Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مسرح - الفنون الدرامية: عروض جديدة لعرض كلام الجوف - الأحد, 20 كانون2/يناير 2019 17:34
أخبار - منوعات - إصدارات : تهويد القدس في مسرحيات الأطفال - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 18:29
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: تتويج ” الطوق والأسورة” بالقاهرة - الخميس, 17 كانون2/يناير 2019 18:15
مسرح - الفنون الدرامية: هواة غيروا تاريخ المسرح - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:58
أخبار - منوعات - إصدارات : موازين: موعد دورة 2019 - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:46
مختارات - كتابات - مواضيع: تصور التجمع العالمي الأمازيغي - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:33
أخبار - منوعات - إصدارات : وعكة صحية لزهور ‎السليماني - الأحد, 13 كانون2/يناير 2019 17:30
متابعات - تغطيات صحفية: Meilleur film marocain en 2018 - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 17:23
بحوث - مقالات - دراسات: التراث في المسرح العربي - السبت, 19 كانون2/يناير 2019 16:29
مسرح - الفنون الدرامية: تكريم هامات مسرحية مصرية - السبت, 12 كانون2/يناير 2019 13:18
Blue Grey Red
مسرح - الفنون الدرامية

مهرجان أفينيون: تعثر الاختيارات لكن لا يزال إبسن عظيماً

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الثلاثاء, 08 آب/أغسطس 2017 11:06

مهرجان أفينيون: تعثر الاختيارات لكن لا يزال إبسن عظيماً



بقلم الدكتور صبري حافظ / أفينيون

 

أنهيت مقالي السابق عن الأعمال البينية التي شاهدت منها عملين مدهشين في هذا المهرجان، قدمتهما للقراء فيه، بتأكيد الحديث عن درامية العمل الذي يعرض على خشبة المسرح مهما كانت تصنيفاته النوعية. فالدراما هي روح العرض التي لا يستطيع دونها أن يكون جديرا بالتقديم على الخشبة والانتماء لهذا الجنس الفني الخالد. فبدون بنية درامية ناظمة لا يمكن التعامل مع أي عرض على أنه ينتمي حقا لفنون العرض المسرحي، مهما كان تصنيفه. وقد ضم المهرجان الرسمي الذي تجاوزت أعماله الأربعين عدة أجناس أو تصنيفات فرعية، وهي كلها تصنيفات تساهم في توجيه تلقي المشاهد للعمل، لكن مدى نجاحها يتوقف على مدى استيعابها لروح الدراما تلك في بنيتها الجديدة. فقد كانت هناك أعمال من المسرح الخالص، ولكن كانت هناك أيضا أعمال صنفت على أنها رقص Dance/ أو مسرح غنائي Theatre-Musique/ أو حلقات مسرحية Feuilleton Theatrale/ أو مسرح عرائس Marionnette/ أو عرض بيني Indiscipline، وهي كلها أنواع أو أجناس من العرض يعتمد نجاحها على درجة وعيها بدراميتها، ونجاحها في تجسيد تلك الدرامية بأساليبها المختلفة. وإلا صُنّف العمل خارج مجال العروض المسرحية كلية، كما فعل المهرجان في تصنيفه لعمل ليوبولد سيدار سنغور Leopold Sedar Senghor (1906-2001) الذي يتوج به احتفاليته بإفريقيا هذا العام لآخر ليلتين من المهرجان، بعنوان (امرأة سوداء Femme Noire) بأنه أدب – موسيقى Litterature-Musique بالرغم من وضعه في ساحة الشرف بالقصر البابوي، احتفاء بالمكانة الكبيرة التي حققها الشاعر والمفكر والمناضل الذي أصبح أول رئيس للسنغال بعد تحررها. لأنه في حقيقة الأمر قراءة لمختارات من شعر أول إفريقي ينتخب في الأكاديمية الفرنسية، مع عزف للموسيقى.

وباستثناء هاتين الليلتين الختاميتين، وقد صنفتا على أنهما ليلتان للأدب أو بالأحرى للشعر والموسيقى، فإن الأعمال المختلفة التي جرى تصنيفها على أنها أنواع من فنون العرض، يعتمد نجاحها على درجة دراميتها إن صح التعبير. فإذا ما أخذنا عروض الرقص الحديث، والتي أخذت تحتل مكانها كمكون أساسي بعدد من الأعمال المسرحية الاستعراضية وأعمال المسرح الشامل، أو كعروض مستقلة للرقص الحديث الذي يعتمد أساسا على قدرات الجسد البشري على الحركة والتعبير، سنجد أن نجاحها يعتمد كثيرا على درجة دراميتها. وخاصة أننا يمكن أن ننظر للعلاقة بين المسرح وعروض الرقص الحديث في ضوء تلك التي تخلقت بين المسرح وفن الباليه قبله. لأن الكثير من عروض الرقص الحديث تسعى لمد جذورها في هذين الجنسين كليهما: الباليه والذي أصبحت له قواعده و لغته ومفرداته و أجروميته، و الجانب الاستعراضي في المسرح الشامل؛ وإن كان يسعى إلى الاستقلال كلية عن غيره من عناصر العمل المسرحي، ويكوّن بلغته الحركية والبصرية الخالصة بنيته الدرامية القادرة على استيعاب المشاهد في شبكتها المغوية.

فييستا و تجريدات رقص الفلامنكو المحبطة


وقد شاهدت هذا العام أكثر من عرض ينتمي إلى ذلك الجنس من العروض، ويصنفها المهرجان ضمن عروض الرقص. كان أولها هو العرض الذي ذهبت له وأنا مستعد للاستمتاع بليلة لا بد أن تكون ثرية و باذخة. فقد حمل العرض عنوانا مثيرا: (الاحتفال La Fiesta) بأداة التعريف، وهي المفردة التي دخلت اللغة الإنجليزية على يدي همنغواي بما تنطوي عليه من بهجة وفرح صاخب في الحياة الإسبانية. وخصص له المهرجان أهم فضاءاته، أي ساحة الشرف في القصر البابوي التي تتسع لأكثر من ألفي مشاهد. وهو في الوقت نفسه عرض قادم من إشبيلية، بلد رقص الفلامنكو الشهير والاحتفالات الطقسية الباذخة، الدينية منها والدنيوية على السواء. كما أن ما ينطوي عليه البرنامج من سيرة لمؤلفه أو مصممه إسرائيل غالفان Israel Galvan، يشير إلى أنه قام بتثوير فن رقص الفلامنكو. لكن العرض خيب أملي، وأثار استهجان كثير من المشاهدين، والجمهور الفرنسي يعبر عادة عن استهجانه بشكل سافر.


وإذا أردت أن أختصر سر خيبة أملي تلك في كلمات قليلة، فهي أن العرض لا يعي أهمية أن تكون له بنية درامية، تجعل لحركة العارضين على الخشبة منطقها الداخلي ودلالاتها التي يمكن أن تبلغ المشاهد، وتساهم في إثراء تلقيه للعرض واستمتاعه به، حتى ولو لم يكن مسرحا. لكن لا بد من التفصيل قليلا، والبداية من أن مَن برمج مثل هذا العرض في ساحة الشرف الرحبة أساء له كثيرا! صحيح أن العرض حاول أن يضع صفا من الكراسي في كل جانب من جوانب الخشبة التي يتجاوز عرضها الأربعين مترا، وأن يضع قسما من وقائعه في وسطها، إلا أنه سرعان ما نحا إلى تجميع العارضين في ركن من أركانها، وترك بقية الخشبة فارغة، فبدا إسرائيل غالفان وكأنه مع عارضيه مجموعة تائهة في فضاء المكان الرحب؛ وخاصة أن أغلب الراقصين والعازفين كانوا يتجمعون حول بعضهم في قسم من الخشبة ويتركون باقيها خاليا دون توظيف، ناهيك عن استخدام الحيطان العالية التي تحيط بالفضاء، والتي استخدمها المخرج الياباني في عرضه عن (أنتيغون) ببراعة مدهشة قبله مباشرة في الأيام الأولى للمهرجان. وكان حلول عرض إسرائيل جالفان مكانه كاشفا عن إخفاقه في استخدام إمكانيات هذا الفضاء الكبيرة. هذا فضلا عن أن رغبة جالفان وفرقته في تفكيك رقص الفلامنكو الباذخ إلى عناصره الصوتية والحركية واستخدام مفردات تلك العناصر بطريقة تجريدية خالصة، سلب من الفلامنكو روحه والكثير من ميزاته التقليدية.

فرقص الفلامنكو في عروضه الجيدة له بنيته الدرامية التي يعتمد عليها تطور العرض فيه. وهي بنية تعتمد على إيقاع خاص تنضوي تحته كل مفردات الحركة والسكون فيه. حيث تسري سلطة الإيقاع المطلقة في كل شيء، ويصبح أي نشاز عنها، أو تفلت من سلطتها أمرًا مستهجنًا ومعاديًا لروح الفلامنكو نفسها. إلى الحد الذي يتحدثون فيه عن طغيان الإيقاع في هذا الجنس من الرقص، بمعنى أن الإيقاع هو الطاغية الذي لا يمكن التفلت من سلطته، والذي يتحكم في كل حركات الراقص وسكناته، وإلا خرج الراقص من الإيقاع كما يقولون Fuera de compass. والمدهش هنا أن كلمة الإيقاع المستخدمة في هذا التعبير هي نفسها الكلمة التي تعني البوصلة، أي أداة التوجه، وتعني أيضا الزمن. بمعنى أن كلمة الإيقاع في هذا التعبير تعني أيضا الخروج من البوصلة أو حتى من الزمن نفسه، حيث تنطوي على هذه المعاني كلها في رقص الفلامنكو. لكن إسرائيل غالفان، والذي يتحدر من أسرة تقليدية من راقصي الفلامنكو (فأمه غجرية من أسرة راقصي فلامنكو تقليدية وإن كان أبوه ليس من الغجر)، يسعى كما يقول لنا، إلى التحرر من ذلك الطغيان، وإلى تحطيم الأنماط التقليدية التي يستحيل معها الفلامنكو إلى نسخ مكررة لا حياة فيها. إنه يريد، كما يقول لنا في برنامج العرض، أن ينظر إلى هذا الميراث الثري، الذي ولد وتربى في كنفه، من الخارج، وأن يبدع فيه صيغا مبتكرة يتحول بها إلى فنان، وليس مجرد راقص فلامنكو محترف، يعيد إنتاج ما تعلمه من أفراد أسرته.

وقد فعل ذلك الأمر حقًا في العرض الذي شاهدته، ولم أجد فيه كثيرًا من العناصر التي سبق أن استمتعت بها في عروض رقص الفلامنكو التي سبق لي مشاهدتها على مدار السنين، وفي مختلف البلدان، بما في ذلك إسبانيا. لأنه تعمد أثناء العرض الاستعاضة بالصوت والتصفيق كثيرًا عن الأدوات الموسيقية، في نوع من تجريد الإيقاع إلى مكوناته الأولية، وتخليقه من دون أي أدوات موسيقية. وهو أمر بدا في مستهل العرض مبتكرًا ومثيرًا للاهتمام، ولكنه سرعان ما تحول إلى تكرارات مشتتة لا رابط يجمعها في بنية ناظمة، كما هي الحال في عروض الفلامنكو الجيدة. كما لجأ إلى فصل الإيقاع والموسيقى عن الحركة، وتحرير الحركة منهما معًا كي تصبح هدفًا في حد ذاتها. وبدلاً من العلاقة التقليدية بين الرقص والغناء، نجد أنه يفصلهما في أكثر من مكان، ما شتّت الانتباه أو أحال الغناء أحيانًا وفي بعض تجريداته له إلى صرخات؛ أخذ المشاهدون يسخرون منها عندما واصل تكرارها، فكررها كثير منهم معه. وبالتدريج تحول العرض إلى مجموعة من الاسكتشات المفككة أو المترهلة، حيث لا رابط بينها يدخل المشاهد في قلب شبكتها. ذلك لأن عملية التفكيك التجريدية لمفردات الفلامنكو الإيقاعية والحركية، لم ترافقها بنية ناظمة تؤسس للعرض تماسكه الداخلي ومنطقه السمعي الحركي، برغم استخدام العرض لبعض عناصر الفرجة المسرحية، التي لم يرقَ أي منها إلى براعة حركات ومهارات عروض الفلامنكو التقليدية وبذخ ملابسها المميزة.

جمهورية كالكوتا.. والرقص التعبيري


إذا كان عرض (فييستا) يفتقر إلى البنية الدرامية الناظمة، وهو الأمر الذي عانى منه كذلك العرض التونسي الراقص (بكيت دمعا دون عين) لرضوان المؤدب، فإن ما يعاني منه عرض (جمهورية كالكوتا Kalkuta Republic) لسيرج آمي كوليبالي Serge Aime Coulibaly الذي وفد للمهرجان من بوركينا فاسو هو العكس تمامًا؛ أي الإسراف في الاهتمام بهذه البنية بالصورة التي اقتربنا منها إلى وضع العربة أمام الحصان، لا خلفه، حسب التعبير الإنكليزي الشهير. وقدم العرض في ساحة دير السيليستين العريق، بشجرتيه العملاقتين، وأقواسه التي تمتد على خلفية المسرح. ويقدم مصمم العرض، وراقصه الأول في الوقت نفسه، عرضه في البرنامج على أنه مستلهم من أعمال الموسيقي والناشط السياسي النيجيري فيلا كوتي Fela Kuti (1938-1997)، الذي يعزى إليه خلق الإيقاع الأفريقي Afrobeat وصياغة روح موسيقى القارة السوداء وتمردها. ولا غرو فالعرض نفسه يحمل اسم بيت "فيلا كوتي" على أطراف مدينة لاغوس. وهو البيت الذي سمّاه على اسم أول زنزانة سُجن فيها في لاغوس، وكان اسمها كالكوتا، فأحال بيته إلى جمهورية بديلة تحمل هذا الاسم، مستقلة عن جمهورية نيجيريا الفيدرالية الغارقة في وحول الفساد والطغيان؛ فتحول ومن بعده قبر كوتي الذي سار في جنازته أكثر من مليون نيجيري، إلى مزار يحج إليه أنصار الفنان من المتمردين على فساد أفريقيا، والمعارضين لحكوماتها، والراغبين في مستقبل أفضل لها.


ويبدو أن سيرج آمي كوليبالي أحد هؤلاء الحجاج بالمعنى الاستعاري هنا، وقد تحول البيت بعد وفاة صاحبه إلى مزار لفناني أفريقيا وثوارها. أم تراه يحتفل بعشرين عامَا على رحيل ملهمه؟ حيث يقدم عرضًا ينقسم إلى قسمين عنون أولهما "بدون قصة يصيبنا الجنون" وهو العنوان الذي ظهر بالإنجليزية في أعلى أقواس خلفية المسرح. حيث يتحول الفضاء من خلال الإكسسوارات البسيطة إلى مزيج من الضريح والنادي الليلي لموسيقى "الجاز". ويبدأ العرض الذي يقوم به سبعة راقصين ويدور على موسيقى كوتي الصاخبة بطقس أقرب إلى الصلاة، وهو الأمر الذي كان يفعله كوتي عندما يبدأ عروضه بنوع من الصلاة مع جمهوره، قبل أن يعزف موسيقاه التي يستهدف بها إيقاظهم من سبات الإذعان واللاجدوى. ويبلور لنا العرض من خلال أسلوب الرقص التعبيري، ما يعلن عنه عنوانه، وهو التخبط الذي تعاني منه دول القارة الأفريقية، أو بالأحرى الجنون الذي تتبدد عبره طاقاتها من دون هدف، أو بالأحرى من دون قصة ناظمة تقود خطى شبابها المترع بالطاقة والحيوية إلى خلاص. فالعرض أيضًا يسعى لتجسيد سيرة فيلا كوتي وثورته من ناحية، وما جرى في بوركينا فاسو من ثورة تطالب بالتغيير والحرية من ناحية أخرى. وهو يعي هنا، كما يقول لنا في برنامج العرض، مقولة "سلافوي جيجيك" الشهيرة التي علق فيها على الربيع العربي، "إنه ليس من الصعب أن تثير الجماهير للمطالبة بالتغيير، لأننا نعرف أن الكرنفال أمر يسير، ولكن الصعب والمهم حقًا هو ماذا ستفعل بعد الانتفاضة، وعودة الأمور إلى نسقها العادي؟".

ومن هنا كانت أهمية العنوان (بدون قصة/ هدف/ خطة يصيبنا الجنون)، والعناوين التالية في هذا العرض. لأن القسم الثاني يبدأ بعد استراحة قصيرة يتم فيها تغيير الإكسسوارات وجلب الكثير من المقاعد إلى الخشبة، بعنوان "نحتاج دائمًا إلى شاعر"، فبدونه لن نستطيع الإجابة عن سؤال جيجيك ماذا ستفعل بعد الانتفاضة؟ ثم يعقبه قسم بعنوان "الحرب طقس تطهيري" يستخدم فيه أجساد الراقصين ببراعة وإيقاع محسوب، تعقبه لوحة دالة بعنوان "أفريقيا موحدة/ أفريقيا مقسمة"، تجسّد مدى التوترات، وتبدد الطاقات التي ترهق كاهل القارة السوداء، وتعوق تقدمها. ندلف بعدها إلى قسم رابع بعنوان "يمكن للعربدة أن تكون غاية في حد ذاتها"، الذي يكشف فيه عما يدور في أوساط الشريحة الصغيرة التي تستأثر بثروات القارة، وتيسر نهب الغرب لها. وأخيرًا "ليس كل ما يلمع ذهبًا"، يسعى فيه للفت الانتباه لما وراء المظاهر الكاذبة، والبحث عن جوهر التحرر الذي تنشده أفريقيا والذي يتيح لكل المخلصين لها بحق أن يغيروا واقعها إلى الأفضل. فنحن هنا على العكس مما شاهدناه في عرض (فييستا) إزاء بنية درامية تركيبية تستخدم الماضي الذي يجسده القسم الأول المستلهم من فيلا كوتي، والذي يدور على وقع موسيقاه، لبناء تصور جديد لأفريقيا في حاضرها الذي يسعى الفنان إلى الفاعلية فيه. وهي بنية تعي أهمية عناصرها التعبيرية، فنجد أن القسم الأول كله/ الماضي/ استخدم فيه العرض اللونين الأبيض والأسود وحدهما، بينما حينما انتقلنا للقسم الثاني/ الحاضر/ دخلت إليه الألوان الزاهية، والإكسسوارات المتعددة. واستخدم فيه العرض عددًا من عناصر الفرجة المسرحية، وبناه على مجموعة من الحتميات المتتابعة التي أرادتها العناوين، وتخلقت منها الدراما، وقد استطاعت أن تدخل المشاهد في شبكتها، وأن تستولي على اهتمامه، وهي تتوجه إلى عقله بينما يستمتع بها بصره.

عودة للمسرح في أحسن تجلياته.. بيت إبسن


أعود الآن بعدما تريثت طويلاً عند عروض الرقص إلى المسرح بمعناه التقليدي. وقد شاهد في هذا المجال فضلا عن عرض (أنتيغون) الياباني المبهر، ثلاث مسرحيات أخرى بالمعنى التقليدي للمسرح، سواء أكان شعريًا كما في مسرحية موريس ميترلينك Maurice Maeterlinck (الأميرة مالين La Princesse Maleine)، أو نثريًا كما في مسرحيتي (بيت إبسن Ibsen Huis) لسايمون ستون Simon Stone (الباريسيون Les Parisiens) لمدير مهرجان أفينيون أوليفييه بي. وكان أكثر العروض الثلاثة إثارة للملل والضجر هو عرض أوليفييه بي، بالرغم مما أتيح له من إمكانيات كبيرة من حيث التصميم والممثلين. وهو عرض مأخوذ عن رواية له بالعنوان نفسه تمتد لأكثر من خمسمائة صفحة، ويحكي فيها مسيرته عبر شخصين (يمثلان الذات المنقسمة على ذاتها، أو متعددة التجليات) منذ أن وصل إلى باريس لأول مرة وهو في التاسعة عشرة من عمره عام 1984 قادمًا من مدينة غراس، المدينة التي كانت مدار البحث في رواية باتريك زوسكيند الشهيرة (العطر)، راغبًا في الدخول إلى عالم المسرح، وقد عاش فيها ثلاثين عامًا من دون أن يشعر أثناءها حقًا أنه أصبح باريسيًا. وظل غريبًا فيها، محتفظًا برؤية الوافد من الأقاليم، حتى انتقل منها للعمل في آفينيون، قبل ثلاثة أعوام. ويمتد الزمن في الرواية طوال هذه الأعوام الثلاثين وحتى 2014، وهو الزمن الذي يحاول العرض تغطيته، فيصيب المشاهدين بالملل مما به من تكرار.


أما أكثر العروض الثلاثة إمتاعًا وإثارة للعقل والمشاعر معًا، فقد كان (بيت إبسن). وهو عمل جاء للمهرجان من مسرح Toneelgroep في أمستردام والذي يديره إيفو فان هوفا، وبالتالي فإنه يتسم بالصرامة الدرامية، واقتصاديات التركيز المسرحي، وجماليات الصورة التي تميز بها هذا المسرح تحت إدارة فان هوفا. أما مبدعه ومخرجه سايمون ستون، الذي جاء من أستراليا، وتعلم في جامعة كمبريدج ببريطانيا، وأسس نفسه مسرحيًا في أمستردام، فيبدو أنه قد هضم البنية الداخلية لأعمال هنريك إبسن (1828-1906)، وكيف أنها كانت مشغولة بالتغلغل في أعماق الأفراد وتعرية تواريخهم و أسرارهم الدفينة، وتشريح نزعاتهم الراغبة دومًا في كل ما هو غير مباح، و الشغوفة بالتحكم في الآخرين أو السيطرة عليهم. إنه يعي أن إبسن في المحل الأول كاتبا أخلاقيا يعتز بقيمة الإنسان وقدرته على تجاوز ما تطرحه عليه الحياة من محن ومشاكل، ويمتحن معدنه من خلال اختبار مواقفه من القيم السائدة والمعايير المتغيرة معًا، وأنه أسس ما يعرف باسم مسرحيات القضايا Problem Plays التي تناقش كل منها قضية اجتماعية أو أخلاقية وتدير جدلاً اجتماعيًا أو فكريًا حولها.

وها هو ينسج على غرار ملهمه الكبير في الكتابة والإخراج معًا. لا يكتفي بأن يدير حواره التناصي مع عمل محدد من أعماله العديدة والثرية معًا، ولكنه يسعى إلى اقتناص الروح السارية في كل أعماله، وأن يدير عمله الجديد (بيت إبسن) في واقعنا المعاصر، وليس في القرن التاسع عشر كما كان الحال مع جل أعمال إبسن. فقد كان هدف إبسن الأساسي هو تعرية الواقع الاجتماعي وتشريحه على خشبة المسرح، بطريقة تقدم شخصيات إنسانية قادرة على البقاء في وعي المسرح وتاريخه العريق. فما كان من سايمون ستون إلا أن بنى لنا في ساحة فضاء ليسيه سان جوزيف الكبيرة، بيتًا من طابقين كل حيطانه من زجاج شفاف نرى كل ما يدور داخله من جميع الجهات، ووضع هذا البيت الكبير على محور دوّار تتغير معه زاوية الرؤية باستمرار، ويتيح للمشاهدين أن يروا ما يدور في غرفه الخلفية من أسرار حميمية، بنفس وضوح ما يدور أمامهم في غرفه الأمامية. وهو تصميم بارع يجعلنا نرى حتى ما يدور على السلم أثناء صعود بعض الشخصيات أو هبوطها، أو حتى انهيارها في الطريق بين الطابقين.


ولأن سايمون ستون لا يطمح في أقل من أن يقدم لنا "بيت إبسن"، كما يقول العنوان، فإنه قدم عالمًا مسرحيًا زاخرًا بالأحداث والشخصيات يمتد لأكثر من أربع ساعات، وكان إبسن مغرمًا في كثير من الأحيان بالمسرحيات الطويلة التي تستمر لأكثر من أربع ساعات، كما في (بير جنت) أو (عندما نبعث نحن الموتى)؛ وحرص على أن يجعل كل فصل من فصول عمله الطويل هذا أقرب ما يكون إلى الدراما المستقلة والمركزة معًا، ولكن كل الفصول تتكامل في بنية أعرض هي بنية الأسرة المعطوبة التي نتعرف على أربعة أجيال منها، وقد تشابكت قصصها وتقاطعت تواريخها. وكأننا بإزاء ثمرة شهية تتفتح كي نتذوق ما فيها، ولكن علينا دائما البحث عن بذرة العطب الثاوية في داخلها. فالمسرحية تستغرق من حيث زمن الأحداث ما يقرب من نصف قرن، منذ ستينيات القرن الماضي وحتى نهاية العشرية الأولى لهذا القرن. وقد استخدم في هذا المجال عناوين الفصول، التي تظهر بالحروف الكبيرة عادة فوق مدخل البيت، وهذا غير شريط الترجمة الذي يقدم لنا ما تقوله الشخصيات. ما يتيح للمشاهد معرفة طريقه وسط غابة التواريخ المتشابكة لأفراد هذه الأسرة وأجيالها المتعاقبة.


حيث يقدم لنا مسرحية أجيال أربعة تبدأ بجيل الجدة فريدريك المولودة في القرن التاسع عشر والتي عاشت حتى عام 1973، وابنتها جوهانا وابنها توماس وقد تزوج كل منهما وأنجبت جوهانا ولدا (سابستيان) وبنتا (لينا) وأنجب توماس دانييل، وفينسنت وكارولين. ثم نصل لجيل أبناء أحفادها الأصغر، وهو الجيل الرابع في المسرحية. ومع تعدد الشخصيات والأجيال والأزمنة، فقد حافظ العرض على بنية درامية إبسنية واضحة. تتبع مصائر الشخصيات في تشابكاتها المعقدة بوضوح باهر. تتكشف لنا فيه ديناميات العطب الذي يكمن في الداخل، ويدفع بعضهم إلى الغرق في سمادير الخمر، أو الوقوع في شراك الجنس بالمحارم، أو حتى في مباءة المخدرات والإيدز. وبرغم تعقد حيوات تلك الشخصيات، ودوران الزمن ليكرر ميراثًا مبهظًا من جيل إلى آخر، فإن العرض استطاع أن يصحب المشاهد معه ولا يفقده أبدًا، باستخدام العناوين كقواطع للفصول، والتحرك الحر في الزمن باستخدام العناوين نفسها لإخبارنا بأننا في زمن مغاير، وأهم من هذا كله بالاهتمام بجماليات المشهد، والوعي بمحتوى الشكل المسرحي، وأهمية مفردات المشهد وهي تتكرر، ولكنه التكرار الذي ينطوي على التغاير والاختلاف في الوقت نفسه، في تلك البنية الحلزونية التي لا تنغلق فيها الدائرة، وإنما تكرر نفسها على مستوى مغاير وبتفاصيل مختلفة، تثري التلقي، وتحول المشاهد إلى مرايا تنعكس عليها المشاهد السابقة أو اللاحقة، بصورة تثير المشاعر، ولكنها تحث العقل على التفكير في الوقت نفسه.


 

على حدود المسرح والفنون البصرية

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الخميس, 03 آب/أغسطس 2017 12:25

على حدود المسرح والفنون البصرية: فن الأداء، كممارسة منفلتة

Francine Chaîné فرنسين شيني

ترجمة: أمل بنويس


إن إعداد مسار تاريخي حول فن الأداء لهو فرصة لإحياء التيارات الفنية الأكثر شهرة في العالم، والوقوف على أهم التكتلات الفنية التي جمعت المبدعين، مناسبة لذكر العوامل التي ساهمت في حصولهم على مكانة فنية متميزة خصوصا تلك القطيعة التي أحدثوها مع التقاليد.

منذ ظهور أول بيان لحركة المستقبليين الإيطاليين سنة 1909، ومرورا بحركات أخرى كالدادائية والسريالية، والفنانون في سعي حثيث نحو توسيع حدود الفن. هذا الأمر مكنهم من تجاوز العزلة التي كانوا يتواجدون فيها ومن حيازة علاقات مع فنانين من مختلف الأقطار والتخصصات. هذه الحركات ساهمت في تفجير الممارسات الفنية وبروز أشكال جديدة، من خلال عملها على تغيير المواقف لدى المبدعين ولدى الجمهور: انفتاح، وفضول، ومخاطرة، وشغف تجاه كل الأعمال التي تتأسس على الأداء.


المستقبليون Futuristes


أصدرت حركة المستقبليين أول بيان لها سنة 1909 بقيادة فيليب توماس مارينتي Filippo Tommasso Marrinetti، وكان الهدف منه -على وجه الخصوص- التحفيز على المغامرة وعشقها، هكذا أصبح للمشاهدين دور جديد -في المسرح كما في الرسم – إذِ الكل مدعو للانخراط في العمل بفاعلية غير معهودة، أما الفنانون فقد اكتسحوا الأحياء والفضاءات المختلفة، فعجت المسارح بالرسامين وامتلأت الأحياء بالممثلين.

مارينتي كان معجبا بالمسرح المتعدد لخلوه من أي توجيه محدد؛ إنه مسرح يرمي إلى خلق الإدهاش ولعب الممثلين فيه يتم بمشاركة الجمهور، هذا المسرح الساذج والبسيط يتقاطع مع ما هو عجيب وجليل في الفن، لذلك استلهمه هو وزملائه في خلق انطلاقة جديدة للممارسات الفنية والمسرحية في تلك الحقبة.

نفس الحركة ضمت عددا من الموسيقيين، أمثال روسولو Russo الذي طور فن الضوضاء مستلهما مختلف الأصوات والمحركات وأنواع الضجيج.. في حين ابتكر دياغلر Diaghiler الإيماءات الهندسية في الرقص؛ أما في المسرح فقد انتشرت فكرة تعويض الممثلين بالدمى، وأضحى الارتجال وسيلة لخلق الالتقاء: هذا هو العنصر النظري الآخر الذي اعتمده مارتيني وطوره من أجل مقاربة العمل الفني بطريقة تركيبية تعيد اللعب إلى الواجهة، ومع منتصف العشرينات كان المستقبليون قد استطاعوا تطوير شكل من أشكال الأداء القائم بذاته.


المستقبليون الروس Futuristes russes


خلال نفس الحقبة (تقريبا في سنة 1913)، تكتل الفنانون الروس كردة فعل ضد الفن القديم، مصدرين بيانا يقتضي ضرورة توظيف الجسد كوسيط للرسم، وقد كانوا يتجمعون في المقاهي حول ماياكوفسكي Maïakovski و مالوفيتش Malevitch بشكل خاص.

إذا كان الإيطاليون قد أعادوا اكتشاف المسرح المتعدد، فقد وجه المستقبليون الروس اهتمامهم نحو فن السيرك والموسيقى الاستعراضية والمسرح المتعدد، مقاربتهم المستقبلية والبنائية مكنتهم من تشكيل جبهة ضد الاتجاه الأكاديمي ومقاطعة كل تقليد مفض إلى مسرح شعبي أو اجتماعي.. كان أحد أبرز شخصيات هذه الحركة : نيكولاي فوريغر Nikolaï Foregger الذي كان محاطا بجملة من الفنانين منهم: السينمائي “إيزنستاين”Eisenstein ؛ و الكوريغراف “لابان” Laban ؛ والمخرج “فسيفولود مايرهولد” Vsevolod Meyerhold ، وفي الذكرى الأولى لثورة أكتوبر سنة 1918 اقتحم الفنانون الأزقة والساحات العمومية لبلغراد.. وبعد سنتين اجتمع أزيد من ثمان مئة فنان في عرض فني واحد حمل عنوان “اقتحام البلاط الشتوي “the storming winter palace” من أجل إحياء نفس الذكرى.


الدادائيون Dadaïstes


في زوريخ وقبل انطلاق أنشطة الدادائيين، كان نادي فولتير تحت إدارة كل من إيمي هينينكز Emmy Hennings وهيكو بال Hugo Ball، يستقبل كتاب ورجال مسرح من كل البقاع، يأتون للتعريف بإبداعاتهم ذات الاتجاهات المختلفة، كان من بينهم فرانك ويدكين Frank Wedekind رجل المسرح المستفز والغريب الأطوار، و تريستان تزارا Tristan Tzara ، و جون أرب Jean Arp صاحب الإعلانات، و كاندينسكي kandinsky الذي كان يقدم شعره و لوحاته التشكيلية… أغلق نادي فولتير أبوابه بعد نشاط دام خمسة أشهر فقط لتنطلق بعد ذلك حركة دادا سنة 1916. هذه الأخيرة عرضت في أولى أمسياتها: موسيقى، ورقص، وبيانات، وقصائد، ورسم، وأقنعة وبذلات.. هكذا انضافت تأثيرات الدادائيين إلى ما حققه المستقبليين قبلهم كصخب الموسيقى وتوسيع دائرة الفنون، فملأ الفنانون المدينة وهم يلبسون بذلات وقبعات باذخة تشد انتباه من يراها من المارة. حركة دادا استمرت أربع سنوات وكانت آخر أمسية عرض لها سنة 1919، عاد تريستان تزارا إلى فرنسا ليلتقي هناك بريطون Breton و إلوارد Eluard و كوكتو Cocteau ومعهم وضع اللبنات الأولى للحركة السوريالية.


السريالية Surrialisme


في باريس، تم تنظيم أول أمسية دادا في يناير 1920 وذلك بعد لقاء تريستان تزارا بالفنان التشكيلي بيكابيا Picabia ، مما أثار استفزازا لدى الجمهور كما حصل في زوريخ. الموسيقي إيريك ساتي Erik Satie ابتكر في نفس الوقت موسيقى الأثاث التي تضمنت عناصر من دادا، في حين أثار بالي الاستعراض الذي جمع الفنانين الأربعة: بيكاسو، وساتي و كوكتو وماسين ضجة كبيرة. كان أبولنير Apollinaire هو أول من استعمل مصطلح السوريالية في مقال له من أجل تعيين الفنانين الذين ثاروا ضد الواقعية في المسرح. وقد ضمت جماعة دادا-السريالية تحت اسمها كل من اندري بريطون André Breton، وسوبو Soupeault وأراكونAragon ، وبول إلوارد Paul Eluard ، وترستان تزارا Tristan Tzara، وأيضا مارسيل دوشون Marcel Duchamp ، و مان رايMan Rey ، و أنطونان أرطو Antonin Artaud. هؤلاء جميعهم شاركوا في إصدار بيان سنة 1924 يقر بتفوق الحلم وحرية الفكر والالتقاء.


الباوهاوس Bauhaus


في سنة 1919 قامت مدرسة للفنون ببرلين، بتجنيد كل الممارسات الفنية تحت منظور مجتمعي، هكذا رأت النور مدرسة الباوهاوس. استفاد الطلاب من ورشات مبتكرة تقوم على مزج الفن بالتكنولوجيا. وفي 1923 أقيم أول معرض للمدرسة وسمي “فن وتكنولوجيا- اتحاد جديد”. علاوة على ذلك نظمت بالباوهاوس عدة مهرجانات كانت مرجعياتها دادائية. لقد استطاعوا تسفيه كل الأشكال الرسمية كما دعا إلى ذلك المستقبليون. أما أوسكار شليمر Oskar Sclhemmer (أحد مديري مدرسة الباوهاوس) فقد أحدث النوادي التكنولوجية وطور فن الأداء باعتباره فنا شاملا.


فن الأداء في أمريكا وفي أوروبا


ظهر فن الأداء في الولايات المتحدة سنة 1930، وفي منتصف الأربعينات أصبح يعتبر نشاطا قائما بذاته وفنا للتحريض. قدم كوليج الجبل الأسود تكوينا متعدد الاختصاصات حيث كان يعتبر الأداء فنا للتسلية. تم استدعاء عدد من فناني الباوهاوس من أجل تدريس الفضاء، والشكل، واللون، والإنارة، والصوت، والحركة ، والموسيقى، والزمن..وغيرها. كما تم استدعاء فنانين شباب في بداية مشوارهم الفني من أجل التدريس في المدرسة الصيفية، كان من بينهم الراقص ميرس كونينغام Merce Cunningham والملحن جون كيج John Cage، هذا الأخير أصدر بيانا حول أسر الأصوات. و كتطور منطقي لما سبق سيؤدي الفن المباشر إلى ظهور “الـ Happening ” حيث يشكل المشاهد جزءا مكملا للعمل الفني و معاينا لتشكله الفعلي المباشر. كان الراقصان سيمون فورتي Simone Forti، و إيفون رينر Yvone Rainer، وفنان الفيديو نام جون بايك Nam June Paik من بين المشاركين في هذه التظاهرات الفنية.

خلال نفس الفترة عرفت أوروبا أيضا عروضا للأداء. فمثلا في فرنسا كان الفنان إيف كلان Yves Klein يقوم بالصباغة الفورية على الأجساد. وفي ألمانيا عمل جوزيف بويز Joseph Beuys على تحويل ما هو يومي ومبتذل إلى فن. واقترح بييرو مانزوني Piero Manzoni أحداثا في إيطاليا. لقد أعادوا النظر في الشيء فأبعدوه و أهملوه أمام تصاعد الفن المفهومي.

إن فن الأداء - باعتباره فن للعابر وللحاضر- يحتل مكانة مهمة في عالم الفن. إذ يعامل الفنان جسده كمادة و يسائل الصلة بالزمن و بالفضاء، فنانون آخرون عالجوا سؤال الجسد مثل فيتو أكونسي Vito Acconci وأوبنهايم Oppenheim ؛ في حين أثارت لوري أندرسون Laurie Anderson السير الذاتية. في كندا استطاعت مجموعة طورنطو العامة Idea أن تحظى بلقب دادا-الكندية في الوقت الذي كان فليب غليس Philip Glass وروبير ويلسون Robert wilson يعملان على إدراج مسرح الصورة في أعمالهم الفنية والأدائية بالولايات المتحدة الأمريكية.

من خلال هذا المسار التاريخي ندرك أن فن الأداء ينحدر من تكتلات لفنانين من مختلف المجالات الإبداعية كانت قد طالبت فيما مضى بالقطيعة الجذرية مع الماضي. وفق هذا المنظور، يمكن نعت الأسلوب الفني لهذه الجماعات بالأسلوب الحداثي الذي حسم مع أشكال الفن القديمة. هكذا تكون أعمال الأداء في تلك الفترة تمثيلا لتوجه فكري حداثي، الأمر الذي لا ينسحب بالضرورة على ما تمثله فنون الأداء اليوم.


فن الأداء اليوم


“بقدر ما يوجد من أداء يوجد مؤدون” هذا ما قاله الفنان روبير راسين Robert Racine، وأخذه عنه عدة فنانين. في عدد حديث من مجلة إيس -فنون وآراء الكندية، نشر استطلاع للرأي أجري مع سبعة وعشرين مؤديا حول ممارستهم الفنية. فأفضى تعريفهم لفن للأداء إلى عدة أجوبة مختلفة، إنه : فن / حركة/ تمرد/ ممارسة الحاضر /حضور في العالم/ فن حي/ فن متعدد التخصصات/حركة أو تدخل/ مناورة /..وأيضا أداء.

بقدر ما تحيل هذه السلسلة من العبارات إلى ممارسات متفردة فهي تحيل أيضا إلى فناني مختلفين ومؤدين كما أكد راسين. وفي نفس الاستطلاع قدم الفنانون إشارات إلى مصادر الإلهام التي تقودهم إلى إبداع أعماهم، كانت هذه بعض منها، إنها: ممارسة مستوحاة من كتابة/ من صوت/ من شيء تافه/ من ثوب/ من بذلة/ من وضعية/ من حركة/ من كلمة/ أو من اعتبارات فضائية…إلخ. مما يؤكد على مدى تنوع منطلقات الأعمال الأدائية وتشعب مساراتها التطبيقية المتنوعة.

ثيري دو ديف(1981) Thierry De Duve عرف هذا الفن بالعبارة التالية: نسمي أداءً كل شكل من أشكال الفن المعاصر ليس برسم أو نحت أو مسرح أو رقص أو موسيقى أو إيماء أو حكي أو حادثة (happening) لكن مستوحى بشكل أو بآخر من هذه الأنواع المختلفة. يدخل العمل الإبداعي في علاقة حوار مع الزمن والفضاء، ومن أجل تحققه الفعلي يحتاج لتواجد كل من الفنان والجمهور في نفس الآن. لا يهدف الأداء اليوم إلى الاحتجاج ولا بالضرورة إلى القطع مع التقليد، إنه يحيي تحديدا أسئلة حول الفن والجسد والفضاء والكلمة و الأصوات والصورة سواء تلك المعدة تقنيا أم لا، إلخ.(فيرال، 2000). هناك عدة وجهات نظر حول الفن وهي متداولة في مختلف الممارسات الفنية وفي فن الأداء. إن المؤدي لا يكتفي بالحاضر الذي يعيشه وإنما يعود أيضا إلى الماضي للتعقيب عليه، عاكسا بذلك مرآة للجمهور. هكذا تندرج ممارساتهم في توجه ما بعد حداثي (فيرال 2000).

حاليا بكندا، يعرض فن الأداء أكثر من أي وقت مضى في المهرجانات وضمن التظاهرات الفنية. مؤدون منحدرون من الفنون البصرية، من الرقص ومن الموسيقى والمسرح. هذه الممارسة حاضرة أيضا في أوساط التكوين الجامعي حيث تم اقتراح دروس نظرية وتطبيقية في نفس الموضوع. وأكثر من ذي قبل أصبحت مدارس الفنون البصرية و في بعض الأحيان مدارس المسرح هي من يقترح هذه الدروس. عمل مرن ولا يحتاج إلا لأمكنة عرض راقية، هكذا أغوى فن الأداء الفنانين الشباب أصحاب الأذواق المتعددة المنفتحين على مختلف الفنون والراغبين في التواصل المباشر مع الجمهور.


الجدول 1:مميزات كل من المسرح وفن الأداء.

المسرح فن الأداء

مسافة الشخصية

مسافة النص الدرامي

مسافة الإخراج

مسافة المواضعات

مسافة الزمن الدرامي مؤدي مباشر

فعل مباشر

مكان عرض مباشر

ليس هناك مَعْلم أو مواضعات

زمن حدث حقيقي

مباشر


إن فن الأداء كما يظهر الجدول أعلاه يتميز عن المسرح ببعده المباشر وغير المفارق على الخصوص. لذلك نقترح الاطلاع على بعض آراء المؤدين حول التمثيل وفنون العرض، من خلال ما قدموه من أجوبة في نفس العدد من مجلة إيس فنون وآراء:


الإجراء هو جزء من الأداء المقدم مثله مثل الإجراء السابق على العرض. وعكس ما يذهب إليه دوبور Debord كون العرض هو استهلاك ثقافي، فإن الأداء هو استفسار اجتماعي وسياسي(كاملو).

فنون العرض تتم في مكان خاضع لمراقبة الفنانين، في حين فن الأداء هو حدث يطرح فيه الفنان سلسلة من الأشياء المبهمة التي يجب أن تفهم خارج مواضعات الفن المسرحي.(إشيربيرغ)

هناك شكل من التمسرح لا سبيل لتجنبه يبدأ بتركيز الجمهور على جسد الفنان.(بابن)

بالرغم من وجود مرفأ للملابس، فإن هذه تبقى ملابس المدينة؛ وبالرغم من اقتراب اللعب مما يقدم في المسرح، إلا أن المؤدي لا يندمج في شخصية ما وإنما يحتفظ بشخصيته نفسها. (أوسلن )

ناتلي ديروم وجوسي ترومبلاي ينظران إلى الأداء كإجراء يعرض شكلا غير نهائي. وذلك بحذفه الركح وخلق فضاء توثر بين المؤدي وجمهور.


من خلال هذه الآراء يتضح أن أغلب الفنانين يجدون فرقا واضحا بين فنون العرض أو فنون المشهد وبين فن الأداء. فهذا الأخير يبدو أكثر مرونة في التحقق ولا يحتاج لأماكن محددة للعرض. لهذا يقدم أغلب المؤدين أعمالهم بشكل مفرد، الشيء الذي لا يمنع -مع ذلك- من بعض التكتلات في مناسبات خاصة.

بعد الوقوف على مميزات كل من المسرح وفنون الأداء وكذا الفرق بينهما نمر الآن للوقوف على علاقة الفنانين بعروضهم.


الجدول 2: الفنان وعلاقته بالعرض.

في المسرح في الأداء

هو ممثل

يلعب شخصية ما

يترجم نصا تم إخراجه من طرف آخرين.

يمثل نصا دراميا (دوبون 2000)

لديه مسافة متخيلة عن شخصيته

يلعب في فضاء ثقافي وعلى ركح.

يلعب داخل ديكور

محاط بفريق عمل

يقدم عمل منتهي

يمثل زمنا خياليا وفي مكان درامي خيالي.

هو مؤدي

يبقى هو نفسه

يقول ربما نصا قد أخرجه بنفسه.

يقوم حدثا

حضور فعلي للموضوع (هو نفسه) في الحدث (دوديف 1981)

يقدم أداءه في فضاءات ثقافية أو غيرها دون خشبة إلزامية.

يلعب ببعض أو بدون ديكور ( كارلسون 1996).

وحيد دائما باعتباره مديرا لعمله.

يقدم إجراء.

يلعب في زمن حقيقي وفي مكان حقيقي.


هذا الجدول يمكن من ملاحظة الفرق بين كل من الممارستين الفنيتين (العرض والأداء). أما المتفرج فيكون في موقعين متناقضين. ففي المسرح عادة ما يكون لديه مكان مألوف ناتج عن المواضعات والتقاليد والذي يسمح له بالتواجد الفعلي، أما في الأداء فالمشاهد يعد جزء من بناء العمل الذي هو في طور التشكل أمام عينيه. وهذا قد نجده أيضا في أشكال المسرح المجازف الذي يقترب بدرجة كبيرة من خصائص فن الأداء، لكننا هنا نحيل على المسرح التقليدي شكلا ومضمونا من أجل تفسير ما نقول.

خلاصة: فن الأداء، ممارسة منفلتة.


مكننا تتبع فن الأداء من زاوية تاريخية من اكتشاف حاجة مختلف المبدعين أو بالأحرى حرصهم على التكتل داخل مجموعات فنية. المستقبليون إلى حدود الثلاثينات من القرن الماضي في أوروبا وأمريكا بحثوا عن إيجاد موقع معارضة مع الماضي من أجل الانخراط في الحاضر. ثم صدرت عدة بيانات من أجل فرض فكر مغاير/متفرد ينطبع بمقاطعته للتقليد. هذه المجموعات الفنية عملت بشكل ما على خلق أشكال فنية جديدة منفتحة اقتربت تدريجيا من فن الأداء كشكل فني بدون حدود و كممارسة منفلتة – على حد قول مارفن كارلسن) (Marvin Carlson 1996.


فنون الأداء اليوم حاضرة أكثر من أي وقت مضى في المشهد الفني، إنها لا تتعارض مع الماضي من أجل تحررها، لكنها مع ذلك قلقة تجاه غياب معالم معهودة في فنون العرض. الأداء يوجد حيثما لا ننتظره. إنه يقدم فنانا بصدد إنجاز عمل فني وإخراجه للنور. هذا التوثر الذي يخلقه إبداع في طور التحقق هو الذي تقترحه فنون الأداء اليوم. ومن يمارسها يضع الجمهور في مكان مختلف عن كل أماكن العرض التقليدية. هو فن أقرب من الورشة حيث يعمل الفنان منه إلى صالات العرض، إنه “نومانس لاند” كل الاحتمالات.


عن IDEA ، مجلة الأبحاث المسرحية التطبيقية / العدد الخامس -سنة 2004.

Chaîné, F. «À la frontière du théâtre et des arts visuels : la performance comme pratique indisciplinée». IDEA / Applied Theatre research Journal (2004 –n°5).

 
 

التعبير الحركي والعروض البينية

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الأحد, 30 تموز/يوليو 2017 13:06

التعبير الحركي والعروض البينية والاستيعاب الطقسي لثقل العالم


بقلم د. صبري حافظ


لا يتوقف مهرجان أفينيون عن التطور، ليس فقط في استيعابه لما يمور به عالم الفنون المسرحية من تجديدات، وتقديمه أفضل ما في جعبتها من ابتكارات، ولكن أيضًا لملاحقته متغيرات الثورة الرقمية وما تتيحه من إجراءات. فمع أنني ما زلت أقاوم الهواتف الذكية، التي تمكن العالم بأخياره وأشراره من متابعة حامليها طوال النهار والليل، وقد تحولت لجواسيس أليفة تصاحب حاملها، وتستأثر بمعظم اهتمامه، حتى ولو كان مع أقرب الناس إليه، وتخبر من يريد معرفة كل حركاته وسكناته بما يريد؛ إلا أنني وجدت أن الثورة الرقمية قد أحالت تذاكر المسرح الأليفة، وما بها من قسم يأخذه المسرح عند الدخول إلى أثر من آثار الماضي العتيق.



كانت الثورة الرقمية تتيح للمشاهد أن يحجز تذاكره عبر الإنترنت، وأن يدفع ثمنها سلفًا ببطاقات الائتمان، ولكن كان على المشاهد ما أن يصل إلى أفينيون أن يذهب لشباك تذاكر المهرجان، وأن يحصل على تذاكره. لكن هذا الأمر تغير لأول مرة هذا العام، في خطوة أولى نحو الإجهاز على التذاكر الورقية كلية، بل إن التذكرة الورقية أصبحت تحمل اسم شاريها لأول مرة. فحتى قدامى المشاهدين مثلي الذين يحصلون على تذاكر ورقية، لم يعد المسرح بحاجة إلى ذلك الجزء من التذكرة، الذي يأخذه منها من يسمح لك بالدخول، والذي يبدو أنه تحول إلى زائدة من آثار الماضي، بل يتركونه لي وكأنني لم أستعمل تلك التذكرة؛ لأن في يد الفتيان والفتيات الذين يسمحون لك بالدخول إلى كل فضاءات المهرجان الآن جهاز صغير يقوم بقراءة التذكرة من خلال ماسح ضوئي. كما أن الكثيرين من المشاهدين أتوا وقد انطبعت تذاكرهم على شاشة هواتفهم الذكية، وهي خطوة أكثر تقدمًا من تلك التي طبع أصحابها تذاكرهم على طابعاتهم الخاصة في البيوت، وعلى ورقة عادية تحمل الكود الرقمي للتذكرة، والذي يقرأه الماسح الضوئي.



وكان من تجديدات مهرجان هذا العام البدء بعرض لصغار المشاهدين، ابتداء من التاسعة من العمر، بعنوان أين الغيلان/ العفاريت؟ Ou Sont Les Ogres في المهرجان الرسمي؛ بعدما كانت عروض الأطفال قاصرة على المهرجان الهامشي Avignon Off وحده، وكانت تستأثر بقدر كبير من اهتمامه وفضاءاته، خاصة أن أغلبها يدور في الصباح. وهو نفس الأمر الذي انتهجه المهرجان الرسمي حيث يعرض عمله للأطفال في الحادية عشرة من صباح كل يوم. كما أصبح من تقاليد المهرجان في الأعوام القليلة الماضية توسيع رقعة اهتماماته الجغرافية، حيث نجد في مهرجان هذا العام أعمالا من نيوزيلندا وفيتنام وجورجيا، والتركيز على منطقة جغرافية بعينها، واستقدام عدد من عروضها المتميزة، وهو الأمر الذي خصصه مهرجان هذا العام لأفريقيا من جديد، فقد سبق له أن ركز على مسرحها في أكثر من مهرجان سابق.



لكن يظل حرص المهرجان على أن يقدم أرقى ما في جعبة المسرح الأوروبي من إنجازات هو مركز ثقله المستمر، والذي جعله أهم مهرجانات المسرح في أوروبا بشكل عام. وإذا كنا نفتقد في مهرجان هذا العام عددًا من الأسماء الكبيرة في عالم الإخراج المسرحي عودنا المهرجان على أعمالهم المتميزة: مثل الألماني توماس أوسترماير، أو الإيطالي روميو كاستيلوتشي، أو اللبناني الكندي وجدي معوض، أو البلجيكي إيفو فان هوفا الذي استحوذ على إطراء كل من شهد عمله في العام الماضي، يقال لإحساس مديره، أوليفييه بي، بالغيرة من مثل تلك الأسماء اللامعة؛ فإننا نجد فيه الياباني ساتوشي مياجي، وهو نجم مهرجان هذا العام بلا نزاع، والإنكليزية كيتي ميتشل، والبرتغالي تياغو رودريغيز، والأسترالي سايمون ستون وغيرهم.


العروض البينية العابرة للأنواع


وكان من اكتشافات هذا العام بالنسبة لي اليوناني ديميتريس بابايوانو، الذي قدم عرضًا تركيبيًا مدهشًا، بعنوان (المروّض الكبير The Great Tamer) لم يشأ المهرجان أن يصنفه في مجال المسرح أو الرقص، وإنما اختار أن يدعوه بالعمل البيني العابر للأنواع Indiscipline. فهو بحق عرض عابر للأنواع، لا يستخدم أي لغة بالمعنى التقليدي للغة الحوار المنطوقة، ولكنه يبدع لغته الخاصة بمفرداتها وما يمكن دعوته بأجروميتها النابعة من البنية التكرارية لبعض المشاهد، والتغايرات الطفيفة في التكرارات. يحيل أجساد الممثلين العشرة، وحركاتهم على المشهد، إلى لغة شاعرية بالغة الشفافية وثرية بالدلالات. فبالرغم من أن هذا المخرج اليوناني (مولود عام 1964) يحظى بسمعة كبيرة في بلده، أسسها بعد أن كرس اسمه كرسام أولاً، ثم كمخرج ومصمم للرقص ثانيا، حتى أنه اختير لإخراج عرضي افتتاح وختام الألعاب الأولمبية في اليونان، حينما جرت فيها عام 2004، فإن هذه هي المرة الأولى التي يدعوه فيها مهرجان أفينيون. وقد جلب إليه عملاً متميزًا سيترك أثره في ذاكرة المهرجان بلا شك. فقد قدم للجمهور عرضًا ممتعًا ومثيرًا للتأمل والتفكير من النواحي البصرية والحركية والموضوع الذي يطرحه معًا.



ويحمل العرض عنوانا بالغ الدلالة لن نكتشف حقيقة معناه إلا بعد الاستمتاع بالعرض، لأن "المروّض الكبير" هنا هو الموت الذي مهما خادعناه، وراوغناه، وحاولنا التغلب عليه، فإنه هو الذي يروضنا في نهاية المطاف؛ ولكن ليس من دون أن يتحول الطراد الطويل بيننا وبينه إلى حياة بالغة الشاعرية، وجديرة بأن تعاش بكل أبعادها الحسية والاجتماعية وحتى الفلسفية. فالعرض بجمالياته الحركية والبصرية المدهشة ليس احتفاء بالموت، بالرغم من وعيه بأنه المروّض الكبير الذي سينتصر في نهاية المطاف؛ ولكنه احتفاء صاخب بالحياة، بكل ما تنطوي عليه من تحققات وإخفاقات على السواء، وبكل ما نعيشه فيها من حميميّة حسّيّة تمكننا من النمو والإبداع. وحينما ندخل إلى المسرح، نجد أن خشبته قد تحولت إلى أرض غير مستوية مفروشة بألواح كبيرة متر في مترين (وهي قياسات القبور)، أو رقائق من"الأبلكاش" أو البلاستيك كلها بدرجات من اللون الرمادي تحيل خشبة المسرح الفسيحة إلى نوع من الأرض الجرداء ذات التضاريس المتباينة. وهناك في امتداد الفضاء المسرحي وفي زاوية بعيدة نسبيا كرسي صغير وبجواره حذاء رجل. أما في منتصف مقدمة المسرح، فثمة رجل في حلّة سوداء نائم على الأرض وبجانبه حذاء، ثم يقوم ويلبس حذاءه، ويقف ثابتا ينظر إلينا، بينما لايزال المشاهدون يتوافدون إلى المسرح.


وما أن يظلم المشهد ويبدأ العرض من دون أي إعلان عن بدءه كما هي العادة في بقية العروض التي يعلن فيها صوت أن العرض على وشك أن يبدأ ويطالب بإغلاق الهواتف المحمولة، حتى يخلع هذا الرجل ملابسه ثم يتجه إلى وسط أعلى المسرح، فخلفية المسرح مرتفعة قليلا عن مقدمته، في هذه الأرضية غير المستوية، ويقلب أحد الألواح الرمادية فنكتشف أن الجانب الآخر فيها أبيض، وينام عاريا عليه، ويجيء من يفرد عليه ملاءة بيضاء. هكذا نبدأ بمفردة الموت، ولكنها مفردة مرفوضة بدءا. لذلك يجيء من يقيم لوحًا من تلك الألواح على جانبه على مبعدة أكثر قليلاً من متر من الميت المغطى بالملاءة، ويتركه يسقط بإيقاع محسوب فيطيّر هواء سقوطه الملاءة التي تغطي الميت، فيجيء من يغطيه بالملاءة من جديد، ويتكرر هذا الفعل عدة مرات يقوم بعدها الميت من ميتته. ويشارك في المشاهد التي تتابع فصولها أمامنا. بما فيها من خلع الأحذية ولبسها، واستخدام تعرية أجزاء من جسم الممثلين، بينما هم دائما في ملابس سوداء، فيبدو لنا أننا بإزاء أطراف، سيقان أو أذرع، تتحرك وحدها؛ فالعرض يستخدم فقط اللون الأسود والرمادي والأبيض ولكل دلالاته فيه.


ولن أستطيع أن أحكي للمشاهد كل ما دار في العرض الثري الجميل، لأننا معه بإزاء لغة مغايرة كلية، وبالتالي بنية جديدة تنبثق عن تلك اللغة المختلفة، تذكرنا بمقولة مارشال ماكلوهان الشهيرة أن الوسيط/ الشكل/ الصيغة هو الرسالة The Medium Is the Message. أننا بإزاء مشاهد حركية بصرية متشابكة ومتراكبة معا، تسعى لصياغة سردية ليست بأي حال من الأحوال بأقل من أن نسميها سردية الحياة اليومية، بما فيها من أفراح وأتراح، ورغبات وإحباطات، وشهوات ومخاوف، بل حتى حروب مجانية وصراعات. لكنني أحب أن أشركه في بعض الصور المدهشة التي تتخلق من مفرداتها تفاصيل هذه السردية. فهناك مثلاً مشهد يمد فيه حذاء أحد الممثلين جذوره في أرض الخشبة، فينزعه الممثل من الأرض بصعوبة لنجد أن الجذور قد انبثقت من نعله فروعا وأغصان، وأنه يخلعه من الأرض بتؤدة، وقد تشعبت الجذور خارجة من حذائه فلا يسعه إلا أن يرفع قدميه عاليًا، ويمشي على يديه. وهناك في المقابل المرأة التي تحمل أصيصًا كبيرًا، فتنبثق فيه النباتات ويورق، وذلك الذي يحفر في أرض الخشبة فيخرج ترابا ثم تتبعه أجزاء أجساد حية تتحرك، وأطراف أجساد أخرى سرعان ما تتجمع فتتخلق امرأة من ساقي رجلين، وجسد امرأة ورأسها تتحرك أمامنا حيث يقوم بدورها ثلاثة ممثلين ببراعة مدهشة في التناغم الحركي. وهناك هذا المشهد اللاذع الذي يتم فيه تعرية شخص على مائدة، ثم تمزيقه، واستخراج أحشائه وكل ما في جوفه، وتحويله إلى وجبة شهية وقد مُدت المفارش على المائدة، ونظمت الصحون لعدد من الذين مزقوه ونهشوا لحمه حيا، فجلسوا يأكلون بكل طقوس الأكل المحترمة؛ في نوع من التجسيد الشعري لبشاعات التعذيب، أو قل لطقوس النهش الجماعي التي اعتدنا ممارستها في حياتنا اليومية.


وهناك هذا المشهد البديع الذي يدور فيه الصراع بين شخص وشخصين آخرين، فيهرب منهما ويبني له مخبأ تحت بعض الألواح التي تتعدد استعمالاتها بطرق مبتكرة طوال العرض، فتبدو هذه المرة وكأنها خيمته التي يحتمي بها، فيذهب المعتدون ويأتون بآخرين من أطراف الخشبة يصبون عليه وابلا من السهام، التي تنهال عليه بالعشرات، بل المئات، وتُرشق كلها في الألواح التي يحتمي بها، ويخرج بعد هذه المعركة سليما. وهناك مشهد ينفتح فيه أحد المربعات عن حوض من الماء، يطلع منه شخص يدفع عن نفسه الماء، ويطفو ثم يخرج ويجلس على حافة الحوض. وهناك مشهد آخر يأتي فيه عارض وقد تم تجبير "تجبيس" ساقيه وذراعيه ورقبته وكل جسمه. يهدهده آخر فيكسر "الجبس" عن ساق بعد أخرى، ثم عن ذراع بعد الآخر، ثم عن بقية الجسدن باحتضان كل جزء وتكسير الجبس من عليه قطعة قطعة في نوع من الرعاية الحميمة التي ينهض بعدها المحطم معافى وسليمًا مرة أخرى. ناهيك عن مشاهد اللقاءات الحسية الجميلة التي يتعانق فيها جسدي الرجل والمرأة، وهما يعزفان لحن التمازج أو التناغم والاندغام كل منهما في الآخر، والتي يجسدها العرض بشاعرية مرهفة، يصبح فيها العري قصيدة لجماليات الجسد الإنساني، وفعلا يدرأ به الإنسان عن نفسه وحشة الحياة وصدماتها القاسية.


إننا هنا بإزاء سيمفونية من المشاهد المتتابعة التي يتولد أحدها من رحم الآخر، بصورة تشد انتباه المشاهد وتدهشه باستمرار، وهو يرى ما تنطوي عليه الحياة من تجدد وحيوية. يرجع فيها العرض ثلاث مرات إلى ما يمكن دعوته بنغمة القرار فيه، وهو مشهد جسد الرجل العاري المسجى على لوح أبيض وسط مؤخرة/ أعلى المسرح في بداية العرض، يفرد عليه شخص ملاءة بيضاء، ثم يجيء آخر فيقيم أحد الألواح على جانبه، ثم يتركه ليسقط فتطير الملاءة من فوق الجسد المسجى، فيعيدها من فردها عليه من جديد؛ ويتكرر هذا الفعل عدة مرات، ثم يفسح مكانه لعدد آخر من المشاهد يعود بعدها المشهد ليذكرنا بنفسه من جديد، وبنفس إيقاعه التكراري البطيء. حتى نصل في نهاية العرض إلى ذروة هذا المشهد وقد انتقل من مؤخرة المسرح إلى مقدمته؛ حين ينفتح أحد المربعات وفي الوسط تماما عما يشبه القبر، به هيكل عظمي انطبع على أرضية القبر، وحينما يرفع تلك الأرضية عارضان، ويميلانها بالتدريج تبدأ العظام في التساقط، في مقدمة المسرح، حيت تسقط الجمجمة وتتدحرج إلى صالة المشاهدين! وهكذا يعلن المروّض الكبير عن وجوده الطاغي بيننا. لكن العرض يعلن أيضًا عن أن قوة الإنسان نابعة من رفضه له رغم تسليمه بسلطته، حينما يترك العارض الذي أمال القبر كي تتساقط العظام الجمجمة التي سقطت بيننا، ويرتد هو إلى المسرح ينفخ ورقة تطير، ويحافظ على طيرانها بأنفاسه كي لا تسقط ويظلم المسرح على تلك النغمة المتفائلة التي تؤكد أن الحياة تسير، برغم عبء الموت.


الوقوف في الوقت وطقوس درء الموت


العمل الآخر الذي شاهدته في مهرجان هذا العام والذي اهتم كذلك بدرء عبء الموت عن الإنسان باللجوء إلى الشعر بمعناه الحرفي هذه المرة، كان في الواقع أول ما شاهدت من عروض هذا العام. وهو عرض جاء من آخر العالم، أي من أوكلاند عاصمة نيوزيلندا، أغراني باختياره أن من ساهمت في كتابته شاعرة سورية تدعى رشا عباس، تؤبن فيه ضحايا الحرب المجرمة التي تدور في سورية منذ سنوات، أو تكشف فيه عما تنطوي عليه من جنون وسعار. إذ يبدو أن هذه الحرب قد شتت السوريين في كل أرجاء المعمورة، حتى آخر رقعة مأهولة في العالم، حيث تثبت المهاجرة السورية قدراتها الإبداعية. بل وتدمجها في قلب الثقافة القديمة في هذا الجزء من العالم. وهو بعنوان (الوقوف في الوقت Standing in Time) ومن تصميم وإخراج ليمي بونيفاسيو Lemi Ponifasio، يصنفه المهرجان على أنه من العروض البينية Indiscipline أيضًا. مع أنه يستخدم اللغة، ولكنها لغة الماوري Maori القديمة، وهي لغة سكان نيوزيلندا الأصليين، قبل استيطان الأوروبيين فيها. بل ويحرص على ألا يتم ترجمتها في شريط الترجمة فوق الخشبة عادة، لأن لها دورا صوتيا غنائيا فحسب. وليمي بونيفاسيو مصمم العرض ومجمع رؤاه وطاقاته، راقص ومصمم رقصات أسس فرقته في أوكلاند عام 1995 وسماها MAU وهي مفردة تعني السعي للحقيقة في لغة الماوري، من فنانين من مختلف جنسيات العالم لسبر أغوار ما يمور به عالمنا من تناقضات واستقطابات مدمرة، وحروب.


وفي لغة الماوري Maori وهي اللغة الأصلية للنسوة العشر اللائي يتعامل معهن في عرضه، ثمة مفردة تعرف المرأة بأنها هي التي تتعهد أمور الموتى بعد الموت، وهي التي تضمن لهم أن يدلفوا بكرامة إلى العالم الآخر. وهو التصور الذي يقول أنه انطلق منه في بلورة عرضه الذي يهتم باستعادة كرامة الإنسان في عالم يطيح بكرامته في كل مكان تقريبًا من دون رحمة. وفضلاً عن ذلك فقد ربط بين هذا التصور وبين ما لاحظه في الثقافة الأوروبية من أن جوستيسيا Justicia ربة العدالة عند الرومان هي أيضًا امرأة تعيش بيننا وتوزع العدل بطريقة محايدة. ويصورها الضمير الأوروبي معصوبة العينين تمسك بميزان العدالة، وبسيف ذي حدين. فهل تمثل بحق العدل؟ أم أن عينيها المعصوبتين تعميانها عن الحقيقة، بما يترتب على هذا العمى من إراقة دم الأبرياء؟ هذا السؤال المحوري بدأت تطرحه عليه أشعار رشا عباس، المهاجرة السورية، التي تجسد عبرها المأساة السورية بكرامتها وما تنطوي عليه من عنف مؤلم ودمار لا عقل له، بصورة يصعب معها معرفة الحقيقة. هل نستطيع حقًا أن نعرف الحقيقة؟ وهل يمكن أن نقوم بأي عمل لتخفيف حدة العنف والدمار الذي يسود العالم؟ هل باستطاعتنا الحياة بتواؤم مع البيئة المحيطة بنا والطبيعة التي نعيش بها؟ ألا نعيش في عالم نقوم بتدميره واستنزافه بمعدلات غير مسبوقة؟ ألا تعكس الطريقة التي ندمر بها العالم نزعة الدمار التي ندمر بها أنفسنا؟ من هذه الأسئلة المدببة ينطلق العرض.


ويسعى ليمي بونيفاسيو إلى خلق لغة تعبيرية قادرة على بلورة هذه الأسئلة الملحة، وإلى مساءلة مفهوم العدالة والكرامة الإنسانية، من خلال استثارة جدلية الخلق والدمار معًا، عبر رحلة الإنسان عبر الحياة وصوب الموت. يسعى إلى خلق مسرح قادر على تمكين المشاهدين من الإنصات إلى أرواحهم وتذكيرهم بأفضل ما فيهم. لذلك فإنه ينصت إلى إيقاع الحياة الخام البسيطة والقاسية معا في جزيرة ساموا Samoa الصخرية التي جاء منها، وليس إلى تقاليد مدارس الرقص وتصوراتها الغربية أو حتى المسرحية، من أجل أن يتعانق في عمله الكوني والإنساني. بين هذين الوترين/ المحورين أو بالأحرى الرؤيتين المختلفتين للعالم ولدور المرأة فيه، بين إيقاع الحياة والموت الهادئ في جزيرة ساموا وصخورها الأليفة، وبين الحياة المرعبة التي خلفتها رشا عباس في سورية وراءها، وكرست أشعارها لتجسيد وقائعها المرعبة، يسعى ليمي بونيفاسيو لتخليق طقس مسرحي يدعو إليه المشاهد، للحديث عن مصير النساء اللواتي يختفين من الحياة الاجتماعية من دون توضيح.


وحينما ندلف إلى فضاء ساحة ليسيه سان جوزيف الكبير، نجد مسرحًا فارغًا ليس عليه غير مجموعة من الصخور أو الأحجار المكسرة قرب يسار المسرح، وأن هناك دكة طويلة سوداء على كل جانب من جوانبه، تجلس على الموضوعة في يسار المسرح امرأة متشحة بالسواد وعلى مبعدة قليلة منها تتناثر الحجارة، وعلى الواقعة في يمينه سبع نساء متشحات بالسواد مثلها، لا تظهر من أجسادهن غير الرقبة والرأس والكفين. ويبدأ العرض بأن تبدأ النساء، وكأنهن جوقة تقودها المرأة الجالسة وحدها يسار المسرح، نوعًا أقرب إلى التعديد الجمعي بلغة الماوري؛ يستهدف إدخال المشاهدين في إيقاعاته البطيئة المختلفة. وبعد قليل تظهر امرأة في ثياب بيضاء وشعر سادل طويل تنشد شعرًا، يوشك أن يكون شعرًا عربيًا من حيث الإيقاع والموسيقى، ولكن كلماته غير واضحة، لأن العرض كله لا يهتم بما يقال، بل بطريقة قوله وإنشاده.


وأهم ما يهتم به هو ما يحدث أو ما يدور أمامنا من تشكيلات حركية من أجساد النساء التسعة اللواتي تظهرن في بعض الأحيان كالمشبوحات، وفي أخرى كالراقصات اللواتي تقمن بأدوار إيقاعية محسوبة ومتعمدة. ويتغير التكوين التشكيلي للمشهد باستمرار، حينما تأخذ النساء واحدة وراء الأخرى الأحجار، ثم ترصها بشكل يحدد خطًا يقسم المسرح إلى نصفين. ثم تصعد الممثلة الوحيدة التي ترتدي ملابس بيضاء إلى ما يشبه المائدة أو النعش، بينما يتبدل وضع كرات الضوء التي كانت تنير المشهد، كي يتغير دور الظلال على الخشبة، وتتنامى في الخلفية أصوات تظاهرات، قد يكون بعضها مأخوذًا من تظاهرات الحراك السوري، من دون أن يهتم العرض بأن يمكن المشاهد من فك شفراتها. ثم تصعد ممثلة أخرى فوق النعش وتتعرى بينما يتصاعد صوت الهتافات، وتتحول رقصات النسوة في القسم الثاني من المسرح إلى الصخب والعنف، وفي أيدي بعضهن أدوات معدنية يهددن بها، ثم تقبل بعضهن لرش الرماد على جسد العارية المسجى على النعش، بينما يقوم بعضهم الآخر بحسو الرماد على وجوههن. كل هذا يدور بينما تواصل المنشدة في ملابسها البيضاء الدوران وسط ما يتصاعد من دمار، وقد عاد تناثر الحجارة من جديد. هكذا يتتابع إيقاع العرض، ومن خلال التوزيع بين الأسود والأبيض تتخلق علاقات أو جدليات بين الواقعي والتأملي، حيث تنتصر المشاعر على المعاني، بطريقة تحاول فهم ما يحيط بنا وما يدور لنا في الوقت نفسه. وقد تعمد العرض كما ذكرت عدم استخدام شريط الترجمة الفوقي الذي يستخدم عادة في مثل هذه الظروف، كي يركز المشاهد على الجماليات الصوتية للغة وكأننا إزاء شعرية الفقد والدمار دون تحديد لغة أو مجتمع بعينه، حيث يستشري هذا الفقد في كل ما حولنا من خراب. فمهما كانت معرفتنا باللغة، فإن الوصول إلى المعنى الكامل أمر بالغ الصعوبة، بل ربما أمر مستحيل، وهذا هو ما دفع العرض إلى الاهتمام الشديد بالبعد الطقسي للفعل المسرحي.

وقبل الانتقال من تلك الأعمال البينية للحديث عن جانب آخر مما شاهدت في هذا المهرجان، لا بد من الوعي هنا بأن هذه الأعمال البينية تعي برغم استخدامها لأكثر من عنصر من عناصر الفرجة المسرحية، أهمية أن يكون العمل المسرحي دراميا، وأن ينبني على مجموعة من الحتميات المتتابعة التي تتخلق منها الدراما، وتتوتر حدتها وقد استطاعت أن تمسك بخناق المشاهد، وأن تستولى على اهتمامه. فبدون هذا التوتر الناظم يتحول العمل إلى مجموعة من الاسكتشات المفككة أو المترهلة. كما نرى كثيرا مع مخرجين من طراز أقل. بل كما رأينا هذا العالم وفي أهم فضاءات المهرجان للأسف، في عرض فييستا!

ستكون لنا عودة له ولغيره من العروض!


 
 

بلاغ فيدرالية الفرق المسرحية المحترفة

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الخميس, 27 تموز/يوليو 2017 17:16

الفيدرالية المغربية للفرق المسرحية المحترفة

بلاغ


على اثر تداعيات الاستخفاف بصرف مستحقات الفرق المسرحية، وفق عقود مبرمة مع وزارة الثقافة والاتصال، وما ترتب عن هذا التأخير من تأثير سلبي سواء في علاقة الفرق بالفنانين المسرحيين المتعاقدة معهم و أيضا ما خلفه هذا التأخير من أثر سلبي على المشهد المسرحي عموما، والذي ينبئ بالعصف بكل المكتسبات وعدم استكمال فصول المشروع الذي ناضل من أجله المسرحيين منذ حكومة التناوب 1998، وبعد العديد من محاولات التواصل سواء كفيدرالية في لقاء بالسيد وزير الثقافة والاتصال بتاريخ 26 ماي 2017 أو من خلال عدة لقاءات واتصالات تمت من بعد، أو كمجموعة فنانين بادروا لفتح حوار مطالبين بتسوية صرف الدفعات ، إذ كانت الردود والتبريرات هي نفسها في كل لحظة وحين.


اليوم 27 يوليوز 2017 بادرت لجنة من الفنانين المتضررين من هذا التأخير، بزيارة لديوان السيد الوزير للاستفسار عن مآل الوعود التي قُدمت لهم، إلا أنها ومع كامل الأسف استقبلت من طرف مدير ديوان السيد الوزير، بسلوك لا يليق برجل يتقلد منصب مدير ديوان وزير الثقافة والاتصال، ومن المفروض فيه أن يكون العارف المطلع والمتتبع للساحة الفنية والثقافية، فعوض أن يبحث معهم على مخرج للأزمة، الوزارة هي السبب الأول والأخير في صنعها قابلهم بقوله " أنا لا أفهم في الثقافة وليس لدي ما أضيف في الموضوع"


إن الفيدرالية المغربية للفرق المسرحية المحترفة، إذ تعتبر نفسها امتدادا لهذه المجموعة وهي أيضا امتداد للفيدرالية ، فهي تؤكد على أن المطالب حق مشروع، دولة الحق والقانون، وفي الوقت ذاته نستنكر أي سلوك غير مسؤول، لا يحترم كرامة الفنانين،ويضرب كل ما قرره الدستور المغربي والمواثيق الدولية، وبهذا فإننا نضع الدولة والحكومة المغربية، والوزارة الوصية أمام مسؤوليتهم التاريخية.


لذا نطالب من السيد رئيس الحكومة والسيد  وزير الثقافة والاتصال العمل على الإسراع بتحقيق مطالب المسرحيين واستكمال مشروع الدعم المسرحي، لأنه مشروع مجتمعي ساهمت كل الهيئات الفنية والفعاليات في بلورة تصوراته و فصول تطويره، وفق التصور الشمولي تعزز بما أقر به دستور 2011.

عن المكتب الوطني الفيدرالي


 
 

في البحث عن غنام غنام

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الخميس, 27 تموز/يوليو 2017 12:22

قراءة في مسرحية “سأموت في المنفى” للمسرحي الفلسطيني غنام غنام

بقلم الأستاذ جمال عبد الناصر الفزازي



في البحث عن غنام غنام

عرض المبدع غنام غنام مسرحيته ” سأموت في المنفى” في ذكرى استشهاد المناضل المثقف والسياسي الكبير غسان كنفاني،  وختما لعروض المهرجان الدولي للمسرح الجامعي لابن مسيك 8 يوليوز 2017 بمركب ستوديو الفنون بالدار البيضاء- المغرب ، في قاعة مستطيلة طوعها لتكون فضاء لعبيا لفرجة حكواتية دائرية استغرقت ساعة من الزمن لكنها امتدت بعيدا في مفاصل التاريخ ومجازات التخييل. ثلاثة مفاتيح لعرض ناجح :

أولا :

– النص المسرحي: نص يحفر عميقا في الجسد الفلسطيني المهجر أشتاتا بعيدا عن الأرض – الموطن - التي تم تشتيتها بين الاحتلال الإسرائيلي والمملكة الأردنية الهاشمية والمملكة الخديوية المصرية والنظام السوري وبإرادة من بريطانيا المستعمرة “وعد بلفور 2017” والغرب عامة.

… في هذا المسرح العالمي تمت مصادرة تركة الشهيد صابر.. صابر من كفر عانا، انتزع الاستيطان أرضه و مات محروقا كمدا على ابنه المثقف والمناضل المنفي في الأردن، إثر مكيدة مبيتة من ذوي القربى…

أما غنام غنام الذي يصغره سنا، فلم يغنم سوى التهجير القسري باسم النزوح او اللجوء.. مثلما غنم ماسي الأسرة وتراجيديا فلسطين ترابا ورمزا.. ولم تتبق لديه سوى حقيبة كانت تحتفظ بتراب وحجر فجرده حرس الحدود منهما، لتصير تلك الحقيبة هويته المجروحة و قبره المفترض.

بهذا سيضع الجمهور أمام غنامين: أحدهما الأصل الذي كان يمكن أن يحيا حياته الطبيعية في وطنه الأم و قريته كفر عانا، ومدينة مولده أريحا.. وغنام البديل “بدل فاقد” الذي بات يتجرع إهانات المطارات، وجحيم المنافي في انتظار استرجاع النسخة الأصلية. لينتهي العرض إلى إستضمار السؤال الوجودي الشكسبيري : “أكون أو لا أكون” أيهما غنام الكائن؟ .. أهو الطبيعي أم الممسوخ بالاحتلال ؟.. هل هو الميت في وطنه أم في بلاد الغير؟ هل هو الإنسان الذي كان سيكون حرا كريما في وطنه لو لم يوجد استيطان ..؟ أم هو ظله وقرينه ونسخته المشوهة. قيمة النص الدرامية لا تتأتى فقط من مرجعية النص وقضيته : فلسطين.. بل من إعادة إنتاج فلسطين النصية بشكل جمالي.. ألم يصرخ محمود درويش في الذين يستغلون القضية الكبرى بما دون الفن : ” أنقذونا من هذا الحب القاسي ” .. وهذا النص يمنح للقضية زخما فنيا بعد أن توارت خلف الكوارث العربية بإسم “الربيع العربي”.

وفي الواقع لا يوجد نص مكتوب تم إعداده و الإشتغال عليه.. لأن العرض يوحي إلى أن النص تم التفكير فيه “منجزا فرجويا” و مشروعا مسرحيا تجريبيا منفتحا على الفضاءات العامة…

 

وبالتالي فهو مشروع عرض يحتوي نصا ملفوظا،  يتم تعديله في كل عرض بحسب طبيعة الفرجة والمتلقي ، وإن كانت بنيته العميقة، و الأساس هي تمثيل الأنا الفردية (غنام غنام) والعائلية (صابر) والجماعية (فلسطين)…باعتبارها موضوعا قابلا للقراءات المتعددة ..النفسية والاجتماعية والتاريخية …

إنه نص محبوك بإتقان يجعل المعقد بسيطا لإمتاع المتلقي و افهامه، بل و إرباكه أيضا بدءا من لازمة الاستهلال :” الله يمسيكم بالخير ويمسي الخير فيكم، لأن الإنسان بيحلى بالأيام والأيام بتحلى بالإنسان. و أحلى الناس هم البني آدم، و أحلى البني آدميين هم الناس، ومساء الخير عالبني آدميين.” و هي التي ختم بها العرض، وما بينهما كثافة نصوص متداخلة : نصوص شعرية - خاصة شعر محمود درويش –  و أسماء أعلام فلسطينيين : كإميل حبيبي و سميح القاسم و إدوارد سعيد و ناجي العلي وغسان كنفاني… و أماكن :  كالقاهرة وجرش وكفر عانا والشارقة… بالإضافة إلى نصوص حكم و أمثال و أخبار تنحت مادتها من السياسة والتاريخ و أحوال المجتمعات. ومن ميزات النص العرضي انتقال سلس من اللهجة العامية الفلسطيني إلى المصرية.. ثم إلى العربية الفصحى؛  ومن الخطاب الفقهي إلى المحكي المتداول لدى العامة؛ إلى خطاب الرقيب والحاكم أو العالم، بحيثيات القضية و أسرار الشخصيات.

كما أن قيمة النص تعود إلى التلاعب بالزمن من خلال الاسترجاع غير المنتظم للتواريخ و الأحداث،  ووو والاستشراف من خلال استباق الموت… موت الشخصية في المنفى…

النص يجعل الشخصية معلقة بين - بين… بين الحاضر والماضي والمستقبل.. بين الحياة و الموت.. بين الجسد في فلسطين وفلسطين المحتلة.. بين المنفى باعتباره وصلا لإحياء فكرة الأرض وبعثها في الأجيال الصاعدة والمنفى باعتباره فصلا للإنسان عن موطنه الطبيعي.

وبلا شك يتميز النص بل يمتاز بقيمة درامية تفتحه على إمكان تجسيده فرجويا، لأنه يتمحور حول DRAMA الفعل الدرامي أي ما يمكن انجازه هنا والآن مسرحيا، وليس فقط الاكتفاء بالتعبير الإنشائي ذي النزعة البكائية، كما في كثير من المسرحيات التي تزعم الدفاع عن فلسطين، أو النزعة المدحية التي تمجد الأسطورة الفلسطينية إلى حد التقديس…

ثانيا:

– التشخيص: يستثمر التشخيص تقنيات الحكواتي التي تقوم على إنجاز الفعل الدرامي هنا هو ما نشاهده عبر حفر القبر او حمل حقيبة او صفع الشخصية واستنطاقها او ندب صابر لمقتل ابنه بحركة اليد و ترنح الجسد او التحرك الدائري الذي يشير الى الترحال المستمر دون مغادرة الفضاء المغلق.. انه نص يفتح باب الابتسام والضحك كما يفتح باب المأساة التي نراها في عيني غنام و ملامحه كالتركيز على المشاهدين بنظرات حادة والالتفات إليهم باستمرار لانتشالهم من كراسيهم المترهلة و إدماجهم في فن الحلقة بفرجة تروم تكسير الجدران وفتح مساحة التباعد بين الشخصية وموضوعاتها بل خلق مسافة نقدية بين الذات الحية وذاتها الميتة. ويهيئ الفرجة للتغريب بحيث تتم إعادة بناء المشهد لفضح منطق الأشياء وربط المعلول بالعلة لكن بلمسة فنية مساءلة.. مما يوفر مساحات للنقد والسخرية والإدانة وجعل المشاهد / الجمهور مندهشا بوعي من عالم متوحش ولا مبال او متنكر في صورة انسان متحضر. كما انه تشخيص لا يروم تقمص الشخصية كما عند ستانسلافسكي لأنه لا يعرضها للاندماج فيها بشكل كلي بل لقراءتها بوعي و تجاوزها. وهو لا يعرضها أمام العقل كما عند بريخت لأن الممثل هو ذاته الكاتب والشخصية والمخرج والإنسان الفلسطيني: غنام غنام الذي يحمل مأساته الوجودية في جسده ويتعذر عليه تمثيلها وسلخها من جلده .. وهو لا يحكي كما في تراث الحكواتيين من اجل التفكه او سرد سير الامم الغابرة او البطولات الخارقة واساطير الاولين للسمر والسهر بل يتجاوز فرجة الحلقة التقليدية لأنه يمسرح الفرجة الشعبية ويعيد إنتاجها من زاوية أخرى متمثلا الإرث المسرحي الجمالي عالميا …

ثالثا :

– الإخراج: هذا الخيط الذي يتماهى فيه صوت المؤلف وحركة الممثل ورؤية المخرج ، ناسجا إيقاعا حركيا بصريا و سماعيا، اشتغل عليه الإخراج بإضاءة اعتيادية وظيفتها الكشف.. وهو ما سيضطلع به الخطاب المسرحي، لإبلاغ الجمهور بحقيقة القضية الفلسطينية وتنسيب العلاقة معها، وفي نفس الآن عرض الجسد الجريح بكل ماضيه وندوبه واحلامه واسئلته.. سواء بالصمت والصراخ او باختيار اللون الابيض والاسود في اللباس او من خلال توظيف اكسسوارين: مقعد وكوفية فلسطينية.. وكأننا أمام مسرح فقير ل “غروتوفسكي” يغتني بمنح الأشياء الفرجوية القليلة، إمكانات فنية بوظائف جمالية ومعرفية شتى، تفترضها الحكاية كأن يتحول الكرسي الى قبر أو نعش و لحد أو أداة استنطاق أو حقيبة، وتصير قطعة ثوب كوفية فلسطينية او خريطة لفلسطين ورمزا. وعلى امتداد العرض ظل الجمهور مأخوذا بالحكاية مندمجا فيها نفسيا لكنه لم يغن الفرجة الحكواتية دراميا وعرضيا بتشخيص او انشاد او رقص او محاورة للحكواتي، مادام العرض تشاركيا إذ لا شيء فيه خفي ولا كواليس. بهذا تكون الفرجة قد انغلقت في المكان الدائري مثل انغلاق الحدود في وجه الشخصية.. وانفتحت على الجمالي والإنساني بإرادة في التحرر من المأساة.

إنها نداء انساني لتحرير الإنسان من التاريخ الممسوخ.. نداء فني يضيء الحقيقة التي تدين الضمير العالمي.. إن كان للعالم ضمير.

 
 

الصفحة 9 من 25

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com theatretafukt@gmail.com
Télé: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.