Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مختارات - كتابات - مواضيع: لورد التمثيل العالمي شين كونري - الأربعاء, 23 آب/أغسطس 2017 09:42
مسرح - الفنون الدرامية: مايكل مور من الأفلام إلى المسرح - الثلاثاء, 22 آب/أغسطس 2017 18:15
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: الفيلم الشائك "فيكتوريا وعبدول" - الثلاثاء, 22 آب/أغسطس 2017 10:27
مسرح - الفنون الدرامية: الإيقاع في الكوريغرافيا - الإثنين, 21 آب/أغسطس 2017 19:32
أخبار - منوعات - إصدارات : سويفت تترك ملايين المتابعين في حيرة - الإثنين, 21 آب/أغسطس 2017 11:37
أخبار - منوعات - إصدارات : ظاهرة تحدث "مرة في القرن" - الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 17:49
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: رحيل "ملك" الدراما المصرية - الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 12:49
متابعات - تغطيات صحفية: وفاة أحد أساطير الكوميديا الأميركية - الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 12:45
متابعات - تغطيات صحفية: تعويض ضخم من براد بيت لمصممة - الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 12:41
أخبار - منوعات - إصدارات : كتاب: الكرنفال، في الثقافة الشعبية - الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 11:13
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

الفيزياء في أقاصي الفن

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

السبت, 19 آب/أغسطس 2017 10:41

الفيزياء في أقاصي الفن

بقلم منى حسن ـ فلسطين

"لقد ماتت نجومٌ في السماء لكي تحيا أنت". هذا ليس كلام شاعرٍ، بل كلام فيزيائي. وليست هذه عبارة جميلة كما تبدو للوهلة الأولى! بل هي تحمل القبح والجمال والشغف والألم في آن؛ حيث لا تبدو طبيعتنا الفيزيائية بعيدةً في جوهرها وغموضها عن الفنون التي تُريب خيالنا ومشاعرنا.

فعلًا لو أن النجوم ما احترقت، لما كانت لدينا كل العناصر الكيميائية التي تكوّن أجسادنا. قد يكون في جسدك أنت جُسيماتٌ دقيقةٌ كانت في الماضي في جوف أكثر من نجم، ومن المحتمل أن تستقرّ في المستقبل في جوف طيرٍ أو ذبابة، أو قد تظلُ في التراب. أليس هذا فنًّا أيضًا؟

إن كل شيءٍ نعرفه في الكون يتكوّن من ذات الذرات. لا فرق أبدًا في الجسيمات الأولية الدقيقة التي تكوّننا، والتي تكوّن أي شيءٍ نراه أمامنا الآن. لا شك أن ترتيب الذرّات فينا، والمعلومات التي تحملها، قد تكون أكثر تعقيدًا من غالبية ما في الكون. وهي بطبيعة الحال تجعلنا نحن من نحن عليه.

لكننا حينما نرى حجم الكون وما فيه من مجرات، يبدو حجمنا لا يساوي ذرّة. إلا أننا في الوقت نفسه يشكّل كل واحد منّا "كونًا من الذرّات". ففي جسدنا ذراتٌ تفوق بكثير عدد النجوم والكواكب في المجرة.

وإن وضعنا المجرة جانبًا ونظرنا في ذرةٍ واحدةٍ منها فقط، فإنه سيلزمنا الكثير من الخيال حتى نفهمها. يقول الفيزيائي الأميركي ريتشارد فاينمان: "خيالنا يمتد لأبعد الحدود، ولكن ليس كما في القصص الخيالية لنتخيل أموراً غير موجودة في الواقع، إنما لنفهم تلك الأشياء التي هي بالفعل هناك".

قال نيلز بور، وهو أحد العلماء الذين وضعوا أسس فيزياء الكم: "عندما نتحدّث عن عالم الذرة، تُصبح اللغةُ شعرًا". من المعروف أن بور كان مولعًا بالفنون، وتحديدًا بالفن التكعيبي، حتى أنه يُقال إن لوحات الرسام الفرنسي جان مازنجر أوحت لبور بتفسير طبيعة بنية الذرة. هكذا، نحاول هنا فهم كيفية أن يكون الفن مُلهمًا للعلم، عبر استعراضٍ سريع لـ"شعرية" عالم الذرّة.

لماذا تفعل الذرّات ذلك؟

الذرات فعلًا تخترق الحواجز، لكن ليس من خلال نفق فيها ولا بالقفز عنها، بل يحدثُ فعليًا أن تختفي الذرة بطبيعتها الجسيمية من جهة وتظهر في الجهة الأخرى، لحظيًّا. تفسّر الفيزياء ذلك من خلال مبدأ عدم اليقين.

الحاجز في عالمنا قد يكون جدارًا مثلًا، وفي عالم الذرات قد يكون الحاجز طاقة لا يمكن لذرة اختراقها. لكن ذرة الهيدروجين على سطح الشمس مثلا تستطيعُ اختراق الحاجز، نحن لا نعرف لماذا تفعل ذلك، لكنها تفعل، وينتج عن ذلك عناصر جديدةٌ، طبعًا وضوءُ الشمس الذي يلزمنا للحياة على الأرض. تُسمّى هذه الظاهر بـ"النّفق الكمومي"، وهو مُسمّى غير دقيق.

 

صورة فوتوغرافية تظهر فيها الأرض كنقطة زرقاء باهتة بحجم بكسل واحد معلقة في شعاع الشمس،
التقطها المسبار الفضائي "فوياجر 1" عام 1990 من مسافة ستة مليارات كيلومتر

 


قد يكون البعد وهمًا

في فيزياء الكم، تتشابك الذرات أو الجسيمات الدقيقة معًا من دون أي رابط فيزيائي بينها. المثير أننا لو فصلنا الذرتين المتشابكتين بملايين الأميال وأثّرنا على إحداها فإن الأخرى ستستجيب للتأثير على الأولى في اللحظة نفسها مهما كانت بعيدة عنها. تُسمّى هذه الظاهرة بالتشابك الكمّي. أليس لضربة جناح فراشة في قصيدة هاكيو ذات التأثير؟


هي هناك فقط لأنك تنظرُ إليها

في مقاييس عالم الذرة، تتميز الجزيئات بطبيعة مزدوجة، وطبيعتها تختلف بحسب من يراقبها.

عندما لا نراقبها تكونُ كالموجة تتركُ أثرها في أكثر من مكانٍ واحد (أي أنها توجد في أكثر من مكانٍ واحدٍ في الوقت نفسه). لكن إن نظرنا إليها لنحدد مكانها، فإن طبيعتها الفيزيائية تتغيّرُ بالكلية وتتصرفُ كجُسيمٍ واحدٍ في مكانٍ واحدٍ فقط.

لمَ لا نرى آثار فيزياء الكم في عالمنا إذًا؟ في تصميم طبيعتنا أرقام ثابتة تحكم قوانين الطبيعة، وهي في مقاييس صغيرة جدًّا لا يمكن لنا أن نرى أثرها في المقاييس التي نعيش بها نحن.

لقد حيّرت نظرية الكم آينشتاين. قال: "إنني أحب أن أعتقد بأن القمر موجودٌ هناك حتى عندما لا أنظرُ إليه". كان أينشتاين يشك بأن قوانين فيزياء الكم ليست دقيقة أو أنه ينقصها شيء ما. لكن في الواقع، فإن نظرية الكم من أكثر النظريات الفيزيائية دقةً في تاريخ العلم. أي أن النتائج المخبرية تتفق مع النظرية بدقةٍ عاليةٍ جدًا. إننا نفهم اليوم عن فيزياء الكم و النسبية الخاصة والنسبية العامة أكثر مما كنا نفهم في وقت آينشتاين. إلا أن الخلافات بين العلماء لا زالت قائمة في تفسير ما يمكن أن يحدُثَ في المستقبل.

ليس المهم هُنا ما نفهمه من الفيزياء، المهم هو ما يُثيرُ اهتمامنا. لقد غيّرت الفيزياء مفهومنا للحقيقة، ما عادت الحقيقة فقط الأشياء التي نراها أو نُدركها بحواسنا. لم يكن بالإمكان أن نُفسر أو حتى أن نتخيل الطبيعة الغريبة في الذراتِ والفراغِ والزمان والمكان والثقوب السوداء دون أن نتخلى عن كُل ما هو بديهي؛ لأن الحقيقةَ تختلف عن كل ما هو ظاهرٌ وصامتٌ وفارغٌ وبديهي.

ليس صُدفةً أن يهتم الفيزيائي بالفن، والفن التجريدي تحديدًا. الفن الخارج عن البديهيات، والتيارات السائدة. كان نيلز بور يجمع لوحات تكعيبية في مكتبه ويستمتع في تفسيرها من وجهة نظره لزائريه. ليونارد سسكند، يبدأ محاضراته عن فيزياء الكم بسؤال طلبته عن لوحة لـ مارك روثكو.

يشترك العالِم والفنان بالفضول والوعي، مع أنهما يختلفان في المنهج والأسلوب. لكن يمكننا أن نرى في أسلوب بعض الفنانين محاكاة لأسلوب العلم. مثلًا، حينما يقول التشكيلي الإسباني خوان ميرو إنه حين يرسم، يتركُ اللاوعي في داخله، يُحرك ريشته دون أن يتدخل هو بقصد في تسويغ رسوماته، فكأنما هو يحاكي المنهج الثابت في الفيزياء، ألا وهو منهجُ الإصغاء للطبيعةِ من حولنا وللطبيعةِ فينا دون أن نتدخل في صياغةِ أية أفكارٍ أو حقائق.

نحن فقط حينما نفكّر نحاول أن نُخَمّنَ ما "تُفكّر" فيه الطبيعة. التجربة والاختبار هي طريقتنا في سؤال الطبيعةِ إذا ما كان تخميننا صحيحًا أم لا. وتبقى الكلمة الأخيرة لها.

ليست مقارنة، بل هي مقاربة. فلا مجال للمقارنة بين الفنان الذي لا مرجع يحكم عمله، والعالم الذي يتخلّى وبكل تواضع عن أجمل النظريات وأكثر المعادلات الرياضيةِ أناقةً - والتي قد يكون تطويرها قد استغرقَ منهُ ساعات بحثٍ طوال - إن هي أخفقت في مرةٍ واحدةٍ فقط بتفسير تجربةٍ مخبريةٍ واحدة. فليس صُدفةً أنه من أنجح علماء الفيزياء أيضًا أكثرهم تواضعًا! وكم من عالمٍ حُكم عليه بالنفي في زمانه رغم أنه كان يقولُ الحقيقة! قد يكون الفنان أيضًا قال حقيقةً أو أشار إليها، دون أن نُدركها أو نختبرها.

إن المقاربة بين العلم والفن تأتي من حيث يشترك الفن والعلم في التجريد، وفي ما يحرّكُ فينا الريبة والشغف. نحن جزءٌ من الكون، وقد أثبتت لنا الفيزياء أنه لا يمكننا أن ندرس الكون بعزل أنفسنا عنه.

لا يكفي المنطق في فهم الكون، لا بد أن الفن هو لغة العلم الجديدة التي تشترك مع المنطق في تفسير من نكون: "المنطق سيأخذك من "أ" إلى "ي"، لكن الخيال سيمضي بك إلى كل مكان".


 

الفن: ضرورة أم حاجة أم مهدد بالزوال!

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الأحد, 13 آب/أغسطس 2017 12:07

الفن: ضرورة أم حاجة أم مهدد بالزوال!


بقلم محمد سالم


تحكي الرسوم الأولى التي وصلتنا من الكهوف علاقة الإنسان مع الرسم، كما تشرح الرقيمات العائدة لما قبل اكتشاف الأبجدية واللغات القديمة محاولة الإنسان شرح ما يجري معه أو التواصل مع غيره عبر الأشكال و الرسم.. تلك المكتشفات الموغلة بعمر البشرية كانت وليدة حاجة وضرورة في الوقت نفسه، وهي مسألة لم تغب عن الدافع الأساسي لأن يحاول الإنسان ابتكار الأساليب والأدوات لاحقاً ليصبح أكثر مهارة في النحت والتصوير وصنع الفسيفساء الضخمة والتي لعب فيها الدافع النفسي والديني بعداً كبيراً يؤكد وجود حاجة ذهنية وروحية للتعبير أو لإرضاء الآلهة والهروب من الخوف الذي كان يحدق بالتجمعات البشرية جراء الأخطار الطبيعية الكبرى مثل فيضانات الأنهار والزلازل والحروب!.

يؤكد علماء الاجتماع والفلاسفة الضرورة المادية والنفسية للفنون فهي بالنهاية ترضي مجموعة من الحاجات لدى الفرد والمجتمع على حد سواء، ويعود العلماء إلى رسم خط بياني لتطور الفنون و انقلاباتها الكثيرة تاريخياً وانقراض بعضها وولادة أنواع جديدة لم تكن معروفة في السابق.. تلك الحالة التي تبدو طبيعية، دفعت الكثيرين للتساؤل حول مصير الفنون إذا ما تطور العصر لدرجة حدوث انعطافة هائلة في التاريخ البشري، فالجميع يعرف ما أحدثته ثورات الاتصال الأولى التي اكتشفها الإنسان وأهمها كانت ثورة الاتصال الشفهي ثم الطباعة وصولاً إلى اختراع باقي التكنولوجيات التي نشهدها اليوم والتي أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها جعلت الأخطار محدقة ببعض الفنون مثلما أدت في الوقت نفسه إلى ولادة فنون أخرى لم تكن معروفة قبل اختراع الكاميرا والقمر الصناعي و الموجات الإذاعية والتلفزيونية!.


تطورية الفن!

يمكن أن نعود إلى جميع الفنون الشعبية التي تشكل جزءاً مهماً من ثقافات الشعوب، فالواضح أن جميع الفنون الشعبية لدى سكان العالم في أمصارهم المختلفة تحولت بعامل التطور إلى مجرد ذكريات يتم استرجاعها في المناسبات المقامة خصيصاً لهذا الموضوع، بدءاً من طقوس الرقص إلى الأزياء والأغاني وسوى ذلك مما يمكن أن نعتبره فولكلوراً عند هذا الشعب أو ذاك، هذه الحالة تؤكد بشكل ما تلك الانقلابات التي تحدث بعامل تطور الزمن وتطرح بالتالي تساؤلاً يبدو منطقياً أيضاً و يتعلق بمصير فنون الكتابة والتمثيل ونظم الشعر أو إلقائه وكذلك المسرح ومدارسه المختلفة بالإضافة إلى الموسيقى التي يقول البعض إنها ستصبح إلكترونية بحيث ستغيب جميع الآلات الشهيرة تاريخياً مثل البيانو والكمان وأدوات الإيقاع وهناك مدارس وأكاديميات تدرس هذا النوع من الفن!. فهل من الممكن أن تؤدي هذه الحالة التطورية في المستقبل البعيد أو القريب إلى انقراض الفن بشكل ما أو ولادة فنون لا يمكن أن نحذر شكلها وأساليبها وماهية الطريقة التي ستقدم فيها إلى الناس؟.

يختصر جان كوكتو حال الشعر تاريخياً ومستقبلاً في مقولته الشهيرة: «لا غنى عن الشعر وحبذا لو عرفت لأي شيء هو كذلك»!. وهذا ما يتقاطع بشكل ما مع عبارة محمود درويش عن الشعر عندما سئل عن تعريفه فقال: «لو أنني أعرف لعفرته واسترحت»!. فإذا كانت تلك الحالة تعبّر عن قدرية ضرورية لا مفر منها بالنسبة للإنسان، فبماذا نفسر تاريخياً ما حدث لفنون أخرى انقرضت أو هي برسم الانقراض؟. ألا يمكن أن يتعرض الشعر للعاصفة نفسها لكن على المدى الطويل نسبياً من الاكتشافات والسنوات التي تشكل في نهاية الأمر مجموعة تراكمات يمكن أن تنهي الشعر فعلاً؟.

يخطر هنا حديث الرسام موندريان عن إمكانية زوال الفن، واعتقاده بأن الواقع سيقوم أكثر فأكثر مقام العمل الفني الذي لا يعدو غرضه الأساسي أن يكون تعويضاً عن انعدام التوازن في الواقع الراهن.. يقول موندريان: «سيختفي الفن بمقدار ما تحقق الحياة مزيداً من التوازن»!.


هل الفن بديل للحياة؟

إذا كانت فكرة موندريان تؤكد على موضوع التوازن بين الإنسان والعالم.. فالواضح هنا أننا يمكن أن نتحدث عن أكثر من ضرورة للفن وهي حتمية على اعتبار أن مسألة التوازن بين الإنسان والعالم لم تولد تاريخياً ومنذ آلاف السنين في أي من المجتمعات التي كانت على الدوام تنتج مشاكلها كما تخترع حلولها، وهي في كل ذلك كانت محتاجة بشكل أو بآخر للفن!. فالفن هو المستشرف وهو القادر على خلق واقع موازٍ للقبح الذي يؤكد الفنانون أنه يسود العالم ودون هذه الفنون سيكون الأمر بمثابة إعلان هزيمة كبرى للجمال في التاريخ!.

نعم، لم تغب الفنون في أكثر المجتمعات تطوراً، مثلما كانت تحضر ومازالت في أكثرها تخلفاً وعزلة عن العالم في الغابات النائية من إفريقيا مثلاً أو في الصحارى الواسعة، وهذا لا يملك سوى تفسير واضح يؤكد أن الفن سيمضي إلى الأمام مادام الإنسان قادراً على التنفس والعيش!.

هل يمكن أن نقزم الفن إلى أنه مجرد بديل، في حين يمكن القول إنه يشكل تعبيراً عن عمق العلاقة مع الحياة وعمق التفكير فيها واستكشافها بشكل مختلف وجديد؟.

إذا كان الفن هو لغة الفكر والفهم والشعور تجاه العالم كما يشرح أنطون سعاده، فهل يمكن أن نتخيل مرحلة ما يمكن أن تؤدي إلى زوال الفن؟. هنا نعثر على مفهوم يتعدى موضوع الحاجة والضرورة بمفهومها المادي ليأخذ الموضوع معنى نفسياً وفكرياً يتصل بكون الفن منارة بالنسبة للمجتمع يفترض به أن يحمل جميع الأحداث و الرؤى والتفسيرات التي يمكن أن تشرح وتضيء.. هنا نستطيع الحديث عن الكثير من الآراء حول دور الفن ومنابعه الأولى وهل هو حاجة مادية ونفسية تتصل بالمجتمع أم الفرد، هل هو خلاص جماعي أو ملاذ فردي؟. يعيد في هذا الإطار الكثير من الفنانين فنهم إلى شخصياتهم الفردية بالدرجة الأساسية ويقولون إنهم لا يحاولون تغيير العالم كما كان يعتقد أنه مناط بالفن، بل يحاولون إيجاد ذلك التوازن مع العالم وخلق عالم مواز يكون أكثر جمالاً من العالم الواقعي الذي لا يملك الإنسان الفرد الفنان سبيلاً لتغييره بالشكل السريع والعملي!.


الفن لا يزول!

من يتتبع التطور التاريخي للفنون يكتشف الكثير من الانقلابات التي ارتبطت بالحياة أساساً ويظهر في الوقت نفسه قدرة الفنون على التنبؤ ورسم الإستراتيجيات الكبرى للمجتمعات والحضارات، هذا شيء حملته الكثير من القصائد التي حذّرت قبل عشرات السنين من أحداث بعينها، كما يكتشف المرء أيضاً تلك التطورية التي حكمت الفن في مختلف العصور ولم تؤدِّ إلى زواله أو انقراضه من حياة الإنسان التي ظلت تائقة إلى التعبير بشكل ما، هذه المسائل كانت على اتصال وثيق مع التكنولوجيا والاختراعات التي كانت تتوصل إليها البشرية في كل مرحلة، وهنا يمكن أن نتحدث عن فنون قديمة مازالت مستمرة إلى اليوم كالمسرح والشعر مثلاً، كما يمكن الحديث عن فنون حديثة ولدت جراء اختراعات واكتشافات لم تكن معروفة في السابق وهي فنون التلفزيون والإذاعة والطباعة والسينما، أما على صعيد التشكيل فقد بات من الممكن اليوم التحديث عن اللوحة التشكيلية المتحركة التي تشبه الفيلم القصير المتكرر أمام عين المشاهد والذي يوضح في نهاية الأمر منظراً جمالياً ينطوي على غايات كبرى ورسائل محددة للإنسان.. في كل ذلك دخل الكمبيوتر بقوة في مختلف الفنون حتى الكتابية منها، وكان في ذلك الكثير من التأكيد على تلازمية الفن مع الإنسان وحتمية تطور الفنون في كل عصر بما يناسب حال الناس والذهنية والثقافة الموجودة.. ورغم أن البحث في أولوية الولادة بين هذا الطرف أو ذاك لا تبدو منطقية، إلا أن العملية التفاعلية بين الجانبين تبدو من مسلمات علم الاجتماع الذي يستبعد في نهاية الأمر مفهوم الانقراض أو التلاشي رغم إمكانية حدوث الانعطافات الهائلة في الفنون!.


الفن والاقتصاد

رغم الدور الأساسي والبارز للعلاقات الاقتصادية وتأثيرها على الفنون، إلا أن مقولة كون الفنون مجرد بنية فوقية محكومة بماهية البنية التحتية ونوعية علاقات الإنتاج السائدة في المجتمع، كل ذلك لم يعد منطقياً خلال العشرين سنة الأخيرة خاصة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية التي كانت تعتقد بتلك الفكرة الايديولوجية التي تربط الفن بالاقتصاد بشكل تبعي وحتمي لا يعطي مجالاً للتفكير بالنسبة للإنسان!. تلك الأحادية أنشأت جدلاً كبيراً بين الفلاسفة من مختلف الاتجاهات، في حين كان الفنانون على الجانب الآخر يخترعون واقعهم المغاير لهذه القاعدة، والكل يعلم موضوع هجرة الفنانين من المعسكر الاشتراكي بعامل انعدام الحرية النقدية، وكتابة الكثير منهم بشكل ليبرالي خارج معايير «الثورة» الاشتراكية.. مثلما يتأكد من وجود فنانين اعتنقوا الأيديولوجيا الاشتراكية في مجتمعات رأسمالية ومثالها أميركا..

تحضر هنا مقولة التفاعل بين العامل المادي و أهمه الاقتصاد، مع العامل النفسي وهو الذهنية والثقافة وإمكانات الإنسانية العاطفية والشعورية و نزوعه الدائم نحو التغيير واختراع المختلف والجديد.. واستناداً إلى ذلك يمكن أن نفسر وجود فنانين عظماء في مجتمعات متخلفة اقتصاديا وذات بنية علاقات إنتاج يفترض ألا تتيح لها الإبداع بهذا الشكل الكبير.. كما نفسر وجود كثير من الفنانين الضعاف إبداعياً أو المختلفين فكرياً مع واقع علاقات الإنتاج التي تسود مجتمعاتهم!.

يكتب الشعراء اليوم بدافع خلاص فردي، و بعضهم الآخر يحمل خطاباً أكبر من الدائرة الفردية، و يمكننا أن نلاحظ ارتفاع وتيرة الأيديولوجيات في نصوص بعض المراحل التاريخية وتراجعها في مراحل أخرى تبعاً لتطورية المرحلة ثقافياً وذهنياً.. كذلك ذلك يبدو طبيعياً في الفنون التي اخترعت في كثير من المرات مجموعة وقائع موازية تنافس الواقع الحقيقي، وفي مرات أخرى اخترعت إمكانيات تطورها بنفسها، فكان أن استحدثت الأدوات والأفكار والأساليب، وربما يكون الشعر العربي من أهم ما يمكن أن يشار إليه هنا، خاصة بعد أن قيل إنه لم يعد ديوان العرب وسجل حياتهم، وإذا بنا نتعرض إلى انعطافات كبيرة في منتصف القرن الماضي تؤكد على قدرة القصيدة العربية على التطور واختراع الأسلوب الذي يؤهلها لأن تكون مستمرة على قيد الحياة والتنبؤ والخلق الموازي.. فرغم ما يقوله البعض عن استقالة الفن عن التطلع لمهمة تغيير العالم، تبدو الفنون مشغولة أكثر بصياغة شخصيتها الجديدة التي توازي ما يحدث على أرض الواقع في الاتصالات والفضائيات والانترنت..

نعثر اليوم على القصيدة الضوئية، ونكتشف أبعاداً أكثر عمقاً للمسرح التجريبي، كما نشهد تجريباً أكبر على صعيد الأفلام السينمائية القصيرة والطويلة.. ونكتشف نوعاً من العلاقات الجديدة بين الفنون البصرية والكتابية والتعبيرية.. كل هذا ربما يعد جزءاً من تلك التطورية التي تؤكد استحالة اختفاء الفن من حياة البشر حتى لو وصلت الاكتشافات إلى حدود تحويل الإنسان إلى مجرد رقم في كود الشيفرات الكثيرة التي راحت تحكم حياته وتواصله مع أخيه الإنسان!.


 
 

الغروتيسك في المسرح (1-2)

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الإثنين, 07 آب/أغسطس 2017 19:18

الغروتيسك في المسرح (1-2)

بقلم الكاتب والناقد الأردني منصور عمايرة

قد يتشكل الغروتيسك Grotesque، وهو يتمثل على مستوى الهيئة والفكر، كرؤية أنثروبولوجية، وذلك بالنظر إلى كيفية حياة المجتمعات الإنسانية، وطرق عيشها التي تمثل الأبعاد الثقافية المتعددة، كالكتابة والطقوس الدينية، والرسوم، والمعرفة، والتواصل المعرفي مع المجتمعات الأخرى، ليندرج الغروتيسك في البعد الأنثروبولوجي العام Anthropologie والإثنوغرافي Ethnographie لمجتمع ما، و الإثنولوجي Ethnologie لمجتمعات متعددة، فالأنثروبولوجيا تشمل جزئيتي الإثنوغرافيا والإثنولوجيا.

وبما أن ثقافة المجتمعات الإنسانية تمثل رؤية وجدلية على مستوى الدين واللغة والتكيف الاجتماعي، فهي لا بد أنها ستدخل في بنيات التصور والتعبير الأدبي والفكري للإنسان، وهذا ما يعبر عنه بطرق عدة، منها الكتابة إذا ما توافرت في ذاك المجتمع، ومنها البعد الشفوي لنقل معارف وتجارب المجتمع وعاداتهم وتقاليدهم من جيل إلى جيل للحفظ والتدارس، ومنها ما يعبر عنه بطرق طقوسية كالرقص والغناء والتمثيل، وقد يتعدى ذلك إلى حالة طقسية تتمثل بالشعائر والتعاويذ.

والغروتيسك بعد تلك النظرة، اهتم به المجتمع الحديث لدراسة الحالة الإنسانية المتشكلة عبر الزمن، في إطار البيئة المكانية والزمانية، ومدى تأثر العلاقات وتشكلها مع مجتمعات أخرى، وكيف تأثرت وأثرت فيها، فالغروتيسك يتجاوز حالة البعد الفردي للإنسان، وحالة البعد البدائي، فالعلاقات بين المجتمعات وإن كانت قديمة فهي تبدأ بعد تفاهم واحترام فيما بينها.

والغروتيسك عندئذ لا بد أنه سيتحول من مفهوم شكلي إلى مفهوم ثقافة وتعارف بين المجتمعات، فلم تعد تلك التصاوير التي تمثل التعويذة، ولا تلك الحروف والرسوم التخطيطية حالة طقسية، بل هي حالة معرفية، ولذلك فإن الحديث عن التشوه والقبح قد يكون نظرة اعتباطية، لأنها أكثر قصورا من ولوج لب الرؤية الثقافية للإنسان في مجتمع ما.

ولأهمية الدراسة في مجال الآداب والفكر والثقافة العامة في العصر الحديث، تهتم الدراسة بالغروتيسك في المسرح، فالمسرح قديم، إذا ما نظرنا إلى تلك الطقوس والتعابير القديمة التي واكبت تطور الإنسان، ولذا فالمسرح نوع أدبي و معرفي إنساني يتمثل فيه الغروتيسك، ونستطيع أن نتبينه من خلال البعد التعبيري، وتحولات التعبير التي تبين عن حالات انفصالية بين رؤية تعبيرية وأخرى، والدراسة تهتم بمفهوم الغروتيسك في إطار التحول الفرجوي المسرحي.

مقولة الغروتيسك ذات بعد جمالي، تحتكم للمنطق وربما تحتكم إلى ثنائية المنطق والعاطفة، وما دام هو كذلك فهو حالة تتموضع في إطار التأويل، واستدراج الرؤى للحكم على ما توصل إليه الفكر الإنساني، في كل مستوياته الإبداعية، فهذا الفكر يتواجد في الشعر والنثر، وفي المسرح النص والعرض، والعرض يبين عن حالة تجسدية، تجعلنا نتناوش الغروتيسك في محاولة كبرى للقبض عليه، وهو يتفجر بما لديه من مكنونات جمالية، تجعل النص والعرض المسرحي يبدو بحالة جدلية، وعليه، فإن الغروتيسك يرفض التمحور في إطارية شكلية جامدة، قد تجعله غفلا إلا في إطار هذا قبيح وهذا مشوه وهذا عجيب وهذا غريب وهذا مدهش وهذا لا معقول، وغيرها من المسميات التي لا تسعف الرؤية النقدية المسرحية، بقدر ما تجعلها في حالة ركامية حسب.

وقد طرح الموضوع و بدراسات حديثة في الغرب ولدى العرب، ولكنها تبدو تلح من دون هوادة على الصيغة الهيكلية، والتي تجعل الغروتيسك جسما متكلسا وكأنه خاوي الروح، وهذا ما نلمحه بدءا من التعريف والعودة بجذور الكلمة إلى الإيطالية، وهناك من ربطها بمسميات منها على سبيل المثال المسمّى العربي الأرابيسك، وكل هذه الملحقات للاسم، لتعطيه دلالة أكثر قوة ظلت رابضة في إطارية الشكل الهامد.

وتبدو أن المرجعية متشابهة في مجمل تلك الدراسات التي وقفت عليها، وبعضها يستند على بعض، وقد أجدها أكثر في كتابات النقد المغربي، وأشير إلى حسن المنيعي، كمترجم لموضوع الغروتيسك لمارتن فان بورن، وقد أخذ الآخرون من المنيعي في هذا الإطار مثل لطيفة بلخير في كتاب اشتغال الجسد الغروتيسكي في المسرح وأدبية النص الدرامي، وأخذ كذلك صلاح الدين جباري في كتاب بلاغة الغروتيسك، ونحن نشير إلى الكتابين نؤكد أن هناك اختلافات في محتوى كل دراسة من الدراسات المعروضة، وهناك أوجه شبه، وخاصة أن الحديث عن الغروتيسك ينسب إلى جملة من الأدباء والكتاب المسرحيين والفلاسفة والنقاد.

تبدو الوقفة الأولى دائما عند التعريف المعجمي كمتكأ أولي لكل ما يستغلق الفهم أحيانا، ومحاولة تفكيك المصطلح، للوصول إلى حالة من الطمأنينة حول ما سيعزز البحث والدراسة فيما بعد، ولكن الأمر في المصطلح، ومهما أسعفته الرؤية المعجمية يحتاج إلى تنوير اصطلاحي يتوقف عند برهنة وأدلة، وهي بالتالي عرضة للنقد والاستقراء، لتكون الدراسة أكثر جدية وجدلية في الوقت نفسه.

ثم نجد المحاولة الدائبة نحو تاريخية المصطلح، فتسعى الدراسات لتقعيد التاريخ كمتكأ آخر تستند إليه الدراسة، ولكن الأمر قد يبدو صعبا في حالة الدراسات الأدبية، لأن اللغة هي مرتكز أساسي في الدراسات الأدبية، واللغة تبقى لغة تتساوق دائما مع اختلافات طفيفة، نتيجة لمحاولة ولوج عوالم اللغة كلما مر الزمن، وهو يكشف لنا عن أحفورة تاريخية جديدة، يتوقف عندها الجميع، الفلاسفة والكتاب والأدباء والفنانون، ولكنها قد تشغل أكثر ما تشغل الفلاسفة، والكتاب والأدباء أيضا، لأن الأمر بحاجة إلى ارتاهانات كركائز أساسية تستند إليها المقولات المتعددة، ولكن الفن قد يرتهن إلى حالة التشكل في إطارية لوحية مثلا، حيث تكون كرؤية أخيرة تتوقف عند الشيء الموصوف بواسطة الألوان والأصباغ والإبداع.

في المادة التاريخية، نجد أن مصطلح الغروتيسك ولج الحياة الأدبية والنقدية والفلسفية والفنية والانثربولوجيا في « نهاية القرن الخامس عشر سلطت بعض الحفريات الأثرية الأضواء على رسوم تمثل كائنات إنسانية ونصف حيوانية ونباتية(1) ويؤكد هذا التاريخ معجم دليل الناقد الأدبي فيرد بتفصيل الحديث عن القبح « Grotesque « وهو يشير إلى هذا التاريخ « والكلمة في أصولها الإيطالية تعود إلى اللوحات الجدارية التي كشف عنها التنقيب الأثري في روما حوالي العام 1500 م، والقبح لغويا جاء من مفردة « الاسم « الإيطالية التي تعني الكهوف»(2)

في كتاب بلاغة الغروتيسك، المطبوع في العام 2010، يذكر أن الاسم « ارتبط باكتشافات القرن الخامس عشر المتعلقة بالتصاوير الجدارية fresque (3) وفي هذا الاتجاه نجد كتاب بلاغة الجسد وهو يشير إلى المصدر الموسوعة الإيطالية «ويعود أصل الغروتيسك إلى الحضارة الرومانية، حيث تم اكتشاف بعض الغرف داخل الكهوف الطبيعية أو الصناعية في البنايات الرومانية، خلال الحفريات التي أجريت خلال بداية القرن السادس عشر»(4) من خلال النظر في هذه الدراسات تؤكد على تاريخية المصطلح كمنطلق للدراسة الآنية، ولكن الأدب لا يعترف بمنطلق آني، فهو ذو قراءة استرجاعية، ولهذا ليؤكد ماهية الغروتيسك، سيرجع إلى الكثير من الإشارات التي ستؤكد هذا المصطلح وإن لم يكن معروفا بهذا الاسم، فيقترب منه العيب والفانتازي على سبيل المثال، وهذا ما يقودنا إلى المرجعية القاموسية للمصطلح حيث يشار إلى أنه أخذ من « الإيطالية غروتا Grotto «5 وهذا المعنى يتداول عند آخرين « تتحدث الثقافة الغربية عن مصطلح الغروتيسك Grotesque انطلاقا من عملية لغوية اشتقاقية من مصطلح Grotto التي تعني كهف أو مغارة أو سرداب»(6) وكذلك نجد هذه الإشارة المعجمية « لفظ غروتيسك لفظ إيطالي La grottesca-grottesco .(7)

وهناك اتفاق على المعنى القاموسي للكلمة ففي قاموس المورد « grotesque الغَرْتَسْك: فن زخرفي يتميز بأشكال بشرية وحيوانية غريبة أو خيالية متناسجة عادة مع رسوم أوراق نباتية، وشيء غريب على نحو بشع أو مضحك، خيالي غريب، متنافر على نحو بشع متسم بالإحالة أو البشاعة، مغاير لكل ما هو طبيعي أو متوقع أو نموذجي . وجاء بمعنى grotto مغارة، غار، كهف طبيعي أو صنعي.(8)

إذا ما أخذنا مفهوم الغروتيسك من معناه الدال على الكهف والمغارة، فهو ذو دلالة على الشكل والهيئة. ونجد أن اليونان اتبعوا التراجيديا الثلاثية بمسرحية ساتيرية «وهي موضوع شبه رومانسي يعتمد على الجروتيسكية ويتناول الآلهة والأبطال ويكــــاد يشبه المسرحية التهريجية*»(9) من هذه الإشارة نستدل على أن الغروتيسك استخدم دلالة على التهكم والسخرية. وقد جاءت هذه المسرحية بهذا الإطار بعد الثلاثية التراجيدية لإزالة الخوف وهي تسخر من الآلهة والأبطال.

وبالحديث عن الدراما الإغريقية وبالإشارة إلى احتفالات ديونيسيوس نجد أنه كانت ترافقه في رحلاته مجموعة من الكائنات الأسطورية التي تمثل قوى الطبيعة، الساتيروي، والنساء الباخيات، السيلينوي، والكنتوري، وبمساعدة هذه القوى أقام الأغريق مهرجانات دينية عديدة لديونيسيوس، وتقام الرقصات وتؤدى الأغاني تكريما للإله ديونيسيوس، والتي تتناول مراحل حياته بأسلوب غنائي و بواسطة التنكر والمحاكاة بالكلمة والحركة… والمغنون يتنكرون على هيئة ساتيوري، أو أية جماعة من أتباع ديونيسيوس السالفة الذكر، لكي يجعلوا الأحداث التي يسردونها أقرب إلى التصديق والحيوية، ولقد ظلت المسرحية الساتيرية تحتفظ بهذا الشكل التنكري إلى النهاية، فهي تعد أكثر فروع الدراما قربا إلى أصلها الديوثرامب، وبهذه الصورة من الهيئة والملبس، كان أفراد الجوقة يرقصون في دائرة حول مذبح ديونيسيوس الذي ينبعث منه دخان الأضاحي والقرابين»(10) في هذه الفقرة نجد صورة عن الذين كانوا يرافقون ديونيسيوس في رحلاته، فالساتيروي متوحشون يسكنون الغابات، نصفهم آدمي و نصفهم الآخر حيواني. ويمثلون حالة الترويح عن الآلهة ديونيسوس، وهذا ما بينته الأشكال والحركات والطقوس. والنساء الباخيات، فتيات عذارى ذوات شعر طويل أشعث، يلبسن ملابس فضفاضة، ويرقصن و يلوحن بصولجان ديونيسوس السحري. والسيلينوي، يظهرون في الرسوم بأجساد ضخمة كثيفة الشعر، لهم ملامح تنم عن حالة السكر الدائم، ويمثلون فئة كبار السن. والكنتوري، يمثلون القوة الحيوانية وما تجسده من نشاط وخصوبة.(11) هذه الإشارة تشير إلى الغروتيسك وتعريف الغروتيسك، والذي أكتشف فيما بعد في الكهوف، وهذه الشخصيات التي يشار إليها بالحديث عن ديونيسيوس تبين عن الشكل والهيئة والتي تبدو أكثر من بعد تهكمي، لتعطي دلالات متعددة.

وبالرجوع إلى الفترة الزمنية الممتدة في الحضارات المختلفة، نجد أن هناك أشكالا وتماثيل تبين عن حالة اندهاش واستغراب وحالة عجائبية، فمن ذلك تمثال عين غزال ذي الرأسين في الأردن والذي يعود إلى حقبة تاريخية أكثر من «6000 ق.م» وكذلك نجد صورة مشابهة قد تنم عن حالة من التشكل بين العقل والقوة، وتلك هي الإشارة إلى تمثال أبي الهول والذي يشير إلى بعض من حكم مصر في القرن «26 ق.م.». وعليه، فإننا نستدل على أن غاية التشكل الغروتيسكي يرجع لتصورات ورؤى الشعوب، سواء أكان يتعلق ببعد طقسي وشعائر أو بأبعاد تقاليد اجتماعية قد ترتبط بالتعاويذ.

و لمسعى التوثيق وتحري دقة المصطلح، فقد بدأ البحث عن استخداماته والإشارة إليه « استعمل أولا في الفنون التشكيلية للإشارة إلى اللوحات المشوهة المعالم والعجائبية التي تذكرنا بالرسوم البدائية التي أبدعها جيروم بوش J.Bosh وبتريل برجل P.Bruegel أو جاك كالو J.Gallot »(12) وما ذكره حسن المنيعي تؤكده بالقول ذاته لطيفة بلخير وتزيد عليه « الذي لم يكن رساما وصفيا ولكنه كان كاريكاتوريا يلتقي في مجموعة من النقاط مع رسومات غويا Coya Lucientes»(13) وقـــد استطرد صلاح جباري في توضيح معنى الغروتيسك، ورسوخ المصطلح في المعاجم، ومنها معجم الأكاديمية الفرنسية، حيث أشار إلى المعنى المجازي للمصطلح «مضحك، شاذ، خارق، كسوة غروتيسكية .. حوار غروتيسكي، مظهر غورتيسكي، خيال غروتيسكي، نمط غروتيسكي (14) وتشير الدراسات التي ذكرت إلى تتبع المصطلح منذ الرومانسية، وتشير إلى الكتاب والأدباء الذين أشاروا بالنقد إلى هذا المصطلح مثل هوغو في مقدمة مسرحية كرومويل، وتشير إلى الشعر السوريالي، وفي المسرح إشارة إلى بيكت ويونسكو وبرخت، وفي الرواية كافكا، وغومبروفتس الذي يعد أكبر مجسد للغروتيسك… والإشارة كذلك إلى باختين.(15)

تعريف الغروتيسك:


و تأكيدا للمعنى المعجمي و للزمنية التاريخية، ستكون هناك وقفات تعريف بالمصطلح، وبعضها يؤكد صعوبة تعريفه لتغير معانيه من حقبة لأخرى، وهوجو يصفه بأنه نمط جديد يقتحم القصيدة مشترطا المسخ والتشويه … والجميل نمط واحد، والقبيح ألف، وهو شكل من أشكال الضحك ولكن الضحك المغتم والكئيب.(16)

وبعضهم أشار إلى أكثر من هذا الوصف وهو يتحدث عن القبح حيث « يستثمر في كل ما هو هزلي، مقزز، مشوه، غير طبيعي، عبثي،… والسخرية السوداء»(17)

والقبح يندرج في إطار الفن، فالبعض يبين أن هدف الفن الجمال، وهل نستطيع زحزحة القبح من إطار الفن؟ فالقبح « لم يستبعده الفنانون دائما من أعمالهم، و إدخاله للعمل الفني يعطي قوة للعمل الفني وعمقه… ولكن الجمال عرف بأنه امتزاج مضمون العقل بالمجال الإدراكي»(18) إذا ما كان الجمال يمثل متعة استطيقية، فإن القبح يمثل « الألم الاستيطيقي، الاستياء الاستيطيقي».(19)

ويبـــــدو قول هنري بينك وهو يتحدث عن الغروتيسك بأنــه « النوع الذي في ارتباطه بالآخر الرفيع يخلق الحقيقة»(20) وهنا يبدو التعريف وكأنه يبحث عن الاستقرار، ولكن الأدب والفن « المسرح» هو محاولات جادة لفهم الحياة لنعيش فيها كما يتواءم مع إنسانيتنا أولا، ومع قيمنا الاجتماعية ثانيا، مع أفكارنا التي تقربنا لفهم أنفسنا ومجتمعاتنا ثالثا، ولكن المسرح لا يبحث عن الحقيقة كما يتوهمها البعض من خلال الواقع المعاش، وقد يطرح سؤال كبير هل الواقع المعيش هو الحقيقة؟ لو كانت الإجابة بالإيجاب لجوزنا لكل لص سرقتنا على سبيل المثال، و لجوزنا لكل فاسد أن يسفك البشرية ويفسد الأرض، وهذه إشارة قرآنية عظيمة نستدل منها على كرامة الإنسان ووجوده.

إن جمالية المسرح تبين عن فن وعن فكر يستدعي فكرا آخر، فالمسرح يفتح سؤالا لأنه بحث أصلا، والبحث ذو صفة دينامية، وهنا يمكن أن نستدعي مقولة « أعذب الشعر أكذبه « مع الاختلاف بين الشعر والمسرح، الشعر غالبا غنائي، والمسرح ليس كذلك، لأن ما يعنيه بنية المجتمع وبكل توهمه، بقضه وقضيضه، بنقصانه وكماله المتوهم، وهذا الاستدعاء للخروج من إطارية السكون، والبحث عن إطارية متحولة.

ومن غير المعقول أن نستدرج المسرح إلى الحقيقة وغير الحقيقة، وهنا ربما يشار إلى مسألة الفن للفن، ومسألة أخرى أهم منها، هي مسألة الالتزام بقضايا الإنسان والمجتمع ومسؤولية الكاتب والمسرح تجاه المجتمع.

وتبرز مرة أخرى صورة ثنائية الواقع والحقيقة، وربما ينطبق على الواقع ما ينطبق على الحقيقة، وكأن الواقع حالة متوهمة أيضا، فنجد من يفعل هذا ويتنكر له في الوقت ذاته، وهنا نلمح المخاتلة والتي تفصم الواقع و تفصم الحقيقة، فالمخاتلة حالة تشظٍ وهي حالة نمطية تبرز للعيان في ثنايا الحياة الإنسانية باطّراد.

ولكن تعريف هوغو مرة أخرى للغروتيسك، يبين عمّا هو أكثر بكثير من مجرد الشكل والهيئة والعجيب الجامد، فهو يبين بأنه «مرافعة لصالح التغريب وإزالة القداسة عن القيم وإحداث شك لينتهي العمل على تشويش الاستعمالات التقليدية للكوميديا والتراجيديا»(21) هوغو يتحدث عن ارتجاج الرؤية لدى المتلقي. إن إشارات هوغو وبعيدا عن الهيكلية للغروتيسك نجد أن الغروتيسك ليس نمطيا، بل يجب علينا أن نرفض هذه النمطية البغيضة، إنها إحداث الفجوات، هذه الفجوات هي التي تعبر عن ماهية الأحداث المحملة بالرؤى والأفكار، فليس الغروتيسك حالة ضاحكة تصل إلى درجة الميوعة، بل إنها حالة جادة تصل إلى تثوير عقل المتلقي، فمن المعيب أن نتوقف عند المسرحية كغروتيسك نمطي، هيئة جامدة فارغة تنتهي وتتوقف عند ضحكة بلهاء أو تهكم وسخرية، فليس هذا هم الغروتيسك، الغروتيسك حالة انفصامية تماما بين ما حدث/ ويحدث وما سيحدث.

ومرة أخرى نجد أن باختين يتقوقع في دائرة السخرية والتهكم، وهو يتحدث عن الغروتيسك كشكل وهيئة ما تتوقف بعد الضحكة أو السخرية، ويبين ذلك الفرنسي ميشيل كورفان Michel Corvin بالحديث عن غروتيسك باختين « ارتبط عبر التاريخ بالكرنفال أي في الوقت الذي يعمد فيه الشعب لوهلة من الزمن إلى عدم الخضوع للسلطة والتخلص من الإكراهات والضغوط الاجتماعية»(22) لكن الغروتيسك هنا حالة مؤقتة زمنيا بانتهاء هذا التهريج الكرنفالي، وهو لا يحمل على محمل الجد، وبالتالي فما هي الماهية التي يستفهمها؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يرتهن إلى هذا التفسير الضبابي؟ فسرعان ما ينقشع بعد ولوج خيوط الشمس جدارياته. وما هو الحدث الذي يشكل الشرخ الذي يجعلنا نطرح تساؤلا يميز ما قبل وما بعد؟ فالكرنفال قد تشترك به السلطة أيضا، إلا إذا اعتبرنا أن السلطة هي حالة كرنفالية دائمة، وبما أنها كذلك فهي محط انتقاص دائم بصورة السخرية، ولكن السخرية لا تبحث عن جواب ولا تطرح أصلا سؤالا، وعليه، فإن الكرنفال لا يختلف كثيرا عن الطقس الاحتفالي، فكلاهما حالــة نمطية سواء أكان مقدسا أو فرجة وتسلية.

وعليه، فإن باختين يلجأ إلى تقسيم ثنائيات غروتيسكية، مثل مقدس ومدنس، هذا ما ينطبق على النمط ، فالمقدس يمثل «التابو taboo»، والمدنس يمثل «التابو» أيضا، فهما نمطان، وهذا ما يتنافى مع الغروتيسك كتحول، فالغروتيسك يتحدث عن ثنائية ومهما انقسمت إلى جزئيتين فهو يشير إلى حالة تحويلية، وليست نمطية، بل يتشكل ليؤسس رؤيا أخرى، وهذه الرؤيا هي التي تفتح أسئلة، و صراعا جدليا مع الذات والآخر.

إن تفسير الحياة ربما يكون من شغل الفلاسفة والحكماء، ولا ننسى الدين، والفن يجب أن لا يشغل نفسه بالتنافي أو التوافق مع كل الأسس الحقيقية للحياة، أو الباحثة عن تقعيدها بطريقة رياضية، وهذا لا يعني أن الفنون غير ملتزمة، لأن الفنون هي وليدة المجتمعات الإنسانية ضمن دائرة لا تنفلت من عقال المجتمع، عندئذ قد يصبح الفن مدمرا، وهو عكس رغبة الفن الذي يبحث عن فهم الحياة، ليتعايش الإنسان بها، ولكن برؤية دينامية جدلية، ولكن الفن والأدب والإبداع لا يفسر الحياة بقدر ما يستدعي تفهمها، فتفسير الحياة للوقوف على الحقيقة كواقع في ظل الحياة الطبيعية، يجعلنا نصرح بأنه لا فائدة من الفنون الفكرية والأدائية، فما القيمة من عرض ما هو مكرور بشكل يومي، و بكل تناقضاته حيث تبدو التناقضات حالات شكلية نمطية مكرورة، ولكن الفنون هي التي تصور لرؤية جمالية تساعدنا على أن نتجادل ونتحاور، إنها محاولة للفهم وليس الحقيقة، فتلك الماهية تدعو الإنسان ليتفقد مقدرته على استعمال الحواس، فالحقيقة تشي بالثبات، حالة سباتية، ولكن الفنون حالة جدلية تحفزنا لنكون بوتيرة جديدة دائما، ولكنها ليست نمطية.

وإن كايزر يبدو له موقف مغاير من حقيقة باختين وهو يرى الغروتيسك حقيقة، وكايزر يبين أن الغروتيسك «يظهر في الأحاسيس المفزعة حيث تتوارى كل حقيقة، وتصبح غريبة بالنسبة لنا»(23) وهذه الحقيقة التي تتوارى كما يقول كايزر هي التي تدفعنا إلى حالة الخروج عليها، لأنها مرفوضة وباتت تمثل عائقا أمام رؤية تشاركية، وقد تبدو مسرحية بيت الدمية الدليل على ذلك.

حال الغروتيسك:
وبعضهم وضع سمات للغروتيسك و تمحورت حول أربع سمات «النشاز وعدم التناسق، المرعب والهزلي، الإسراف والمغالاة، التشويه الخارج عن المألوف»(24) وتبدو الغاية من هذه السمات التأكيد وراء التأكيد على ما يثار حول الغروتيسك، وتعرضت الدراسات إلى قوالب يتشكل منها الغروتيسك، مثل المسخ، و الاختلاف الشاذ، و الانحلال والذوبان والعملقة والتقزيم والتأليه، والتهجين، والعكسوالقلب، السكاطالوجيا « الكتابة البرازية « وهنا الإشارة إلى الأطراف في الجسد الإنساني،(25) ولكن المسخ وهو يبدو حقيقة وواقعة، نمط طبيعي حياتي ويومي، ويتشكل في الحياة من صور متعددة تبين عن الزيادة أو النقصان أو الاضطراب، بحيث لا نستطيع التمييز ما بين الزيادة والنقصان في تلك الحالة، الكل زائد والكل ناقص، وهذا ما يمثل الحالة الاضطرابية، وهنا ربما يمثل حالة هذيانية قريبة من الجنون أو هي هو. والاختلاف الشاذ يتمثل بقول القزويني الذي يصفه بأنه الغريب وهو كل أمر عجيب مخالف للعادات المعهودة والمشاهدات المألوفة…(26) وهذا القول للقزويني نستدل منه على أن الغريب وهو الغروتيسك هنا، يبين عن الهيئة والشكل، والغريب مرة أخرى حالة نتاجية في الطبيعة، ويرى في كل الأوقات وهو يعبر عن حالة من الاندهاش. والتأليه يستدل منه على أنه سلوك يصبح متجذرا في الإنسان، بحيث يشتغل كآلة من دون استدعاء الإحساس، ومن خلال هذه القوالب، نجد أنها تتعلق كلها في الحالة الجسمية للإنسان، ولكن الغروتيسك هو ليست حالة جسمية، وإن بدا كذلك، فهو أيضا حالة فكرية مشوهة، تندرج في إطارها القيم والسلوكيات الفكرية، والنابعة أحيانا كثيرة من أيديولوجيات أو معارف اجتماعية تأخذ دور المعتقد، وهذا هو الذي يجعل من الغروتيسك تشويها بعيدا عن النمطية، بل هو التشويه الفكري، ولكنه لا يلوذ بالقالب، بل يبدو متحررا من قيود الهيئة والتشكل إلى دائرة إحداث التغيير، وهذا هو المفهوم الذي نسعى إليه من خلال دراستنا للغروتيسك المسرحي. وبالنظر إلى التهجين كقالب غروتيسكي، فهو حالة مزجية، بين الضد والضد، والقالب هو حالة استبدالية، مكان الرأس يصبح مكان القدمين، وكل هذه القوالب تدل على نمطية مشوهة، وقد وجدت في الطبيعة ومن خلال نمطية تشكل الطبقات الاجتماعية أيضا، ولكنها حافظت على قالبيتها، والغروتيسك وهنا الحديث عن المسرح يتنافى مع هذا القالب المستبد، فلا مكان للطغيان في المسرح، ولذا فإن وسم الغروتيسك بحالة نمطية وهيكلية مجافاة لماهية الفنون التي تسعى لتنوير الفكر الإنساني من خلال الجدلية، وهذه الجدلية قد تتوافق وقد تستمر بالخلاف، وخلافها استمرارية بفتح شهوة الأسئلة التي لا تنتهي.

 

 
 

الغروتيسك في المسرح (2-2)

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الإثنين, 07 آب/أغسطس 2017 19:17

الغروتيسك في المسرح (2-2)

بقلم الكاتب والناقد الأردني منصور عمايرة

الجزء الأول من دراسة: الغروتيسك في المسرح (1-2)

وفي هذه الدراسة تحديدا ننظر إلى الغروتيسك من زاويتين:

أ_ الغروتيسك / الغريب والاغتراب.

ب _ الغروتيسك / القناع والتقنع.

أ – الغروتيسك / الغريب والاغتراب

وبما أن الغروتيسك يلح على الغريب، فكان لا بد من الرجوع للمعجم مرة أخرى، للفصل بين ثنائية الغريب والاغتراب، و أشير بداية إلى أن الغروتيسك هو الاغتراب، اغتربَ، اغتراب: فَقْد الإنسان ذاته وشخصيّته ممّا قد يدفعه إلى الثورة لكي يستعيد كيانَه. اِغْتِرَابُ النَّفْسِ»: شُعُورُهَا بِالضَّيَاعِ وَالاسْتِلابِ. والغَريب: الغَرِيبُ: غير المعروف أَو المأْلوف. غرُب الشّيءُ: كان غيرَ مألوف ولا مأنوس. غَريب: «كَلاَمٌ غَرِيبٌ لَمْ أَسْمَعْ بِهِ»: عَجِيبٌ.(27)

من خلال إمعان النظر في المعجم، و لتفصيل القول بين غريب واغتراب، نرى أنهما تختلفان، في حين أن الغريب تدل على الهيئة والحالة، والاستقرار والثبات، ولكن الاغتراب تدل على الشيء الباطن والتبدل، فتنقلب حالة الإنسان من حالة إلى أخرى بحيث يصبح من المتعذر العودة إلى الوراء.

ففي الحالة الأولى «الغريب» نستدل على وصف كليبان في مسرحية العاصفة لشكسبير: نجد أن كليبان حالة نمطية من التشوه الطبيعي على مستوى الصورة والنفس، فنجد في وصف الشخصيات وصف كليبان بأنه « عبد شرس ومشوه»(28) ونجد وصفا آخر له عن قبح طباعه يرد على لسان ميرندا: تبا لك من عبد ذميم، لا تحفظ العهد ولا ترعى الذمم، ولا يردعك رادع عن اقتراف الموبقات. لقد أشفقت عليك ومنحتك حرية الكلام، فإذا بك تتشامخ علي أيها الوغد، ولكنك لوضاعة أصلك وبالرغم من امتثالك للأوامر، لا تزال تفتقر إلى ما تتحلى به النفوس الأبية من حميد الخصال.(29)

هنا الوصف يبين عن طبع عرفته ميرندا بكليبان، فهو تجاوز الصورة وقباحة الوجه، إلى انسجام ما بين قبح الطبع وقبح الهيئة.

وهناك الوصف الأقسى يرد على لسان برسبارو: أيها المسخ اللعين، اغرب عن وجهي، واجلب لي حالا ما أشعل به النار. إن سحنتك المتجهمة تفيض بذاءة، تكلم همسا لئلا يشل التشنج أعضاءك، وتتكسر عظامك، فالضواري في أعماق أدغالها ترتجف عند سماع نعيبك المشؤوم، يا وجه البوم.(30) كل ما جاء بوصف كليبان يكشف عن حالة طبيعية، وحالة نفسية تطبّع عليها، وهذه الصفات نمطية، تلتصق بالشخص وتبين عن تشوه نمطي لوصف الهيئة الخارجية والحالة الباطنية.

إنها حالة غريبة ونمطية، فهي متوافرة في الإنسان ما بين فينة وأخرى، وقد تجمع في شخص واحد من حيث دمامة الصورة وقبح الباطن، وهذا ما نراه في كليبان.

فالغريب تشوه بصري، وهو صفة لصيقة في شخص يطلقها شخص آخر، وقد يتجاوز التشوه البصري، إلى التشوه والقبح البيئي، فنقول هذه عمارة قبيحة كحالة وصفية.

الاغتراب في بيت الدمية، حيث يبدو الشرخ قاسيا؛ ليفصم عرى الحياة الزوجية بين زوجين متحابين، وكل ما في الأمر محاولة نورا لمساعدة زوجها، ومهما كانت الغاية بريئة وذات نبع صاف من الحب لزوجها، إلا أنها مثلت تبدلا، لا يمكن الرجوع إلى الوراء، فبدا قبح هيلمر زوجها من خلال ذاك النقاش الحاد بينهما.

هيلمر: نورا!

نورا: آه …

هيلمر: ما هذا ؟ أتعرفين ما في هذا الخطاب؟

نورا: نعم أعرف، دعني أذهب.

هيلمر: « ممسكا بها ليبقيها» إلى أين؟

نورا: « تحاول التملص من قبضته» لن تنقذني يا تورفالد.

هيلمر: أصحيح ما تطالعه عيناي في هذا الخطاب؟

نورا: هو الحقيقة. لقد أحببتك أكثر من أي شيء في الوجود.

هيلمر: دعينا من الحجج السخيفة .

نورا: تورفالد!

هيلمر: أيتها التعيسة، ماذا فعلت ؟

نورا: دعني أذهب لن أجعلك تتألم بسببي.

هيلمر: أتدركين مغبة عملك؟

نورا: نعم لقد بدأت الآن أدرك الحقيقة.

هيلمر: يا لها من صحوة مفجعة، ثماني سنوات وأنا أعقد عليها أملي في الحياة، فإذا بها منافقة كاذبة، مجرمة، لقد حطمت سعادتي، ودمرت مستقبلي، ما أبشع المصير في قبضة ذلك المحتال الأفاق، وكل هذا بفضل امرأة طائشة. يجب أن أحاول ترضيته بطريقة ما، حتى تبقى المسألة طي الكتمان، مهما يكن الثمن، أما نحن فيجب أن نحافظ على المظهر أمام الناس، لن أسمح لك بتربية الأولاد … وهو يفض الخطاب، لقد نجوت وأنت معي. إنه يعيد الكمبيالة، ويبدي أسفه، لا ريب أن تلك الأيام الثلاثة كانت تجربة قاسية بالنسبة لك يا نورا.

نورا: لقد كافحت كفاحا مريرا.(31)

مسرحية «بيت الدمية» تمثل حالة غروتيسك انقلابية، فتجعل حدا فاصلا بينما كان وما سيكون ، يسمع صوت الباب ، كحالة انفصامية مع ما كان وما سيكون.

هيلمر: ماذا تفعلين عندك؟

نورا: أخلع عن نفسي ثوب الدمية. إنه التحدي والقرار المفزع.

هيلمر: أتهجرين بيتك وزوجك وأولادك دون أن تفكري فيما يقوله الناس؟

نورا: لست أبالي بما يقوله الناس، فلابد أن أذهب.

هيلمر: دون اكتراث بأقدس واجباتك؟

نورا: ما هي أقدس واجباتي في نظرك؟

هيلمر: إنها واجباتك نحو زوجك وأولادك.

نورا: لدي واجبات أخرى لا تقل عنها قداسة.

هيلمر: ما هي؟

نورا: واجباتي نحو نفسي. … إنني مخلوق آدمي عاقل، مثلك تماما، … أريد أن أزن الأشياء بوحي من فكري أنا، لا من فكر الغير، وأن أرقى بنفسي إلى مرتبة الفهم والإدراك.

كانت صدمة قاسية لنورا من ردة فعل زوجها، ومن قسوة المجتمع.

هيلمر: ألن أكون لك أبدا أكثر من غريب ؟

نورا: إذا حدثت معجزة من المعجزات يا تورفالد.

هيلمر: أي معجزة ؟ خبريني.

نورا: أن تتغير نظرتنا إلى الأشياء تغيرا كاملا … أنا لم أعد أؤمن بالمعجزات.

هيلمر: أنا أؤمن بها، أخبريني حتى ماذا ؟

نورا: حتى تصبح حياتنا معا حياة زوجية بالمعنى الصحيح، وداعا يا تورفالد.

هيلمر: «يتهالك على أحد المقاعد بالقرب من الباب، ويدفن رأسه بين راحتيه» نورا نورا. «ينظر حوله ثم ينهض واقفا « فراغ. ذهبت». يومض في ذهنه برمق أمل «آه.. معجزة المعجزات…» يسمع صوت الباب الخارجي وهو يصفق «(32) إذن، كل ما كان من نورا أنها ترغب في تحمل الأعباء الزوجية، لتشارك زوجها في تحمل مسؤولية الحياة المالية، وبهذا هي تمثل مقاومة لعادات وتقاليد كانت سائدة في أوروبا، وكأن ما تقوم به الزوجة هو لعنة وعار، وتفتت في الحياة الزوجية المقدسة، ولكن نورا ليست دمية، ومثلت مقاومة للمجتمع، ومقاومة المرأة التي تكون شريكة، وليست دمية في البيت أو بيت الزوجية أو المجتمع بمعنى أشمل.

ولكن في بيت الدمية حالة اغتراب، إنها الحالة المستنفرة والتي لا تستطيع العودة إلى الوراء، فالفرق واضح وكبير بين الغريب، والاغتراب، الغريب الحالة والماهية الشكلية، والاغتراب الحالة الانقلابية التي لا ترتهن إلى الثبات بل التغير الكلي، واستحالة العودة إلى ما كانت عليه الحالة الماضوية، وهذا ما حدث في بيت الدمية لابسن.

ب – الغروتيسك / القناع والتّقنع

إن القناع كشكل يتمثل بشيء يجعل الإنسان منه غطاء يخفي ما وراءه، وقد يكون لأهداف عدة، فالقناع والمقنعة: ما تتَقَنَّعُ به المرأَةُ من ثوب تُغَطِّي رأْسَها ومحاسِنَها، قَنِعَ بنفسه قَنَعاً وقَناعةً: رَضِيَ.(33) وهذا المعنى فيه قبول وهو يدل على الحالة، سواء أكانت برغبة أو بحالة قهرية، فالإنسان قد يظهر القناعة ولكنه يتخفى، ولهذا فإن القناع هو ما يتخذه الإنسان للتخفي، بمعنى من معاني القناع البسيطة.

إن القناع يبدو كحالة إنسانية ناتجة عن سبب، وقد يكون الأمر بغية التخفي لأسباب عديدة مثل الخوف والفزع، الدفاع عن النفس، ترقب الآخرين والتجسس عليهم، بعد جمالي، وحالة تمثيلية لتعطي بعدا جماليا.

وهذا يعني، أن الإنسان القديم قد لجأ إلى هذا القناع كوسيط يدفع عنه الشر أو إظهار القوة والمنعة، أو وسم الإنسان بطابع خاص يميزه عن غيره، وهذا ربما مرده إلى حالة التواصل مع مجموعات أخرى من الناس، قد تلجأ إلى هذا القناع، فنجد أن القناع حالة وسيطية تواصلية في لحظة ما، وحالة تشكل شخصي للإنسان، وقد يتعدد القناع ليصل إلى حالة تقمص. ولكن نجد أنه « ليس من الغريب أن يتخذ الإنسان البدائي من وعيه بالأشياء دريئة تقيه غوائل المجهول»(34) وربما هذه وسيلة واحدة من وسائل استخدام القناع، وخاصة أن الإنسان القديم إذا جاز لنا هذا التعبير، يعيش جل وقته بشكل منفرد أو بمجموعات قليلة تشاطره في العيش كائنات أخرى متعددة.

ولكن ينظر إلى هذه الرسومات التي كانت مدفونة قديما، وتلك الأقنعة على أنها فن وغير فن، فإذا ما كانت للدفاع عن النفس فهي حالة شعورية و متوارثة، ولكن في المجتمع الإنساني البدائي «لا يصح اعتبار رسوم العصر الحجري فناً، لأن الغاية منها في الأصل سحرية، إذ أن رسم الحيوان يعني قدرة الصياد على إصابته أو قتله أو السيطرة عليه»(35) ومنهم من يقول بأن « الدليل على أن الفن في العصر الحجري القديم، كان يرتبط بالأعمال السحرية، هو أن العدد الأكبر من الصور البشرية المتنكرة على هيئة حيوانات، كانت تؤدي رقصات سحرية محاكية، ففي هذه الصور نجد قِناعات حيوانية متجمعة لا يمكن أن تفهم إذا لم تنسب إليها مقصداً سحرياً»(36) والإشارة هنا إلى الفن، تجعل من القناع وسيلة وسائطية لتمثل الحالة أو الدور الإنساني،وهو يتشكل عبر مجسمات وتقمص شخصيات أو كائنات أخرى.

القناع تشوه نمطي

وهو وسيط كالحفلات التنكرية على سبيل المثال، القناع إحالة وسيطية لشيء ببعد نمطي. كان الممثل في المسرح الإغريقي « ينأى عن النظارة لا يرى عن قرب بفضل ما كان يضع على وجهه من قناع، وفي رجليه من حذاء الكوثوروندا وعلى رأسه من غطاء الانكوس حتى أنه كان يبلغ حوالي سبعة أقدام ونصف القدم طولا، وكان يقوم بدوره في الطقوس الدينية37ونجد أن القناع في التراجيديا اليونانية قد يشير إلى حالات تربطه بالطقسية « لكن القناع التراجيدي بطبيعته و بوظيفته هو شيء مختلف عن التنكر الديني، إنه قناع إنساني وليس تنكرا بهيئة حيوان، ووظيفته جمالية وليست طقسية»(38) وكانت الجوقة وهي الشخصية الجماعية التي تعبر عن الشعب، غير مقنعة ولكنها متنكره، والممثل هو من كان مقنعا فيلحقه القناع بفئة اجتماعية ودينية هي فئة الأبطال…(39) وتبدو النمطية بطريقة تمثيل التراجيديا، حيث تشير الدراسات إلى أن التراجيديا اليونانية و بخصوص أتباع الإله ديونيسوس والذين كانوا ينشدون الديوثرامب الديني كانوا « يرتدون جلد الماعز على أنهم كانوا يمثلون دور الساتيروي»(40)

التقنع الغروتيسكي

وهو التحول إلى حالة غروتيسكية، تبين عن تحوير في بنية العرض المسرحي. فمسرحية الملك هو الملك تقنع، حيث تحولت من قناع إلى تقنع.

القناع تمثل بالصورة النمطية للحكم، وخاصة بالحكم الملكي والفردي، القابض على زمام الأمور كلها، التافهة والعظيمة، والتقنع حالة غروتيسكية تحولية تتغيا رؤى وأفكارا جديدة، تفصم عرى ما كان لتحلم بما سيكون.

يقول عرقوب: المهم استقرت أخيرا بلادنا الميمونة على قدر الممنوع.

السياف: نعم المسموح على قدر الممنوع، وفي التوازن السلامة والأمان.

عرقوب: أن نتخيل.

السياف: مسموح .

عرقوب: أن نحلم.

السياف: مسموح ولكن حذار.

عرقوب: أن يتحول الخيال إلى واقع.

السياف: ممنوع.

عرقوب: أو يتحول الوهم إلى شغب.

السياف: ممنوع.

عرقوب: أو تتحد الأحلام، وتتحول إلى أفعال.

السياف: ممنوع.

عرقوب: تلك هي الحكمة الميمونة التي تسير على هديها دولتنا الميمونة، المسموح على قدر الممنوع.

وقبل هذا يقول ونوس بأن هذه المسرحيّة هي لعبة، ويردد هذه الكلمة شخصيات المسرحيّة بما فيهم الملك، عندما يقول: نحن نلعب… ولكنه يصرح فيما بعد في نهاية المسرحيّة:

الملك هو الملك، والطريق الوحيدة المفتوحة أمام الملك هي الإرهاب والمزيد من الإرهاب» … فهذه اللعبة يقرر الملك أن تنتهي.

الملك: لعبة، ربما كانت لعبة، من الآن فصاعدا اللعب ممنوع، والوهم ممنوع، والخيال ممنوع، والحلم ممنوع.(41)

التقنع الذي ارتكبته الرعية في الملك هو الملك جريمة نكراء، يضع لها الملك حدا نهائيا تحت أوامره القاسية، إن التقنع في المسرحية يشير إلى حالة قصدية، وهذه الحالة القصدية، حالة غروتيسكية تجعل المسرحية تدرك التحول و بصيغة نهائية لا رجعة عنه، عندما يعلن الملك بقوله الملك هو الملك، وتصبح الأمور في المسرحية غير قابلة للرجوع إلى الوراء، بل هي حالة انفصالية تماما، بين ما قبل وما سيأتي بعد، ما كان أولا هو التقنع من خلال التمظهر والتنكر، وتسيل الرؤى والأفكار على ألسنة الشعب كل الشعب، وتتشبث برؤوسهم الرؤى، لتأتي اللحظة الفاصلة عندما يكشف الملك كل المستور، فيقبض على السيف الفولاذي ليستمر بحكم من حديد، وهكذا تدار البلاد بنظر الحكام والملوك، الحديد والقوة شعار نقيض تماما للرحمة والرأفة، وإغماض العين عن كل غفلة أو مؤامرة مدبرة أو غير مدبرة، الملك هو الملك إعلان قطيعة تامة بين الشعب والملك، بين الرئيس والمرؤوس، بين الحاكم والمحكوم، بين الناهي والآمر والمطيع، الملك هو الملك إعلان حرمان الشعب من كل آماله وأحلامه، فتحولت المسرحية من حالة التقنع إلى القناع، وهو حالة القطيعة مع كل ما كان من التقنع، و تفصم عرى التقنع وترجع إلى القناع بكل زهو وافتخار واقتدار، إن حالة التحول من التقنع إلى القناع حالة صدمة، ولكنها قاسية تعيد الأمور إلى حالتها الرتيبة حسب.


الهوامش:

1 – حسن المنيعي، الجسد في المسرح، الكتاب طبع في العام 1996 ، ص147

2 – ميجان الرويلي وسعد البازغي، دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، ط3، بيروت، 2002م، ص 203

3 – صلاح الدين جباري، بلاغة الغروتيسك، ط1، النايا للدراسات والنشر، دمشق، سوريا، 2010، ص9

4 – لطيفة بلخير اشتغال الجسد الغروتيسكي في المسرح وأدبية النص الدرامي، ط1، الهيئة العربية للمسرح، الشارقة، 2011م، ص8

5 –الجسد في المسرح ، مرجع سابق، ص147

6 – بلاغة الغروتيسك، مرجع سابق، ص9

7 – اشتغال الجسد الغروتيسكي، مرجع سابق، ص8

8 – منير البعلبكي ، قاموس المورد ،grotesque

9 – مولوين ميرشنت، كليفورد ليتش، الكوميديا والتراجيديا، ترجمة علي أحمد محمود، عالم المعرفة الكويت، 1997 ، ص119

10 – فايز ترحيني ، الدراما ومذاهب الأدب ، المؤسسةالجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1،بيروت، لبنان،1988 ، ص68–69

11 – الدراما ومذاهب الأدب، المرجع نفسه، ص69

12 – الجسد في المسرح ، مرجع سابق، ص148

13 – اشتغال الجسد الغروتيسكي، مرجع سابق،ص8

14 – بلاغة الغروتيسك، مرجع سابق،ص11

15 – الجسد في المسرح ، مرجع سابق، ص149– 150، وبلاغة الغروتيسك، مرجع سابق، ص50-57، واشتغال الجسد الغروتيسكي، مرجع

سابق، ص10 -24

16 – بلاغة الغروتيسك، مرجع سابق، ص 50-53

17 – دليل الناقد الأدبي، مرجع سابق، ص203

18 – والتر. ت. ستيس، معنى الجمال، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000 ، ص94

19 – والتر ستيس مرجع سابق ،ص97

20 – بلاغة الغروتيسك، مرجع سابق، ص 55

21 – بلاغة الغروتيسك، مرجع سابق، ص 56

22 – بلاغة الغروتيسك، مرجع سابق، ص57

23 – بلاغة الغروتيسك، مرجع سابق، ص65

24 دليل الناقد الأدبي، مرجع سابق، ص204

25 – بلاغة الغروتيسك، مرجع سابق، ص69-87

26 – بلاغة الغروتيسك، مرجع سابق، ص 72

27 – معجم المعاني موقع إلكترونيwww.almaany.com

28 – وليم شكسبير، العاصفة، ترجمة أنطوان مشاطي، دار نظير عبود، بيروت، ص5

29-العاصفة، المرجع نفسه،ص26

30 – العاصفة، المرجع نفسه، ص27

31 – هنري ابسن بيت الدمية، ترجمة كامل يوسف، دار المدى للثقافة والنشر، 2007م، ص92-94

32 – بيت الدمية، المرجع نفسه، ص103

33 – لسان العرب.

34- عبد الستار البدراني، السحر المضـاد دراسة أنثروبولوجية في المكونات الأولى للقناع موقع انتروبوس Aranthropos /www.aranthropos.com

35 – عبد الستار البدراني، المرجع نفسه.

36 – عبد الستار البدراني، المرجع نفسه.

37 – الكوميديا والتراجيديا، مرجع سابق،ص 142

38- جان بيير فرنان، بيير فيدال ناكيه،الأسطورة والتراجيديا في اليونان القديمة، ترجمة حنان قصاب حسن، ط1،الأهالي للنشر، سوريا، دمشق، ص13

39 – الأسطورة والتراجيديا في اليونان القديمة، المرجع نفسه، ص14

40*محمد حمدي ابراهيم، نظرية الدراما الإغريقية، الشركة المصرية العالمية للنشر، ط1، مصر،القاهرة،1994م ، ص11 و12 *( المسرحية الساتيرية Satyrikon drama وهي عبارة عن مسرحية تشبه إلى حد بعيد التراجيديا في نمطها، ولكن موضوعها يدور بوجه عام حول الأساطير، ولقد سميت بالمسرحية الساتيرية لأن أفراد الجوقة فيها ظلوا محافظين على ارتداء ملابس الساتيري أتباع الإله ديونيسوس، وهو الزي الذي كان يرتديه أفراد الجوقة الديثيرامبية التي نشأت منها التراجيديا، كذلك كانت الجوقة في المسرحية الساتيرية تقوم بأداء رقصةعنيفة تعرف باسم Sikinnis نسبة إلى مخترعها Sikinnos وكثيرا ما كان هذا النوع من المسرحيات يصور البطل المشهور هيركليس بصورة كوميدية. وكانت المسرحية الساتيرية تعد الجزء الأخير من الرباعية tetralogia التي اعتاد كتاب التراجيديا تقديمها في المسابقات المسرحية، والتي كانت تتألف من ثلاث مسرحيات تراجيدية ثلاثية، تتبعها مسرحية ساتيرية، بحيث تدور المسرحيات الأربع حول موضوع ذي قصة واحدة متصلة الأحداث، ولكن فيما بعد لم يكن يقدم في هذه المسابقات سوى مسرحية ساتيرية واحدة لا علاقة لها بالرباعية التي اختفت على عهد آخر كتاب التراجيديا العظام يوربيديس، وإلى براتيناس Pratinas الذي كان حيا حوالي 496 ق.م، يعزى فضل ابتكار هذا النمط الدرامي، ذلك أن المسرحية الساتيرية تعتبر همزة وصل بين الأناشيد الديثيرامبية والتراجيديا، ومن هذه الوجهة فهي خطوة على طريق تطور الدراما الإغريقية من الإنشاد إلى التكوين الدرامي ) نظرية الدراما الإغريقية، ص 19 و20

41 – سعد الله ونوس، الملك هو الملك، دار ابن رشد، ط3، دمشق، 1980م


 
 

سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الجمعة, 04 آب/أغسطس 2017 11:15

كتاب جديد للفيسلوف المغربي طه عبد الرحمن "سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية"


الكتاب الصادر مؤخرا عن "المؤسسة العربية للفكر والإبداع" في بيروت يقع في 215 صفحة من الحجم المتوسط، وهو عبارة عن قسمين؛ أولهما حوار مطول عن العنف، أجرته معه المؤسسة حول الصورة التي اتخذها العنف في المجالين العربي والإسلامي، حيث يركز عبدالرحمن على شخصية العنيف نفسيا وفكرا وسلوكا.

أما القسم الثاني من الكتاب فعبارة عن دراسة عن الحوار خصصها لنظرية الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيناس، مقارنا بينها وبين نظرية الأمانة التي أصّل لها عبدالرحمن (73 عاما) من الأصل الديني القرآني.


لا حوار ولا أخلاق

في جولته، ينطلق الفيلسوف المغربي من عدد من المسلمات منها أنه "حيثما وُجد العنف فلا دليل، وحيثما وُجد الدليل فلا عنف"، وكذلك أنه "حيثما وُجد العنف فلا حوار، وحيثما وُجد الحوار فلا عنف".

لذلك يعتبر عبدالرحمن أن واحدا من أهم أسباب انتشار العنف هو فقد الحوار وفقد الأخلاق، "وعندما يفُقد الحوار وتُفقد الأخلاق في ذات الوقت، فلا مفر من مواجهة أبشع صور العنف".

ويضيف على ذلك "ما شاهدته وما أزال أشاهده من فتك المسلم بأخيه المسلم ودينه يجعل قتل الواحد كقتل الناس جميعا وقاتله مخلدا في النار أبدا أعاد علي سابق تساؤلي بألح ما كان، فلم أجد إلا جوابا واحدا هو أن حب التسلط استبد بالإنسان".

ويتساءل عبدالرحمن: هل من سبيل إلى خروج من هذا التسلط حتى يرتفع عن الناس شر العنف؟ ويسارع إلى الإجابة بأن "من يقرأ التاريخ لا يمكن إلا أن يجيب بالنفي؛ فالتسلط قائم في البشر منذ أن تسلط قابيل على هابيل فسفك دمه بغير حق".

قبل أن يستدرك بقوله: "ولكن من ينظر إلى الإمكانات يحيل أي شيء حتى ولو أثبت التاريخ استحالته فقدرة الإنسان أوسع من التاريخ".


الهابيلي والقابيلي

يحاول عبدالرحمن تجاوز الواقع العنيف، متخيلا عالما مثاليا لا عنف فيه، و مستعملا في ذلك مفاهيم من روح الثقافة الإسلامية والتجربة الإنسانية.

وهكذا يطلق على هذا العالم المثالي الذي يخلو من العنف اسم "العالم الهابيلي" نسبة إلى هابيل، الابن الثاني لآدم عليه السلام، أما العالم الواقعي المليء بالعنف، فيصفه بـ"العالم القابيلي".

ويعتبر "الفكر الائتماني" الذي نظّر له عبدالرحمن، "العنف وصفا أخلاقيا يخص الإنسان، ولا يقوم به الحيوان، بالرغم من توحشه، ولا الطبيعة على الرغم من قوتها التدميرية؛ لأن ذا العنف يدرك أن إتيانه لعمله تصرف مؤذ مؤثِرا إتيانه على تركه".


العنف والقوة

 

و متوسعا في الشرح، يفرق الفيلسوف المغربي بين مفهوم القوة ومفهوم العنف؛ فلفظ العنف يحمل معنى مقدوح فيه قدحا أخلاقيا، حتى ولو أضيف إليه لفظ المشروعية (في تعابير مثل العنف المشروع مثلا).

بينما لفظ القوة لا يحمل بالضرورة معنى قدحيا، بل قد يحمل معنى إيجابيا و محمودا؛ فالقوة دليل على شرف الرتبة.

ولذلك يعتبر أن القول "العنف المشروع" بمنزلة القول "الشر المشروع"، وهو قول متناقض، إذا لا يمكن للشر أن يكون مشروعا.


الإرهاب الفعلي

ويفصل المؤلف المغربي في ذلك بالقول إنه "يتبين أن استعمال لفظ العنف في حق الدولة، ضرره أكبر من نفعه؛ وعندي أن سلطة الدولة تكون قوة متى لزمت صراط العدل، وتكون عنفا متى حادتْ عنه، وحينئذ يجوز أن نقول عنف الدولة مقابل قوة الدولة، إذ يكون عنفها إذ ذاك مظهرا من مظاهر الضعف، الذي يعتري سلطتها وواجبها أن تكون هذه السلطة قوة لا عنفا".

ويدافع عبدالرحمن، ضمن نظريته "الإئتمانية" عن كون العنف مراتب مختلفة؛ إذ يعتبر أن القول ليس مجرد لفظ أو صوت، وإنما هو عمل تغييري، مثله مثل الفعل بمنزلة الإرهاب الفعلي.

ويضيف أن هذا هو الحال مع "تطرف أولئك الذين أطلقوا حملاتهم المسعورة على الدين الإسلامي، طعنا في عقيدته، و استسخارا من رسوله، وتشويها لتاريخه، غير أنهم يزعمون أنهم لا يمارسون إلا حريتهم في التعبير".

حصل طه على شهادته الجامعية في الفلسفة من جامعة محمد الخامس بالعاصمة الرباط، ثم أكمل دراسته في جامعة السوربون بفرنسا، حيث حصل على درجة الدكتوراه، وبعدها عمل في التدريس بجامعة محمد الخامس لأكثر من ثلاثين عاما.

و للفيلسوف المغربي الذي يلقبه البعض بـ"فقيه الفلسفة" و"الفيلسوف المتصوف" مؤلفات عديدة، منها كتب: "من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر"، "دين الحياء.. من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني"، و"بؤس الدهرانية.. النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين".


 
 

الصفحة 1 من 16

Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com / theatretafukt@gmail.com
Téléphone: (+212) 669279582
(+212) 667313882 - 654439945
Siège Social: Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes / Casablanca - Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـ فضاء تافوكت للإبداع © 2017
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL