Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مختارات - إصدارات - كتابات: الممثلة العالمية جينا لولو بريجيدا - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 12:45
متابعات - تغطيات صحفية: مشاركة مغربية في مهرجان ''هولندا للفنون'' - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 12:34
أخبار - منوعات - مواضيع : في ذكرى رحيل معتوب الوناس - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 12:14
مواعيد فنية - ثقافية: "مشارف" يستضيف الشاعر العراقي صلاح نيازي - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 11:45
مختارات - إصدارات - كتابات: ستانسلافسكي المغرب: جمال الدين الدخيسي - الإثنين, 26 حزيران/يونيو 2017 00:15
متابعات - تغطيات صحفية: الجمع العام التأسيسي للفرع الإقليمي للداخلة - الأحد, 25 حزيران/يونيو 2017 00:21
مختارات - إصدارات - كتابات: الممثل الأسطورة مارلون براندو - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 23:39
أخبار - منوعات - مواضيع : قصة حياة الأسطورة “إيفا بيرون” - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 22:01
مختارات - إصدارات - كتابات: عبد المجيد فنيش: قرصان المسرح و الملحون - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 21:52
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: توقف "غرابيب سود" فجأة... - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 21:32
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

أخلاقيات التصوير الصحفي

أخلاقيات التصوير الصحفي

7 أسئلة يجيب عنها مُصوّرون محترفون

بقلم أسامة ربيع

الصورة أعلاه توضح جنوداً من منظمة نمور أركان الصربية المسلحة تقوم بركل وقتل مدنيين مسلمين في البوسنة بتاريخ 31 مارس 1992، اتُهمت تلك المنظمة لاحقاً بارتكاب جرائم حرب. تصوير: Ron Haviv

لا يمكنك إجراء محادثة هذه الأيام بخصوص التصوير الصحفي دون الخوض في تفاصيل أخلاقيات المهنة، لذا طلبنا من متابعينا على فيسبوك وتويتر وإنستغرام أن يرسلوا أسئلتهم، اخترنا من بينهم سبعة أسئلة يجيب عنها مصورو وكالة VII Photo Agency.

السؤال الأول: هل صحيح ما يُثار حول التصوير الصحفي بخصوص وضع أهمية التقاط الصورة فوق كل اعتبار ؟ فلو أخبرك أحدهم بوجود حد معين لا يُسمح بتعديه، هل تستمع له؟

يجيب عن هذا السؤال المصور “Ron Haviv” قائلاً: “فكرة الأهمية القصوى لالتقاط الصورة تختلف باختلاف كل موقف، فواحدة من أهم المهارات التي يجب أن يتميز بها كل مصور هي القدرة على اتخاذ القرار في أي لحظة، هذا القرار يعتمد على عوامل كثيرة بدءاً من المنظر المطلوب تصويره وكيفية تصويره وصولاً إلى الدافع وراء تصويره.

بجانب كل القرارات الخاصة بالتصوير، ينبغي عليك في نفس الوقت التفكير حول حضورك الشخصي في الصورة ومدى تأثيره وكذا تفاعلك مع الأشخاص والعوامل المحيطة، ففي بعض الأوقات يكون ثمن التقاط الصورة كبيراً للغاية، وأوقات أخرى سيحاول العاملون في المؤسسات سواء كانت قانونية أم لا العمل على منعك من التصوير، في كل تلك المواقف يكون الإدراك العميق لهدفك مهما للغاية مع طرحك للسؤال الأهم: هل تستحق صورة ما كل هذا؟

ليس بمقدور أحد إخبارك أهذا صحيح أم لا، فقرارك وقتها سيعتمد كليةً على قراءتك للحظة الحاسمة.”

السؤال الثاني: ما هو مقدار التعديل المسموح به في التصوير الصحفي إذا كان المبدأ هو إبراز الحقيقة؟ كيف ترى تقنيات التعديل الداخلية في الكاميرا مثل “التعريض الزائد – over exposure” أو “التعريض الناقص – Under exposure”، استخدام الفلاش وغيرها والتي تظهر صوراً لا تماثل ما نراه؟

يقول “Maciek Nabrdalik”: “كمصور صحفي، عليك أن تؤمن أنه على المدى الطويل يكون أثمن ما تملكه هي ثقة الناس في صورك، أنا لا أؤمن حقاً بوجود كاميرا تسجل بدقة ما نراه، ودوماً كان الخيار بالنسبة لي هو إما أن تثق بمستشعر ما صممه أحد المهندسين، أو أن تضع ثقتك في ذاكرة مصور ذو مصداقية وقصته خلف تلك الصور.

لقد كان للقيمة الجمالية دائماً موضعها في اهتمامات التصوير الصحفي، ولا أرى مشكلة في هذا خصوصاً إذا كانت القيمة الجمالية ليست هي الدافع الرئيسي خلف القصة أو الصورة في هذا النوع من التصوير.

إذا اخترت أن تدعو نفسك مصوراً صحفياً فيجب أن يتركز اهتمامك الرئيسي حول الموضوع لا على نفسك ولا موهبتك، محتوى الصورة هو الأهم، لذا من أجل محتوى جيد افعل ما تراه مناسباً، انشر قصتك ودع صورك تتحدث عن نفسها.

لكن كن على حذر من حساسية وخبرة متابعيك، هم لا يحتاجون أن توضح لهم ماذا يجب أن يروه، فكثير منهم يسافرون و يمكنهم التأكد اذا ما يمكن الثقة بك. في إحدى المرات استأجرتني مجلة للتصوير في بولندا، سأظل أتذكر دوماً نصيحة المحرر الذي قال لي: “لقد رأيت صوراً كثيرة لهذا المكان، والأكثرية منهم تميل إلى إظهار الدراما، نحن لا نريد توجيه قرائنا للشعور بشيء معين تجاه هذا المكان.”

إذا أردت أن تدرس لاحتراف المهنة، اقترح عليك قراءة تقرير “David Campbell” ويُدعى “مصداقية الصورة”. كما لم تشاهده من قبل: عشر صور مُذهلة تُظهر سحر الانعكاس

السؤال الثالث: كيف يمكنك التفريق بين التقاط صور قوية ومؤثرة، وكونك متعاطف مع احتياجات الأشخاص المطلوب تصويرهم؟

يجيب “Stefano De Luigi”: يطرح العديدون هذا السؤال عندما يبدأون العمل في مهنتنا، إلا أنني أعتقد أن الإجابة تتلخص في كونك صحفياً.

يوجد مصطلح شهير في مهنتنا هو “المسافة المناسبة”، وهي المسافة التي ينبغي على كل مصور وضعها بحرص بينه وبين قصته كي يظل في كامل تركيزه.

التعاطف من وجهة نظري موروث من مهنتنا ذاتها، أعتقد أن كوني مصوراً صحفياً معناه اهتمامي بحياة الآخرين على كافة الأوجه سواء كانت سعيدة أو حزينة أو مأساوية. المسافة الفاصلة مهمة، فهي تجعلنا نروي القصة دون التعديل فيها.

دورنا الرئيسي يقبع في الملاحظة، والملاحظة بموضوعية مطلوبة بشدة لأن القصة تحتاج لمن يرويها، هذه هي القاعدة التي تحكمني عندما أواجه موقفاً حياتياً صعباً. أنا لا أفقد تعاطفي لأني إنسان أولاً وأخيراً، لكنني أعرف موقفي جيداً، وهو كوني شاهد على ما يحدث.

في النهاية أود أن أنهي حديثي بمقولة “Don McCullin” والتي تساعدني دوماً حينما تمر علي لحظات صعبة: “عندما تقف أمام منظر مؤثر وترى إنساناً في موقف صعب يفقد كرامته فيه، حيث الظلم أو العنف، تسعة من عشرة أشخاص يديرون أنظارهم بعيداً لشعورهم بالحرج أو لعدم إحراج الشخص المتعرض لهذا النوع من الإيذاء، شخص واحد يبقي على نظره ناحية الضحية ويشهد على هذا الظلم ليترك بصمة ثابتة لا تُمحى تُرسل إلى الباقين ليساعدوا هؤلاء الضحايا و يخبروا العالم بما يحدث، هذا الشخص هو المصور الصحفي.”

السؤال الرابع: كيف تستطيع أن تُقيّم كصحفي الحاجة إلى العمل في مشاريع مع اعتبارات الحياة اليومية الاقتصادية، أعني هل تجد نفسك غير قادر على العمل في مشاريع معينة ذات اهتمام شخصي لأنك قد لا تكون قادراً على بيعها لوكالات إخبارية؟

يجيب “Davide Monteleone” قائلاً: دائماً ما أخبر تلاميذي “اختر قصة تهمك بشدة ولا تنس أن تغتنم خبرتها.” هناك نوع من المنافسة الشديدة في عالم التصوير اليوم، وإذا أبقيت على متابعتك للأحداث الرئيسية التي تدور في المجتمع لوجدت نفسك محاصراً بالآلاف من زملائك يعملون على نفس القصة.

يستطرد ديفيد: من المستبعد أن تجد نفسك في تلك الأحداث كونك مبتدئاً، بالتالي إذا وجدت قصة تملؤك شغفاً فلن تقف حظوظك عند فرصة الحصول على قصة فريدة، بل ستجد الأمر أسهل في استثمار وقتك ومالك.

فرصتك الأولى في الحصول على مقعد في الأحداث الرئيسية قد تكون صعبة، إلا أن اليوم هناك فرص كثيرة للحصول على متابعين لك ولعملك، على سبيل المثال: تستطيع أن تربط صورك لمجلة معينة بإنستجرام وإذا كانت قصتك جيدة، استطيع وقتها أن أضمن لك النجاح وقد تجني بعض المال.

دعني أقول لك أنك لن تصبح غنياً باختيارك لتلك المهنة، هذا ليس السبب الذي اخترتها لأجله، أليس كذلك؟يحتاج المصور لمصادر أخرى للمال كالمبيعات أو التحرير الصحفي، والتنوع سوف يكسبك المال.

بغض النظر عن أزمات الإعلام حالياً، لدينا نحن الحرية للإنتاج قصصنا التي نهتم بشأنها، بل يمكننا خلق جمهور مخصص لمتابعة أعمالنا مع فرصة كبيرة في نمو هذا الجمهور، التفرد هو عنوان هذا العمل اليوم، اختر القصة التي تحبها واستثمر بها بعض المال إذا لم تجد من يدعمك في البدء، كن قوياً وشغوفاً و لسوف تتم مكافأتك على مجهوداتك.

السؤال الخامس: كيف تضمن موافقة واحترام الأطراف التي تخوض أزمة معينة؟

يجيب “Ashley Gilbertson”: عندما أصور نادراً ما أطلب صوتياً موافقة الأطراف، في الغالب أقترب من الناس و الكاميرا ظاهرة لهم و بقصد مني أنظر لهم في أعينهم، في تلك اللحظة أحصل على التصريح بالتصوير أو يُطلب مني المغادرة.

في حالات عديدة، خصوصاً تلك التي تحتمل التأويل، أجلس وأتحدث مع الشخص لبرهة،أقدم نفسي واشرح عملي له، بعدما يشعر الشخص بالقليل من القوة والوضوح يستطيع وقتها اخباري برغبته حول تصويري له.

السؤال السادس: كيف تتعامل مع صناعة الأساطير في التصوير بمجال حقوق الإنسان، أعني الاحتياجات المتنافسة لإظهار شخص ما كما هو بصدق بينما المنظمات غير الحكومية تحتاج إلى رموز معروفة تمولها؟ ماذا تعتقد بخصوص طرق التصوير الوثائقية والتي بدأت في إبراز ما لا يستطيع أن يعرضه The medium كعمل بعض المصورين على قصص المرضى العقليين مثل ذلك الجنوب إفريقي الذي قصد مستشفيات الأمراض العقلية ليلتقط العديد من الصور للمرضى بالداخل؟

يقول “Ed Kashi”: أنا لا أشهد صناعة أي أسطورة كجزء من عملي مع المنظمات غير الحكومية، الأمر يتعلق أكثر بتعاملك مع عملائك، لم يُطلب مني مطلقاً ترويج شخصيات كأساطير، فمهمتي والتي أتقاضى عليها أجري تعتمد علي كراوٍ بصري للقصص بالإضافة لمهاراتي كصحفي.

بالنسبة للأنواع الجديدة من التصوير والتي تعتمد على التقنيات، نعم أقدرها لفنها وقيمتها التصويرية لكنها تثير بعض المخاوف بشأن تأثيرها على المهنة والعامة، هناك بالتأكيد رغبة بين المصورين الصحفيين و الوثائقيين ليصبحوا أكثر فنية، وفي بعض الحالات قد تتطور تلك الرغبة وتطغى فوق جودة ونزاهة المواد المراد إنتاجها.

عندما يتعلق الأمر بالوثائقية، هناك حدود لا يجب علينا تعديها في كيفية عرض الأشخاص المشاركين في العمل، وبصراحة أعتقد بخطأ استخدام المرضى لسرد قصصنا إلا لو طورنا أكبر قدر من الحساسية في التعامل معهم مع توضيح هدفنا ليكون مساعدتهم لا فضحهم، بالإضافة إلى احترامهم والحفاظ على كرامتهم.

السؤال السابع: ما هي أفضل نصيحة تستطيع تقديمها لمن يريد العمل على قضايا حقوق الإنسان ذات المحاذير الأخلاقية؟ كيف يمكنك التأكد من عرض قضايا حقوق الإنسان بدون تبسيط يفقد القضية هيكلها وتعقيدها؟

يجيب “Arthur Bondar”: الأسئلة الرئيسية التي ينبغي أن توجهها لنفسك هي، لماذا سأذهب إلى هناك؟ ما هو السبب الرئيسي لبقائي هناك؟ كيف بإمكاني مساعدة الناس في ذلك المكان؟

إذا كنت ستغطي قضايا حقوق الإنسان فيجب عليك أن تعلم بالخطر الذي يهدد حياة البشر، لا يمكننا عزل أنفسنا عما نراه والتعامل كصحفيين فقط، سيمر بعقلك دوماً السؤال الأخطر “هل يجب علي التقاط الصورة أم مساعدة الشخص؟”. إذا كانت إجابتك “لا” فأنت لا تصلح للعمل كمصور صحفي في قضايا حقوق الإنسان، هناك العديد من القضايا الأخرى التي نستطيع تغطيتها بعدساتنا.

لا يمكننا فقط عرض ما يعاني منه بشر آخرون كالمخدرات، تجارة الجنس، الصراعات، الأمراض إلخ.. فقد رأينا آلاف الصور لتلك القصص بالفعل، علينا الآن أن نعرض القصة وحلها، فمن المهم بمكان مساعدة الناس ومنحهم الصوت الذي لم ينالوه أبداً، أعتقد أنه كلما تعمقنا أكثر في القصة وقضينا وقتاً مع أفرادها كلما زادت استحالة تبسيطها والاستخفاف بها.

في بعض الأوقات أصطحب كاميرتي و أتطوع في معسكر للاجئين أو مستشفى للأطفال، أحاول إظهار الأمل في النفق المظلم، حتى لفرد واحد بين آلاف المصورين تأكد أن الأمر يستحق وقتك تماماً.

نُشرت النسخة الإنجليزية من هذه المقالة في موقع The medium


 

المنعطف السردي في المسرح

المنعطف السردي في المسرح وعودة فنون الحكي


بقلم الدكتور خالد أمين

"الحكاية الجديدة هي التي تروى من جديد فيتحول من يصغي إليها إلى راو وهكذا". (عبد الفتاح كيليطو، جذور السرد، ص. 300)

"السرد خطاب تخييلي أوثق صلة بالطريقة التي تصوغ بها المجتمعات النصية علاقة مسألة الغياب -بوصفه إحدى وسائل إنتاج الحقيقة- بهيمنة رمزية مؤسسة على تدبير الطرق المتبناة في إدراك العالم، بما هو نزوع نحو تملك شرعية الوجود الاجتماعية". (عبد الرحيم جيران، علبة السرد، ص. 205)

صادف عام 2016 الذكرى الثانية عشرة لمهرجان "طنجة المشهدية" التي دأب المركز الدولي لدراسات الفرجة على تنظيمه كل عام بمدينة البوغاز. وكان هدف مؤتمر هذا العام هو إثارة موضوع "المنعطف السردي في المسرح" ومواصلة اجتراح بعض الأسئلة المتعلقة بفنون الفرجة في بعدها الكوني.

العودة لفنون الحكي العربية

جدير بالتذكير في عتبة هذا الكتاب الجماعي بأن اجتهادات المركز الدولي لدراسات الفرجة مرتكزة بالدرجة الأولى على مسرحنا العربي في حدود علاقاته بما هو كوني؛ لذلك نؤمن بأن بناء صرح هذا المسرح يقتضي العمل الجماعي والكوني لأجل الانفكاك من بنية السلطة الاستعمارية العتيقة، من جهة، وهيمنة الاستعمار الجديد من خلال الأقنعة الجديدة المتمثلة في  سريان "القوة الناعمة" في شتى مناحي حياتنا اليومية بما فيها التبادلات الرمزية، من جهة ثانية. وجب التذكير -وقبل التطرق للمنعطف السردي في الممارسات المسرحية المعاصرة- بالعنوان الفرعي:"عودة فنون الحكي"؛ وهو النافذة المشرعة على مجمل طرائق العودة العربية المتأخرة إلى أنماط الحكي التراثية.

لم يتطور مسرحنا العربي مباشرة انطلاقا من فنون الحكي العربية؛ إذ كانت نشأته غربية مع "البخيل" لمارون النقاش. ولكنه عاد ليتصالح مع الوجدان الفرجوي لألف ليلة وليلة في مسرحيته الثانية الموسومة بـ"أبو الحسن المغفل وهارون الرشيد": عود على بدء؛ لذلك نعد تلك العودة لأنماط الحكي التراثية مع جيل الرواد الأوائل منعطفا سرديا مفصليا في مسرحنا العربي؛ بل النواة الأولى والبداية لمعالم التجربة المسرحية العربية في محاولاتها الانفكاك من هيمنة النموذج المسرحي الغربي.

برزت الحاجة لاستحضار تقاليد الحكي العربية العتيقة في مسرحنا العربي، من مقامة وغيرها، بهدف ابتكار أشكال مسرحية جديدة ضمن منظومة المسرح المحكي؛ فأصبح المسرحي العربي ابتداء من منتصف القرن الماضي يستشرف رحابة السفر في المتون السردية القديمة، والسرود الشفهية بخاصة. وقد أدى هذا الأفق إلى إنتاج هجنة مسرحية من جراء تناسج ثقافات فرجوية متنوعة. يؤكد عز الدين المدني أنه "حينما نعود إلى التراث العربي الإسلامي، وخصوصا إلى فنياته الجمالية لا نريد بذلك أن نستدل على صحة مفهوم الأصالة المزعوم وأن نقدس هذا التراث أكثر مما يطيق من التقديس"[i]؛ فبعد سفر طويل وبحث دؤوب في جماليات المتون العربية القديمة، اعتمد المدني مفهوم الاستطراد بوصفه خاصية جمالية مكنته من اقتراح شكل مسرحي يجمع بين القديم والجديد؛ فـ"الاستطراد في التأليف العربي القديم هو التداخل في الأغراض، والتراكيب في الأحاديث، وإلقاء الحديث على عواهنه وتكديسه على بعضه البعض. ولعله ثانيا سرد روايات متعددة وربما متناقضة لحدث واحد. ولعله ثالثا إيراد تحليلات وتأويلات كثيرة..."[ii].

لقد أسعفت تجربة المدني صاحبها في تحقيق الوصل بين الماضي، والحاضر، والمستقبل، انطلاقا من رؤية ملحمية بريشتية بامتياز. وتأسيسا على ذلك، سيتمكن من التفاعل الإيجابي مع المخزون التراثي العربي بهدف إنجاز فرجة مسرحية مكتملة، يتحقق فيها البعدان: المعرفي والجمالي، ويغدو فيها الوعي التاريخي سبيلا لإضفاء طابع الراهنية على الحدث التاريخي، وإمعان النظر في واقع الحال الآني. وبهذا المعنى، فإن استعادة المدني لثورة الزنج -على سبيل المثال- ومسرحتها وفق شروط السياق العربي المعاصر، كانت تتماشى مع التصور البريشتي للسرد الملحمي والمسافة التاريخية.

وقد كانت عملية نقل تقنيات الفرجة الشعبية المغربية المفتوحة من ساحة "جامع الفنا" إلى البناية المسرحية الغربية المغلقة استشرافا لرحابة تناسج ثقافات فرجوية مختلفة بوصفها ثورة مستمرة للأشكال، يتم من خلالها كتابة النصوص ضمن محور تقاطع الثقافات المختلفة؛ فمن خلال الالتفاف حول تقنيات الحلايقي، والسمايري، وعبيدات الرما، وسلطان الطلبة، والبساط... عبر الفنان المسرحي المغربي عن حالة القلق ووضعية التردد الثاوية خلف فعل كتابة "التابع".

تُعدّ وضعية من هذا القبيل جانبا من مأزق الهوية التي تتخبط فيه الذات المغربية راهنا؛ وهي الذات التي وجدت نفسها مشكلة في الحد الفاصل بين نمطين من الحكي على الأقل: الحكي الغربي والحكي العربي/ الأمازيغي، الإسلامي... هكذا، تساوق المسرح المغربي بقوة مع شرط هجنة ما بعد الاستعمار، وهي هجنة تشوش وتربك النموذج المسرحي الغربي في الوقت نفسه الذي يتم فيه تبنيه.

إن انخراط الفنان المغربي الرائد الطيب الصديقي- عن وعي- في هاته الدينامية منذ نهاية الستينيات خير دليل على تناسج الممارسة المسرحية العربية مع ثقافات فرجوية أخرى؛ حيث دشن مسار العودة لفنون الحكي التراثية بمسرحيات رائعة أصبحت تشكل أنوية حقيقية لريبيرتوار المسرح المغربي مثل: "ديوان سيدي عبد الرحمان المجذوب"، و"مقامات بديع الزمان الهمداني"، و"أبو حيان التوحيدي" و"الفيل والسراويل"... كما استشرف الصديقي أفقا مشرعا على المصالحة مع الوجدان الفرجوي المغربي من خلال التركيز على مسرحة نصوص حكائية، وشعرية تراثية مؤطرة في بنية الحلقة بوصفها وعاء لـ'قصصية معممة'[iii]، وبؤرة لتعايش ثقافات فرجوية مختلفة.

واتخذ الجزائري عبد القادر علولة المنحى نفسه؛ إذ صرف كل طاقته الإبداعية في العقد الأخير من حياته لتطوير منهج مسرحي مستمد من التقنيات السردية للحلقة والكوال الجزائري بخاصة؛ ذلك بعد أن حلق في سماء الإبداعات العالمية، وتأكد في نهاية الأمر أنه يستحيل تقديم رسالته الاجتماعية للجمهور الجزائري بمعزل عن الانفتاح على عاداتهم ووجدانهم الفرجويين. وعبر علولة عن انشغاله المتأخر بمسرح الحلقة في المؤتمر العاشر للجمعية الدولية لنقاد المسرح ببرلين عام 1987؛ ذلك بعد أن تأكد من عدم جدوى الترتيب المسرحي المحاصر داخل العلبة الإيطالية: نقرأ: "وفي خضم هذا الحماس، وهذا التوجه العارم نحو الجماهير الكادحة، والفئات الشعبية أظهر نشاطنا المسرحي ذو النسق الأرسطي محدوديته، فقد كانت للجماهير الجديدة الريفية، أو ذات الجذور الريفية، تصرفات ثقافية خاصة بها تجاه العرض المسرحي، فكان المتفرجون يجلسون على الأرض، ويكونون حلقة حول الترتيب المسرحي، وفي هذه الحالة كان فضاء الأداء يتغير، وحتى الإخراج المسرحي الخاص بالقاعات المغلقة ومتفرجيها الجالسين إزاء الخشبة، كان من الواجب تحويره. كان يجب إعادة النظر في كل العرض المسرحي جملة وتفصيلا."[iv]؛ فهذه الشهادة البليغة يمكن النظر إليها بوصفها بيانا تأسيسيا يرصد الدوافع التي أدت إلى فعل التجريب من خلال فرجة الكوال.

هذه ليست دعوات جوهرانية تروم الاغتراب في الماضي أو الرجوع إلى أصل ما للفرجة العربية - كما ادعت العديد من النظريات الانتقائية التي خرجت من تخوم الكراسي المريحة - بقدر ما هي محاولات تجريبية نابعة من التجربة الميدانية. خلص فيها علولة -في أثناء مراجعة تصوره للفن المسرحي برمته في حدود علاقته بالجمهور الجزائري- إلى القول: "عن طريق هذه التجربة التي استدرجتنا إلى مراجعة تصورنا للفن المسرحي، اكتشفنا من جديد- حتى وإن بدا هذا ضربا من المفارقة- الرموز العريقة للعرض الشعبي، المتمثل في الحلقة، إذ لم يبق أي معنى لدخول الممثلين وخروجهم، كل شيء كان يجري بالضرورة داخل الدائرة المغلقة، ولم تبق هناك كواليس، وكان يجري تغيير الملابس على مرأى من المتفرجين، وغالبا ما كان الممثل يجلس وسط المتفرجين بين فترتي أداء لتدخين سيجارة، دون أن يعجب من ذلك أحد."[v].

هل بالإمكان الحديث عن منعطف سردي آخر راهنا؟

بدأت العودة إلى فنون الحكي في المسرح الغربي المعاصر مع بيسكاتور، وبريشت بعد الموقف المناهض لاتجاه مظاهر التسريد القصصي الذي لازم الاتجاهات الواقعية بما فيها الواقعية الطبيعية. أصبحت استراتيجيات الحكي المتجذرة في الثقافات الفرجوية الأفريقية والأسيوية (بما فيها العربية) - وفي أعقاب رحلة المسرح الغربي نحو الشرق- تغزو أعمال ويلسون، وبروك، ومنوشكين، وآخرين...

نحن الآن في حاجة إلى تسليط المزيد من الضوء على التداخل بين "المنعطف السردي" ونظيره "الأدائي". أحيانا لا تتحكم في تصريف المادة الحكائية كرونولوجية خطية؛ إذ لا ينشد السرد بوصفه آلية لنقل تلك المادة الحكائية داخل معترك الممارسة المسرحية البديلة رهانات تمثيل واقع الحال كما هو. ساهم المنعطف الفرجوي، في السياق ذاته، أواخر القرن العشرين في إرباك الحدود بين الفنون وبين الفن ونقيضه؛ ذلك من خلال انفتاح المسرح على باقي فنون المدينة، بما فيها فن الأداء والفرجات الخاصة بالمواقع؛ فأصبح المسرح وسيطا موسعا يستوعب وسائط، وخطابات تخييلية متعددة وممانعة، لم تكن في الماضي القريب جزءا من الممارسة المسرحية.

نشهد في الزمن الراهن ازدهارا لم يسبق له مثيلا للعروض الحكائية، والمسرحيات المونولوجية في جميع أنحاء العالم بما في ذلك عالمنا العربي. هكذا يعود الحكي بقوة إلى الممارسة المسرحية المعاصرة؛ حيث يأخذ "المونولوج" الأسبقية على "الديالوج". ومن ثم، يزلزل وهم 'الدراما'. ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى هذه العودة بوصفها التفافا حول القصة، بل عرضا لممكنات الفعل القصصي. إنها سعي لتحقيق علاقة جديدة مع التمثيل المسرحي بعيدا عن العودة إلى 'الدراما'.

يجسد أداء الحكي السيرذاتي والوقائع في عديد من التجارب المسرحية المعاصرة الإمكانات الهائلة للمسرح الحكائي، فيغزو الواقع المعيش المسرح من جديد، ويستفزه انطلاقا من ردم الهوة بين الحكي الذاتي والحكايات الجماعية، الخاص منها والعام، الجمالي منها والسياسي. ويمكن عدّ اشتغال مجموعة "ريميني بروطوكول" السويسرية- الألمانية أنموذجا عبر الاعتماد على "خبراء الحياة اليومية" (Experten des Alltags) ومروياتهم وأجسادهم الجريحة، والإلقاء بهم في خشبة المسرح. والحال، أن العروض المعاصرة التي تعتمد المواد السير ذاتية، بما في ذلك 'المحاضرات الأدائية' كتلك التي قدمها ربيع مروة في الدورة السابقة من مهرجان 'طنجة للفنون المشهدية'، تؤكد التفاعل بين الواقع والخيال، ليس فقط في مظاهر تسريد  narrativization الذكريات الفردية، ولكن أيضا في طبيعة التأريخ نفسه.

ولا بدّ من الإشارة إلى أن العودة إلى "المونولوغ" و"الجوقة" في الدراماتورجيا المعاصرة تكتسي أيضا دلالات عميقة؛ بحيث يعود استعمال المونولوج إلى المسرح الكلاسيكي، وهو وسيلة الكاتب الدرامي للكشف عن اضطرابات وأحاسيس وحالات نفسية ونوايا الشخصية؛ وهي تفكر بصوت مرتفع، صوت مسموع لدى الجمهور.

إن مناقشة هانس ليمان للعروض المبنية على الحكي، تتصل أيضا بهذا السياق؛ إذ يقول: "يعتبر مبدأ الحكي من أهم مرتكزات مسرح ما بعد الدراما، ذلك أن المسرح أصبح بؤرة للفعل السردي". (PD, 109) بالنسبة إلى ليمان، فالأعمال التي تقدم تأملا عموميا حول قضايا معينة عوض فعل درامي تؤكد وجود مشهد مسرحي ما بعد درامي. من هنا، تعدّ مظاهر التسريد الحكائي من أهم مكونات الأسلوب ما بعد الدرامي، بل حتى "مسرح ما بعد الهجرة"Post-Migrant Théâtre الذي أصبح حضوره لافتا بخاصة في أوروبا.

والحال، أن النقد المسرحي لم يطور آلياته النظرية والنقدية في اتجاه التعاطي مع هذه الظاهرة كما هو الأمر بالنسية إلى النقد الروائي خاصة مع (Genette, 1872; Cohn, 1981). يقول باتريس بافيس في السياق ذاته: "نحن إذن في مرحلة ما بعد السرد الدراماتورجي. وبالموازاة مع ذلك، نسجل من داخل الكتابة الدرامية المعاصرة منذ عام 1990 عودة إلى السرد، والحكي، ومتعة سرد القصص. ومع ذلك، فإن الدراماتورجيا، سواء كانت كلاسيكية، أو ما بعد كلاسيكية، لا تستفيد بما فيه الكفاية من النظريات ما بعد الكلاسيكية لعلم السرد، تاركة مع الأسف هذا العلم السائر في طريق التجديد في الظل"[vi]. هكذا إذن، يدعونا بافيس للمزيد من الانفتاح على ممكنات علم السرد الحديث بهدف مقاربة أساليب الدراماتورجيات الممانعة التي أصبحت تجتاح خشبات المسرح على المستوى الكوني.

قد يتحول السرد المحكي في عديد من الأعمال المسرحية المعاصرة إلى حكي موغل في استعمال الصورة، وهي حامل قد يبدو سهل الاستيعاب، إذ يغازل النظر بوصفه هو أسهل أداة تواصلية، كما عبر عن ذلك ريجيس دوبري في كتاب "حياة الصورة وموتها". وهنا أيضا يحق لنا أن نعيد طرح سؤال سبق أن طرحناه بصيغة أخرى في سياق ندوة "المسرح والوسائط" عام 2011: هل أبعدت الدراماتورجيا البصرية غالبية الجمهور عن الولع بالحكي المنطوق، حتى وإن تحقق من خلال الميكروفون؟ نلاحظ أحيانا  تدافع المؤدين نحو ميكروفون ما من أجل تحقيق وهم ذلك التدفق المفاجئ لدواخل الذات، ومعاناتها وانكساراتها كما هو الأمر بالنسبة لعديد من التجارب العربية المعاصرة: "دموع بالكحول"، "حادة"، "بين بين"، "بينما كنت أنتظر"... وهنا تحديدا يصبح الميكروفون الآلية التي تمكن من تحقيق عملية البوح، من جهة، ووسيلة الانفتاح على الآخر، من جهة ثانية. وهو في نهاية الأمر أداة وسائطية تذكر مستعمليها بأنهم في صدد مخاطبة أناس آخرين عبر أثير ما .... ومع ذلك، يجب الإقرار بأن التوظيف الواسع الانتشار للمكروفون في مسارحنا يستفز تدافعنا الهويتي وطمأنينتنا، ويدفعنا إلى الاعتراف بتأثيرات الآخر بما فيها الأسلوب مابعد الدرامي. فالميكروفون هو جهاز يحول الموجات الصوتية إلى طاقة كهربائية. ومن ثمة فهو يخلق قناعا صوتيا إلكترونيا يحجب الصوت الحقيقي للمؤدي. وهنا نكون بإزاء قطيعة مع التمثيل الطبيعي والاندماج. كما أن نص المونولوج، غالبا ما يقدمه الممثلون/ المؤدون وهم في وضعية جسدية ثابتة لا تعكس تعبيرا معينا؛ وهي وضعية أشبه بالقناع المحايد لدى جاك لوكوك. وهذا القناع يزيح الاندماج الكلي في الشخصية...

نسعى، إذن، من خلال هذا الكتاب الجماعي إلى استكشاف خطابات جديدة ومختلفة تتناول بالدرس والتحليل العلاقة المتبادلة بين الحكي والمسرح، في سياق ما نصطلح عليه "المنعطف السردي في المسرح". فانطلاقا من مناقشاتنا المستفيضة السابقة حول مواضيع شتى تتعلق بدراسات الفرجة، نقترح إجراء حوار ذي حدين يقوده الفنان، ويؤطره الباحث.

--------------------------------------------

الهوامش:

1- عزالدين المدني، ديوان الزنج، الدار التونسية للنشر، 1972.

2- المرجع ذاته.

3- راجع غريماس وكورتيس (1979).

4- حفناوي بوعلي، أربعون عاما على خشبة مسرح الهواة في الجزائر، منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين، الجزائر: 2002، ص. 229.

5- عبد القادر علولة، "الظواهر الأرسطية في المسرح الجزائري"، ديوان أعماله الكاملة (الجزء الثاني) ص. 16.

6- باتريس بافيس، ندوة مهرجان طنجة للفنون المشهدية، دورة 2014.

 
 

السفسطائيون.. بين الحقيقة والتضليل

السفسطائيون.. بين الحقيقة والتضليل

بقلم الكاتبة السورية لجينه نبهان

سنتناول في هذا المقال موضوع السفسطة والسفسطائيين؛ أفكارهم، ظروف نشأتهم، أعلامهم، و اتفاقهم واختلافهم مع من سبقهم. وكان دافعي في اختيار الموضوع، والبحث فيه، هو الإضاءة على ما لحق بهذه الفئة من تشويه استمر حتى القرن التاسع عشر، حيث تمّ إنصافهم إلى حدّ ما، لكن ورغم ذلك لم تزل الفكرة مغلوطة لدى الكثيرين الذين مازالوا يستخدمون المصطلح بمفهومه المشوه:

(السفسطة هي الحديث بغرض الحديث، أو الكلام الذي لا يفضي إلى شيء).

بداية.. لا بد من تعريف السفسطة، ومحاولة فهم الظروف التاريخية التي تهيأت لظهور السفسطائيين.

السفسطة.. كما تشير أغلب الكتب، هي مذهب فكري فلسفي نشأ في اليونان في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس قبل الميلاد، في مرحلة بدأ فيها انحسار سطوة فلاسفة الطبيعة، متزامناً مع انحسار الأوليغارشية (حكم الأقليات)، ليتم التركيز على الإنسان والاهتمام به: مكانته، حرية منطقه، مذهبه العقلي، ودوره في المجتمع. حيث قامت شيئاً فشيئاً ديمقراطية في أثينا: مجالس للشعب، وقضاة شعبيون. وكان شرط  هذه الديمقراطية الفتيّة كي تعمّ وتزدهر، أن يكون الشعب متنوراً بالدرجة الكافية، ليستطيع المشاركة في السيرورة الديمقراطية، وهنا تهيأت الظروف التاريخية لظهور السفسطائيين الذين توافدوا من المستعمرات الإغريقية على شكل جماعات، واستقروا في أثينا، وبدأوا بالفعل تعليم الناس مقابل أجر مالي.

أصل الكلمة

أصلها ينحدر من (سوفيسوس) sofia صوفيا. أي الحكمة والمهارة والأسبقية. والرجل (السوفوس) sofos هو الرجل البارع والعالم والجهبذ والحكيم.

أما السفسطة كمعنى ومفهوم.. فهي مجادلة تبدو كأنها موافقة للمنطق، لكنها تصل في النهاية إلى استنتاج غير مقبول، سواءً لتعذره أو لاستعماله الإرادي المغلوط لقواعد الاستنتاج، وبالتالي فإنه يمكن اعتبارها قولاً مموهاً، أو قياساً له شكل صحيح لكن نتيجة باطلة!. القصد منه تضليل المحاور. لذلك تم الخلط أحياناً بين السفسطة والمغالطة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن ما يميز الأولى عن الثانية أن السفسطة هي الرغبة الإرادية لدى السفسطائي بتضليل محاوره بهدف إحداث ارتباك فكري لديه (الآخر) يدفعه إلى التعمق في حججه الفكرية، ومن هنا ربما جاءت مقولة أن السفسطائيين تلاعبوا بالمدارك الفلسفية، لكنهم أفادوا المجتمع في أنهم أثاروا في نفوس الشباب الرغبة بالعلم وطلب المزيد منه.

وبالعودة إلى الفرق بين السفسطة والمغالطة، إذاً السفسطة تضليل إرادي هادف، بينما تبقى المغالطة لا إرادية.

إن هذا التحول الذي حدث في المجتمع الأثيني بالتوجه نحو الإنسان والابتعاد عن الغيبيات والتركيز على المنطق والعقل أثار حنق رجال الدين وذوي التوجهات اللاهوتية ومن ماثلهم بالاستفادة من الوضع الذي كان قائماً قبل هذا التحول، وإن الدور التعليمي والمعرفي الذي قام به السفسطائيين جعلهم يتلقون موجة الغضب والتشويه التي ذكرناها. حيث بدؤوا يكيلون لهم الاتهامات على أنهم السبب في غضب الآلهة على مدينتهم التي طفقت تنهار.

أفلاطون.. يقلل من شأنهم

ولقد كان أفلاطون على رأس المناهضين لهم، حيث ألّف عنهم خمس كتب عمد فيها إلى تشويه صورتهم والإساءة الشديدة لهم، ومن أهم التعريفات أو النعوت التي ألصقها بهم وضمّنها كتبه، أن السفسطائي صياد نفعي للشبان ذو طمع وجشع يشتري ويبيع أنواع التعاليم والمعارف دون علمٍ منه هل بضاعته صالحة أم فاسدة!، وأنه صغار مرتزقة ومناضل في حلبة الرياضة والخطابة، وماهر في المشاحنة و المعارضة والمناقضة، وهو مشعوذ و وحش ضار يلجأ إلى فن المخاتلة والصيد والاتجار.

وقد قال أفلاطون عن السفسطة أيضا: أنها الإيحاء أو الإيهام وخطابها مليء بالسحر والشعوذة، و بوجيز العبارة هم أدعياء معرفة يحاولون محاكاة الحكماء وهنا يمايز بين ثلاث فئات:

فئة السفسطائيين

فئة السياسيين

فئة الفلاسفة

وكأنما يقول أن هؤلاء ليسوا بمفكرين، ولا هم بفلاسفة!

سقراط.. يلتقي ويختلف معهم

أما عن الفيلسوف الأول سقراط وعلاقته بهم فقد التقى معهم في نقاط واختلف بأخرى. حيث كان هو الآخر يمتهن التعليم واهتم بالإنسان وركز عليه، لكنه اختلف معهم في أنه بيّن أن بعض القواعد والنواظم مطلقة، أهمها: الحق والباطل، والخير والشر. (بعكس نظرية أهم أعلام السفسطائيين بروثاغوروس الذي تحدث بالنسبية في النظر إلى الأمور وتقييمها).

وجعل سقراط جداله محاذياً للمنطق، فامتاز في الجدل بأنه جعل رد  السؤال بسؤال من جنسه حتى يستنبط الجواب من السائل نفسه. وربما كان متأثراً في ذلك بأمه التي كانت تعمل قابلة. فالجواب هو الجنين الكامن في كلّ منا، نملكه لكننا نحتاج أحياناً لمن يساعدنا على ولادته. لا شيء يأتي من خارجك.

أهم أعلام السفسطائيين

بروتاغوراس (480-411): كان من أهم أعلام السفسطائيين. وكان أول من فكر في قوانين النسبية (كما ذكرنا سابقاً) ويعتبره البعض الملهم لإنيشتاين. حيث قال من ضمن نظريته القديمة في النسبية ‘‘أن قيمة الأشياء نسبية، فليس ثمة خير من نفسه، أو شر في نفسه، وإنما هو خير وشر، عدل وظلم’’.

وقد كان هو الآخر مستوحى رفضه كل حقيقة مطلقة من هيراقليطس والقول بمبدأ التحول. فالإنسان في نظره كان مقياس كل شيء، حيث أنه مقياس الموجود من الأشياء و اللا موجود منها. وما يجدر ذكره أنه عندما سُئل عما إذا كان يؤمن بآلهة الإغريق اكتفى بالقول: ‘‘إن هذه المسألة دقيقة وحياة الناس قصيرة’’.

أيضا هناك غوريغاس (485 – 380) ق. م الذي كان يؤمن بأن الكلام قادر على إقناع الإنسان بأي شيء يريده المتكلم، فقط عندما تتوفر قوة الإقناع لديه (وهذا ما حاولوا أن يعلموه فعلاً).

أهمية السفسطائيون وما قدموه للغة والفكر

وبعد أن سلطنا الضوء على رأي كل من أفلاطون وسقراط في السفسطائيين، وأشرنا إلى أهم إعلام السفسطائية وما قدموه، على سبيل المثال لا الحصر، من سبق في قوانين النسبية، وكونهم ألهموا إنشتاين، كما يعتبر البعض. سنسعى في النقطة التالية للمقال لإثبات  تأثير السفسطائيون في اللغة والفكر.

فبالرغم من كل ما تعرض له السفسطائيين من تشويه في كل ما يخصهم، ورغم إحراق كتبهم، محاولةً لطمس وجودهم وليس فقط فكرهم، فقد كانوا أول من اخترع علم الاشتقاق (اشتقاق الكلمات) أو الاتيمولوجيا، ووضع القواعد اللغوية، كما أنهم أول من حاول دراسة مختلف أنواع البراهين والحجج بغض النظر عن معرفتهم في هذا المضمار أو ذاك.

فقد كانوا سادة فن الكلام، يكتبون الخطب في كل المناسبات حتى وإن كان ذلك بغرض الكسب والمال، وبالتالي فإنه يمكن اعتبارهم بحق مؤسسي فن الخطابة، وما كانوا ليترددوا أبداً في استعارة الحجج والأمثال من مفكرين سابقين، أو حتى من الأساطير (التي كان بروديكوس) المُحبذ للنقد الديني يقول بأنها مجرد سير ذاتية مُجمّله، وربما كان هذا من الأسباب التي أثارت الغضب عليهم أيضاً.

إذاً.. وبسبب موقفهم النقدي من جهة وغير الامتثالي من جهة أخرى، قام السياسيين بتبنيهم وكسبوا عداء الاثنين المتدينين من جهة أخرى.

كان السفسطائيون يحبون التجوال في العالم، عامدين إلى المقارنة بين مختلف نماذج الحكومات ملاحظين الاختلاف، وهكذا انطلقوا بالاعتماد على ملاحظاتهم يطرحون النقاش حول قضايا مهمة، كالتمييز بين ما هو محدد من قبل الطبيعة، وبين ما هو مكتسب وناشئ عن المجتمع. وهكذا أقاموا أُسس نقد المجتمع في إطار النظام الديمقراطي الأثيني، واستطاعوا بهذه الطريقة أن يلاحظوا أن عبارة (الحياء الطبيعي) مثلاً لا تقابل دوماً أشياء حقيقية!، ذلك أنه إذا قيل عن إنسان أنه خجول بصورة طبيعية، فإن ذلك يعني ضمناً أن هذا الخجل فطري، مع أن الحقيقة غير ذلك.

فالخجل ليس بالأمر الفطري، وليس خوف الإنسان من الظهور عارياً أمام الناس من عدمه، إلا أمر يتعلق بعادات وأعراف المجتمعات.

مما سبق ومن بعض ما سيأتي يصح القول أن السفسطائيين كانوا من أوائل المذاهب الفكرية التي تعرض أتباعها للتنكيل والنفي والقتل لمجرد كونها تخدم مصلحة الضعفاء، وتشكل انقلاباً على المسلّمات. فقد قتل أغلب قادتها وشُرد الباقون مثل ما حصل لـ (هيبياسي) الذي كان من أشهر قادة الديمقراطيين والذي تعرض فيما بعد للإعدام. و(بروتاجوراس) الذي أوكلت إليه مهمة وضع دستور للبلاد الإغريقية إبان الحكم الديمقراطي الجديد، فأحرقت كتبه ونفي عن أثينا. و(بروديكوس) الذي عذب وحوكم بشرب السم بتهمة إفساد عقول الشباب.

وهكذا فقد تم بالفعل تشويه صورة هذه الفئة الفكرية الفلسفية واستمر الحال كذلك حتى القرن التاسع عشر، والثورة الألسنية التي استهلها (فردينان دي سوسور) الذي أشار وركز على فضل السفسطائيين والدور الذي لعبوه، حيث أكدت هذه الثورة أن السفسطائيين كانوا فلاسفة، بل أساتذة في فن القول والخطابة والبلاغة.

_________________________________________

المراجع:

– كتاب السفسطائي لأفلاطون

– كتاب عالم صوفي لغوستاين غاردير

– موسوعة ويكيبيديا

 
 

"ابن رشد وفلسفته" لـ فرح أنطون

صدر قديماً: "ابن رشد وفلسفته" لـ فرح أنطون

بقلم نجم الدين خلف الله

وُلد هذا الكتاب من مُهاترة بين صديقيْن، فرح أنطون (1874-1922) ورشيد رضا (1865-1935)، تحوَّلت بعدها إلى واحدة من أمتع المعارك الثقافية في العقد الأول من القرن العشرين.

نشأ الكتابُ، في الأصل، سلسلةَ مقالات قصيرة، ينشرها هذا الأديب اللبناني في جريدته: "الجامِعَة"، التي أسسها بعد هجرته من طرابلس إلى الإسكندرية، سنة 1897 فرارًا من قمع السلطنة العثمانية. ويدور موضوعُها حول حياة ابن رشد، فيلسوف قرطبة (ت. 1198) ونظرياته الحِكميَّة عن العقل والنقل، والاتصال بين الحكمة والشريعة، والحقيقة بوجهَيْها، وأقسام المتلقين لها من أهل الخطابة أو الجدل والبرهان.

سرعان ما أثارت تلك المقالات التنويرية حنقَ (أو غيْرة) صديقه رضا، صاحب "المَنار"، فانبرى ينتقدها، ثمَّ ما لبث أن أقحم الأستاذَ محمد عبده (ت. 1905) ليردَّ على أطروحات أنطون الجريئة، والذي ردَّ بدوره عليه بمقالاتٍ حجاجيَّة مُفصلة. فما هو مضمون أولى معارك القرن الماضي وما هي رهاناتها؟

صدر "ابن رشد وفلسفته"، سنة 1903، وهو يتضمن أربعة أقسام غير متكافئة الحَجم: مقدمة وعرضًا لحياة ابن رشد وأفكاره، ثم محاورة فلسفية بين فرح أنطون والمصلح محمد عبده، وخاتمة ذيَّل بها مجموع الفصول. وتحتل المحاورة أكثر من نصف الكتاب الذي لئن كان في ظاهره عرضًا تاريخيًّا وفلسفيا لعقلانية ابن رشد، فإنه، في عمقه، نداءٌ صريح لتبنِّي العلمانية في الشأن السياسي، بما هي إدارة لشؤون المواطنين، وليس الرعايا، بقطع النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية، وتطبيق لمبادئ الليبرالية الغربية في مجالَيْ: المجتمع والمعرفة. وهكذا اتخذ أنطون من ابن رشد نموذجًا، بل ذريعةَ، للتحرر الذهني، وانتقاد المُسَلَّمَات والاستقلالية إزاء ما يُعتبر حقائق دغمائية.

واستند، في تمشيه هذا، إلى فلاسفة الأنوار الفرنسيين، ولا سيما روسو وفولتير ومونتسكيو، ومن بعدهم ارنست رينان (1823-1892)، حتى يبني فكرًا نهضويا، يقرّب بين الديانات، ويحمي الوحدة القوميَّة، في ظلِّ نظام اشتراكيّ، عماداه الأكبران: العقلانية والعلمانية.

وقد عُدَّت هذه الدعوات التي ضَمَّنها كتابَه هذا، فضلا عن تلك التي زخرت بها مقالاته ومسرحياته ورواياته وترجماته، لدى الإصلاحية - السلفية، مساسًا بأولويته: الدين وقدسيته. فانتقلت الخصومة إلى البحث في سلطة الدين ضمن نسيج الحياة المعاصرة، وإلى تحرير المرأة وعوائقه، وآثار الديانات في تنظيم المجتمع، أو في اندلاع الحروب وهيمنة الاستبداد... وقد أفادت ثقافة صاحب "رسالة التوحيد" ومهارته في عرض الحجج فرح أنطون الذي أجاب عنها بإطنابٍ، إجابة الندِّ للند، يساعده اطلاعٌ واسع وقلمٌ سيال، يكافح للفَصل بين مجال العقائد، الذي هو ضمير الفرد، ومجال السياسة الذي هو المجتمع العربي.

ولا ريب أنَّ استدعاء ابن رشد لم يكن تاريخيًا ولا علميا، بل مجرد ذريعةٍ للمطالبة بتبني العلمانية نظاما سياسيا ومعرفيًا، فهي استعادة تبريرية تهدف إلى تشريع العقلنة الحداثية والاقتباس من الغرب، واتباع النهج الديمقراطي الاشتراكي في المجتمع العربي المتطلع حينها إلى كسر طوق الخلافة العثمانية.

استرجع فرح أنطون رمز التراث العقلي وأظهر سبْقَه الزمني وأهليته أن يكون مرجعًا للتحديث، لا يناقض في جوهره التنوير الغربي. ولا يختلف هذا الاستدعاء، بما هو شكلٌ من الماضوية، عن سلفية رشيد رضا، ولكن "لكلٍّ ماضيه ولكلٍّ سَلَفُه". ويكون بذلك أنطون، مع مواطنه جرجي زيدان، من أبرز من استخدم التراث الفلسفي العربي لتبيئة الحداثة الغربية.

تكشف هذه المعركة تعقّد المشهد الفكري العربي غداة تلاقيه بفلسفات الغرب وأنساقه الإيديولوجية. وفيها تواجهت الدعوة إلى العقلانية الإسلامية سبيلاً إلى التحديث، مع المطالبة بتبني العلمانية الغربية المادية، وارتَبَكَت بينهما "الحساسية المسيحية" التي أعياها التوفيق بين هاتين المرجعيتين المتضادتَيْن، فلجأت إلى قاسم مشترك، هو فلسفة ابن رشد، فأولتها ورَبَّعت دوائرها، لتكون حلا وسطًا يرضي طرفَيْ المعادلة (الإصلاحية السلفية والتحديثية العلمانية).

ومع ذلك، تظل هذه المعركة من أرقى معارك القرن: إن بشكلها التعبيري الناصع أو بمضمونها الفكري الثري، ونظام البرهنة فيها، وكذلك باستيعابها لأمهات القضايا الوجودية. وما تزال هذه الخصومة تذهل براهنيتها وبقدرتها على إثراء قضايا الساعة.

 

 
 

الخطاب الاستشراقي: أنتونين آرتو أنموذجاً

الخطاب المسرحي الاستشراقي: أنتونين آرتو أنموذجاً

بقلم عواد علي

يُعدّ المسرحي والشاعر الفرنسي أنتونين آرتو من أبرز المسرحيين الذين تأثروا بتجربة مواطنه الفريد جاري المجنونة، المقوضة للقواعد المسرحية، والمعايير الجمالية، والأنساق الأخلاقية، خاصةً في ثلاثيته الشهيرة عن الملك أوبو. وكان أول مظهر من مظاهر تأثره به هو إطلاقه اسمه على مسرحه الذي قدم عليه بعض تجاربه المجارية لروح جاري المتمردة، وخاصةً تلك التي تهدف إلى إحداث تأثيرات صادمة في ذهن المتلقي، وذائقته الجمالية، وقيمه التقليدية، وإرباك حواسه، على غرار ما فعله رامبو في صوره الشعرية الصادمة، ووضع مسلماته موضع المساءلة، والوقوف بينه وبين أي تصور عقلاني للواقع.

حاول آرتو في تجاربه أن يزاوج بين المصادر الطقسية والسحرية والروحانية من جهة، وصور القسوة والعنف والهلوسة، والأشكال الغرائبية، والتجريد الرمزي في مسرح جاري من جهة أخرى. وفي السياق ذاته دعى إلى أن يقوم المسرح بتطوير لغة طقسية بصرية من خلال إعادة اكتشاف العلامات الجسدية الكونية، أو ما يسميها بـ (العلامات الهيروغليفية) إشارةً إلى كونها علامات صوريةً.

وكان للسينما الصامتة أثر كبير في تعميق نزعته إلى خلق مسرح يتصدر فيه خطاب الجسد، والتشكيلات الحركية والتكوينات المبهرة، ويتواصل مع المتلقي من خلال بنى مشهدية، بدلاً من التواصل بالكلمات، أو اللغة المنطوقة، التي اعتقد بأنها أصبحت عاجزةً عن تحقيق التواصل بين البشر في القرن العشرين، وهو اعتقاد أخذ به أغلب الكتاب الطليعيين، ولذلك نبذ أدبية الخطاب المسرحي، مثلما نبذ السينما الناطقة، التي عدّها عبثاً محضاً ونفياً للسينما ذاتها، ورفض هيمنة الملفوظ على النص المسرحي، وحرّض على تجريده من “الثرثرة” التي تكبله، بل إلى انتهاكه وتهشيمه، وعدم خضوع المخرج له، لاستخلاص جوهره القابل للرؤية، أو المشاهدة، وجعله نقطة انطلاق ليس إلاّ، لأن النص، حسب رؤيته، يتوجه إلى وعي المتلقي وذهنه، ويُهمل لاوعيه؛ وفي هذا الصدد يقول “أنا أفعل بالنص ما أشاء”، وبالفعل حول النصوص التي أخرجها إلى نوع من الصراخ، وتلاوة التعاويذ السحرية، والتمتمات المصاحبة للمشاهد البصرية التي يغلب عليها الطابع الطقسي والإيمائي والرقص البدائي والغناء والموسيقى. واستبدل شعر الحوار بشعر في الفضاء، أي بشعر بصري يتموضع في كل ما يٌرى على المسرح من أداء جسدي (حركي وإيمائي)، وتكوينات، وكتل، وألوان، وإضاءة.

وإذا كان منظور آرتو للمسرح مطمحاً عسير التحقيق على الصعيد العملي، ولم ينل أي نجاح في زمنه، بل أُهمل تماماً في بلده فرنسا، وهوجم من منطلقات مختلفة، منها أنه يستعصي على التمثل والمقاربة، ويقوض مبادئ الدراما المتواضع عليها، فإنه جرى اعتناقه، وأُسس عليه أغلب الاتجاهات في المسرح الطليعي الأميركي والبولوني، التي غيرت من هدف المسرح، وفجرت شكله التقليدي من خلال إعطاء الأولوية للجسد وللحركة على حساب النص، وشكّل هذا المنظور إطاراً مرجعياً أساسياً لمعظم تجارب المخرجين الطليعيين الذين تبنوا أشكال المسرح الطقسية وصيغ التعبير الصوري، أو البصري.

لقد انجذب آرتو بشدة الى المؤثرات الشرقية، وقام بانتزاعها من تربتها أو محضنها وسياق حقائقها في إطار رؤيته الخاصة. لكن هذه الرؤية فصلت، بين التاريخ الشرقي والحضارة الشرقية بأساليب تخفي تحت قشرتها الخارجية نزعة مركزية غربية، واستشراقية براجماتية، منتهكةً ما يسميه الناقد الهندي رستم بهاروشا “أخلاقيات العرض” التي تكمن وراء أي تبادل ثقافي، والعلاقات الاجتماعية التي تؤسسه. وفي هذا السياق تقول سوزان سونتاج إن “متابعة آرتو للآخر يمكن رؤيتها على أنها جزء من حاجته الباثولوجية في الهروب من أوروبا المنطقية”.

في ضوء ذلك يمكن القول إن توجه آرتو الى الشرق، بغض النظر عن رفضه العنيف لثقافته، لم يكن بدافع حب الغير، أو أن هذا الحب كان قائماً على فهم أصول مبادئه، بل الصحيح أنه خلق الشرق الخاص به (شرقاً متخيّلاً)، ثم حصل منه على مصادره لاستعادة الحيوية. ولأن آرتو فشل في تقديم “معرفة تاريخية صحيحة”، فإن أفكاره التاريخية جعلته يُصنّف ضمن المستشرقين الذين سخّفوا الثقافات غير الغربية على أساس احتياجاتهم، وتأكيداتهم للحقيقة من منظورهم الكولونيالي البحت. وهكذا بدت أبحاثه خياليةً نابعةً من رؤيته لمسرح “مستحيل” يرقد في أعماقه، وليست تاريخية أو وصفاً منظماً لما رآه.

لم يكن ما أثاره آرتو عن المسرح البالينيزي (نسبة الى جزيرة بالي الأندونيسية) هو المسرح البالينيزي نفسه، بل كان متعلقاً بـ “المسرح الشرقي”، وحافزاً ومثيراً موحياً فقط للمسرح الموجود في أفكاره وأحلامه. ويتفق بهاروشا مع سونتاج على أن أسوأ ما تركه آرتو هو اصطلاح “المسرح الشرقي”، لأن مقياسه كان مثل كثير من المقاييس الغربية التي تبسّط بشدة النشاطات وطرق التفكير في الشرق. وقد تجنب كل الخصائص المميزة والظاهرة للفنون المختلفة والمعقدة كالكابوكي، والنو، واليانج كوليت، والباريز، والكاثاكالي، والشاو، وأدى تجريده لها من فرديتها الى أن تصبح تقاليد العرض في الشرق من دون شكل محدد، بحيث يمكن أن يحل بعض تلك الفنون محل بعضها الآخر.

إن استخدام آرتو لمصطلح “المسرح الشرقي” يضعه في موضع أقل مما يليق به من احترام، بل يجعله يتسم بالغموض. ورغم أنه استخدمه دائماً كمرادف للمسرح البالينيزي، فإنه أراد التعبير من خلاله عما يبتعد عن المسرح الغربي في المقام الأول، ولم يستطع التخلص من فكرة أن “الآخر” او “الغيرية” ترتبط أرتباطاً وثيقاً بـ “المسرح الشرقي”. وزاد من هذا سوء فهمه للعناصر الكونية، والميتافيزيقيا، والقوى الخارقة للطبيعة الموجودة في الرقصات البالينيزية والكمبودية التي لم تكن دقة تقنياتها دافعاً لانجذابه اليها، بل تجسيدها القوي للمجهول، وأشباح ما وراء الطبيعة.

 
 

الصفحة 1 من 13

Nous contacter

Adresse :
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail :
theatretafukt@gmail.com
tafoukt.production@gmail.com
bouichou@gmail.com
Téléphone :
(+212) 669279582 - 667313882
Siège Social de Théâtre Tafoukt :
Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes - Casablanca / Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع الحقوق محفوظة لـ : فضاء تافوكت للإبداع - مجلة فنية تصدرها مؤسسة تافوكت للإنتاج الفني
Casablanca - Maroc © 2015 www.tafukt.com