Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
متابعات - تغطيات صحفية: "أنمسوال" بالمهرجان الوطني للمسرح - الجمعة, 01 كانون1/ديسمبر 2017 18:01
مسرح - الفنون الدرامية: تونس قبل "قرطاج" - الجمعة, 24 تشرين2/نوفمبر 2017 11:39
متابعات - تغطيات صحفية: خميسآرت: ندوة مسرح الشارع - الأحد, 12 تشرين2/نوفمبر 2017 11:07
بحوث - مقالات - دراسات: الفضاء العمومي ومسرح الشارع - الأحد, 12 تشرين2/نوفمبر 2017 10:53
مواعيد فنية - ثقافية: Ouarzazate: Morocco Solar Festival - الجمعة, 10 تشرين2/نوفمبر 2017 10:49
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: مهرجان السينما والذاكرة المشتركة - السبت, 04 تشرين2/نوفمبر 2017 13:02
متابعات - تغطيات صحفية: بلاغ مشترك بين النقابة والفيدرالية - السبت, 04 تشرين2/نوفمبر 2017 10:56
أخبار - منوعات - إصدارات : جديد الفيدرالية الدولية للممثلين - الثلاثاء, 31 تشرين1/أكتوير 2017 18:12
مواعيد فنية - ثقافية: ملتقى فنون العرائس والفرجة الشعبية - الأربعاء, 25 تشرين1/أكتوير 2017 19:18
مواعيد فنية - ثقافية: سيرة القصيدة بمهرجان مكناس - الثلاثاء, 24 تشرين1/أكتوير 2017 11:18
Blue Grey Red
مسرح - الفنون الدرامية

تونس قبل "قرطاج"

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الجمعة, 24 تشرين2/نوفمبر 2017 11:39

تونس قبل "قرطاج"

بقلم ليلى بن صالح / تونس


ثمة هدوء ملاحظ في الحركة المسرحية التونسية هذا الخريف، على مستوى العروض على الأقل، إنه وضع يصحّ أن نسقط عليه العبارة الجاهزة "هدوء يسبق العاصفة". ففي بداية الشهر القادم تحتضن قاعات تونس العاصمة دورة جديدة (19) من "أيام قرطاج المسرحية".

هذه هي النسخة الثالثة من المهرجان بنسق ظهوره السنوي، بعد أن كان ينظّم كل سنتين. الإيقاع الجديد بات منعكساً على الساحة المسرحية، التي يتضح كل سنة أن إنتاجها بات يتركّز أكثر فأكثر في نهاية العام، حتى تكون الأعمال المسرحية جاهزة للعروض في المهرجان، في حين أنه في سنوات قليلة ماضية كانت بداية الخريف إحدى أنشط لحظات السنة المسرحية.

تمحوُر الإنتاج حول "أيام قرطاج" بات يصنع إلى حدّ ما حالة من الموسمية، وهي ليست أمراً خاصاً بالمسرح، فمثلاً يعرف قطاع النشر ذروته في الشهر الثالث من العام تزامناً مع "معرض تونس الدولي للكتاب".

ثمة إشكالية أخرى تتعلّق بـ"قرطاج" وهي بروز الصبغة المحلية، فتحويل التظاهرة إلى الفضاء الأكثر جماهيرية للعروض يجعل من كل جهات الإنتاج التونسية تلهث وراءه وتعدّل ساعتها حوله، في حين أن المهرجان ينبغي أن تكون له أبعاد انتقائية عالية، تسري على العروض التونسية والأجنبية على السواء. هكذا ننسى أن مهرجاناً دولياً يمثل فرصة للجمهور للتعرّف على تجارب غير التي يمكنه أن يشاهدها طيلة السنة.

تنطلق هذه الملاحظات من زاوية المتفرّج، لكن توجد زوايا أخرى للنظر في المسألة. "العربي الجديد" نقلت هذه الاعتبارات إلى المسرحيين. تقول الممثلة شاكرة رمّاح عن النسق السنوي لتنظيم المهرجان: "إنه خيار صائب، إذ يخلق حركية ثقافية في تونس ويحث المبدعين والفنانين على الإنتاج بنسق أعلى". رمّاح تشير إلى عامل آخر قد يساهم في تطوير جودة الأعمال المقدّمة وهو عودة الجوائز إلى التظاهرة بعد أن حُجبت في دورات سابقة.

من جهته، يرى المخرج ظافر غريسة أن التظاهرة "أصبحت فرصة سنوية، للأسف وحيدة، للبعض لتسجيل الحضور، خصوصاً الشركات المسرحية التي تتعامل مع المسرح كتعاملها مع الرغيف". ثمة جانب آخر يضيئه المسرحي التونسي، هذه المرة من داخل كواليس المهرجان نفسه، إذ يكشف أن "حسابات الميزانية تخلق مثل هذا الوضع، حيث يجري الاعتذار إلى فرق عربية لعدم توفّر إمكانية تغطية تكاليف السفر والإقامة، وبذلك يصبح البرنامج السنوي مُسقطاً تغلب عليه الأعمال التونسية".

هكذا، في الوقت الذي نظنّ أن "أيام قرطاج المسرحية" نقدّم الفرصة للأعمال التونسية للبروز، يجري خنق فرصها للتميّز. تسري على المسرح القاعدة نفسها المعروفة في علم التسويق "كثير من الإشهار يقتل الإشهار".

 

أوديسّةُ ساراماغو على الخشبة في لندن

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الإثنين, 16 تشرين1/أكتوير 2017 19:44

أوديسّةُ ساراماغو على خشبة مسرح "غيت" في لندن

بقلم إبراهيم قعدوني


تدور القصة الشهيرة للروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو التي بعنوان "حكاية الجزيرة المجهولة" حول رجل يريد أن يبلغ جزيرةً مجهولة لم يبلغها أحد قبله. هي حكاية تُحرّض قارئها على أن يحلُم بالمستحيل وأن يحاول قطع المسافة الشاسعة بين نفسه والآخرين. في سبيل ذلك يقصد الرجل قصر الحاكم الذي بعدّةِ أبواب مختاراً باب الالتماسات بغيةَ أن يسأل الحاكمَ أن يمنحه قارباً ليشرع في رحلته وما بين الفكرة والطريق إليها، يعرض الروائي البرتغالي العبقري خوسيه ساراماغو بأسلوبه الرشيق أسئلةً لازمت الخيال البشري منذ طفولته.

قامت إيلين ماكدوغال المديرة الفنية الجديدة لمسرح غيت في لندن ومعها كلير سالتر بإعداد مسرحي لقصّة ساراماغو  وقد انطلقت عروضها على خشبة المسرح الواقع في منطقة نوتينغ هيل في وسط لندن منذ الثامن عشر من أيلول/ سبتمبر الجاري وتستمر حتى بداية شهر تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام.

اختارت مصممة الديكور روزي إلنيل اللون الأزرق ليلفّ الخشبة من جوانبها كافةً في إشارةٍ مزدوجة إلى البحر الذي سيركبه الرجل في رحلة بحثه، وربما أيضاً إلى عالم الأحلام الذي يدعو ساراماغو إلى الانعماس فيه دون شروط لتقصّي أبعد ما يمكن للمخيلة البشرية أن تبلغه. أمّا القارب الذي سيبحر على متنه الرجل فقد ارتأت روزي أن يكون باللون الأحمر النبيذيّ.

المسرحية، كما قصة ساراماغو، دعوة مفتوحة للحلم وللبحث عن أسلوبٍ آخر دوماً، دعوة لأن يتجرأ المرء على السير وراء أحلامه مهما بدت غريبة للآخرين. في حكاية ساراماغو، وحين يقول الحاكم للرجل الذي جاءه يسأل قارباً "إنَّ الجزر كلها موجودة في الخرائط، وليس ثمة من جزر مجهولة"، فإن الرجل الحالم يجادله بالقول إنَّ "الخرائط تحتوي على الجزر التي نعرفها وحسب". ثمّ يحدث أن تنضمّ عاملة التي في قصر الحاكم إلى رحلة الرجل الحالم بعد أن يظفر بموافقة الحاكم على منحه قارباً لرحلته صوب "جزيرته المجهولة".

ماذا لو؟

يبدو العرض في ظاهره أشبه بسرد حكائي لوقائع قصة ساراماغو نفسها، إلاّ أنّك حينما تجلس في مقعدك بين الجمهور مُستَمِعاً إلى الحكايات التي تتبادلها شخوصُ المسرحية على متن قارب أحلامهم في بحرِ رحلتهم صوبَ الجزيرة المجهولة؛ لا بدّ لك وأن تشرُدَ خلفَ لحظة تأمّلٍ في رحلتك أو رِحلاتِك أنت، يُحرِّضُكَ العرضُ، مثلما تفعله حكاية ساراماغو على أن تسأل نفسك عن مآلات أحلامها الخاصّة إذا كنتَ ممن يحلمون أو أن تقول أين أحلامي إن كنتَ من غير هؤلاء.

ما الذي يمكن أن يحصل إذا ما انبعثت أحلامنا القديمة من غيابها الطويل؟ ذلك سؤالٌ آخر تقترحه الصيغة المسرحيةُ للقصة، هل تعود مثلما كانت، أم أنّها لا بد وأن تكون قد تغيّرت بمرور الوقت؟ وإذا ما حاولنا سردَ حكاياتنا العتيقة، هل نُعيدُ قصّها كما وقعت حقاً وكما اعتدنا على سردها دائماً أم أنّها تتغيّر هي الأخرى؟

"في معظم الأعمال المسرحية التي أنخرِطُ فيها، مثلما في هذا العمل أيضاً، أحاول أن أُفكّر مليّاً في السينوغرافيا الأنسب لفضائه المسرحية التي بين يديّ، إلاّ أنني كذلك أحاول ما استطعت أن أتجاوز الجدران المحيطة بالخشبة نحو الفضاء الحكائي الأوسع. أعتقد أنَّ جزءاً من مهمتي يتعلّق بسؤال ماذا لو؟ ينطبق هذا السؤال بنحوٍ خاص على هذه المسرحية، إذ إنّها تتعلّق بالحلم، أليس الحلم هو صيغة افتراضية للواقع المعاش، صيغةٌ في هيئة "ماذا لو؟". تقول روزي  إلنيل التي أشرفت على تصميم ديكورات في أحد لقاءاتها الإعلامية وتضيف بأنَّ التحضير لإخراج مسرحية «الجزيرة المجهولة» انطوى على كثير من البحث والتفكير وقلّة المعرفة حتى.

"لقد تعيّنَ عليّ أن أبحث بين الكثير من صور الأبطال الكلاسيكيين وأراجع وثائق عن عروضٍ مسرحية منذ الستينيات إلى يومنا هذا، كذلك عُدتُ إلى رسومات القرون الوسطى واطّلَعتُ على رسوماتٍ من أفلام الخيال العلمي والألعاب الضوئية والسّفُن التي تتعلق جميعاً بهذه المسرحية في نهاية المطاف بشكلٍ أو بآخر" تضيف روزي.

وبما أنَّ العمل يدور في أصله حول فكرة قصِّ الحكايات، يبدو أنَّ ماغدوغال وإلين ارتأتا أنَّه ليس على فضائه السينوغرافي أن يُعبّرَ عن زمان أو مكانٍ محدّدَين، بل على العكس من ذلك، أن يزيل الحدود بين الأزمنة والأمكنة كما في الأحلام، وذلك ما تؤكّده روزي إلنيل في حديثها بقولها إنّ "أشد ما حرصنا عليه هو أن يشعُر الجمهور تماماً أنَّ هذه الحكايات تدور الآن حيث هو في صالة مسرح غيت في شهر أيلول/ سبتمبر من عام 2017"، ذلك هو فضاؤنا المفضّل لهذا العمل وحكاياتِه عن الأحلام. لقد دفعني التفكير في إعداد ديكورات هذه المسرحية إلى إعادة التفكير في مسلّماتي حول الكثير من المسائل الفنية ولا سيّما التفكير في أنَّ الجدران التي عادةً ما تكون داكنةً في الفضاء المسرحي لدرجة أنّ الصورة الشائعة للمسرح أصبحت تقوم على أنّه صندوق أسود. في هذا العمل بالتحديد، نظرت إلى المسرح كفضاءٍ ملوّن، كمساحةٍ لمُشاركة الحكايات".

صندوق أزرق بلون البحر

أحالت روزي إلنيل مسرح غيت الصغير نوعاً ما إلى صندوق أرزق بلون البحر، وفيما تجلس بين الجمهور، تشعر نفسك نقطةً في محيط الحكايات الكبير، يتعزّز شعورٌ كهذا بفعل الاتساع المحيطي الذي لحكاية ساراماغو واللون "التوركوازي" أو الفيروزيّ  الذي اختارته إلنيل لتضع في وسطه قاربَ الحكاية النبيذي وهو يمخُرُ عباب السيرةِ قاصداً الجزيرة المجهولة "التي لم يعرفها أحدٌ من قبل" كما يقول مسافر ساراماغو لحاكم المدينة.

وبدورها تساعد الموسيقا المرافقة للعمل في خلق ذلك الإيحاء المغامراتيّ الذي نجده في عوالم القراصنة. أمّا على الخشبة فنجد طاقماً من أربعة حكّائين إذا ما جاز القول، يرتدون حِلَلاً قرمزية وأرجوانية وخمرية اللون على التوالي، ثمّ يبدأون في سردِ حكايةٍ عن "حكايةِ رجلٍ وقارب".

يقولون في حكايتهم إنَّ الرجل -الذي يُكتَفى بالإشارة إليه كرجل دون أن يكون له اسم- سأل الحاكم أن يعطيه قارباً يسافر به إلى الجزيرة المجهولة، إلاّ أنَّ الحاكم اعترض على عبارة "الجزيرة المجهولة" قائلاً إنَّ الجزر كلها على الخرائط وليس ثمّة من جزيرة مجهولة فقد اكتشف رجاله الجزر كلّها! لكنّ الرجل الحالم يجيب قائلاً إنّ "الجزُر المجهولة" وبحكم تعريفها ليست موجودةً في الخرائط مما يدفع بالحاكم في نهاية المطاف إلى أن يمنح الرجل ما يسأله ليشرع الأخير في رحلته صُحبَةَ شريكةٍ جديدة ليست سوى عاملة النظافة في قصر الحاكم (كما في حكاية ساراماغو نفسها) والتي ألهمتها الحكاية التي قصّها الرجل على الحاكم فانتبهت هي الأخرى إلى حلمها وقررت أن تُبحِرَ خلفه.

تبرز وظيفة الرحلة في الأدب منذ كلاسيكاياته العريقة، منذ أوديسّا هوميروس مروراً بجزيرة ساراماغو المجهولة وصولاً إلى مسرَحَتِها على خشبة مسرح غيت. تُهيء الأسفار فضاءاتٍ مشرعة على التساؤل والتفكير والحلم، وإذ نتقدّم في رحلتنا فإنّ أسئلتنا تتقدم وتتطوّر هي الأخرى، من سؤال الفردِ عن هويته وكينونته الذاتية إلى سؤاله عن العالم الأكبر الذي يحتويه. من أنا، ثم من العالم، ومن أنا في العالم. لعلّها تلك هي الرسالة التي تصِلُكَ وأن تجلس في مقعدك بين جمهور حكاية "الجزيرة المجهولة".


- أيّ جزيرة مجهولة تلك التي ستُبحر باحثاً عنها؟

إذا ما كان لي أن أخبرك فإنّها لن تكون مجهولةً، تلك الجزيرة..

- تبتغي الذهاب باحثاً عن الجزيرة المجهولة، لأنّ شيئاً آخر ربما يكون في مكانٍ ما هناك،

ولأنّك تريد أن تعرف من تكون هناك،

- تسألُ الملكَ قارِباً دون أن تعلم أين تمضي ولا كيف تُبحِر

مع ذلك، اطمئنّ فلن يخيب رجاؤك.

تلك هي الكلمات التي اختارتها إلين ماكدوغال -بتصرّف- من قصة "الجزيرة المجهولة" للبرتغالي المبدع خوسيه ساراماغو لتكونَ في نُبذةِ ملصَقِ المسرحية.

 
 

بيتر بروك: المسرح فنٌ مكتوب على الرمال

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الثلاثاء, 10 تشرين1/أكتوير 2017 10:53

بيتر بروك.. تجاوز التسعين ولم يتوقف عن العطاء:

المسرح فنٌ مكتوب على الرمال


الغارديان / ترجمة: أحمد الزبيدي


تجاوز المخرج المسرحي والممثل و السينمائي والكاتب بيتر بروك عقده التاسع. فهو من مواليد مدينة لندن عام 1925، وهو من أصل ليتواني، إذ كان والداه قد هاجرا إلى بريطانيا وأقاما فيها قبل ولادته. يعيش في فرنسا منذ سنوات عديدة، حيث أسس المركز الدولي للبحث المسرحي الذي تحوّل لاحقاً إلى المركز الدولي للإبداع المسرحي، ومقرّه في مسرح «بوف دو نورد»، في شمال العاصمة الفرنسية باريس.


قبل خمسة وستين عاماً، حدد كينيث تينان صفات الشاب بيتر بروك بأنها "الإرادة والفضول والدقة الذهنية - بالإضافة إلى ذلك، بطبيعة الحال، الذوق الحيوي الذي لا يمكن لأحد أن يتعلمه". والآن وهو في عامه الثاني والتسعين، فإن بروك قد يسير ببطء أكثر مما كان يفعل في الماضي ولكن مواهبه لا تزال واضحة للعيان. انه مشغول الآن كما هو حاله دائماً، مع كتاب جديد مملوء بالحكم والأقوال المأثورة، ويخطط لعرض مسرحي جديد  بعنوان السجين، من المقرر أن يعرض في باريس العام المقبل.

عندما التقاه في لندن مايكل بيلينغتون (الذي كتب عنه هذا المقال في الغارديان)، وصفه بأنه كان شعلة من الحماس وهو يحيى مسرحية (فوليز) لستيفن سونديم' وهو ملحنٌ وشاعرٌ غنائيٌ أمريكي معروف بإسهاماته في المسرح الغنائي في المسرح الوطني، واصفاً إياها بأنها "واحدة من أعظم المسرحيات التي رأيتها على الاطلاق - فهي مزيج مثالي من العاطفة و المشاهد المبهرة". بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون بروك واحداً من رهبان  المسرح، حين تبنّى مسرحاً بدون ديكور لمصلحة ما أسماه المجال الفارغ، محدداً هدفه من ذلك في تطوير «مخيلة المشاهدين»، من أجل خلق علاقة مباشرة مع الجمهور.

مسرح «المجال الفارغ» قدّم له بيتر بروك نفسه التعريف التالي: «المسرح هو فن يتميّز بنوع من التدمير الذاتي. إنه فن مكتوب على الرمال. وفي كل مساء يجمع مجموعة من البشر يتميّزون بالتنوّع وربما بالاختلاف، وهو يقيم حواراً معهم عبر الممثلين الذين يلعبون الأدوار. مكرسة لمساحات فارغة وتقشف مكرر، له نشوة على الحماقات التي قد تجلب معها صدمة له. ولكن بروك نفسه قدم  في وقت مبكر من حياته الفنية كل الأجناس الفنية  من أعمال  شكسبير مروراً بالكوميديا و الأوبرا وانتهاءً بالمسرحيات الغنائية الموسيقية

وفي حين أن الجيل الجديد قد يكون غير مدرك لتنوع بروك الوظيفي، إلا أنه يقول انه لم ينس جذوره. وبعد وقت قصير من وفاة صديقه القديم، بيتر هول. يقول عنه "إحدى صفات بيتر المهمة"، ، كان السحر - وكان ذلك شيئاً رأيته في اثنين من الشخصيات المنسية الآن التي قدمها على  المسرح البريطاني وأسهمت في تشكيل شخصيتي. وكان أحدهم السير باري جاكسون، وهو رجل إنكليزي من منبت رفيع كان يعمل في شركة ميدلاندز لصناعة الألبان، وتولى إدارة مسرح ستراتفورد، حيث طلب مني أن أخرج مسرحية عندما كنت في الحادية والعشرين من عمري فقط، وكان عملاً مسرحياً أحدث دوياً هائلاً.

"التأثير الكبير الآخر كان للمنتج  بينكي بومونت الذي كان يمتلك هذا الشيء الغامض الذي يسمى الذوق. فعندما كان يريد مني أن أغيّر بعض التفاصيل في الإضاءة أو الزي أو التصميم، فإنه يغرد ويقول: "أنت تلاحظ ذلك مثلي، أليس كذلك؟" بطريقة لا يمكنك أن تجادله  فيها. كل هذه الشخصيات لها سحر، في المسرح، تحقق بأسلوبها  أكثر بكثير مما يحققه أسلوب الغضب أو البلطجة".

وإذا كان يجب الاعتراف بجودة اعمال بروك، فذلك لأنها موجودة بوضوح. ولكن انشغاله الحالي هو الاختلافات التي لا يمكن التوفيق بينها أحياناً بين اللغتين الفرنسية والانكليزية. ونظراً لأنه جعل باريس مقر عمله منذ عام 1971، عندما أسس المركز الدولي لبحوث المسرح، فإنه أصبح بالضرورة خبيراً في هذا الموضوع. هل تجعل الفروق بين اللغتين من ترجمة شكسبير إلى الفرنسية أمراً مستحيلاً عملياً؟ يجيب عن ذلك قائلاً "ليس أمراً مستحيلاً ولكنه بالتأكيد صعب للغاية". لقد كتب شكسبير مسرحياته لكي تعرض وتقدم فوق خشبة المسرح الإنكليزي وذلك لكي يؤكد ذاته ككاتب مسرحي من ناحية، ولكي يكسب قوت يومه من ناحية أخرى ولكن ليس من أجل النص الدرامي الذي قدّمه هذا الكاتب بل من امتزاج النص الدرامي بفن المسرح أي حين يكتمل العرض المسرحي ويقدم أمام الجمهور المشاهد. لقد كان هذا الكاتب كاتباً محترفا يستمد عيشه من العروض المسرحية التي تقدم نصوصه الدرامية. وإذا كان الله قد منح هذا الكاتب موهبة رائعة، فإن تلك الموهبة لم تكن تكتمل - وخاصة في عصره - إلا بامتزاج وانصهار النص الدرامي خلال العرض المسرحي المقدم للمتلقي.

وبدراسة أعمال بروك المسرحية، فضلاً عن كتاباته القليلة والمرتبطة بفن المسرح مثل المساحة الفارغة، النقطة المتحولة.. سوف نجد أن كتابات شكسبير الدرامية قد أفادته كثيراً وتركت بصمات واضحة في كل كتابات بروك، ولا يستطيع أن يدرك ذلك إلا كل من بذل جهداً كبيراً في فهم وتذوق كل معاني ومضامين مسرحيات شكسبير الدرامية والتي تفوق التصور في معالجاته الإنسانية والتي تصلح لكل العصور، والتي وقف العقل البشري أمامها موقف التعجب والتي وصلت إلى حد الانبهار والإعجاز الدرامي.بروك يفهم ما يقسم الثقافات. وكما يقول في كتابه، "إذا كنا في  اللغة الإنجليزية نتحدث بكلماتنا، فإن الفرنسيين يتحدثون بأفكارهم". لكنه يرى أيضاً عوامل مشتركة، لا سيما في البحث العلمي في الجهات الفاعلة من أجل زيادة الإفصاح الذاتي. وهو يقول "إذا عدنا  إلى المسرح الإليزابيثي"، "فأعتقد أننا صدمنا من فظاعة وخشونة ما رأيناه. على مر القرون، كان هناك السعي للحصول على أدق التفاصيل في التمثيل ولكن، عندما بدأت عملي، كان المسرح لا يزال مكاناً للتصنع. كان عصر الديكور الفخم من قبل أشخاص مثل أوليفر ميسيل و سيسيل بيتون، من الباروكات الكبيرة والماكياج الثقيل. ما نراه الآن، ويرجع ذلك جزئياً إلى تأثير الكاميرا وقاعات العرض المسرحي الصغيرة، هو التخلي عن كثير من المظاهر حتى يمكن لشخصية الممثل أن تصبح واضحة".


 
 

عودة مسابقة أيام قرطاج المسرحية

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الإثنين, 09 تشرين1/أكتوير 2017 10:54

عودة المسابقة إلى أيام قرطاج المسرحية

روز اليوسف


تجرى الاستعدادات النهائية على قدم وساق بتونس استعدادا لاستقبال الدورة التاسعة عشرة لمهرجان أيام قرطاج المسرحية فى ثوبها الجديد بعودة المسابقة الرسمية الدولية، وذلك فى الفترة من 8 إلى 16 ديسمبر

المقبل، والتى كانت قد غابت عن أيام قرطاج عشر سنوات متصلة، وعن المهرجان والتسابق قال رئيسه الدكتور حاتم دربال فى حواره لـ «روزاليوسف».. أثناء زيارته لحضور فعاليات الدورة الرابعة والعشرين لمهرجان القاهرة الدولى للمسرح المعاصر والتجريبى:

بالنسبة للدورة الحالية ستكون من 8 إلى 16 ديسمبر المقبل وستشهد هذه الدورة عودة المسابقة الرسمية للمهرجان، حيث من المقرر أن تتسابق عروض المهرجان فى أحد محاوره، بجانب استحداث محاور أخرى ضمن فعالياته منها للعروض الموازية للمسرح التونسى ومحور الدول العربية والأفريقية بجانب العروض العالمية، أيضا ستكون هناك محور يخص العروض التى تحمل عناصر جمالية بمسارات فنية مسرحية مختلفة، كما سيكون هناك عروض للأطفال وندوة التكريم والتتويج لأيام قرطاج، ترتكز المسابقة بشكل أساسى على الجودة وإعادة روح التنافس بين العروض العربية المختلفة.

■ لماذا تم إلغاء التسابق من قبل ولما العودة من جديد؟

– وقع إلغاء التسابق منذ عشر سنوات، وفكرنا فى إعادته كى تعود حالة التوهج والألق والإشعاع للمهرجان، ففى تقديرى الشخصى كان من المهم العودة للتسابق من جديد كى يقوم أيام قرطاج بدوره فى رصد كل تحولات المنجز المسرحى العربى والأفريقى، وستكون بالمسابقة جوائز مالية للعمل الأول والثانى والثالث، بجانب جائزة أفضل ممثل وممثلة بالإضافة إلى جوائز أخرى والجوائز لن تكون قيمتها المالية كبيرة.

■ كيف سيتم اختيار العروض المشاركة بالتسابق؟

– كل العروض المبرمجة سوف تأتى من خلال لجنة مشاهدة مؤلفة من قامات المسرح التونسى والعربى ومن الممكن استقبال أكثر من عمل من نفس الدولة لأن هناك محاور مختلفة، سيكون لهذه اللجنة  مقاييس شفافة وواضحة وأهم معيار هو الجودة، كما سيتم اختيار العروض المصرية بما يتوافق مع البروتكولات بين المسرح المصرى والتونسي، حتى يتم التركيز على مسألة التوزيع بين المسرح التونسى والمصرى، وبما يتوافق مع المنجز المسرحى بين الدولتين، فهناك محطات ما بعد المهرجان، لأن المهرجان مجرد محطة تهيئ للدورات المقبلة، وتحركنا شراكة حقيقية مع الدكتور سامح مهران رئيس المهرجان التجريبى وكل فريق عمل المهرجان، فحتى ننهض فى قطاعاتنا المسرحية لابد من ترتيب المزيد من التعاون والتشارك وإيجاد مسالك للترويج والتوزيع والإنتاج المشترك بين البلدين، وكذلك ستفعل إدارة قرطاج مع باقى المهرجانات العربية، لأن هناك رغبة حقيقية من المسرحيين العرب للنهوض بالحركة المسرحية استعدادا للأفضل كى نزيد حالة الإشعاع بالمسرح العربى وحتى يقوم بدوره فى مزيد من الإضافة وكى نرسخ لملامح مشروع المسرح العربي.

■ هل تواجدك هنا بصفتك رئيس أيام قرطاج يتيح لك اختيار عروض للمشاركة؟

– كما سبق وذكرت الاختيار ليس فرديا، ووجدت بالقاهرة للتحاور والتلاقى والمشاهدة، وهى فرصة عظيمة للتواصل مع المسرحيين، لأن إمكانية التواصل شيء مضيف للغاية، وخلال دورة المهرجان سوف نختار بلا أى انحيازات أو تحامل، مقياسنا هو الموضوعية وسوف نلتزم بها، وحاليا ننتهى من موعد قبول طلبات المشاركة، ثم من المقرر إعلان تفاصيل لجنة المشاهدة والتحكيم والضيوف الذين سنفتخر بدعوتهم من مصر من فنانين كبار، أثروا الساحة المسرحية والسينمائية والتليفزيونية وسيكونون محل ترحاب كبير على أرض تونس، وهذه الدورة سيكون الحضور المصرى عاليا بالمهرجان، وهذه فرصة طيبة كى أشكر إدارة المهرجان التجريبى على حفاوة الاستقبال والترحاب وفرصة التواصل.

 
 

من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

السبت, 07 تشرين1/أكتوير 2017 11:33

من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر

 

بقلم الناقد عبد الناصر حنفي - مصر

استهلال:

هذه الورقة هي جزء من دراسة - قيد الاكتمال (1) - تحاول التأمل في سياقات بعض أعمال المنظرة المسرحية الألمانية إريكا فيشر (Erika Fischer-Lichte) حول موضوعة "الأداء" (performance) التي يشهد مجالها البحثي في العقود الأخيرة حالة من النمو الانفجاري.

والتأمل هو رحلة السريان مع الفكرة والسعي إليها والإقامة عندها حيثما تقع، ولذلك يبدأ التأمل وينتهي بنفسه عكس التحليل الذي قد يبدأ مصاحبا لتأمل فكرة ما ولكنه ينتهي إلى محاولة إعادة بنائها طبقا لسياقات ظهورها بغض النظر عن كيفية تقديمها لذاتها، وما نقدمه هنا لا يكاد يخرج عن رحلة التأمل إلا قليلا، ولذلك فإنه لأمر قليل الأهمية ولا يعنيني كثيرا في الوقت الحالي أن تكون الأفكار أو النتائج التي تمر قد بها هذه التأملات قابلة -أو غير قابلة- للتعميم على مجمل ما تقدمه السيدة فيشر؛ أو مجمل ما يطرحه مجال دراسات الأداء بكافة تنويعاته واختلافاته، فهذه محاكمة لم يطلبها أحد، وبالتالي فلا يمكن لأحد الادعاء بحسمها من عدمه، مثلما لا يمكن الالتفات بجدية إلى أمر كهذا في مواجهة هذا المجال شديد الانفتاح والتقلب حد الهوس، والذي تخترقه نشوة التباهي بقدرته الدائمة على توسيع حدوده على نحو يجعله أحيانا غير قادر على التواؤم نظريا مع ذاته ومع ظاهرة المسرح التي أحالها إلى أفق النسيان برغم أنها لا زالت القلب النابض الذي يمنح الحياة لهذا الخطاب، وسواء كان مقدرا لهذا الوضع أن يستمر لفترة أطول، أم أنه في سبيله نحو حالة أكثر توازنا؛ ففي كلتا الحالتين قد لا يكون لدينا في مواجهة هذا الفضاء المضطرب خيارا مباشرا أفضل من إجباره على التموضع كمادة لتأمل تقوده الرغبة في التفكير في ظاهرة المسرح، بحيث يتم إعادته إلى تلك الظاهرة التي جعلته ممكنا في المقام الأول!

وفي هذا الإطار، فإنني أعد هذه التأملات وغيرها؛ مجرد جولات استكشافية أو تحضيرية لرحلة "تأسيس فينومينولوجيا المسرح".

ويتضمن مشروع هذا الدراسة -التي لما تكتمل بعد- أربعة تأملات: أولها هو ما تحتويه هذه الورقة (1- من ثقب العبارة، 2- الغرب وبقيته ودعوى التناسج الثقافي).

وثانيها يرصد اضطراب نموذج العلاقات الجديد بين النص والمسرح والأداء ويفككها عبر استدراجها للتقاطع مع مفهومي الطوطم والتابو.

أما التأمل الثالث فيتناول فكرة "حلقة التغذية المرتدة" عند فيشر في علاقتها بما اسميه "أنتروبيا المسرح" باعتبار أن ظاهرة المسرح -مثلها مثل غيرها من الظواهر- هي في النهاية مجرد "نظام حركة" في العالم.

والتأمل الرابع يبدأ من رد الفعل المسرحي على ظهور التصوير الفوتوغرافي ليصل إلى طرح مفهوم حالة "التباعد المسرحي" بوصفها أشبه بقانون يحكم علاقة المسرح بمادته "ما قبل المسرحية".

 

التأمل الأول:

1- من ثقب العبارة:

كان "النفري" يقول "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، ولكن ماذا إذا بدأنا أصلا من عبارة ضيقة للغاية؟ هل ستمكث الرؤية لصيقة بها وسجينة داخل مساحتها المحدودة والخانقة، أم أننا يمكن أن نصل إلى معكوس الحالة التي يصفها النفري حيث مع ضيق العبارة وبرغمه تتسع الرؤية!

لنبدأ تأملاتنا إذا بالتوقف عند هذه العبارة: "دراسات المسرح والأداء هي مبحث يدرس الأداءات" ("Theatre and Performance Studies is a discipline that studies performances") (2).

إن هذه العبارة اللطيفة و"الضيقة" تأتي بمثابة استهلال للفقرة الختامية من كتاب فيشر: "مقدمة روتلدج لدراسات المسرح والأداء" بحيث ستبدو وكأنها نداء انتباه أخير يمهد للمانيفستو الذي يليها ليعدد الإنجازات البحثية لدراسات الأداء على نحو يراد له ألا ينسى أبدا؛ مما يجعل "عبارتنا" تلك تكتسب لنفسها وقع التمهيد للنغمة الختامية الحاسمة لموسيقى شبه "فاجنرية" انتشرت نغماتها عبر الكتاب بأكمله في دوي صاخب وهادر ومليء بالتفاصيل والتوصيفات "الحسية" المكثفة حينا والعابرة من انطباع إلى آخر حينا؛ والممتزجة داخل بوتقة ما يقدم نفسه بوصفه ملاحظات امبيريقية ذات نبرة قد تبدو متحررة من أي تفكير مسبق؛ ولكنها في الوقت نفسه لا تكاد تنتظم إلا حول فكرة بعينها! وتلك النغمات المتتابعة غالبا ما كانت تجد لحظات ذروتها عند تتالي حزم من التعليقات والتعقيبات النظرية التي تحاول أن تؤكد على تجانسها الذاتي على نحو قد لا يفتقر إلى الحذق والرشاقة، بحيث سيبدو الأمر وكأننا في رحاب حالة من الصرامة المنهجية المنضبطة التي يمكن قبولها أو رفضها من الخارج، ولكن من الصعب خدشها من داخلها!

وبالطبع، فليس لمثل هذا السمت المتماسك الذي يحاول الكتاب أن يعكسه عن ذاته أن يثنينا عن مواجهة "عبارتنا" ببعض الأسئلة التي قد تبدو أكثر أولية مما ينبغي، فما الذي يضير التأمل، أي تأمل؛ أن يستهل رحلته انطلاقا من استكشاف ما إذا كانت هناك توترات داخلية تنتهك مظهر ما يقدم نفسه بوصفه بسيطا ومتماسكا ولا يسترعي الانتباه؛ حتى وإن تطلب الأمر المخاطرة بالانزلاق تجاه طرح الأسئلة الساذجة التي لا تكاد تتقصى سوى ما هو أقرب للبداهة المفروغ منها. ومن هذا المنظور دعونا نتساءل: ما الذي تحاول هذه العبارة قوله؟ وكيف تقوله؟ وما الذي تحاول أن تؤكده أو تخفيه؟ وإلى أين يمكن أن تقودنا مساءلتها؟ وما الموقع الذي تختطه لنفسها داخل مسار وسياقات أعمال السيدة "فيشر"؟ وكيف يمكن لها أن تنفتح مثل ثقب يتسع باستمرار على علاقات الظاهرة التي تتحدث عنها بحيث نختبر ما إذا كانت مقولة النفري تقبل الاشتقاق من حالات هي مبدئيا عكس ما تصفه؟

تقدم "عبارتنا" نفسها بوصفها تنبني على صيغة تعريفية (كذا هو كذا)، وهو ما يجعلها تنقسم تلقائيا إلى شقين يفترض أنهما متناظرين ومتكافئين، الأول هو ما يراد التعريف به، والثاني هو ما يحدده ويعرفه، ولكن ما أن نصل إلى هذه الملاحظة البديهية حتى يلوح الأمر وكأن ثمة غرابة ما قد اجتاحت عبارتنا! لأنه إذا ما كانت لفظة الدراسات في الشق الأول يتم التعويض عنها في الشق الثاني بلفظة "مبحث" (discipline)، بينما لفظة الأداء تجد ما يوازنها بشكل أو بآخر في صيغة الجمع "الأداءات"، وبالتالي تصبح عبارتنا على شكل الصيغة الحسابية التالية: "المسرح+الأداء= الأداءات"!

وهذا يتركنا أمام تساؤل غريب بعض الشيء: فأين ذهب المحتوى الذي يفترض أن تشير إليه لفظة المسرح، ولماذا تواجدت هذه اللفظة في الجزء الأول من العبارة ثم تم إسقاطها في جزئها الثاني، وهل مجرد "تكثير" لفظة الأداء وجمعها يعني أنها قد احتوت الظاهرة المسرحية على نحو لم تكن تستطيعه نفس اللفظة في حالتها المفردة؟

وهنا يتوجب علينا أن نتحرك بحذر بالغ، فالرد بالإيجاب على هذا السؤال يعني أن العبارة تفترض أن ثمة فرع علمي أو مبحث؛ أو حتى تعريف، لا ينطبق إلا على "تعين مفرد بذاته" للظاهرة التي يجعلها موضوعا له، وهو ما لا يتنافى مع الفكر السليم فقط بقدر ما يصطدم أيضا مع قواعد اللغة، أي لغة، فلفظة الأداء هنا اسم لجنس من الأفعال (بالمعنى الأرسطي!) وبالتالي فمن المحال افتراض أنها لا تشير إلا إلى فعل مفرد بعينه بحيث ينبغي أن نحولها إلى صيغة الجمع لندخلها في إطار البحث العلمي!

ليس باستطاعتنا إذا إلا التفكير في أن لفظتي "الأداء" و"الأداءات" في هذه العبارة يقولان الشيء نفسه، وعندئذ نصبح في مواجهة الصيغة المنطقية التالية: ب (المسرح) + أ (الأداء) = أ (الأداء)! بمعنى أن الشيء وغيره يساويان الشيء نفسه! وهو ما يضعنا أمام انبثاق مفاجئ لنقيضة تشبه كثيرا النقائض الشهيرة لزينون الإيلي (Zeno of Elea) والتي ما انفكت تهاجم كل ما هو إبستمولوجي من وقت لآخر منذ توقيت ظهورها وحتى الآن، وهنا فإذا ما رغبنا في الفرار أمام زينون -هذا الوحش الابستمولوجي المخيف- فليس أمامنا سوى إنكار وجود (ب) باعتبارها عدما، أو أقرب للعدم (على طريقة حساب اللانهاية)، وبذلك يمكن إهمالها وشق مسار العودة إلى الفردوس الأرسطي حيث أ=أ، وهي تقنية كثيرا ما استخدمت تاريخيا لنفي زينون خارج مدينة المعرفة.

وهكذا سيبدو أن ما لاحظناه من غرابة العبارة سرعان ما ينقلب إلى ارتباك أكثر عمقا مما هو متوقع.

ولكن ما يزيد الأمر إثارة أن حذف لفظة المسرح من أجل استعادة التوازن "المنطقي" بين شقي العبارة قد يجعلها تفقد غرابتها وارتباكها، ولكنها بالمقابل ستغرق في بلادة تنأى بنفسها عن أي معنى، بحيث تصبح أقرب إلى الصيغة التالية: "دراسات الأداء هي دراسة الأداءات"، وبغض النظر عن تباين توزيع الجمع بين لفظتي الدراسة والأداء؛ فنحن هنا أمام التفاف أو "تطوي" ذاتي يضاعف الأصوات نفسها بحيث يجعل العبارة مجرد همهمة أو ترجيع غنائي لأصوات متطابقة لا تقول شيئا.

وهكذا، فتحليل السطح التركيبي للعبارة يجعلنا نلمس بوضوح أن حضور لفظة "المسرح" (وسأشدد على أننا نتعامل هنا مع هذه اللفظة بغض النظر عن أي اختلاف حول معانيها أو تعريفاتها) قد أنقذ هذه العبارة من الانهيار على ذاتها، ومنحها شيئا من المعنى المنتهك بالغرابة والارتباك والتناقض، ولكن إذا ما ابتعدنا بعض الشيء عن هذا السطح تجاه مستوى أعمق قليلا فسيمكننا رصد أن لحظة استدعاء لفظة المسرح داخل العبارة هي نفسها لحظة نسيانها وإحالتها إلى غلاف صوتي فارغ بلا محتوى يخصه، وكأنها فاصل من الصمت المفاهيمي الذي يمنح تركيب العبارة مسافة داخلية بين مكوناته بحيث تحفظها من الالتفاف والتداعي حول نفسها. وهو ما يدعونا للتأمل ما إذا كان هذا الملمح مجرد عارض تافه أبرزته عبارة مرتبكة؛ أم أنه أحد تبديات ما أطلق عليه "ظاهرة نسيان المسرح": أي أن يصبح المسرح ذاته ذو طابع شديد العرضية وغير ملتفت إلى ماهيته كظاهرة داخل فضاء حضور يفترض أنه يخصه؛ مثل فضاء هذه العبارة، أو هذا الكتاب، أو أفق مبحث الأداء بصفة عامة؛ حيث تتحول ظاهرة المسرح إلى ما يشبه "مظلة" تعلو فراغا وتحدده، ولكنها ليست جزء منه لأنها لا تكاد توجد إلا بوصفها حدا خارجيا لهذا الفراغ! (3). وبالعودة إلى تقنيات مقاومة "زينون" وحساب اللانهاية، فربما كانت "ظاهرة المسرح" هنا تلعب دور ذلك الكم الذي ينبغي أن يبدو متناهي الصغر بحيث يمكن إهماله من أجل تأسيس حساب التفاضل، وبمعنى آخر، يمكننا القول -ولو بصورة مؤقتة سنعود لتدقيقها مع التقدم في التأملات التالية- أن حقل دراسات الأداء هو في أصله مجرد حساب تفاضل للمسرح.

ولكن هذا يضعنا أمام تساؤل آخر، فما الذي جلب تلك العبارة نحو هذه المساحة الأكثر عمقا والتي تجعلها منصة محفزة على إطلاق مثل هذا التأمل القلق حول الوضعية العامة للظاهرة المسرحية؟ وما هي الملابسات التي قادتها للظهور بالمقام الأول؟

ولمناقشة هذا السؤال ينبغي أن نتوقف أمام حدث فريد من نوعه، فعلى غلاف هذا الكتاب الذي جاءت تلك العبارة لتستهل نهايته نجد أسماء اثنين من المحررين! وهو أمر أعتقد أنه غير مسبوق على الإطلاق، خاصة ونحن أمام نص يفترض أنه يعود بأكمله إلى مؤلف فرد على قيد الحياة، بالإضافة إلى أن الكتاب ذاته قد سبق نشره بالألمانية عام 2009(4)، أي أننا أمام مصنف مكتمل وقائم بذاته، وما يزيد الأمر غرابة على نحو استثنائي أن المحررين كتبا مقدمة مستقلة يوضحا فيها ما قاما به من تعديلات و"أعمال تحريرية" جعلت الكتاب: "يعكس التغييرات الأكثر جوهرية المطلوبة لنقل العمل من الألمانية إلى السياق الأنجلو أمريكي" (5) بما في ذلك " التوسع بشكل كبير على الأصل عبر إضافة نماذج من المسرح والأداءات الأنجلو أمريكية وطرحها للحوار مع عمل الفنانين في ألمانيا والقارة الأوروبية" (6)، ولكن بالرغم من هذا الحرص المحمود للغاية على تأسيس حوار بين "الغرب وبقيته"! the west and his rest)) فإن المحررين لا يذكران شيئا على الإطلاق عن حوارهما مع المؤلفة لإنجاز كل تلك التغييرات التي أحدثاها، وكأن الأمر بات يخصهما وحدهما! وكأن السيدة فيشر قد قامت بتسليم النسخة الألمانية المطبوعة ثم اختفت فجأة! تاركة لمحرريها أداء ما يفترض أنه يخصها ويخص كتابها، وما يثير الدهشة هنا هو أن "المحررين" يتحدثان عن العملية التي أجرياها على الكتاب وكأنها استجابة لبداهة غير مطروحة للنقاش: فالقارئ "الأنجلو أمريكي" يجب أن يسمع صوتا يشبهه فإذا لم يكن الكتاب الأصلي كذلك فهذا يتطلب إجراء "تغييرات جوهرية"! ويستوي الأمر هنا ما إذا كانت هذه "البداهة" تتأسس على منطلقات تسويقية أو ثقافية.

إن العنوان الأصلي للكتاب بالألمانية يتحدث عن "علم المسرح" أو الدراسات المسرحية (Theaterwissenschaft) وليس دراسات المسرح والأداء (Theatre and Performance Studies) وهو الاسم الذي يطلق على هذا المبحث في أمريكا، ويبدو أن تعديل العنوان على هذا النحو قد جاء في سياق ما قام به المحرران لتقريب الكتاب من السياقات "الأنجلو أمريكية"!

وبالعودة إلى عبارتنا، فلو أننا وضعنا "علم المسرح" (Theaterwissenschaft) محل "دراسات المسرح والأداء" (Theatre and Performance Studies) لاستقامت العبارة، وتبخر كل ما كانت تنوء به من غرابة وارتباك، بحيث تصبح صياغتها كالتالي: "علم المسرح هو مبحث يدرس الأداءات"، وبالتالي تسترد العبارة صيغتها التعريفية وتماسكها الداخلي والتركيبي، وتصبح بمثابة بوابة مستقرة يفضي عبورها إلى الولوج نحو حقل بعينه من المباحث والمقاربات العلمية التي يمكن الاتفاق أو الاختلاف معها أو حولها، ولكن هل بوسع هذا التصحيح لتلك العبارة المثقوبة أن ينسينا ما كشف عنه هذا الثقب؟

إن ما رصدناه من تهتك العبارة واضطرابها وتناقضها الكاشف في النص الإنجليزي هو أمر يمكن العودة به إلى تداخل عمل المحررين مع المؤلفة، بحيث أنه أيا كان المسئول منهم عن ظهور العبارة بهذا الشكل في الكتاب؛ فإننا لا نستطع تجاهل أن التأمل فيها يقود إلى اكتشاف أننا أمام نص منقسم على ذاته، نص يقول شيئا (دراسات المسرح والأداء) بينما لا يستطيع التوقف عن التفكير في شيء آخر (علم المسرح)، وهو في نفس الوقت لا يستطيع الإفصاح عما يفكر فيه مثلما لا يكاد يستطيع مراجعة ما يقوله، وذلك بالرغم من أن الكتاب نفسه لا يكف أبدا في كل فصل من فصوله عن الإحالة إلى ذاته، سواء للإشارة إلى الموضوعات التي سبقت معالجتها أو تلك التي سيتم تناولها لاحقا، مما يعني أننا هنا أمام تعارض بين كتاب يلتفت إلى ذاته باستمرار ونص لا يكاد يستطيع التأمل في نفسه! وإذا ما استرسلنا في ارتقاء هذا المسار يمكننا القول إننا إزاء نص يفكر بالألمانية، ولكنه أجبر على التحدث في الكتاب بالإنجليزية! وهو أمر قد لا يبعد كثيرا عن حال مبحث الأداء، الذي لم ينفك يفكر في المسرح ومن خلاله بينما يتحدث طوال الوقت عن شيء آخر!

 

2- الغرب وبقيته (the west and his rest) ودعوى التناسج الثقافي:

والأن هل يمكن أن تمثل هذه الملاحظات متكأ مناسب لتناول مبحث "تناسج ثقافات الأداء" (Interweaving Performance Cultures)؟ والذي يشكل موضوع الفصل السابع من الكتاب، مثلما أصبح يمثل المنطلق الرئيسي والشغل الشاغل تقريبا لأعمال السيدة فيشر.

لقد كانت أحد محطات ظهور مبحث "التناسج" هو النقد الذي تم توجيهه لبيتر بروك وغيره حول التعاطي مع ثقافة الآخر، وخاصة ما كتبه رستم بهاروتشا (Rustom Bharucha) حول تعامله -الغربي أكثر مما ينبغي- مع ملحمة المهابهاراتا، والذي يمكننا ترجمته بأنه اعتراض هندي على محاولة تقريب الملحمة من السياقات "الأنجلو أمريكية" بصورة غير معلنة خلافا لما حدث مع كتاب فيشر الذي نتناوله هنا، والذي تم بشكل منهجي يعلن عن نفسه في مقدمة المحررين!

وبرغم أن اختيار محرري هذا الكتاب سيبدو وكأنه قد تم في إطار يهدف إلى فتح ساحة من التفاوض الثقافي، فأحدهما أمريكي (قام بالترجمة من الألمانية أيضا) والآخر ألماني وعضو سابق في مؤسسة "تناسج ثقافات الأداء" التي أسستها فيشر، إلا أن المقدمة المشتركة التي كتباها تشي بوضوح عن السياسة التحريرية التي تم اتباعها في التعاطي مع بعض الاختلافات المنهجية في مقاربات ظاهرة الأداء بين المدرسة الأمريكية، والمدرسة الألمانية، وسواء نبعت هذه الاختلافات من تباينات في جهود الباحثين واهتماماتهم، أو جاءت كرد فعل على تباينات ثقافية أكثر عمقا؛ فمن الواضح أن عمل المحررين هيمن عليه الصوت "الأنجلو أمريكي" في النهاية، وأن السياق الذي حاولا بناءه في هذا الإطار تعرض لاهتراءات في بعض المواضع، ومنها تلك العبارة التي توقفنا عندها منذ بداية هذا التأمل، والتي يمكن اتخاذها نموذجا لفحص و"تحليل" لحظات التوتر المماثلة في الكتاب؟

إن هذه الملاحظات "التأملية" يمكن لها أن تضع "أقواس" قاسية للغاية حول مشروع التناسج الثقافي بوصفه سعي "منهجي" لتجاوز إشكاليات التثاقف أو"المثاقفة" أو عمليات التداخل الثقافي (Intercultural) وما يتعلق بها من صراعات وأوضاع تفتقر للتوازن واللباقة والتسامح العادل، ليس فقط بين الشرق والغرب، ولكن أيضا بين الغرب و"بقيته"! بحيث أن هذه الأقواس قد تكشف عن دعوى "التناسج" بوصفها مجرد محاولة حسنة النية تزعم القدرة على تجاوز تباينات ثقافية ذات طابع سلطوي لا يمكن تجاهله أو إغفال حضوره المهيمن.

 

الهوامش:

1- بدأ مشروع هذه الدراسة كاستجابة لطلب الصديق خالد رسلان للمساهمة في الملف الذي تعده نشرة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي والمعاصر حول إريكا فيشر بوصفها أحد الأسماء المكرمة في الدورة الحالية.

2- Erika Fischer-Lichte "The Routledge Introduction to Theatre and Performance Studies" - Edited by Minou Arjomand and Ramona Mosse Translated by Minou Arjomand – 2014 – p 184

3- ترتبط استعارة المظلة (umbrella) عادة بمحاولة تحديد جزئي و طارئ ومؤقت ولكنه أيضا "متخارج"؛ لما لا يمكننا تحديده بذاته أو طبقا لشروطه الداخلية، وهو ما يفتح الصلة بينها وبين مبدأ "التفاضل" بوصفها تمثل حدث بداية ظهور تلك القيمة التي تحدد مجالا ما ثم تختفي، بينما يبقى ظلها بمثابة مبدأ فاعل في تكوين هوية هذا المجال، ولذلك فقد يكون من اللطيف تتبع حضور هذه الاستعارة في الكتاب رغم قلة استخدامها نسبيا، فهي تبدأ باعتبارها "وصفا" لعلم المسرح (Theaterwissenschaft) في علاقته بفنون الأداء، و "بعض" الأداءات الثقافية (مقدمة المحررين)، ثم ما تلبث أن تصبح أداة لفحص وإقرار ما ينتمي أو لا ينتمي إلى "فن الأداء" (Performance Art) ص 152، وبعدها ترتبط بـ "الأداء الثقافي" (cultural performance) كأداة عبور مباشر نحو بوابة "الانثروبولوجيا"؛ ص 163، ثم تعود مرة أخرى لتصبح أداة لتمييز ما قد يوجد خارج حدود "الأداء الثقافي" ص 181.

4- Erika Fischer-Lichte "Theaterwissenschaft: Eine Einführung in die Grundlagen des Fachs" Narr Francke Attempto Verlag GmbH + Co. KG – 2009.

5- "The title as it stands now—The Routledge Introduction to Theatre and Performance Studies—reflects the more substantive changes required by a transposition of the work from a German to an Anglo-American context." Editors’ preface – "The Routledge Introduction …" – p x

6- "Our edition also significantly expands on the original by drawing on additional examples of Anglo-American theatre performances and bringing these examples into conversation with the work of German and Continental European artists." – ibid


 
 

الصفحة 1 من 21

Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com / theatretafukt@gmail.com
Téléphone: (+212) 669279582
(+212) 667313882 - 654439945
Siège Social: Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes / Casablanca - Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـ فضاء تافوكت للإبداع © 2017
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL