Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
متابعات - تغطيات صحفية: رحيل مبدع النشيد الوطني المغربي - الأربعاء, 07 تشرين2/نوفمبر 2018 09:05
أخبار - منوعات - إصدارات : مكانة الأمازيغية في الإعلام بعد الدسترة - الأحد, 04 تشرين2/نوفمبر 2018 11:05
مواعيد فنية - ثقافية: ندوة قانون الفنان والمهن الفنية - السبت, 10 تشرين2/نوفمبر 2018 10:28
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: مسابقة السيناريو بمهرجان زاكورة السينمائي - الخميس, 08 تشرين2/نوفمبر 2018 12:38
متابعات - تغطيات صحفية: تونس تتوج بمهرجان هوارة للمسرح - الإثنين, 05 تشرين2/نوفمبر 2018 12:04
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: ياسين فنان يعود إلى السينما - الخميس, 08 تشرين2/نوفمبر 2018 09:55
مواعيد فنية - ثقافية: ورشة: المبادئ الأساسية لفن السينوغرافيا - الجمعة, 02 تشرين2/نوفمبر 2018 19:37
مسرح - الفنون الدرامية: فاطمة تحيحيت في ضيافة مسرح تافوكت - الأربعاء, 31 تشرين1/أكتوير 2018 19:25
أخبار - منوعات - إصدارات : تكريمات مهرجان هوارة الدولي للمسرح - الجمعة, 02 تشرين2/نوفمبر 2018 11:52
مواعيد فنية - ثقافية: الدرس الافتتاحي للموسم الإعلامي الجديد - الجمعة, 02 تشرين2/نوفمبر 2018 11:05
Blue Grey Red
مسرح - الفنون الدرامية

سالومي: التأويلات الجديدة المرتبكة، وتمويهات لغة الإخراج

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الإثنين, 10 تموز/يوليو 2017 11:51

"سالومي" التأويلات الجديدة المرتبكة، وتمويهات لغة الإخراج


بقلم د. صبري حافظ

لا شك أن تميز المخرجة يائيل فاربر Yael Farber المولودة عام 1971 في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا أثناء فترة التمييز العنصري فيها، التي تربت في بداية حياتها المسرحية، كما تقول لنا في (مسرح السوق Market Theatre) الشهير في جوهانسبرغ، وهو أبرز معامل جنوب أفريقيا الدرامية، هو الذي مكّنها من أن تشق طريقها في عالم المسرح الغربي الواسع، وأن تفرض نفسها بقوة في ساحته. حيث عرضت مسرحياتها في السنوات العشر الأخيرة على أهم مسارح لندن ونيويورك وباريس، كما استطاعت عروضها الحصول على عدد من أبرز جوائز الإخراج الغربية. وقد سبق أن كتبت لقراء "ملحق الثقافة" عن عرضها المتميز لمسرحية الكاتبة الأميركية السوداء لورين هانزبري (البيض) في المسرح القومي الإنكليزي في العام الماضي. وها هي تعود هذا العام إلى خشبة المسرح القومي الإنجليزي من جديد، بأحدث عروضها "سالومي" الذي طورته في العاصمة الأميركية، واشنطن، ثم جاءت به إلى المسرح القومي الإنكليزي حيث يعرض على خشبته الآن.

وقبل التوقف عند هذا العرض لا بد من التريث قليلاً عند مسيرتها المسرحية وكيفية تحوّلها من الإخراج إلى الكتابة "الركحية" كما يسميها إخواننا التوانسة. فقد تخرجت من قسم الفنون المسرحية في (جامعة فيتفاترزراند Witwatersrand) أبرز جامعات جوهانسبرغ. وبدأت حياتها كممثلة ثم مخرجة في مسارح جنوب أفريقيا، حيث أخرجت عددًا من العروض المسرحية لأبرز كتّاب جنوب أفريقيا المعاصرين الذين تعاملوا مع ميراث التمييز العنصري البغيض وقضايا التحول الحرجة إلى الديموقراطية.

لكن المسرحية التي وضعت اسمها على خريطة الإخراج هناك ثم لفتت لها الأنظار في الغرب كان إخراجها لمسرحية الكاتب الإنكليزي مارك ريفينهل الشهيرة الصادمة (الاستبضاع والجنس Shopping and Fucking) حيث حصلت على أفضل الجوائز المسرحية في جنوب أفريقيا وقتها، بما في ذلك جائزة أفضل مسرحية وأفضل إخراج عام 1997. فدعاها مركز لينكولن المسرحي في نيويورك لورشة عمل استمرت لعشرة أشهر، ما أتاح لها إخراج مسرحيتها التالية لمسرحية أشهر كتاب جنوب أفريقيا المسرحيين قاطبة: آثول فوجارد Athol Fugard (أهلا وإلى اللقاء Hello and Goodbye) لمسرح الطريق بمانهاتن أو بالأحرى في برودواي قلب المسرح النابض في نيويورك ثم انتقلت بها إلى نيوجيرسي.

وهو الأمر الذي فتح لها الباب عام 2000 للمشاركة مع نجمة المسرح الأسود في جنوب أفريقيا ومغنيته الأشهر ثيمبي متشالي Thembi Mtshali لكتابة مسرحيتها التالية (الوصيفة A Woman in Waiting) لمسرح جوزيف باب Joseph Papp Public Theatre في نيويورك، فحصل العرض على أكثر من جائزة في نيويورك، الأمر الذي فتح لها الباب أمام المشاركة في مهرجان الفنون السوداء في أتلانتا، ثم مهرجان إدنبره المسرحي في اسكتلندا، ثم مهرجان قرطاج المسرحي في تونس، فحصلت في هذه المهرجانات على أكثر من جائزة. حيث اهتمت ببلورة لغة إخراجية خاصّة تولي عناصر المشهد التكوينية وتراتباتها الدلالية، والموسيقى الحية التي تتخلق بطزاجة على الخشبة، وتوزيع حركة الممثلين بطريقة كوريوجرافية Choreography مع التركيز على استخدام طاقاتهم العضوية عنايتها الفائقة، بصورة يؤدي تضافرها ومشاركة الممثلين في توليدها إلى خلق مناخ يرد للمسرح طقسيته الساحرة.

ثم عادت إلى جنوب أفريقيا لتخرج تأويلها الإخراجي الفريد لمسرحية شكسبير "يوليوس قيصر" بعنوان SeZaR الذي كرست به وضعها في بلدها كأفضل مخرجة في ذلك العام. ثم جرّبت الكتابة وحدها بعدها بمسرحية (غادر بهدوء He Left Quitely) عام 2002 عن حياة دوما كومالو Duma Kumalo وهو آخر الناجين من زنازين الإعدام في جنوب أفريقيا العنصرية.

لكن أولى مسرحياتها المؤلفة التي حظيت باهتمام كبير، وجربت فيها بحق قدرتها في الكتابة، وبالطريقة التي بلورها أعلام المسرح التونسي المعاصرين من توفيق الجبالي إلى فاضل الجعايبي والمعروفة باسم الكتابة "الركحية"، كانت (مولورا MoLoRa) عام 2004 التي تناولت فيها قضية موقف الضحية، بعد انتهاء سطوة الجاني القاهرة: هل يلجأ للثأر والانتقام لما عاناه على يديه، أم يتبع دعوة ديزموند توتو النبوية في لجنة الحقيقة والمصالحة بالتخلي عن نزعات الثأر الغريزية، والبحث عن عدالة ناجزة، قادرة على الخروج بالبلد كله من أزمته، أو بالأحرى من أنشوطة الانتقام والانتقام المضاد المزرية؟ صحيح أنها كجنوب أفريقية بيضاء لم تكن أبدا الضحية، مهما كانت مواقفها الشخصية، لكن إخراجها لعدد من أعمال كتّاب جنوب أفريقيا المختلفين، في تناولهم لمختلف التجارب التي عاشها السود تحت وطأة التمييز العنصري وطرد أشباح الماضي المقيت، أهلتها لأن تكتب بحق تجربة التحول من التمييز العنصري إلى الديموقراطية في هذه المسرحية.

والواقع أن سر نجاح هذه المسرحية يعود إلى أنها تنهض على نوع من التطويع الحر لثلاثية أيسخيلوس الشهيرة بالأوريستايا Oresteia التي ركّزت على اللعنة التي يعاني منها بيت آتريوس بعد مقتل أجاممنون وتطارد أرملته كليتمنسترا، وابنه أورست، وابنته إليكترا على السواء. تقدم لنا من خلال مفردات جنوب أفريقية خالصة، ومن خلال الميراث الشفهي للأمهات الأفريقيات وهن يمارسن غناء لغة "الخوسا" الحلقي التقليدي باعتبارهم كورسا جديدا للمسرحية المعاصرة، أول أعمالها التأليفية المتميزة. فكلمة "مولورا" التي جعلتها عنوانًا للمسرحية هي كلمة من لغة "السيسوتو" الجنوب أفريقية، وتعني الرماد المتخلف عن الجثث بعد ترمدها. ومن خلال طقوس التعامل مع هذا الرماد يواجه الحاضر ماضيه. وتعيد الدراما تجسيد هذا الماضي بكل عنفه ودمويته على المسرح، من دون أن يتخلى كورس الأمهات الطاعنات في السن عن التعليق عليه، فالذاكرة الجمعية هنا قادرة على اختزان التواريخ، لكنها أيضا تختزن القيم والمعايير التي تحول دون أن يتدنى السود إلى الحضيض الذي يتردى فيه الرجل الأبيض وعنصرية تمييزه الدموي القديم.

وكأنهن يطالبن الضحايا باستمرار، ومن خلال لعبة المرايا ورماد الأسلاف بالحفاظ على احتلال الموقع الأخلاقي الأعلى الذي جسّده كل من نيلسون مانديلا، وديزموند توتو باقتدار، بصورة ندرك معها ونحن نشاهد دراما الضحايا وهم يحثون الخطى نحو التحرر، ومأساة حياة السود المدمرة تحت وقع سنوات القهر والتمييز العنصري، ومدى تغلغل انكساراتهم في بنية تصرفاتهم التي تدفعهم إلى الثأر لميراث طويل، من القهر والعنف واليأس والموت، إن المسرحية تحول ذلك كله إلى طقس عضوي يستهدف الارتقاء بمشاعر القهر القديم إلى الموقف الأخلاقي والجمالي الأعلى، بعيدًا عن دوافع الثأر المتدنية.

بعد هذا النجاح الكبير الذي طافت معه بالمسرحية إلى كثير من عواصم العالم، بدأت في مواجهة قضية أخرى، هي قضية المرأة هذه المرة، وعلى خلفية جنوب أفريقية أيضًا، فهي تدرك أن موطن قوتها نابع من خبرتها الحميمة بمجتمعها. وذلك من خلال إعادة كتابة مسرحية أوجست سترندبرج الشهيرة (الآنسة جولي Miss Julie) في سياق حنوب أفريقي خالص، ومن منظور نسوي جديد بعنوان (Meis Julie) وأدارت أحداثها في جنوب أفريقيا الطالعة لتوّها من أسر التمييز العنصري، ولا يزال فيها الأفريقي الأسود يقوم بنتظيف حذاء سيده الأبيض، بينما ابنته المطلقة حديثًا جولي ترقص حوله في رقصة حسية جنسية واضحة، تطلق عنان التوترات الجديدة والقديمة معًا، وتوقظ عالم الأسلاف وهم يدعونه لفرض سيطرته الأفريقية على أرضه، وعلى جولي في الوقت نفسه.

ثم واصلت مسيرتها النسوية تلك في مسرحيتها التالية (نيرباهايا Nirbahaya) التي عرضتها لأول مرة في مهرجان إدنبره المسرحي عام 2013 فحصدت أكبر جوائزه وقتها. وتنهض هذه المسرحية على حادث كان لا يزال ساخنًا وقتها. حيث اغتصبت عصابة من الجانحين ليلة 16 ديسمبر 2012 شابة كانت تستقل مع خطيبها حافلة، جنوب مدينة دلهي العاصمة، فأشبعته ضربًا حتى فقد الوعي، واغتصب أفرادها خطيبته بالتتالي. أي أنها جاءت بالعرض إلى مهرجان إدنبره في أغسطس بعد شهور قليلة من وقوع الجريمة. واستعانت بممثلات هنديات وكورس هندي، لتكتب المسكوت عنه في الثقافة البطريركية التي تمارس مختلف أشكال العنف ضد المرأة، وتواصل هذا العنف بإخراسها صوت الضحايا. لذلك عمدت المسرحية إلى تدمير هذا الإحساس بالعار الذي يجبر الضحايا على الصمت والعمل على تبديل مواقعه، ليجلل العار أفعال المعتدين، لا المعتدى عليهن. فركوب فتاة جميلة تلك الحافلات المزدحمة في الهند المكتظة بالناس كمصر، يعني أن تتعرض دومًا للتحرش، وللأيدي التي تتحسس انحناءاتها، مما يستدعي الفيلم المصري الجريء (876) لبشرى ومحمد دياب. وقد عمدت المسرحية إلى تضعيف المشهد لتصبح قصة كل ضحية من خلال تقنيات المرايا تجسيدًا لعشرات القصص المشابهة على مر التاريخ وعبر الكثير من الثقافات والجغرافيات.

 

سالومي" من المغوية إلى المحرِرة"

وإذ يبدو أنني أطلت كثيرًا في تناول مسيرة يائيل فاربر المسرحية، فلأنني أقدر كثيرًا الموهبة الدرامية من ناحية، خاصة حينما توظف في خدمة قضايا عادلة، وبوعي درامي حساس بطبيعة مفردات العمل المسرحي المتضافرة، من النص والتشكيل المشهدي والحركة. وكل مفردات العمل المسرحي المعتمدة على التكثيف والحتمية الوظيفية. كما أنني أقدر حرصها على الوقوف في الجانب الصحيح من قضايا النضال في جنوب أفريقيا، وضد مرحلة التمييز العنصري البغيضة فيها، وعملها على طرد أشباحها وأوجاعها المقيمة في النفس البشرية. ثم أنها أضافت لها في مسرحيتيها الأخيرتين قضية المرأة، ومنح صوت للمقهورين والمهمشين، وتعرية المسكوت عنه كعار للمجتمع الأبوي وليس للمرأة الضحية.

لكن مسرحيتها الأخيرة "سالومي" قد تزعزع كثيرًا هذا التقدير، لأنني وبعد أن كتبت عن مسيرتها الطويلة تلك، لم أذكر أصولها اليهودية برغم اسمها الواضح في هذا المضمار. إلا أني مضطر الآن لذكره لأنني استشعرت من مسرحيتها الجديدة "سالومي" أنها تسعى لتوظيف كل ما أنجزته من خبرة إبداعية في الكتابة والإخراج على السواء، في خدمة أشد رؤى العصر تخلفًا وعنصرية، أي فكرة تبرير الأسس التي تنهض عليها دولة الاستيطان الصهيوني في فلسطين. من دون وعي، أو ربما بوعي صهيوني مراوغ، يدس السم في العسل. لكن دعنا نتعرف على المسرحية أولاً.

تبدأ المسرحية في القدس المحتلة، باكتشاف بقايا جثة نسائية تحت ما يفترض أنه آثار معبد سليمان أو معبد الجبل Temple Mount. ويندلع الخلاف حول أي من الجانبين: الفلسطيني أم الاستيطاني الصهيوني هو صاحب الأحقية في بقايا المرأة. هنا يرتد بنا السرد من الحاضر إلى الاحتلال الروماني للقدس قبيل ظهور المسيح. وكأنما ليقول لنا إننا نتعامل مع أرض كانت دومًا موضع نزاع. وهي فكرة صهيونية خبيثة، تبدأ بتأطير المسرحية كلها في الحفريات التي يجريها الصهاينة، وحتى اليوم من دون أي نجاح يذكر، قرب حائط البراق وتحت المسجد الأقصى لإثبات ملكيتهم التاريخية للقدس، ومعبد الجبل القديم الذي بدأ في بناء حائطه الغربي، حائط البراق، لمرارة المفارقة هيرود Herod عام 19 قبل الميلاد، بعد أن كان الرومان قد دمروه ونفوا اليهود من المدينة قبل أربعة قرون. وهو نفسه هيرود بطل قصة سالومي، ورأس يوحنا المعمدان.

وقد أكدت هذه الفكرة، فكرة أن هذه أرض متنازع عليها، بتعمدها أن يضم فريق الممثلين عربًا و"إسرائيليين" وأيرلنديين، كي تؤكد حقيقة الأرض المتنازع عليها وقد تجسدت بصريًا على الخشبة، ثم تجسدت لغويًا بأن جعلت الممثل السوري "رمزي شقير" الذي يقوم بدور "يوكانعان" Jokanaan وهو الاسم العبري ليوحنا المعمدان، يتحدث طوال العرض بالعربية، بينما أحد حراسه، وأحد حراس سالومي أيضًا يتحدث العبرية طوال الوقت، بينما بقية المسرحية بالإنكليزية. وهو تلفيق آخر لأنه لم تكن لا العربية ولا العبرية مستخدمة في القدس الرومانية وقت ظهور يوحنا المعمدان، وتبشيره بمقدم السيد المسيح. لكن دعنا نواصل قصة المسرحية "سالومي" التي تعتمد على المعلومات القليلة التي تخبرنا قصتها في أناجيل يوحنا ومرقص ومتى وفي المصادر التاريخية اليهودية الشحيحة من ناحية، وعلى المعارضة المباشرة لمسرحية "أوسكار وايلد" التي تحمل اسمها من ناحية أخرى. أي أننا بإزاء عمل يستغل شحة المصادر الدينية والتاريخية لزعزعة عدد من القناعات التي استقرت حول القصة الدينية، واستغلالها الدرامي معا ضمن تصور وايلد الذي يمزج الديني بالبطريركي بالإيروتيكي في خلطة درامية ناجحة.

هذه الرغبة في زعزعة السائد وتحديه، وطرح عدد من الأسئلة عن المنظور الذي تعاملنا به مع القصة الدينية وغيرها من القصص التي تمتزج فيها السياسة بالدين، هي فيما يبدو ما تطمح المسرحية إلى تحقيقه. فسالومي قد حرمت من أن تروي قصتها، وتحولت عند إوسكار وايلد إلى تجسيد لشرور الغواية وقدرة الجسد الأنثوي على الخداع، وهي تطرح عن الجسد الباذخ اللعوب أثناء الرقص غلالاتها السبع. أما هنا فإن يائيل فاربر تسعى لتخيل قصتها الدينية كسجل للمحو، وكطقس جمعي ينطوي أيضًا على تاريخه الخاص من العنف في مسرحية تعيد فيها تعريف الرقصة القاتلة وهي تسفر عن نفسها هذه المرة كفعل مسرحي سياسي معقد، يرد الصوت لمن لا صوت لهم. فقصة سالومي في الأناجيل وفي المصادر التاريخية اليهودية تخبرنا بأن هناك رقصة، لكنها لا تذكر شيئًا عن الغلالات السبع التي يبدو وكأنها من اختراع خيال أوسكار وايلد. وتحيط تفاصيل القصة بقدر من الغموض الذي لا يذكر شيئًا عن أن هيرود والرومان يمثلون سلطة روما كسلطة مستعمِرة. وكأننا بإزاء استعمار قديم جديد لم تتغير تفاصيله كثيرًا، وهذا هو سر صراخ يوحنا المعمدان في بريته بالعربية!

وبين سلطة هذا الاستعمار القديم الجديد أبدًا الغاشمة، وجماليات الصمت التي تغلف أجزاء مهمة من القصة، تروي يائيل فاربر قصة سالومي الجديدة باعتبارها قصة أساسية، ولكن في بحر من القصص الأخرى يصبح فيها جسد سالومي رديفًا لمدينة القدس في لاوعي النص الدرامي الذي تتراكب فيه المواقع، ويصبح يوحنا المعمدان وحائط المبكى والمسجد الأقصى وجوهًا متعددة لجوهر واحد. كما تضطلع سالومي بأكثر من دور في تلك القصة القديمة المتجددة دومًا. حيث تسيطر قوة استعمارية على الأرض والبشر، وتصبح الأرض مجسدة في القدس وفي سالومي معًا هي بؤرة أشواقنا وأحزاننا ومخاوفنا، وهي مزيج من الدنيوي والمقدس معًا.

وكما تتراكب الدلالات في شخصية سالومي، تتراكب أيضًا في شخصية يوحنا المعمدان/ يوكانعان/ الروحاني/ السياسي/ الثائر/ الذي يرفض الواقع السادر تحت الاحتلال، ويهجره – كجماعات التكفير والهجرة – إلى الصحراء حيث يقتات على الجراد ويرتدي بردة من وبر الجمال. أليس عربيًا؟! يقود أتباعه عبر نهر الأردن إلى أرض لا تزال موضع نزاع منذ زمن الرومان حتى الآن، داعيًا إلى عهد جديد يتحرر فيه الناس من الاحتلال الروماني، وتنبثق عن هذا التحرر أمة جديدة. لكنه يخفق، كما أخفق العرب دومًا، وينتهي به المصير إلى أقبية سجون المستعمر الروماني، فمن يا ترى سيحرره من هذا السجن، إنها هنا في مسرحية يائيل فاربر المرتبكة تلك سالومي. تتحالف مع الثائر الذي كرست القصة الدينية دورها في قتله، والمجيء برأسه على طبق من الفضة، كي تكون لها بالقطع أرض هذا الوطن الذي حررته.

ومع تلك النهاية ترتد بنا القصة من جديد، إلى الإطار والحفريات وبقايا المرأة التي ندرك الآن أنها سالومي اليهودية المحرِرة، حيث تنهي المسرحية رمزيًا على الأقل، الجدل حول تلك الأرض المتنازع عليها منذ آلاف السنين! ألم أذكرك أيها القارئ كيف أن تلك الفكرة التي انطلقت منها المسرحية فكرة صهيونية خبيثة؟! فها هي سالومي تغسل أيديها من ذنب اليهود عن قتل يوحنا المعمدان، كما حررتهم الفاتيكان عبر سنوات من الضغط السياسي من الذنب عن قتل المسيح. وهي بالطبع شخصية نسوية مغرية، حررتها الكاتبة من قيود عقدة المرأة المغوية، لتجعلها امرأة قادرة على رواية قصتها المغايرة، وعلى لعب دور في الثورة على الاستعمار.

نحن هنا، في الحاضر وليس أيام الرومان طبعًا، بإزاء أرض متنازع عليها منذ آلاف السنين، ولسنا بإزاء قضية استعمار استيطاني، كذلك الذي عاشت فترة أفوله في جنوب أفريقيا. ولكن الفرق أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، أسس دولته الاستيطانية في فلسطين، في زمن غروب الاستعمار، وبداية التحرر منه في العالم كله، على عكس ما كان في جنوب أفريقيا. وهذا ما جعله أسوأ استعمار استيطاني عرفه العالم، وهو أيضا قد تحول في العقود الأخيرة إلى نظام فصل عنصري بغيض. عرفت حقيقته المخرجة عن كثب في بلدها، ولكنها هنا آثرت أن تصمت عنه وأن تموه عليه بلغتها الإخراجية المتميزة التي تبدو هنا كما لاحظ الناقد المسرحي المرموق مايكل بيلنجتون، ناقد صحيفة (الغارديان) المسرحي، لغة تتسم بالتزيد والترهل وتفتقد للوظيفة الدرامية. فالدراما الحقة لا تتعايش مع الكذب والتخليط.

 

بلاغ الفرق المسرحية المحترفة بأكادير

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 06 تموز/يوليو 2017 11:06 الخميس, 06 تموز/يوليو 2017 10:15

بلاغ الفرق المسرحية المحترفة بمدينة أكادير


نحن الجمعيات المسرحية المحترفة بمدينة أكادير الموقعة أسفله، نرفع إلى علم الرأي العام المسرحي بمدينة أكادير وجهة سوس ماسة وعلى المستوى الوطني وإلى الجهات المسؤولة والداعمة لمهرجان تيميتار، بأن هذا المهرجان في دورته الرابعة عشر 2017 برمج عرضين مسرحيين في إطار أنشطته الموازية دون تعميم خبر تقديم طلبات المشاركة على مختلف الفرق المسرحية الجهوية الفاعلة والعاملة على ساحة المسرح جهويا ووطنيا ودوليا، الشيء الذي أثار شكوك واستياء عدد من الفرق المسرحية بشأن صياغة برمجة المسرح في هذه الدورة. وهذا ما دفعنا لصياغة هذا البلاغ، مطالبين الجهات المعنية بتحمل مسؤوليتها في هذه المنزلقات وما يمكن أن يترتب عنها من تفاعلات. علما أن مهرجان تيميتار يمكن اعتباره آلية من آليات تفعيل استراتيجية التنمية الثقافية بما فيها الإبداع المسرحي لخدمة الإنسان وقيمه الحضارية على مستوى جهة سوس ماسة بالدرجة الأولى.

وضمن هذا السياق نؤكد بأننا بموقفنا هذا لا نهدف المس بالفرقتين المسرحيتين المبرمجتين وإنما نكن لهما كل الاحترام والتقدير.

في الختام نرفع إلى كل المؤسسات المسؤولة بجهة سوس ماسة بالعمل على تمكين المسرح والمسرحيين من المساهمة في التنمية الثقافية والفنية والاقتصادية والاجتماعية لمنطقتنا، اعتبارا أن المسرح هو الآخر دينامية فعالة في إنتاج قيم الازدهار والتمدن.

توقيع :

فرقة دراميديا، فرقة بصمات الفن، مسرح أونامير وفرقة ومضات”

 
 

«مزيد من الكلام» لمسرح أبو ظبي

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

السبت, 01 تموز/يوليو 2017 11:10

«مزيد من الكلام» لمسرح أبو ظبي

تدور أحداث «مزيد من الكلام» حول حلم فياض الذي حرص على حبس مجموعة من الحيوانات المفترسة كي لا تؤذي أحداً من أهالي المنطقة، في مقابل تذمر خادمه سندس، وتمرده على فعل فياض بالحيوانات، في حين ينتقل الصراع الأبدي بين أبي نوفل الذي يترقب بفارغ الصبر عودة ابنه، ليرى حفيده بدن الذي سماه باسم جده الشجاع، ولكن هذا الحلم لم يطل كثيراً حينما يقرر ابنه الرحيل مع زوجته التي ترفض البقاء في هذه الأرض وتحمل ابنها «بدن» معها، وهنا يخذل نوفل حلم أبيه مرة أخرى، ويغادر مع زوجته، ليحرم أباه منه ومن حفيده.

«نقدم مسرحاً لكي يطلق علينا أننا ما زلنا نعيش، ما زلنا نتنفس، فمن خلاله نشعر أن أرواحنا فينا ثابتة، وأننا نستطيع أن نصرخ ونملأ المدى صراخاً». بهذه العبارة المؤثرة بدأت مسرحية «مزيد من الكلام»، تأليف وإخراج صالح كرامة العامري، وتشير هذه الكلمات إلى أولئك الفنانين الراحلين من رواد المسرح الإماراتي: «أناس رحلوا عنا وظلوا بيننا...». و قد قدم عرض العمل المسرحي الذي أنتج في فبراير 2017، بالتعاون بين مسرح أبوظبي واتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي، في مقره بالمسرح الوطني.

مسرحية «مزيد من الكلام» من تأليف وإخراج الفنان صالح كرامة العامري. و تم توقيع لغة النص بالعربية الفصحى. و عمل على تشخيص أطوار العرض كل من الفنانين: اسامة الحبيب ـ عزيز عوض ـ طارق سعد ـ إقبال شاكر ـ ميرال نيازي ـ عبد المؤمن تغرار ـ نيرمين رشدي ـ شريف رمضان ـ عايد عبد الله. ونجد في المكياج أسامة الحبيب. والإشراف الإداري كل من: محمد مرشد - علي الجابري - احمد الجنيبي. و في التنسيق الإداري كل من: آمال الاحمد - جميل لحام. موسيقى و صوت كل من: أحمد الجنيبي - سيف المرزوقي. و في التصحيح اللغوي: أديب عزّام. تصميم البروشور: ممدوح هاشم

وتعتبر مسرحية «مزيد من الكلام» أحدث ما كتب العامري، وسبق وأن فازت بجائزة التأليف المسرحي التي نظمتها دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة.

تدور أحداث المسرحية في إطار فانتازي يحقق فيه المكان مركزية الحدث نفسه، فهو يتنقل بين الصحراء و البحر، فهذا التنوع المكاني يقود الشخصيات التي أصيبت بالعطش في البحث عن المطر أينما حل فتعمد إلى النزوح نحو المجهول، فهناك شخصية البطل (فياض) الذي يبحث عن الطعام لحيواناته لا يجده في أرض جرداء، وكذلك (أبو نوفل) الذي يبحث عن حفيده الذي ابتلعه البحر وغادر عبر سفينة المسافرين. هذا التنوع المكاني أثرى التشكيلات البصرية. بحيث يقوم «فياض» بحبس مجموعة من الحيوانات المفترسة لكي يمنع خطرها عن المدينة، لما تشكله المدينة من تنوع في الحياة عبر الصحراء الممتدة نحو البحر. العامل «سندس» الذي يعتني بالحيوانات يرفض احتجازها وإبقائها محبوسة في الأقفاص، ويحث فياض على إطلاقها لكي تعيش حياتها حرة في الطبيعة، ويشتد الخلاف بينهما فيغادر سندس عمله. وهناك أيضاً «أبو نوفل» الذي ينتظر ابنه وحفيده القادمين من الغربة، لكن شعوره بالوحشة يزداد عندما يرفض الابن البقاء مع والده ويرحل مع زوجته التي لم تعجبها البيئة الجديدة، وبذلك يحرمان الجد من حفيده. القاسم المشترك بين فياض وأبو نوفل أن كلاً منهما متعلق بمكانه، رمز الوطن، ويبحث عما تحمله الحياة من قيمة مشتركة.

و عليه شارك في أداء هذا العمل المسرحي الذي يؤكد الحرية والتمسك بأرض الوطن، مجموعة من الممثلين، بعضهم من المحترفين وآخرون من الوجوه الجديدة. وفي لقاء مع صالح كرامة، مؤلف المسرحية ومخرجها، قال: يؤكد هذا العمل حرية الاختيار في الحياة والعمل بعبارات واقعية وإشارات رمزية، كما يعبر عن أهمية الترابط العائلي بين الجد والأحفاد، وضرورة عودة الأبناء إلى الوطن. وأضاف أن مسرح أبوظبي يسعى دائماً إلى ضخ جيل جديد ينضم لشباب الفرقة، وهي في تحدٍ دائم مع نفسها، وذلك إيماناً من هؤلاء الشباب في أن المسرح دائم الوجود أينما حل في صالة أو على خشبة، ولهذا اعتمدت تجربة الفرقة في انتشار الحدث المسرحي، ويذهب المسرح للمتفرج نفسه، لافتاً إلى أن العمل المسرحي قوة فعالة تكمن في أداء الممثلين، من خلال التدريبات المتواصلة لإنجاز مثل هذا العمل المميز والهادف.

 
 

مسارح التساؤلات والألم

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 06 تموز/يوليو 2017 11:05 الأربعاء, 28 حزيران/يونيو 2017 11:12

مسارح التساؤلات والألم

بقلم فوّاز حداد

 

تأتي على الأدب مواسم يزدهر فيها نوع على حساب بقية الأنواع، أو تيار أدبي طالع يبسط ظلّه، بحيث تتضاءل بالمقارنة معه تيارات كبرى، وكأن لا غيره أقدر منه، كما حدث في الرواية مع تيار "الواقعية السحرية"، من ناحية انسجام الواقع مع الخيال بكتابة استوعبتهما رؤية متكاملة. ما شكّل جاذبية لكتّاب الرواية الشبّان، فاعتقدوا ألا كتابة خارج الواقعية السحرية.


عضدها سيل من الترجمات تدفّق بكثافة إلى أسواق القراءة، فأصبح لهذه الرواية المزدهرة في أميركا اللاتينية معجبون ومريدون وكتّاب يكتبون على منوالها في بلادنا، ولم يعد هناك كاتب إلا ويحقن رواياته بقدر من شطح الخيال ليكون على مستوى الأدب العالمي.


إلى أن جاء الوقت الذي بدأت فيه هذه الموجة بالتراجع لتأخذ مكانها في تاريخ الرواية كإسهام أعاد الحيوية إليها طوال أكثر من عقد، وهو زمن لا يستهان به. وقد سجّل هذا التيار حضوره بتقلد اثنين من كبار كتابه، ماركيز ويوسا جائزة نوبل.


هذه الظاهرة حكمت تاريخ الأدب منذ ظهوره، فالرومانسية ومثلها الطبيعية والواقعية بتنويعاتها العادية والاشتراكية والقذرة، وربما النظيفة أيضاً. ولا ننسى تيار اللاوعي وصاحبه جيمس جويس، في روايته المعروفة "عوليس" التي احتلّت مكانة سامقة، وكان لها تأثير كبير استفادت منه الرواية بشتى تياراتها.

كذلك فاقت التقليعات في مجال الفن التشكيلي، المواسم الأدبية، بتسارعها وتنوّعها وغزارتها، لا تلحق تقليعة تبزغ حتى تحل محلها أخرى؛ بينما تتبدّى عظمة الأدب والفن في قدرة القديم على المحافظة على جدّته في عالم غوايته ادعاء التجديد وإلغاء ما سبقه، لكن الجديد سرعان ما يتوارى، مهما طارت شهرته، فالتجديد ليس بالدعاية والادعاء.


بالعودة الى الستينيات العربية، كان المسرح خير مثال لنهضة غير مسبوقة، للأسف لم تحافظ على اندفاعتها، استُهلكت واستُنفدت خلال عقد من الزمن، خلاله انتشرت الثقافة المسرحية، وشملت زمن الإغريق، مروراً بالمسرح الشكسبيري، إلى مسرح الغضب واللامعقول، وكان من تأثيراتها نشوء جيل مسرحي في البلاد العربية، بلغ ذروته في مصر، حتى إن كتّاباً مصريين بارزين كيوسف إدريس كتبوا للمسرح، وكاتباً كتوفيق الحكيم لاحق آخر الصرعات المسرحية في اللامعقول وكتب "يا طالع الشجرة" وغيرها.


تبسط المواسم هيمنتها على الثقافة، وتضع غيرها على الهامش، لا تبث الحياة فيها فقط، بل وتهيّئ الأجواء لإبداعات وتجديدات من دونها لا يُظفر بها، غير أن الانحدار الذي يتلوها يبدو غير مبرّر. فاليوم يصعب الحديث عن المسرح. وحتى لا نبالغ، فإن ذلك لا يقتصر علينا وحدنا، العالم كلّه يشكو من انحساره، بعد طوفان مسرحي شمل القسم الأعظم منه.


بالنسبة للعالم العربي، وكان نصيبه من الانحدار أكبر، المسألة أعمق، ما خلّفته مواسم الأدب والفن ضئيل جداً، وما حلّ بالمسرح كان انعكاساً لانحدار مسارح الحرية والعدالة والقانون إلى دكتاتوريات واستبداد وطغيان، ما يثير التساؤلات والألم.


 
 

عرض “القاع” للمخرج الفرنسي إيريك لاكاسكاد

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 06 تموز/يوليو 2017 11:05 الأربعاء, 28 حزيران/يونيو 2017 10:45

إيريك لاكاسكاد يطفو بالقاع الروسي فوق خشبة المسرح

بقلم عمار المأمون ـ عن الفوانيس

عُرضت مسرحية “القاع” للروسي مكسيم غوركي أول مرة عام 1902، من إنتاج مسرح موسكو للفنون وإخراج كونستانتين ستانسلافسكي الذي شارك أيضا فيها كممثل، حينها نالت الكثير من الشهرة إثر الشخصيات المميزة التي قدمها غوركي، وبقيت المسرحية ضمن ريبرتوار المسرح لفترة طويلة، بوصفها من أشهر تجليات الواقعية الاشتراكية الأدبية وخصوصا أنها أثارت جدلا نقديا بسبب تصويرها للطبقات المسحوقة والتساؤلات التي تطرحها عن الطبيعة البشرية.

يشهد مسرح “الجوزاء” في باريس عرض “القاع” للمخرج الفرنسي إيريك لاكاسكاد، الذي عمل على عدد من نصوص المسرح الروسي قبل ذلك، وخصوصا نصوص مكسيم غوركي، إذ ندخل لمدة ساعتين ونصف الساعة العوالم السفلية في قبو لحانة قرب نهر الفولغا، تسكنه مجموعة من المهمشين ذوي المهن المختلفة، لنشاهد الصراعات التي تدور بينهم وبين الشرطة وبين صاحب الحانة، لتتجلى أمامنا طبقة مسحوقة من العاطلين عن العمل وشبه المشردين وتساقطهم حد الانهيار فيما يشبه كرنفالا سببه اليأس من الحالة التي هم فيها، وسعيهم لتحدّي السلطة وتغيير وضعيتهم الاجتماعية والاقتصادية.

الفراغ هو الصيغة المهيمنة على الشخصيات، هم بلا عمل، بلا أي هدف، يتسكعون دون أي جدوى، محكومون بأوقات الفراغ، سواء الممثل منهم أو العامل وحتى اللص، هذا الفراغ يمتلئ بالنقاشات و السخرية القاسية، فإيقاع المسرحية المتصاعد لا تحكمه أحداث خارجية أو كبيرة، بل ظروف الشخصيات ومواقفها من بعضها البعض، إذ تموت في البداية زوجة أحد المقيمين في القبو، ليشترك الجميع بعدها في جريمة قتل.

هذه السلسة من الأحداث تقود إلى الانهيار، وتفكك المكان فيزيائيا أمامنا على الخشبة، وانهيار العلاقات الهشة بين الجميع، فالفراغ واللاّعمل اللذان يجمعانهم تركا من بقي منهم بلا مرجعية وانتماء، هم مجرد مسحوقين يثرثرون أمامنا وهم سكارى عن رؤاهم للكون والحياة، لينتهي “البورليسك” بانتحار أحدهم، ما لا يشكل أي فرق، سوى أن هذا خرّب إيقاع الأغنية التي كان الجميع يشترك في ترديدها.

تطرح المسرحية الكثير من التساؤلات حول الجدوى من الحياة وخصوصا أهمية العمل، لتعكس الفارق الطبقي بين أولئك الذين يعملون، وأولئك الذين حيواتهم خالية من الإنتاج، فما الجدوى من العمل والانصياع لأوقاته وبيروقراطيته؟

هذه التساؤلات تطرح في جوهرها مآسي الاختلاف الطبقي وخصوصا في فترة انهيار البرجوازية التي تحكي عنها المسرحية، إلى جانب أنها تعكس بدايات الثورة التي نراها أمامنا حين يقتل اللص إلى جانب أولئك المهمشين العاطلين عن العمل صاحب القبو الذي يسكنونه، ليمتلكوا بعدها زمام السيطرة، وليدخلوا في احتفال طويل بالفراغ واللاّعمل، بوصفهم انتصروا نوعا ما، هذا الانتصار ينتهي بانتحار الممثل، لكن لا مشكلة، بعض الخسائر لن توقف الاحتفال، لطالما الجميع سعيد بانتصاره على مالك المكان.

يعكس فضاء العرض طبيعة الصراع الذي تحويه المسرحية، ففي البداية نرى الخارج فقط؛ الحانة حيث يجتمع الجميع بثيابهم الرسمية، أماكن نومهم وحميميتهم تختفي من أمامنا، لكنها تبدأ بالظهور شيئا فشيئا بعد أول حدث موت، نراهم في أسرتهم التي تشبه القبور، هم أشبه بجثث تنتظر البعث، أما الانقلاب الذي نشهده فيقوم به أشدهم سفالة، لص ابن لص، عشيق زوجة صاحب النزل الذي يحاول في ذات الوقت أن يتزوج أخت عشيقته واعدا إياها بتخليصها من مأساتها.

الثورة التي نشهدها على خشبة المسرح هي ثورة ضد الفراغ الذي خلقته الطبقات المهيمنة، ضد أنظمة التشغيل التي ترفض من لا ينصاع إلى شروطها، أما الاحتفال في النهاية فهو انتصار أوّلي، وانتحار الممثل ما هو إلا اختزال مجازي لما ستنتجه الواقعية الاشتراكية لاحقا، فالفن ينتحر حين يغدو أداة سياسية وأيديولوجية.


 
 

الصفحة 10 من 23

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com theatretafukt@gmail.com
Télé: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.