من سجلات والتاريخ و رقائقه.

في هذا الاتجاه. عمل شابكة يؤسس لذلك. عليك أن تحدد موقعك في سلطة اللعب. فأنت وسط رقعة اللعب المحددة والمرسومة سلفا، مجرد أداة طيعة وخاضعة لسلطة عليا تسحقك أو أنت فقط لعبة أطفال بخيسة يحسن استعمالها واستغلالها حسب الظروف أو على الأصح مجرد رماد يتم تبريد أو تسخين بنزينه حسب المحن والأزمات والفجوات.

في كلتا الحالتين، أنا وأنت والآخرون، كائنات للتعبئة والتهييج والترويض، أقرب لتجارب كلاب بافلوف أو مختبرات أعدت للتبليد والتنويم. دائما على مشارف الإنهيار و الإنحدار.دوما نؤجل مأساتنا ونغلفها بالطقوس الكرنفالية و نلبسها ثياب الاحتفالات النصرية والملحمية.

في الحقيقة، وجودنا ثابت لايتزحزح. نحن خارج قوانين التاريخ وأبنيته. (في كل مرة نشرف على الهاوية. ثم في آخر لحظة، نعثر فيها على حيلة ننقذ بها الموقف، فنطبل و نغيط ونظن أنفسنا كسبنا المعركة، في حين اشترينا مهلة، وهكذا تتوالى الأيام كلها أعياد كما تقول الأغاني. عبد الله العروي. خواطر الصباح)

3. من عتبة باب الوزير إلى فوضى عالم موسيقي كرنفالي يدعى شابكة.

ينهض النص الأصلي على باب الوزير للكاتب عبد الكريم برشيد على نفسين اثنين من سبعة عشرة لوحة باللغة العربية.

يتكون النفس الأول من إحدى عشرة لوحة. تقع أحداثه داخل منزل تقطنه عائلة عبد العالي. أقرب لكوخ مرمي في ضواحي المدينة.

أما النفس الثاني، فيضم ست لوحات. تجري وقائعها في إقامة الوزير الفاخرة. خدم ورفاهية. عائلة عبد العالي على باب وزير، عله يفتح لها باب الزمن المخملي. العائلة كلها مجروبة، باستثناء الزوجة صالحة. صالحة الروح والفكر والجمال والأصل.

عائلة عبد العالي تعرف جيدا ماضي الوزيرالبئيس وبخاتم سليمان اقتحم الوزير ببلادته و نواعيره الدوائر العليا. جدد هويته ووسع وعاء مصالحه ورمى شباك أخطبوطه الانتهازي في الوحل المجتمعي. قطع بصفة نهائية مع ماض يدعى الضواحي المعتوهة والمقرفة. حتى عائلة عبد العالي بالنسبة إليه باعوضة. شيء يجهله ولايرغب بمن يذكره بأيام البؤس والتيه والبلادة.

اعتمد مشروع نص شابكة، إعدادا و تصورا فنيا و إخراجا على النفس الأول فقط (أربع لوحات بالدارجة).

فالمبدع أمين ناسور، ركز بشكل جيد على عائلة عبد العالي وصراعاتها الداخلية. من جهة صراع الأم التي تقاوم من أجل البقاء والتحدي وعدم الاستكانة ومن جهة أخرى صراع الأب والإبن من أجل الوصول نحو عالم علوي لا يلائم مقاس بدلهما الغارقة بروائح الزلط ورطوبة هوامش المدن. يحضر جهاز المذياع بقوته التشخيصية. يحتل مكانة أساسية في الحكي واللعب والحركة. بل يشكل روح العمل الفني وتم إظهاره كشخصية تقمصها بحرفية عادل أضريس. أحيانا متحكمة في الأوضاع وأحيانا أخرى ساخرة منها. فسينوغرافية العمل الذي وقعه المبدع طارق الربح، وضع الكل وسط مذياع رسمي. يبث خطابا توزيعيا مخدوما في رسائله ورموزه ومعانيه ( في دراسته حول الإذاعة. اعتبر بريشت الإذاعة أداة توزيع وليست أداة اتصال). فالعائلة مسجونة داخل مذياع يوزع وجبات استهلاك وهضم المعلومات عبر أنماط توزيعية. ترقص العائلة المعتوهة على نغماته. تدجن بنشراته. تسجل أصواته المتنافرة. تسبح عبر موجاته المتقلبة. حتى من يعمل بداخله أصيب بالضجر ومل من نشر التمويه الاتصالي. في النهاية، تقرر شخصية المذياع الثورة على وظيفة التوزيع والبحث عن أمكنة صادقة للاتصال النبيل.

أحسسنا ونحن وسط القاعة، أن ذبذبات المذياع أيقضت كل السخريات وشحنت كل العوالم بالضحكات البيضاء والصفراء والسوداء. طرح السؤال علي كمشاهد.

هل كنا نسخر من عائلة عبد العالي؟؟ أم كنا نسخر من أحوالنا أم نسخر من شخصية صوت الراديو الذي قذفته الموجات الكهربائية اتجاهنا غاضبا حانقا ؟؟؟؟

هل قدم لنا عمل شابكة موقفا كرنفاليا من الذات والمحيط والعالم؟؟؟

ما دور الجوقة الموسيقية الجوالة؟؟ هل حدد في الربط؟؟ هل حدد في تكثيف حالات درامية دون أخرى؟؟؟؟

هل كانت الموسيقى الدرامية شاهدة ومؤرخة لحالة أسرة عبد العالي ومختزلة لحالتي البؤس و الطموح؟؟

هل كانت موثقة لصورة التسلط والقهر؟؟

لماذا تم استعمال الموسيقى الحية؟؟؟

لماذا زاوجت بين الثقافة الموسيقية الكلاسيكية وأنماط الثقافة الموسيقية المغربية؟؟؟

عبر هذه العوالم المتضاربة و أمواج الحياة المتلاطمة. انتصب ركح معبأ بالحكي الممزوج بالحركة والغناء والرقص بعمق غارق بالكوميديا وتوابعها الساخرة.

أدخلنا عمل شابكة في عوالم متشابكة. ضاع فيها صوت الحرية والهوية وتاه منطق الحق. وحدها صالحة جنحت لإسماع صوت حر لا يباع ولا يشترى و تقمصتها بحرفية كبيرة الممثلة حنان الخالدي. أما شخصية عبد العالي والتي جسدها الممثل الموهوب والمقتدر عبد الله شيشة، ظلت قابعة وموزعة وساخطة على وضع اجتماعي ومهني بئيس وطموح انتهازي للإرتقاء في سلم اجتماعي يفوق شريحته المختلة.

وتبقى شخصية سلطان الإبن الحربائي، ظاهريا يرتدي فكر المعطف الثوري وباطنيا ينخره فكر وصولي ونفعي. أجاد في لعب هذا الدور المركب نبيل بوستاوي. أما الجوقة الموسيقية الجوالة، لعبت دورا محوريا في ترابط الأحداث وتطورها بشكل درامي، حيث امتزجت لغات الغناء والعزف والصوت وقربت لنا كل العوالم المتنافرة بأنفاس ساخرة. فقد مثل الثلاثي الموسيقي عبد الكريم شبوبة و أنس عاذري وهند نياغو، لحظات قوية و متقنة وجميلة، حركة وصوتا وغناء و إيقاعا.

إنهم جماعة فرقة زهر عطر الملوك الملالية . أركيديون محترفون، أبدعوا في رسم عرض مسرحي يكنى شابكة، بأساليب كرنفالية وبمواقف كرنفالية. قررت في نهاية النفس المسرحي،أن تجتمع وتصيح بصوت واحد على إرث مجموعة لمشاهب الخالدة…

وا حيدوه ..وا حيدوه…وا قاطعوه …وا قاطعوه… وا قاطعوه…

ترى لمن وجه الخطاب.؟؟؟؟

 
 

عوالم الفرجة السردية: اللغة والعلامات

عوالم الفرجة السردية

اللغة والعلامات الرُّكحية


بقلم الأستاذ الباحث عبيد لبروزيين

يعد مفهوم الفرجة من المفاهيم المخاتلة التي يختلف معناها في اللغة والاصطلاح، فالتتبع الإتمولوجي لكلمة الفرجة في اللغة العربية، يحيلنا إلى معان عديدة، ودلالات متنوعة، فقد وردت في المعاجم العربية القديمة، وبالأخص في لسان العرب في ''باب فرج الفرج'' بمعنى ''الخلل بين الشيئين، والجمع فروج، والفرجة بالضم: فُرجَة الحائط وما أشبهه، يقال: بينهما فُرجَة أي انفراج. والفُرجة : الراحة من حزن أو مرض والفَرجة : التفصي من الهم''1.

نلاحظ من خلال هذا التعريف، أنه لا وجود لمفهوم الفرجة بمعناه الحديث في المعاجم العربية القديمة، وإن كانت بعض الدراسات تتناوله من منطلق العصر الراهن، وهذا لا يعني أن العرب لم تعرف الفنون الفرجوية كما يحاول البعض أن يدعي، إلا أن سبب عدم وجود مفردة تدل عليها يثير العديد من الأسئلة المرتبطة بالسياق الثقافي والسوسيوسياسي، فربما تم تجاهلها نظرا للنظرة الدونية التي وسمت هذه الأشكال التعبيرية، أو لأن الأشكال الفرجوية الموجودة إذ ذاك كانت تعرف بأسمائها فقط مثل: "خيال الظل" و"الحكواتي"...إلخ. وبالتالي، فعدم وجود كلمة الفرجة في "لسان العرب" لا يعني أن العرب لم تعرف أشكالا فرجوية، كما لا يعني أيضا وجودها.

أما مفهوم الفرجة بمعناه الحديث، فإنه لم يظهر إلا في المعاجم المتأخرة عن "لسان العرب"، وترد أول إشارة له في المعجم الوسيط بمعنى ''الفرجة: الشق بين الشيئين وانكشاف الهم، ومشاهدة ما يتسلى به (محدثة)2'' فإضافة كلمة "محدثة" دليل على أن القاموس العربي لم يعرف الفرجة بمعناها الحديث، وإنما هو معنى مولد من خلال فعل المثاقفة بين الثقافة العربية والثقافات الأجنبية.

أما في المعاجم الاصطلاحية، فإن الفرجة spectacle فيها أكثر غموضا من المعاجم اللغوية، حيث نجد ''في اللغـة العربية الفرجـة بالمعنى العام هي الخلوص من الشدة والهـم، وهناك أيضا معنى يقترب كثيرا من العـرض تدل عليه المولدة السريانية الأصل فرجـة، وهي اسم لما يتفرج عليه من الغرائب، سميت كذلك لأن من شأنها تفريــج الهمــوم، ومنها فعل فرجة على شيء غريـب لم يره من قبل أي أراه إيـاه''3.

وبعد أن أنكرت المعاجم اللغوية وجود كلمة الفرجة بمعناها الحديث في الإرث العربي القديم، يظهر في المعاجم الاصطلاحية المتخصصة، خصوصا عند ماري إلياس وحنان قصاب، الحس في محاولة إثباتها في التراث العربي القديم من خلال المولدة السريانية حسب قولهما المتأثر بنظريات تأصيل المسرح العربي، بحيث يظهر في قولهما هاجس البحث عن السبق المعرفي لمواجهة الإرث الثقافي الغربي، أو المركزية الثقافية الغربية بتعبير جاك ديريدا، وذلك بمحاولة قول إن الفرجة كانت متداولة عند العرب منذ القديم دون تفصيل في ذلك أو حتى تقديم الكلمة السريانية.

ومن خلال المعنيين اللغوي والاصطلاحي، يظهر أن الفرجة تحتمل مجموعة من الدلالات المختلفة، لأنها اصطلاحيا ليست محصورة في دلالتها على شكل أو قالب معين، بل تضم فيما تضم "أنواعا عديدة من العروض، منها السرك والألعاب الرياضية، وعروض التزحلق على الجليد، وعروض افتتاح الألعاب الأولمبية وكل أنواع العروض الأدائية"4.

إن هذا التعريف المترامي الأطراف، يجعل الفرجة تختفي فيها الخصائص الجوهرية المميزة لها، فتصبح الفرجة إذن ـ حسب أصحاب المعاجم السالف ذكرهم ـ كل شيء مرئي ومشاهد، مما يجعل الباحث يتيه في دوامة بحثه عن ما يميز الفرجة عن غيرها. فهل يكفي تمييزها من قبل ماري الياس وحنان قصاب على أنها تحتوي على حيزين "حيز اللعب Aire de jeu وحيز المتفرجين"؟

ترتبط دلالة الفرجة ارتباطا وثيقا بالحضارة والثقافة والتاريخ، فما تعنيه عند جماعة من الناس في حقبة ما، ليس ما قد تعنيه عند الآخرين في سياق مغاير، وبالتالي فالعناصر السابقة هي التي تكسبها معناها، إذ ليس من الغريب أن نجد تمثلات الفرجة مختلفة بين سكان أفريقيا وأوربا، لأن الشكل الفرجوي في مكان ما، وزمان ما، هو الذي يسمح بتمثل الفرجة، وذلك وفق سياق تؤسسه مجموعة من العوامل، حيث نجد مثلا في الثقافة الغربية أن ''الفعل تفرج spectare يدل على 'المشاهدة مع الانتباه' وكلمة spectaculum تعني 'كل ما يثير للمشاهدة''5، إذن فالكلمة تاريخيا كانت تضم عروض المصارعة وسباق العربات وكل ما يدخل في خانتهما، أو كل ما يشاهد ويبعث الإثارة في المتلقي. لكن سرعان ما ظهرت عروض جديدة تندرج بصفة عامة تحت الفنون الفرجوية artes du spectacle كـ(السينما والمسرح والأبرا والسيرك والحفلات الكلاسيكية وحفلات الروك)، مما يدل على أن الفرجة تتخذ معناها من السياق الثقافي والتاريخي معا.

وقد ربطنا المفهوم بالتاريخ والسياق الثقافي لأنه يتحدد وفقهما، فـ''من الضروري رؤية متى وكيف يعني المسرح مثل ما تعنيه الفرجة، لأنه في روما قديما كانت كلمة spectaculum لا تخص المسرح فقط، ولكن أيضا كانت تعني الألعاب ومبارزات السيرك''6.

وبالرغم من أن الفرجة تتحدد وفق المرجعين، الثقافي والتاريخي، إلا أنها كذلك محط اختلاف أصحاب المعاجم الاصطلاحية، إذ يعرفها "باتريس بافيس" بكونها "كل ما يعرض للمشاهدة (فالفرجة كونية تحت نوع كل ما يشاهده العالم، بارث، 1975) وهذا المفهوم النوعي يوظف في الجزء المرئي من العرض ((représentation وفي أشكال فنون العرضarts de la representation  (رقص، أبرا، سينما، الميم، السيرك ...)، إضافة للأنشطة الأخرى التي توظف مشاركة الجمهور (رياضة، شعائر، عبادات cultes تفاعل interaction)''7 وهنا تتخذ الفرجة أشكالا مختلفة ومتنوعة يصعب على الدارس حصرها.

يستوجب جعل الفرجة مادة للدراسة التحقق من كيفية إنجازها، وتحليلها بمناهج نقدية تراعي قواعد الحقول العلمية (النظريبات النقدية) التي ينتسب إليها، ولتيسير فهمها ما كان من النقاد الفرجويين (أقصد نقاد المسرح والسينما بالخصوص) وأصحاب المعاجم إلا أن حاولوا تقسيمها، ليضيف "ميشيل كرفان" بعد أن أحس أن جغرافية مفهوم الفرجة مازالت غير مرسومة الحدود، وغير واضحة المعالم، فشرع يقسمها إلى فئتين كبيرتين:

  • فنون العرض arts de la représentation.

  • فنون الخشبة arts de la scène.

أو إلى:

  • فنون الخيال  arts de la fiction: (مثل المسرح والسينما غير الوثائقية، الميم...)

  • الفنون غير الخيالية arts non-fictionnels: (مثل السيرك، وسباق الثيران، والرياضة...)8

لقد حدد "ميشيل كرفان" الفرجة بهذا التقسيم، وأصبحت موضوعا محددا بعد أن كان غامضا وغير واضح المعالم، وإليه يرجع الفضل في تطور الدراسات الفرجوية. ويبدو أن "آن أبرسفيلد" تأثرت بطروحاته، فهي تتفق معه، حيث تقول: إن لكلمة الفرجة معنيين :

أ ـ تدل على تظاهرة أنتجها أناس أمام أناس آخرين يجدون فيها كل المتعة، كل رقصة وكل مباراة ملاكمة وكرة القدم وكل استعراض أو عرض هو بمثابة فرجة مثل تمثيل مسرحي. وليست سوى مبالغة في التعبير أو الكلمة إذا ما نحن اعتبرنا فلما أو تظاهرة تلفزيونية بمثابة فرجة، حيث هما صور وليس حـضورا آنيا للمرسلين ...

ب ـ تدل على التظاهرة المسرحية، كل ما يجعل من الممثل حضورا فعليا إلى جانب الديكور، الملابس والإنارة، الحركة وكلام الممثلين، الموسيقى والرقص...9

لقد أسهمت المعاجم الفرجوية، والمسرحية منها خصوصا، من تحديد مفهوم الفرجة، وإزالة الغموض الذي كان يكتنفها، سواء بتحديد عناصرها، صانع الفرجة ومتلقيها، أو أنواعها، أي الخيالية وغير الخيالية.

والفرجة التي سنتحدث عنها في هذه المقالة هي الفرجة المسرحية، التي تعتمد السرد والحكي باللغة الملفوظة أو عناصر السينوغرافيا أو حركات الممثل. وبذلك تختلف وسائط السرد في الفرجة حسب أهميتها، فيمكن أن يكون السرد بالصورة أو الإشارات والرموز أو الإيماءات...إلخ، لبناء حدث يتضمن بداية ووسطا ونهاية، ولكن اهتمامنا سينصب على السرد في العروض المسرحية بواسطة اللغة والجسد والسينوغرافيا.

اللغة:

تعد اللغة مجموعة من الرموز التي توافق الناس على إكسابها معان ودلالات مختلفة، ونقصد بها في العرض المسرحي اللغة الملفوظة التي ينطق بها الممثلون، فبواسطتها يتم سرد الأحداث والوقائع أو نقلها وسردها للمتلقي، ويمكن أن نقول بأن الفرجة هي التي تقوم بعملية السرد، أي معادلة للسارد في النصوص الأدبية، فالعناصر التي تكون الفرجة، مهما اتسقت أو اختلفت، تتضمن قابلية لتتحول إلى علامات دالة قابلة من خلال علاقاتها للقيام بعملية السرد، ومنه، يتم إنتاج نص فرجوي متكامل، وهذه العناصر هي: الإخراج والتأليف والتمثيل، والسينوغرافيا. وبالتالي يمكننا أن نقسم السرد في العرض المسرحي بواسطة اللغة –سواء كانت ملفوظة أم بصرية- في علاقته بالحدث إلى ما يلي:

شعرية الحدث: السرد الممكن

تجسد اللغة الأحداث والوقائع التي تسرد بطريقة أو بأخرى أمام الجمهور، وتنبني على محور الاختيار، أي اختيار مجموعة من الإمكانيات اللغوية المتاحة، بمعنى اختيار كلمة دون مرادفاتها، مثل اختيار صبي عوض طفل، أو جزء من الديكور عوض أجزاء مشابهة له، وفي هذه الحالة يتم إنزال سرد سابق (مرجع العلامة الواقعي) مكان سرد آني من خلال خطاب مكونات العرض المسرحي (مرجع العلامة المسرحي) وخصوصا الملفوظ الحواري، فعبارة "اذهب إلى حال سبيلك" يمكن أن تقال على خشبة المسرح بطرق مختلفة، تستند إلى مرجع واقعي، أي التداول اليومي للغة، ومرجع مسرحي، أي علاقتها بالعرض وبانفعالات الممثل.

وعليه، تقوم اللغة في هذه الحالة باستحضار وقائع وأحداث ماضية، وتصاغ بطريقة تعتمد على قدرة المبدع على الوصف والتعبير والسرد وامتلاك تقنيات الكتابة، وتقدم على أنها تعرض آنيا، والمرجع المسرحي هو الذي يجعل العلامة المسرحية مفارقة للعلامة الواقعية، فتتضاعف في علاقاتها المتشعبة لتقدم على أنها انزياح، وهو ما يخلق العنصر الفرجوي spectaculaire، أي ما يجعل من الفرجة فرجة إذا اقتدينا بعريف الأدبية عند رومان ياكبسون والشعرية عند جون كوهين.

آفاق سردية: شعرية السرد الحواري

في هذه الحالة تكون لغة الحوار ساردة ومسرودة في نفس الوقت، ساردة لأنها تقدم حدثا آنيا (التعبير عن الحدث أو مكنونات الشخصية وطموحاتها...) ومسرودة لأنها تقدم كيفية بناء الأفعال السردية المتعلقة بالحدث والشخصيات، وهكذا تتحول المقاطع الحوارية إلى تقنية للسرد، قادرة على خلق آفاق شعرية رحبة، وهي لا تكتسب جماليتها إلا في علاقتها بعناصر السينوغرافيا.

لنأخذ مثلا اللغة الشعرية عند المسكيني الصغير، وهذا لا يعني أن نرصد مدى انزياحها عن اللغة اليومية، بل شعريته تكمن في استحضار بنية المسرحية أولا، وجمال العبارة ثانيا، ونقصد هنا بالجمال التوفق في استعمال الصور الشعرية التي تنقل الخطاب العادي إلى خطاب جمالي، كما هو شأن الانزياح اللغوي في هذا المقطع الحواري:

"ابن دانيال: ...لكنهم يَلعَقُون بشراهة كل أنواع الإهانات، يتمسحون بالصبر كالقطط الجرباء.. خوفا من قولة الحق.

طيف الخيال: الحق سيف يا معلمنا الأكبر.

ابن دانيال: من يرفع السيف المنتظر.. ويحصد هذا الطحلب الملفوف فوق الرؤوس.. شارات وعناوين باهتة".

وعندما نتأمل عبارة "يلعقون بشراهة كل أنواع الإهانات" يتضح فيها الانزياح الدلالي، فالناس لا يلعقون، والإهانات ليست سائلا يمكن لعقه، أو التشبيه في عبارة "الحق سيف" حيث شبه الحق بالسيف، وغيرها من الانزياحات الأخرى، وهذا ما يجعل لغته لغة شعرية بامتياز، وهو ما نقصده بشعرية السرد الحواري.


شعرية اللغة الساردة المتعالية

لغة رواية الأحداث، تصدر عن الراوي/السارد، هي تقنية تعتمد في المسرح داخل المسرح غالبا، متعالية، لأنها تستقل بأسلوبها في تقديم الأحداث، وتجعل مسافة بينها وبين المرويّ، فهي تشتغل كلغة فوقية. إن اللغة وسيلة سردية وغاية، فهي وسيلة لطرح الأحداث وفق قالب معين، والفضاء الذي تتشكل فيه بشكل كرونولوجي أو غيره من أشكال السرد المختلفة، وغاية لأنها رسالة تركز على ذاتها، أي على كيفية نقل الأحداث والوقائع، وهذا ما يميز الخطاب الأدبي والفرجوي عن الخطاب اليومي العادي.

- المراجع

1- أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري: "لسان العرب، باب فرج الفرج"، دار صادر بيروت، المجلد الثاني، دط، دت، ص 341.

2- مجموعة من الكتاب، "المعجم الوسيط"، الجزء الأول، من أول همزة إلى آخر الضاد، المكتبة الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، اسطنبول، تركيا، دط، دت، ص 679.

3- ماري إلياس وحنان قصاب: "المعجم المسرحي مفاهيم ومصطلحات المسرح وفنون العرض"، مكتبة لبنان ناشرون ط1، 1997، ص 36.

4- نفسه، ص 36.

5- Michel Corvin, Dictionnaire encyclopédique du théâtre, Bordas, Paris 1991, P 787.

6 - Ibid, P: 787.

7- Patrice Parvis, dictionnaire du théâtre, Edition sociales, Paris 1987, P P  369 -370.

8- Michel Corvin, Dictionnaire encyclopédique du théâtre, Bordas Paris,  P 371.

9-Anne Ubersfeld, les termes clés de l’analyse du théâtre, Edition du seuil, février 1996, P 78.

9- المسكيني الصغير: "البحث عن رجل يحمل عينين فقط"، منشورات دار التوحيدي، ط 1، 2015، ص: 9.

لبروزيين عبيد: أستاذ باحث

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.


 
 

الصفحة 1 من 20

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com theatretafukt@gmail.com
Télé: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.