Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مختارات - كتابات - مواضيع: لورد التمثيل العالمي شين كونري - الأربعاء, 23 آب/أغسطس 2017 09:42
مسرح - الفنون الدرامية: مايكل مور من الأفلام إلى المسرح - الثلاثاء, 22 آب/أغسطس 2017 18:15
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: الفيلم الشائك "فيكتوريا وعبدول" - الثلاثاء, 22 آب/أغسطس 2017 10:27
مسرح - الفنون الدرامية: الإيقاع في الكوريغرافيا - الإثنين, 21 آب/أغسطس 2017 19:32
أخبار - منوعات - إصدارات : سويفت تترك ملايين المتابعين في حيرة - الإثنين, 21 آب/أغسطس 2017 11:37
أخبار - منوعات - إصدارات : ظاهرة تحدث "مرة في القرن" - الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 17:49
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: رحيل "ملك" الدراما المصرية - الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 12:49
متابعات - تغطيات صحفية: وفاة أحد أساطير الكوميديا الأميركية - الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 12:45
متابعات - تغطيات صحفية: تعويض ضخم من براد بيت لمصممة - الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 12:41
أخبار - منوعات - إصدارات : كتاب: الكرنفال، في الثقافة الشعبية - الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 11:13
Blue Grey Red
مسرح - الفنون الدرامية

مايكل مور من الأفلام إلى المسرح

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الثلاثاء, 22 آب/أغسطس 2017 18:15

مايكل مور من الأفلام إلى المسرح


استبدل مخرج الأفلام الوثائقية الأمريكي مايكل مور الوقوف خلف الكاميرا بالوقوف على خشبة المسرح في عمل منفرد في برودواي في دعوة للتحرك حيال الوضع الحالي للسياسة الأميركية.

ويستخدم مور في العرض الذي يحمل عنوان (شروط استسلامي) أسلوبه الذي يعتمد على الدعابة والسخرية لاستهداف الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتشجيع الليبراليين على تحويل مشاعر السخط والاستياء من ترامب وجدول أعمال الحزب الجمهوري السياسي إلى مقاومة فعلية.

وقال مور (63 عاما) لتلفزيون رويترز في مقابلة يوم الخميس الماضي 17 غشت 2017 "هذا الرجل سيقتلنا جميعا. لا يوجد أحد مسؤول. هذا الرجل (ترامب) يملك الشفرة النووية".

وأضاف مور، وهو ليبرالي، ومنتقد شديد لترامب  "نأمل أن يكون هناك أحد في (وزارة الدفاع) البنتاغون يحمينا. أيا كان ذلك الموضوع في الحقيبة النووية سواء مجرد رقم هاتف صديقة أو ما إلى ذلك.. آمل ألا تكون الأرقام الحقيقية لأننا في حالة بائسة الآن".

ويختلف عرض مور كل ليلة. ويوم الثلاثاء، دعا مور الجمهور إلى الصعود إلى حافلات والانضمام إليه بعد العرض في احتجاج أوسع أمام برج ترامب في مانهاتن الذي كان الرئيس الأميركي وصل إليه قبل ذلك بيوم ليمكث في برجه الشاهق للمرة الأولى منذ توليه السلطة في يناير.

وقال مور عن العرض "في كل ليلة عندما أغادر أشعر وكأن روحي قد شفيت قليلا، وأن لدي يأسا أقل و أملا أكبر في أننا سنتمكن من إيجاد حل لذلك".


 

الإيقاع في الكوريغرافيا

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الإثنين, 21 آب/أغسطس 2017 19:32

الإيقاع في الكوريغرافيا

بقلم د.ليلى محمد - العراق

مقدمة:

فن الرقص الكوريغرافيا، هو ذلك الأداء الحركي الراقص الذي يمتلك القدرة على التعبير الدلالي في توصيل الافكار والاحاسيس والحالات، والذي ينشأ في الفضاء المسرحي ويتحدد بواسطة الجسد المؤدي، سواء أكان راقصاً أم ممثلاً او مؤدياً، فهو نوع مسرحي يمتلك كافة شروطه الدرامية باعتبار أن الرقص / الحركة يمتلك بعداً تأسيسياً مقترناً بظهور المسرح، وسبباً اساسياً في قيامه.

إن الجسد الراقص المؤدي يؤسس علاقاته الحركية في الفضاء المسرحي، من خلال الحركة ومحاورها (التكوين والتشكيل)، والتي تستثمر الخطوط الهندسية بكافة انواعها (المستقيم، المنحني، المنكسر، الدائري)، وذلك عن طريق تنظيم علاقات حركية ما بين الأجساد المشاركة، وما بين أعضاء الجسد الواحد واشتغاله مع العناصر السينوغرافية، على اعتبار أن جسد الممثل / الراقص وحضوره اقوى اداة سينوغرافية ترتسم من خلالها وبواسطتها كافة العناصر المشيدة للعرض، كما أن فن الرقص / الكوريغرافيا يعتمد الى حد كبير على حضور الممثل / المؤدي وطاقاته في إنتاج لغة يكتسبها الجسد لوحده او بمساعدة المنطوق / الحوار.

إن الحركة الراقصة، تخاطب الحسي والعقلي، وذلك من خلال خاصيتها الحركية في إنشاء علاقة بصرية مع المتلقي، وعن طريق اعتمادها على ذاكرته البصرية (الحركية)، التي تمنحها الإيجاز والتكثيف لتوجز ما تقوله الكلمات، او ما لاتقدر ان تقوله، كما أن فن الرقص / الكوريغرافيا يعتمد على الارتجال الحركي للمؤدي المشارك، بهدف التعبير عن الذات المفكرة بوصفها جسداً متحركاً / راقصاً.

لذا فإن البحث يسعى الى التعريف عن هذا الفن الوليد في مسرحنا العراقي، وكيفية تعامل الممثل / الراقص، والمصمم / المخرج معه، ومدى وكيفية إفادة الممثل منه عن طريق تطوير قابليات جسده الحركية والفنية الأخرى، بغية استثمارها في العرض الراقص، وكذلك في العرض المسرحي الغير راقص.

يمثل الإيقاع عصب الحركة بكل اشكالها فهو (( نبض الحياة وعلامة من علاماته، وقد يكون الايقاع مسموعاً او مرئياً او ملموساً او مشموماً او مذاقاً)) (1)، ويقسم الإيقاع الى ظاهري وباطني،بالايقاع الظاهري هو ذلك الذي يمكننا رؤيته في الطبيعة من حولنا مثل حركة الأفلاك والليل والنهار، (( إن تكرار الحوادث والظواهر الذي يعطي للإنسان انطباعاً عن الزمن فهذا التكرار هو إيقاع الحياة)) (2) وقد يكون الإيقاع محسوساً كما في الشمس والقمر، فإيقاع الشمس ايقاع افقي الحس، أما ايقاع القمر فهو ايقاع عمودي حسياً. فالايقاع يعتمد على الزمن وتكراره، فإذا لم يتكرر بأزمان قياسية ثابتة فلا يكون ايقاعاً، وأن الإيقاع قبل أن نراه في الطبيعة والكون من حولنا نتحسسه داخل اجسامنا بدءاً من نبضات القلب، الى كافة العمليات البيولوجية اليومية والشهرية مثل “التنفس، الجوع، النوم…” وصولاً الى أصغر خلية في أجسامنا وكيفية عملها، فكل تلك العمليات البيولوجية تقوم على الزمن والتكرار وكذلك جميع الكائنات الحية. (( إن ظاهرة إيقاعية الزمن وانتشارها في كل ما هو حولنا يجب اعتبارها من الأمور الأساسية التي تتصف بها الكائنات الحية)) (3) فالايقاع سواء في أجسامنا او في غيرها من كائنات ، هو المؤشر الأول على الحياة واستمراريتها. لقد تنبه الإنسان منذ القدم الى أهمية الإيقاع لتنظيم الأعمال الجماعية مثل “الحصاد، التجديف، الصيد…” والذي يهدف الى توحيد حركة المجاميع وتوفير الجهد الحركي للمجموعة، حيث يستخدم التشديد او النبر اثناء الغناء على حرف أو أكثر من حروف الكلمة لتحديد الإيقاع الحركي وضبطه(4)، وربما يتولى شخص واحد مهمة الغناء الإيقاعي في العمل الجماعي، او تضطلع المجموعة ذاتها بمهمة الغناء والترديد لتوحيد وتنظيم ايقاع العمل، فالغناء المنفرد / الجماعي والحالة هذه يأخذ مهمة العد، إضافة الى تنشيط الأحاسيس العاطفية، والمشاعر الانسانية الجماعية عن طريق كلمات الاغنية. (( إن الغناء والموسيقى قد نتجا عن الاندفاعات الانفعالية للصوت البشري والآلات الموسيقية التي استخدمتها الشعوب الأولى لتسيير العمل الذي كان يتطلب جهداً شاقاً)) (5) وتتعدد الآراء حول نشأة الموسيقى والغناء(*)، ولكنها تتفق على أنها ترتبط بالايقاع والذي يعتبر ركيزة يقوم عليه الغناء والموسيقى وكذلك يشكل الإيقاع الأساس للفنون الثلاثة التي أسست للمسرح، الرقص والموسيقى والشعر ((والتي لا تشكل سوى فن واحد في الأصل وقد كان منبعها الحركة الإيقاعية الصادرة عن الأجسام البشرية المندرجة في العمل الجماعي )) (6) ، فهذه الفنون الثلاثة والتي قام عليها المسرح الإغريقي هي فنون تتأسس بنيتها الفنية من الإيقاع، سواء أكان مسموعاً كما في الشعر والموسيقى، أم كان محسوساً كما في الحركة الراقصة. ويعرف الإيقاع المسرحي، بأنه ((تكرار وحدات حسية متفاوتة بالقوة والضعف و بالبروز والاختفاء وبين كل وحدة وأخرى مسافة او زمن معين وبين كل عنصر من عناصرها ايضاً مسافة وزمن)) (6)، بمعنى ان الايقاع المسرحي سواءاً كام ملموساً او محسوساً هو تتابع وتكرار لأزمان متساوية تختلف من عنصر الى آخر ومن حالة الى أخرى، فإيقاع الحزن يتميز بالبطء والثبات، وبعكسه إيقاع الفرح يتميز بالسرعة والتنويع، بمعنى أن الاختلافات الإيقاعية للحالات او الألوان والعناصر المشيدة للعرض تحدث نتيجة الطول او القصر ما بين الوحدات الزمنية المكونة للإيقاع ذاته، ففي الإيقاعات الحزينة تطول مدة الوحدة الإيقاعية، كما تطول الوحدات السكونية ما بين تلك الوحدات، كما في موسيقى وايقاع المشي في الجنائز او المارشات العسكرية، أما في إيقاعات الفرحة فيحدث العكس تماماً حيث تقتصر طول الوحدة الايقاعية الواحدة كذلك تقصر فترات السكون ما بين الوحدات الإيقاعية كما في ايقاع الافراح والاعياد سواءاً في الموسيقى والرقص او حتى الالوان المميزة والمتعددة لملابس المناسبات السعيدة، إضافة الى التنوع والتعدد للإيقاعات المفرحة المسموعة / والمرئية. ويقوم الإيقاع الحركي بصفة عامة - والمسرحي منه - على الحركة والسكون، او من خطوة وأخرى وسكون، حيث بين الخطوة الأولى والثانية زمن محدد، وبين الخطوتين والسكون او التوقف زمن آخر، وكلما قصرت المسافة بين خطوة وأخرى او سكون و خطوة او خطوتين يتحول الايقاع الى السرعة فهي عنصر من عناصر الإيقاع بشكل عام(7)، وان الإيقاع الحركي ((إيقاع الحركات “الزمن” هو المقياس للتناسب أو “ النسبية ” بين أجزاء الحركة. و تتعين من خلال إيجاد النسبة بين الأطوال الزمنية لأجزاء الحركة لذا فالايقاع هو كمية لا قياسية أو لا رتيبة)) (8)، حيث يتميز الإيقاع بالحيوية والتغيير اضافة الى التنظيم فهو ((أول ما يسهل على الانسان الاحساس به في الموسيقى وقد يرجع ذلك الى أنه من العناصر الأساسية في الطبيعة، فهو يتمثل في صورة دقات او نبضات متتابعة مرتبة من مجموعات واضحة تحددها نقط ارتكاز متتابعة، ويعطي للموسيقى معنى خاص بتكوينها وحيويتها ،فالايقاع روح الرقص، و روح الموسيقى، و روح الشعر)). (9) إن التنويع الإيقاعي ضرورة من ضرورات الرقص الكوريغرافي - والرقص عموماً - اضافة الى كونه هدفاً من الأهداف الفنية في المسرح، والتي تفرضها المواقف والأفكار والمشاعر سواءاً للتعبير عن الفكرة الفلسفية للعرض، او بهدف التسويق وإبعاد الروتينية والرتابة والملل لدى المشاهد(10). إن معرفة واهتمام الراقص / المؤدي / الممثل بالإيقاع الحركي، تساهم في توفير الطاقة المبذولة للأداء الحركي، وذلك عن طريق تقسيم كميات القوة / الطاقة “Effort” الجهد على مراحل زمنية منتظمة ومتناسقة، ((أي إخراج القوة بالقدر الأمثل في الزمن المناسب مثل ايقاع راكض الحواجز او ايقاع راكض المسافات الطويلة وايقاع الحركات المتكررة في التجديف او الجمباز))(11)، وكافة انواع الأداءات الرياضية، فالراقص / الممثل – كما الرياضي. ومن خلال معرفته واستخدامه للإيقاع الحركي، يسعى الى توفير جهده وطاقته المبذولة في أداء الحركات الراقصة أو الحركات المسرحية الأخرى، وعدم الإحساس بالتعب ومحاولة احتفاظه بحيويته الحركية و الأدائية ونشاطه طوال فترة العرض. ويرتبط مفهوم “الإيقاع Rhythm” بعنصر الزمن (12)، سواء في انجاز الحركة او في توفير الجهد المبذول للإنجاز، حيث يميل الجزء الاسفل من الجسم الى استخدام الايقاع المنتظم في الأداء - كما في حالة الرقص - في حين يتعامل الجزء العلوي من الجسم والأطراف مع الايقاع الحر و الغير منتظم والذي يعكس دينامية الحركة وتعبيراتها (13)، فحركات الرأس او اليدين في حالة الرقص لايعني بأنها حركات تفتقر الى النظام والترتيب، بل انها حركات انسيابية /مرنة / لينة، كما في الرقص الشرقي او الباليه، فإنسايبية الحركة تعني استخدام قوة قليلة / جهد في زمن طويل نسبياً (14)، فحركة العسكري - في حالة الاستعراض - بالنسبة للقدمين واليدين والجسم بأكمله تتميز بإلتزامها بالإيقاع المنتظم، أما حركة الراقص - في الغالب - فهي حركات مبنية على الايقاع المنتظم والإيقاع الحر اللا منتظم ” الحركي ” ، ويتجلى ذلك في رقص “الفلامنكو” للراقص او الراقصة، حيث تشيد ثنائية التوافق الايقاعي لحركات الجسد في الجزء الاسفل مع الإيقاع الموسيقي وضرباته وانسيابية حركة اليدين والخصر - الجزء العلوي - روح الأداء وشكله المبني على التباين ما بين أعضاء الجسد للرقص الاسباني”الفلامنكو”.ويرتبط الإيقاع بشكل مباشر بالتنفس كونه عملية “إرادية ولا إرادية”، ففي حالة النوم يكون عملية لا إرادية، ويصبح التنفس عملية واعية / إرادية في حالة التنظيم لحركات الشهيق والزفير مع الايقاع الحركي(15)، كما في حالة الرياضي او الراقص والممثل ايضاً. وذلك من خلال اتباع نظام للشهيق والزفير وعدد محدد من الخطوات والحركات.

و الإيقاع صفة مميزة من صفات الأشخاص عموماً، سواء أكان ايقاعاً لفظياً أوحركياً، فكل شخص / انسان يتحرك او يتكلم بإيقاع يختلف عن إيقاع إنسان آخر، ودائماً ((هناك نوع من الإيقاع الداخلي يجري طوال الوقت من أي شخص)) (16)، ويؤثر الإيقاع الشخصي في كل شيء بدءا من المكان الى الأشخاص، الممثلين، المتلقين وقد يتصادم ايقاع الأفراد وربما يتآلف ويتوافق(17) ويتأثر الإيقاع ويتغير في حالة تعرض الإنسان الى مثير عاطفي فيظهر ذلك من خلال التنفس، كما يختلف إيقاع الشخص المضطرب عقلياً عن ايقاع الانسان السوي. إن أي نشاط يقوم به الإنسان - بحسب ستانسلافسكي- سواء أكان لفظياً أم حركياً او تأملياً، فهو يتكون من لحظات انتباه وتركيز ثم استرخاء (18)، أما الشخص المضطرب عقلياً او المعصوب، فيخرج عن الإيقاع الطبيعي في حركته وألفاظه وحتى أفكاره، وذلك من خلال تقليص فترات الاسترخاء بالقياس الى الشخص الطبيعي، و يتنفس الشخص المثار عاطفياً أسرع من الشخص العادي، ويكون تنفسه من الفم بدل الأنف(19) وذلك لحاجته المتزايدة الى كمية اكبر من الاوكسجين، ومن هنا يكون الممثل بحاجة الى تمارين الاسترخاء التي قال بها ستانسلافسكي وغيرها أكان في تدريباته او في العروض المسرحية بغية التوصل الى حالة الاسترخاء العضلي وشحذ الطاقة للممثل، فالطاقة على المسرح ليست هي ذاتها في الحياة اليومية فإذا كان الراقص / الممثل / المؤدي متوتراً، فسيكون من الصعب عليه أن يظهر أحاسيسه و يتحرك أو حتى يفكر(20)، فالتوتر هو انشداد عضلي - بما فيها الصوت - وهو يعيق الحصول على الطاقة المسرحية التي هي أعلى من الطاقة اليومية / الحياتية، فحتى الهمس على المسرح بحاجة الى طاقة أعلى من طاقة الهمس اليومية، إن الاسترخاء يبعد التوتر من خلال التمرين والتدريب المتكرر ((بحيث يكون لديك أداة جسمانية تعمل باحساس من السلاسة، ولكنها قادرة على التوتر حينما تريدها أن تتوتر وقادرة على ألا تتوتر عندما لاتريد لها ذلك)) (21)، بمعنى ان تمارين الاسترخاء تحول عملية التوتر اللاإرادية الى عملية إرادية ويمكن الافادة منها في الاداء عموماً وخصوصاً الاداء الجسدي / الراقص.

إن الحركة - أية حركة - هي تغيير من وضع الى آخر، وتعرف الحركة ((بأنها انتقال جسم معين من حال الى حال زمنياً ومكانياً))(22). وتستلزم الحركة صفات محددة منها، الاتجاه “يمين، شمال، اعلى، اسفل” والسرعة ” بطيئة، سريعة، متوسطة” وكذلك الطاقة والتي هي صفة أساسية لإنجاز الحركة وهي الجهد المبذول او التحكم بذلك الجهد للوصول الى الانجاز الحركي، والتقدم الذي يعني عدد التغييرات المتحققة ضمن ذلك التقدم الحركي (23)، والحركة الراقصة قد تكون موضعية او انتقالية، وتحتاج الحركة الانتقالية الراقصة الى مجهود عضلي أكبر من الحركة الموضعية الراقصة في الأغلب، فالايقاع الحركي ((هو التغيير المنظم في المكان وإيقاع الحركة هو العلاقة بين الطاقة المخزونة والطاقة المستهلكة. ويتأثر الإيقاع بالتتابع الحركي… فالجسم المتحرك أكثر مؤكداً من الثابت)) (24).

إن التتابع الحركي يعني مجموعة حركات تكمل بعضها في تشابه مع الجملة الكلامية، فالحركة الواحدة في الجملة الحركية بمقام الكلمة في جملة طويلة، فإذا كانت الكلمة لوحدها لا تكشف عن معنى الجملة، فكذلك الحركة الواحدة لا يكتمل بها المعنى، فالتتابع الحركي يعني اختيار حركي معين وترتيبه في أنساق معينة تنظيمية تهدف الى ايصال معنى ما من خلال سياق معين لمجموعة حركية مشكلة لجمل جسدية تدل عن مفاهيم وأفكار قد لا تقدر الجمل الكلامية ان تقولها. وحركة الرقص وإيماءاته ((ليست إيماءة حقيقية، بل مفتعلة.. إنها حركة حقيقية فعلية، ولكنها تعبير ذاتي مفتعل)) (25)، فالطاقة أو القوة تسفر عنها ”حركة، قفزة، إنحناءة،…” للتعبير عن المعنى بوسيلة حركية بدل الوسيلة اللفظية، فالحركة ((هي جوهر الرقص ومادته كما انها - حرفياً - الموقع الذي يكمن فيه معناه)) (26)، لكن ذلك لا يعني استغناء الراقص الكوريغرافي عن العناصر المسرحية الأخرى، بل تتمايز أدوارها مثل ” الديكور، الزي، المكياج” فالإضاءة المسرحية في العرض الراقص قد تحظى بدور متقدم عن المسرحية غير الراقصة وذلك لما يمكن أن يحققه الضوء من وظيفة حسية مساعدة للحركة، ((يجب أن يكون التنويع والتغيير في تركيز الإضاءة سريعاً مع ملاحظة تناسبها وانسجامها مع ايقاع وجو الحركة)) (27)، فاللون يتشكل ايقاعياً مع الحركة من خلال التأكيد او عدمه، إضافة الى التوضيح والفرز والعزل والتصغير ،اضافة الى دلالة اللون والضوء الفلسفية / والجمالية في تحقيق الإلهام الطقسي للعرض الراقص. اما الموسيقى فتمارس دوراً كعنصر مؤسس ومساعد في الرقص و الرقص الكوريغرافي، سواء أكانت ملحنة خصيصاً للعرض او تم اختيارها، فهي تؤكد التزامها بالايقاع والمقامية(**)، و أن الراقص - والممثل ايضاً - بحاجة الى معرفة اولية / اساسية. للاوزان الموسيقية والمفاتيح اللحنية من خلال التثقيف الموسيقي العام / العالمي، والخاص / المحلي، فهناك ايقاعات عديدة للموسيقى الغربية منها “4/4،2/4،3/4” وغيرها، كما أن هناك إيقاعات عربية ومحلية منها إيقاع “الجورجينا” و ”ايقاع المصمودي الكبير” و ”إيقاع الهيوه” وغيرها من الإيقاعات المحلية / العراقية (مثلا). و تتأسس بنية الإيقاع الموسيقي عموماً على “دم” ضربة قوية، و”تك” ضربة خفيفة و”سكوت”، ويختلف عدد الدم، التك او السكون” من ايقاع الى آخر(28). وتتكون الحركة الراقصة من مجموعة حركات صغيرة وتسمى ((الوحدات الحركية الصغيرة”احاريك Kinemes” والتي ترتبط قواعدياً مع أشكال حركية أخرى، بشكل بالغ التعقيد - مركب أشكال الحركة Complex Kinemorphs)) (29) وأن لكل وحدة حركية صغيرة إيقاعها الحسي الخاص - و ليس الزمني - والذي يساهم في إطلاق وتحديد إيقاع الجملة الحركية حسياً واضافة الى الإيقاع الزمني المحدد، باعتبار أن عدة أعضاء جسدية تسهم في إنجاز الجملة الحركية، فحركة الكف - مثلاً - لها إيقاع يختلف عن حركة الذراع بأكمله، وحركة القدم تمتاز بإيقاع أقوى من حركة اليد المنسابة، وإذا ما ساهم الجذع فسوف يضاف إيقاع حركي / حسي آخر - إضافة الى الإيقاع الزمني- وبالتالي تخرج عدة إيقاعات نتيجة مساهمة أطراف عدة من الجسد في الجملة الحركية، أما التشكيلات والتكوينات والتي تتميز بالصلابة والثبات وربما حتى الجمود في الحركة(30)، كما في وضعية راقص / راقصة “الفلامنكو” او وضعيات مصارع الثيران “الاسباني” الجسدية، فالرأس يميل لأحد الجانبين والنظر الى الأرض، والجسم متصلب / مشدود واليدان تأخذ وضعاً مغايراً للرأس والجسم، والخصر يتجه الى أحد الجانبين وغيرها من تفصيلات جسدية .

إن التشكيل / الوضعيات في المسرح الراقص / الكوريغرافي يعول عليها كثيراً في التصميم الحركي، بهدف استثمار وتوظيف أجساد المجموعة المشاركة في الرقص، حيث تتشكل وتتكون تلك الأجساد مزهرة عن ايقاع متنوع، فكل راقص / مؤدي له إيقاعه الجسدي الخاص والمختلف عن ايقاع زميله، سواء أكان ذلك الايقاع نابعاً من الحس الشخصي للراقص او بسبب بنية وهيئة جسد الراقص نفسه ”الطول، المقاييس الجسدية” واختلافها عن راقص آخر، إضافة الى الإيقاع الموسيقي، فـ ((الموسيقى الحديثة تبرز ايقاعات الرقص… أكثر من ابرازها للهارموني او التوافق النغمي كما انها توجه اهتماماً أكبر نحو الصورة أكثر من اهتمامها بالحرفية الموسيقية عالية المستوى)) (31).

إننا نرى بأن هناك وفرة إيقاعية في العرض الراقص وذلك ما يميزه عن عرض آخر، فإذا كان الإيقاع = زمن. ففي العرض الراقص يكون الإيقاع = زمن + حس + شكل. فالحركة الراقصة هي الشكل والمعنى في آن واحد. ((ان الايقاع الحركي على المسرح يرتبط بالتقسيم الديناميكي الزمني للحركة، إذ يمكن للمتلقي ان يحس بحالة التوتر القائمة بين الشخوص والأحداث في العرض المسرحي وتمثلها في نفسه)) (32). إن الحركات الراقصة - على اختلاف أنواعها - تحتوي على مجموعة شحنات تنتقل عن طريق الدم، ونشاهد انعكاسها على وجه الراقص، احمرارًا، فرحاً، ألقاً، فطاقة الحركة متغيرة تبعاً لنوع الحركة ما بين السريعة / القوية  /المتوترة، أو الإنسيابية / المرنة / اللزجة، او المتعرجة / المتكسرة / الحلزونية… وغيرها، فكل حركة من هذه الحركات لها طاقة معينة وشحنات محددة، قد لا نتمكن من قياسها إلا بواسطة أجهزة معينة، لكن تلك الطاقة التي يؤكدها “باربا” موجودة حتماً لأن المتلقي يحسها وإن لم يكن مشاركاً في الرقص، فالشحنات طاقة تنتقل في المكان وليس في الجسد الواحد فقط (33). ويرى “باربا”، بأن الحركة تتضمن طاقة “ذكرية Animus” وطاقة “أنثوية Ana” وأن هذين النوعين من الطاقة ليست لها علاقة بجنس الممثل / او الممثلة وحتى جنس الشخصية المؤداة، وهي عنصر متواري لدى الرجل والمرأة. إننا نشابه هاتين الطاقتين، كما الهرمونات الذكرية والأنثوية لدى الرجل او المرأة فهي - الهرمونات - تتكشف أو تتوارى بحسب نوع الجنس ولكنها موجودة لدى الجنسين، و أن طاقة (Animuse & Anima) بحسب “باربا” لا تنتمي الى السلوك اليومي / الحياتي للرجل والمرأة، بل انها تنتمي الى طاقة الممثل في المستوى غير التعبيري”un-Expressif” لدى الرجال والنساء، و نراها متجسدة في المسرح الشرقي / الآسيوي لفن “الاوناجاتا”(34).

وكما يرى”يونغ” وأتباع مدرسته، بأن النفس الإنسانية تحتوي على مستويين هما “مذكر Animus” و “مؤنث Anima” يوجدا لدى كل إنسان رجلاً كان أم امرأة، و أحياناً يتخاصمان او يتعاونان (35). لكن “باربا” لا يرى علاقة ما بينه وبين “يونغ” في “الانيما و الانيموس”(36).

ويرى “باشلار” متأثراً بطرح “يونغ”، بأن (( حلم اليقظة في أبسط وانقى حالاته، ينتمي… الى الانيماAnima)) (37)، بمعنى أن “باشلار” يربط مستوى “Anima” كونه سبباً للراحة والسكينة في الحلم. اما الكوابيس والقتل والخوف فهو بسبب المستوى الثاني “Animus”.

ويتميز الرقص الهندي بقطبية او مبدئية الرقيق ويسمى ” لسايا Lasya” والنشيط ويسمى “تندافا Tandava” وهي طريقة لأداء الحركات لا علاقة لها بجنس المؤدي، ويمتد هذان العنصران في الرقص الهندي الى جميع العناصر المشاركة في العرض “كالحركة، الأزياء، الموسيقى” وكذلك نجده في رقصات “بالي”(38). إن الطاقة المصاحبة لأية حركة “الأنثوية والذكرية” يحصل عليها الممثل / الممثلة. بحسب “باربا” من خلال التدريبات الحركية والنفسية، بهدف الإفادة منها في تجسيد الشخصيات حركياً، سواء أكانت حركات راقصة او حركات مسرحية، فعلى سبيل المثال إن شخصية “عطيل” - قبل وقوعه في الشكل - تمتاز بحركات قوية / مباشرة / صلبة، ذات طاقة ذكرية “Anima”، أما شخصية “ياغو” فذات حركات ملتوية / لزجة / غير مباشرة / متموجة، ذات طاقة “أنثوية Anima”.

إن الطاقة “الأنثوية والذكرية” وسيلة لإدراك جسد الممثل / الممثلة، للوصول الى أقصى درجات التحكم به، وفرصة لإبراز براعته / براعتها(39)، وأن بالإمكان الإفادة منها في شخصية المرأة المتسلطة او العاملة / او المُمتهِنة لمهنة عضلية، حيث تبرز الممثلة الطاقة “ الذكورية Animus “ كطابع حركي للحركات الجسدية الراقصة والحركات المسرحية عموماً. أننا نرى بأن الطاقة “الذكرية والأنثوية” هي بمثابة نبض ايقاعي للحركة التي تؤديها الممثلة / أو الممثل والتي بإمكانها أن تكشف عن حياة الشخصية - دون الحاجة الى القول - من خلال التركيز على تلك الطاقة النابضة والمعبرة عن الفكرة الفلسفية للشخصية او العرض المسرحي الراقص وغير الراقص للوصول الى الخصائص الشمولية للجسد حيث يلجأ الراقص / المؤدي / الممثل الى التأكيد على ايقاعية الحركة، وذلك من خلال التنقل ما بين التوتر والتقطيع والانسيابية و الشدة والمرونة وغيرها من عناصر الحركة والتي تعلن عن الطاقة المصاحبة للحركة المؤداة، وليس المقصود من الطاقة “الذكرية والأنثوية” الجهد “Effort” العضلي المطلوب لإنجاز الحركة، فالحركة الانسيابية / المرنة / أو السائلة، بحاجة الى جهد عضلي ايضاً، ويتحقق الجهد من خلال الانبساط والشد للعضلات اضافة الى العظام والمفاصل والأعصاب والشرايين والأوردة، فجميعها تشارك في تحقيق الانجاز و الإحساس الحركي لحركة بعينها (40). إن الأداء في الرقص الكوريغرافي ينظر اليه ((على انه فعل جسدي يجسد خصائص عالمية معينة مثل الرشاقة، النسبة، التوقيت))(41)، حيث تتحول لغة الجسد الحركية إلى مؤشر للتشابه الجسدي والشمولية. وأن الممثل المسرحي - كذلك الراقص - بحاجة الى زمن تدريبي معين، بهدف الحفظ وتثبيت الحوار المسرحي / الملفوظ، وتساهم الحركة المسرحية “اليومية والجمالية” من تمكين الممثل من عملية الحفظ وذلك عن طريق ربط حركة معينة او ايماءة جسدية / حركية بجملة حوارية، فغالباً ما يجد الممثل صعوبة في حفظ الحوار / اللغة، وقد يلجأ الممثل الى استراتيجية معينة لتركيز وتثبيت الحوار عن طريق الحركة أو الإيماءة، فالتقدم - مثلاً - نحو طاولة أو رفع الكأس أو الإمساك بالكرسي، هذه الحركات والإيماءات الجسدية أو الإشارية تسهل عملية ربط الحوار المعين لجملة ما، بالحركة او الإيماءة ، فالذاكرة بشكل عام لا تحفظ الأرقام أو الكلمات بل تحفظها على انها صورة، والمعلومة - أيا كانت - تحفظ بداية في الذاكرة سريعة الحفظ، وبعد أن ترمز تنقل الى الذاكرة طويلة المدى(42) والحركة باعتبارها متشكلة صورياً / شكلاً، تمتاز بسهولة الحفظ وتسريعه وتثبيته في الذاكرة كما تساهم الموسيقى وإيقاعاتها في المسرح الراقص / الكوريغرافي في تسهيل وتسريع الحفظ للحركة - أو الحوار- إضافة الى إيقاع الحركة ذاتها، فالايقاع يتشابه مع الكلام المقفى او السجع، والذي يقوي الذاكرة (43)، ويسهل عملية الحفظ طويلة المدى، مما يجعل الإفادة منه ضرورية للممثل / المؤدي / الراقص، سواء في المسرح الراقص او الأنواع المسرحية الأخرى.

المصادر والهوامش

(1) سامي،عبد الحميد:حركة الممثل في فضاء المسرح،بغداد:المركز العلمي ط1،س 2011،ص12.

(2) خزعل،الماجدي:موسوعة الفلك،(عمان- الأردن)، دار أسامة للنشر،س 2001،ص19.

(3) عبد المحسن،صالح:الزمن البيولوجي،عالم الفكر،المجلد الثامن،العدد الثاني،ص 358.

(4) ينظر: داريوفو،دليل الممثل،تر،هند مجدي،مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي(16)،س2004،ص67.

(5) جيلين ويلسون، سيكولوجية فنون الأداء، ترجمة شاكر عبد الحميد، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، س 2000، ص 281.

(*) بخصوص نشأة الغناء والموسيقى، يرى (دارون) بأنهما قد ظهرا كشكل من أشكال إبداء الغزل، في حين يرى (سبنسر) بأننا حين نستثار ترتفع أصواتنا وتحدد الفواصل وتنتظم المسافات بين الكلام، في حين يؤكد(نادل) بأن الموسيقى والغناء هي لغة خاصة اخترعها الإنسان البدائي باعتبارها تشبه كلام الآلهة والشياطين، بهدف استخدامها في الأحداث الغير عادية لمعرفة المزيد، ينظر: جيلين ويلسون: المصدر السابق، من ص 277-284.

(6) سامي عبد الحميد: حركة الممثل في فضاء المسرح، مصدر سابق، ص12.

(7) ينظر: المصدر السابق،ص12.

(8) عبد الكريم،صريح الفضلي: تطبيقات البيوميكانيك في التدريب الرياضي والأداء الحركي، الأردن: دار دجلة،ط1،س 2010، ص360.

(9) فاطمة عبد الحميد السعيد: الأسس العلمية والتشريحية لفن الباليه، الهيئة المصرية العامة للكتاب، س 1973، ص 78.

(10) ينظر: سامي ، عبد الحميد:حركة الممثل ،المصدر أعلاه، ص 13.

(11) عبد الكريم صريح الفضلي: تطبيقات البيوميكانيك، مصدر سابق، ص13.

(12)ينظر: جين نيولاف: منهج لابان للممثلين والراقصين، ترجمة نيفين جلال الدين، مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي(10)، س 1998، ص 65.

(13) ينظر: المصدر السابق، ص 66.

(14) ينظر: عبد الكريم صريح الفضلي: المصدر أعلاه، ص 362.

(15) المصدر السابق ذاته، ص 381.

(16) جوزيف شايكين: حضور الممثل، ترجمة سامي صلاح، القاهرة: مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (17)، س 2005، ص 105.

(17) ينظر: المصدر السابق،ص106.

(18) ينظر: جين نيولاف: منهج لابان، مصدر سابق، ص 154.

(19) المصدر السابق ذاته، ص 154.

(20) ينظر: روبرت لويس: نصيحة للممثلين، ترجمة سامي صلاح، مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (12)، ص 48-51.

(21) ينظر: روبرت لويس: نصيحة للممثلين، ترجمة سامي صلاح، مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (12)، ص52.

(22) سامي عبد الحميد: حركة الممثل في فضاء المسرح، مصدر سابق، ص 45.

(23) ينظر: المصدر السابق والصفحة ذاتها.

(24) ينظر: المصدر السابق ، ص 6.

(25) نك كاي: ما بعد الحداثية والفنون الأدائية، ترجمة نهاد حليمة، القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، ط 2، س 1999، ص 131.

(26) المصدر السابق، ص 133.

(27) فرانك هوايتننج: المدخل الى الفنون المسرحية، ترجمة كامل يوسف (وآخرون)، (القاهرة)، دار المعرفة، س 1970، ص 379.

(**) “المقامية Tonality”وهي التسمية التي تطلق على لحن مقطوعة معينة لتمييزها عن المقام اللحني لأخرى، ويتكون المقام من نغمات محددة صعوداً او هبوطاً وغير مقيد التتابع ،ويسمى المقام باسم الدرجة الموسيقية” التون ” التي يبدأ منها، وهناك مقامات غربية وأخرى شرقية ”عربية وعراقية” وتمتاز بأنها تحتوي على نغمة ربع “التون” والذي لا يتوفر في الموسيقى الغربية اضافة الى نغمة نصف “التون” والذي يتواجد في الموسيقى الغربية والشرقية(الباحثة).

(28) ينظر: قاسم بياتلي: ذاكرة الجسد في التراث الشرقي الإسلامي، بيروت: دار الكنوز الأدبية. ط1، س 2007، ص (109-111) .

(29) اكرم اليوسف: الفضاء المسرحي، دمشق: مطبعة الوفاء، س 2009، ص 127.

(30) ينظر: المصدر السابق، ص 112.

(31) جيلين ويلسون: سيكولوجية فنون الأداء، مصدر سابق، ص 276.

(32) يحيى البشتاوي: الوظيفة وموتها في العرض المسرحي، الأردن: مطبعة الروزنا، س 2007، ص 140.

(33) ينظر: قاسم بياتلي:الوشاح الذهبي،الرقص في المجتمع الإسلامي، بيروت: دار الكنوز الأدبية، ط 1،س 1997، ص 78.

(34)ينظر: ايوجينو باربا (وآخرون): طاقة الممثل مقالات في أنثروبولوجيا المسرح، ترجمة سهير الجمل، مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (11)، س 1999، ص 67.

(35) ينظر:غادة الامام: جماليات الصورة - جاستون باشلار، التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1،س 2010، ص 352.

(36) ينظر: ايوجينو باربا، زورق من ورق عرض المبادئ العامة لأنثروبولوجيا المسرح، ترجمة قاسم بياتلي، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، س 2006 ، ص 114.

(37) ينظر:غادة الامام: جماليات الصورة - جاستون باشلار، التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1،س 2010، ص 352.

(38) ينظر: ايوجينو باربا: زورق من ورق، مصدر سابق، ص 117-118.

(39) ينظر: ايوجينو باربا (وآخرون): طاقة الممثل، مصدر سابق، ص 70.

(40) سامي عبد الحميد: حركة الممثل في فضاء المسرح، مصدر سابق، ص6.

(41) فيليب اوسلاندر: من التمثيل الى العرض. مقالات حول الحداثة وما بعد الحداثة، ترجمة سحر فراج، مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي (14)، س 2002، ص 118.

(42) جمال الملا: لقاء في برنامج (خطوة) على قناة ابو ظبي الاولى، بتاريخ 5/7/2011.

(43) ينظر: جيلين ويلسون: سيكولوجية فنون الأداء، مصدر سابق، ص 288.


 
 

ماذا عن برتولد بريشت وماذا بعده؟

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

السبت, 19 آب/أغسطس 2017 18:42

ماذا عن برتولد بريشت وماذا بعده؟ همسات في ذكرى رحيله

بقلم عبد المجيد أهرى

في مثل هذا اليوم، رحل الشاعر والكاتب والمخرج والمنظر المسرحي السيد برتولد بريشت، ويسجل (برنار دورت):”في 14 من شهر غشت، و على الساعة الثالثة و العشـرين والدقيقة الخامسة والأربعين، توفي بريشت عقب انسداد في نسيج القلب العضلي، في منزله بمدينة برلين. بعدما دخل المستشفى على إثر نزلة زكام، ثم أشرف يوم 10 من الشهر ذاته، على التدريب النهائي لمسرحية (حياة غاليليه)” لقد توفي بريشت، وهو القادم من الغابات السود الباردة إلى زمن الفوضى:

“لقد جئت من الغابات السود.. أنا برتولد بريشت

عندما أتت بي أمي إلى المدن

كنت لا أزال في أحشائها جنينا

وسيبقى برد الغابات في أعماقي حتى الموت.

أنا في داري داخل المدينة المزفتة، وللحال

منحت الأسرار الأخيرة

من صحف وتبغ وكحول

وكنت حذرا، كسولا ومع ذلك مسرورا.

أنا مع الناس ودود، ألبس

قبعة مستديرة وفقا لعاداتهم

أقول: إن لهذه البهائم رائحة مستغربة،

وأقول أيضا لا بأس في ذلك، أنا مثلهم.”

 

لقد انتفض برتولد بريشت على موقعه الطبقي، وتبنى موقفا نقديا تجاه المرحلة ككل؛ وما المرحلة إلا بداية حرب عالمية أولى، فحروب أهلية، وأزمات اقتصادية، ثم صعود للبؤس النازي، وبعد ذلك، حرب عالمية ثانية، أفقدت الإنسان بوصلته وضميره، وقذفت به نحو جدار برلين. فقد عاش بريشت صعود البؤس وانحطاط ماهاغوني، ودق طبولا في الليل، لعلى الأم كرار تحمل بنادقها، فأبدع للقاعدة ولم ينشد للاستثناء، فتسلح بشجاعة الأم، وكان مثل جاليلي يستشـرف المستقبل. وحينما أحرق مبنى الريخشتاغ، وسيطر النازيون على السلطة، فبدأت ملاحقة كل المفكرين والأدباء، أدرك أنه لا مستقبل له في برلين، فقرر تغيير البلدان أكثر من تغيير الأحذية. ورغم ذلك، فقد ظل يبدع مسـرحا بثلاثة قروش. وبإيمان قديسة المسالخ جان، سخر بشدة من سيرة الدكتاتور  أرتورو أوي الذي لا يمكن مقاومته. لقد كان السؤال الذي يشغل باله دائما بوصفه شاعرا وكاتبا ومبدعا: ما الذي يمكن للفنان فعله للتصدي للكارثة؟ فكان الجواب الوحيد: “هي أن يكتب”، وفي نهاية مشواره، يكتب كذلك (إلى أولئك الذين يأتون من بعدنا)، فيقول:

“حقا، إني أعيش في أزمنة مظلمة

إن لغة، لا خبث فيها دليل على الحماقة،

وجبهة ملساء، دليل على الاحساس

والذي يضحك، لم يتلق بعد النبأ المفجع.

يا لهذه الأزمنة التي أصبح

فيها الحديث عن الأشجار شبه جريمة

لأننا بذلك نصمت عن الكثير من الجرائم

أو لم يعد إذا باستطاعة الذي يعبر الشارع هناك بهدوء

أن يبلغ أصدقائه

الغارقين في الضيق؟

يقولون لي: كل أنت، واشرب.. كن سعيدا بما لديك

ولكن كيف أستطيع أن أكل وأشرب، في حين

أنني أنتزع ما أكل من الجائع،

وكأس الماء من الذي يموت عطشا؟

حقا إني أعيش في أزمنة مظلمة.

جئت إلى المدن في زمن الفوضى

إذ كانت المجاعة تسود فيها

ولدت بين الناس في زمن الفتنة

وتمردت معهم

وهكذا انقضى الزمن

الذي وهب لي على الأرض.

كنا نذهب، يائسين، نبدل البلدان أكثر من تبديل أحذيتنا

في خضم الحروب، بين الطبقات،

هناك حيث يسود الظلم، ولا وجود للتمرد

نحن نعرف أن:

الحقد على الوضاعة، هو أيضا

يغضن الملامح

والغضب على الظلم

يجعل الصوت أجش.. ويا للأسف، نحن

الذين كنا نود تمهيد سبل الصداقة

لم نستطع أن نكون، نحن أنفسنا، ودودين

ولكن أنتم، عندما يحين الوقت

الذي يساعد فيه الإنسان أخاه الإنسان

فلتذكرونا

بتسامح”

لكن ماذا تبقى من (برتولد بريشت) ومسرحه وفكره، بعد واحد وستين عاما عن رحيله؟ لقد بقي كل شيء، ما دمت الأجيال الجديدة، ما زالت تقرأ من بعض مصادرنا ومراجعنا بعد كل هذه السنوات، بكون برتولد بريشت: الرجل الغارق إلى حد غير عادي في الجريمة والانحلال و بالعابث الرومانسـي، بكونه كان فوضويا في مرحلة أولى من حياته و بالعدمية، و بالبهيمية وبالكذب، والأنانية وبالمكر، و بعلاقاته المستبدة بالنساء، و ببخله المادي، و بغموضه وشيوعيته.

كما تعرض مسـرحه لسوء الفهم، بكونه تصاميم للواقعية، و منبرا لخطابات الشيوعية، وبكونه يعلن عن نظرية ماركسية، ولم يفهم على أنه بناء لدراماتورجية حديثة وجديدة وبديلة، وبكون تصوراته الجمالية هي بالأساس تعاليم حول (فن مشهدي) صرف، هذا إلى جانب مصادر أخرى تكرس ـ كما أعلن عبد الواحد ابن ياسر ـ كثيرا من اللبس والمغالطات حول (بريشت) الإنسان، وحول فكره وفنه، وهي غالبا لا تصلح كمصادر للتعرف الحقيقي والموضوعي على هذا المسـرح ورائده، ولا تساعد حتى على تكوين فكرة واضحة عنهما.

وفي الذكرى وفاة السيد برتولد بريشت، يمكن أن نقول، بالرغم من كونه قد أعلن “هذا هو كل شيء”، فإننا نقول: بلى..  لقد بقي كل شيء.. ما دامت جوانب من تخوم ذاكرتنا المسـرحية المدونة حوله وحول مسـرحه وفكره وحياته، تملؤها ثقوب كثيرة لا تكف عن الامتلاء، بتعبير محمد برادة،  فماذا إذن، عن برتولد بريشت وماذا بعده؟ في ذكرى رحيله.

 
 

النظرية الشعرية بين نص المؤلف ونص المخرج

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الجمعة, 18 آب/أغسطس 2017 18:43

النظرية الشعرية بين نص المؤلف ونص المخرج

بقلم د. عبيد لبروزيين

إن الحديث عن الجدلية القائمة بين نص المؤلف الدرامي ونص المخرج المسرحي، هو في حقيقة الأمر، حديثٌ نسبيا، مقارنة بتاريخ المسرح العريق، لأن وظيفة المخرج لم تظهر إلا في القرن الثامن عشر مع الدوق ساكس منينجن، ومنذ ذلك الحين، أصبح المخرج يضطلع بدور كبير في تشكيل معالم العروض المسرحية، حيث يعبر عن تصوراته وتوجهاته في الرؤية الإخراجية التي تكوّن، عادة، رؤيته للعالم.
وأمام المكانة المهمة التي أصبح المخرج يحظى بها في المسرح الحديث والمعاصر، ستقوم الدراسات المسرحية باستثمار السيميائيات في دراسة الجانب الفرجوي، أو ما يسمى بالنص الفرجوي، والمقصود عوالم الخشبة المسرحية وما تزخر به من رؤية إخراجية، وديكور، وسينوغرافيا، وإضاءة، وتمثيل. وهكذا أصبحت مكونات العرض المسرحي معطى للقراءة والتأويل، بعد أن كان النص الدرامي مركز العمل المسرحي، فانتقلنا من هيمنة خطاب المؤلف إلى هيمنة خطاب المخرج.
المسرح بهذا المعنى، فن أدبي و فرجوي بامتياز، لأنه يتكون من نص المؤلف ونص المخرج، أي الرؤية الإخراجية للعرض المسرحي، وبهذا يتم الانتقال من الخطاب الأدبي إلى خطاب الفرجة، أو من النص الدرامي إلى خطاب الركح، الذي يوظف علامات لغوية وغير لغوية des signe non verbaux لبناء معالم العمل المسرحي، ولكن هذا الانتقال الذي يرتبط بتنويع طرق التعبير، طرح إشكالات نقدية كثيرة، لأن نص المؤلف، باعتباره نصا أدبيا، تحكمه العديد من القواعد، والتي تتأطر تحت نظرية الأجناس الأدبية، فجمالية النص الدرامي ترتبط بمقومات الجنس أو النوع، والقصد بنيته التي تميزه عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى، لذلك يمكن القول إن النص الدرامي، و بانتسابه إلى الأدب، لا يمكن تحديد مقوماته الجمالية إلا بربطه بنظرية الأدب، وبالتالي، سيصبح عمل الناقد المسرحي هو دراسة الأدبية أو الشعرية، وذلك بالتركيز على الخصائص النوعية التي تشكل فرادة المسرحية مثل الانزياحات اللغوية، وتوظيف الزمان والمكان، والشخصيات، والصراع الدرامي، والإرشادات المسرحية...إلخ، بينما يستدعي العرض المسرحي، تصورا شموليا يشكل قالبا يستحضر المؤلف والمخرج والممثل و السينوغراف، وكل هذا خاضع لتصور المخرج المسرحي، لأنه يتحكم في جميع مكونات العرض المسرحي، وهنا سينصب دور الناقد على مفهوم التمسرح Théâtralité، من خلال السيميائيات ونظرية التلقي، أو غيرها من المقاربات التي يمكن أن توظف لدراسة الفرجة المسرحية.
وليس الأمر بالبساطة التي قد يبدو عليه، بل إن اختلاف الوسائل العديدة في المسرح، أدت إلى صراع بين سلطة المؤلف وسلطة المخرج، فألفت العديد من الكتب لتوضيح دور كل منهما، غير أن ما يهمنا هنا، ليس رصد هذا الصراع، بل التركيز على جماليات النص الدرامي في علاقته بشعرية العرض المسرحي، وهو الذي يعكس رؤى مختلفة، تبتدئ برؤيا المؤلف وتنتهي برؤيا المخرج، لذلك، فهما يتكاملان في تشكيل العمل المسرحي، وإن كان هذا لا يعني أن كلا منهما لم يستطع تحقيق استقلاليته الخاصة. وإجمالا، إن شعرية النص الدرامي، كنتاج خالص للمؤلف، يحتكم إلى الخصائص المميزة لهذا النوع الأدبي، وبالتالي فإن جماليته، ترتبط ببنيته، وشكله العام، وطريقة مقاربته، بينما يرتبط العرض بمؤثثات الركح في علاقته بالنظريات المسرحية.
إن الفصل بين النص الدرامي والعرض المسرحي، أو بين نص المؤلف والمخرج، هو من بين المزالق الكبيرة التي وقع فيها المسرح الحديث والمعاصر، ذلك أن كلا منهما يكمّل الآخر، فكل قارئ لأي عمل أدبي، يعد مخرجا بالضرورة، لأنه يستعمل خياله لتأويل الرموز اللغوية ليبين أفكار النص، فيرسم في أخيلته، ما يتوهم أنه يقرأه، وبالتالي فكل مؤلف مخرج وكل مخرج مؤلف بعديّ.
إن اعتبار النص الدرامي نصا أدبيا، يجعله يحتكم لشروط النتاج الأدبي، وإلى تطور النظريات الأدبية والمناهج النقدية، منذ الشكلانيين الروس إلى ما بعد البنيوية، وهذا يجعلنا نعود إلى ياكوبسون الذي يعتبر الأدبية بأنها هي "التي تجعل من إنتاج ما إنتاجا أدبيا" ، وهذا يعني مراعاة عناصر المسرحية ذات الخصائص الأدبية، وذلك بالتركيز على الانزياحات اللغوية، وبنية النص الدرامي (الشخصيات، الزمان المكان، الصراع...)، وطريقة توظيف هذه العناصر هي التي تجعل النص الدرامي إنتاجا أدبيا.
والعناية بهذه العناصر الأدبية، أيضا، من طرف النقاد والدارسين للمسرح، جعل المؤلف يهيمن –ردحا طويلا من الزمن- على العمل المسرحي ككل، قبل أن نصل إلى عصر سماه رولان بارت في إحدى مقالاته بعصر الصورة، حيث هيمنت الوسائل البصرية على المجتمعات الحديثة، وأصبحت وسيلة للمعرفة، وشكلت وعي الإنسان بنفسه وبالواقع، لذلك، يعد البصريّ والمشاهد من سيمات العصر الحديث، خصوصا بعد توالي ظهور النظريات الأدبية، ومن هنا أصبح المسرح يولي عناية خاصة بالجوانب البصرية في العروض، حيث دخل عوالم التجريب لتظهر سلطة المخرج من جديد، وما أقصده بسلطة المخرج، هو دوره في رسم معالم العرض المسرحي، وليست السلطة بمعنى السيطرة والهيمنة. وحتى الذين يتحدثون عن الصراع في المسرح، هم في حقيقة الأمر، لا يميزون بين التأليف والإخراج بكونهما مهنة، وبين كونهما إبداعا يستقل كل واحد عن الآخر بطرائق التعبير، وانتساب الأول إلى نظرية الأدب والثاني إلى نظرية الفرجة.
تقوم حقيقة الصراع بين المؤلف والمخرج عندما قام هذا الأخير بتقليص الملفوظ الحواري على خشبة المسرح، واعتنى بالجماليات البصرية من خلال تجريب طرق جديدة في التعبير، تعتمد بالأساس على توظيف التكنولوجيا والاكتشافات العلمية، وهكذا "نخلص إلى أن التجريب في المسرح الغربي كان هو أسلوب البحث عن حداثة مسرحية تبتعد عن السلطة الأحادية للنص، وترتمي في أحضان جمالية فضائية" .
لقد فتح التجريب آفاقا واسعة للمخرج ليبني رؤيته الجمالية على مكونات بصرية، واتسع دوره ليتجاوز الترجمة الحرفية للنص الدرامي، بل أصبحت اللغة الملفوظة فوق خشبة المسرح تتراجع عن مكانتها الرئيسة، و تقلصت هيمنتها الطويلة في المسرح الكلاسيكي، حيث ظهر مايرخولد و كروتوفسكي و أرطو وغيرهم، يدعون إلى اعتماد لغة الجسد والتركيز على اللغة البصرية، خصوصا بعد تأثرهم بالمسرح الشرقي فـ"لإيجاد التأثير الذي كان يرغب فيه أرتو، سعي إلى لغة مسرحية تقوم أولا على الحركة والصوت، وهو بالنسبة لفكرته عن الحركة يدين بالفضل إلى إدراكه لكنه المسرح الشرقي" .
لقد استطاعت التجارب المسرحية الحديثة والمعاصرة، الحد من سلطة المؤلف، بل جعلت أمثال رينيه ويليك، وأوستن وارين في كتابهما "نظرية الأدب" يقران على أن "المسرحية مازالت كما كانت بين الإغريق فنا مختلطا، أدبيا بشكل مركزي ولا شك، لكنه يشتبك أيضا بالعرض يستفيد من مهارة الممثل والمخرج وصانع الأزياء ومهندس الكهرباء"  وهكذا كان المسرح فنا مختلطا باحتوائه أجناسا أدبية مختلفة، وأشكالا فرجوية متعددة. إن النص الدرامي بهذا المعنى، نص مسرحي بامتياز، أي أنه نص أدبي و فرجوي، وهذا يعني أنه فن مختلط، حيث يحتوي على خصائص أدبية و فرجوية في الآن نفسه، وكل تصور حول الظاهرة المسرحية يستبعد جانبا من هذه الجوانب يعد تصورا ناقصا.
إن الخروج من هذا المأزق، يستوجب إقامة تصور شامل حول الظاهرة المسرحية باستحضار أبعادها المتعددة، وهو ما نلمسه، حتى الآن على الأقل، في النظرية الشعرية باعتبارها نظرية عامة للأدب والفرجة، وهي قادرة على أن تكشف الخصائص الجمالية والفنية لخطاب المؤلف والمخرج معا، لأن ما يهمنا هنا، ليس رصد الصراع التاريخي بينهما، وهيمنة خطاب على آخر، بقدر ما نصبو إلى الوقوف عند الخصائص النوعية لكل منهما.
تثير النظرية الشعرية العديد من الإشكالات الإبستيمية والإيتيمولوجية، الأولى تتعلق بتاريخ الأدب والفرجة، وما حققاه من تراكم كمي، والثانية ترتبط بالأصل اللسني للكلمة، فهو بمعنى من المعاني، يبحث عن مميزات وخصوصيات الخطاب الأدبي و الفرجوي على حد سواء. لكن المسرح - ولكونه فنا بصريا بامتياز- يحتوي في بنيته التعبيرية المركبة أكثر من خطاب، يتجاوز من خلاله النص الدرامي إلى العلامات الركحية التي تشكل العمل المسرحي، وهذا ما يجعل من الشعرية نظرية قادرة على استنطاق النص والعرض على ضوء المناهج النقدية الحديثة.
والشعرية في علاقتها بالمسرح، لا بد لها من رصد الخصائص الفنية للنص الدرامي، الأمر الذي لا يتحقق إلا من خلال وضعه في سياق تطور نظرية الأدب، والوظائف التي تحكمه، فهو يضطلع "بثلاث وظائف: وظيفة درامية، وظيفة شعرية، وظيفة تواصلية، بالنسبة للوظيفة الدرامية، إن النص المسرحي هو أولا الذي يحمل الفعل  l'action وأحيانا يفسره. إن الحوار محمل بمعلومات واضحة أو مضمرة تتعلق بجريان الفعل أو الحدث. لكن –هذه الوظيفة الثانية- للنص المسرحي وظيفة شعرية، ذلك أنه يستعمل مثل أي نص أدبي، كل الحيل أو المهارات الكتابية، استعارات Métaphores كتابات   Métonymies وهو بذلك يستجيب لغاية جمالية".
إن هذه الوظائف الثلاث، هي التي تجعل النص الدرامي نصا أدبيا قابلا للدراسة الأدبية، ولكن التركيز على الوظيفة الثانية، أي الوظيفة الشعرية، تجعل الشعرية قادرة على رصد المقولات الجمالية للنص الدرامي. أما بالنسبة للعرض، فإن الشعرية تركز على دراسة العلامات غير اللغوية من قبيل الحركات والإيماءات والديكور والإضاءة وغيرها من العناصر الركحية الأخرى.

الهوامش

1- جون كوهين، اللغة العليا، النظرية الشعرية، ترجمة أحمد درويش، المجلس العلمي للثقافة، ط 1975 ص: 9.

2- سعيد الناجي، التجريب في المسرح، التجريب بين المسرح الغربي والمسرح العربي، دار النشر المغربية، ط1 1998، ص: 62

3- جمال أحمد عبد الرحمان عجوز، الديكور والأزياء بين عناصر السينوغرافيا، عالم الفكر، ع 1 ص: 302.

4- رينيه ويليك أوستن وارين، ترجمة محي الدين صبحي، نظرية الأدب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1987، ص: 240.

5- أحمد بلخيري، نحو تحليل دراماتورجي، دط، دت، ط 2004، ص: 97.

 
 

أفينيون: تعثر الاختيارات لكن لا يزال إبسن عظيماً

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الثلاثاء, 08 آب/أغسطس 2017 11:06

مهرجان أفينيون: تعثر الاختيارات لكن لا يزال إبسن عظيماً



بقلم الدكتور صبري حافظ / أفينيون

 

أنهيت مقالي السابق عن الأعمال البينية التي شاهدت منها عملين مدهشين في هذا المهرجان، قدمتهما للقراء فيه، بتأكيد الحديث عن درامية العمل الذي يعرض على خشبة المسرح مهما كانت تصنيفاته النوعية. فالدراما هي روح العرض التي لا يستطيع دونها أن يكون جديرا بالتقديم على الخشبة والانتماء لهذا الجنس الفني الخالد. فبدون بنية درامية ناظمة لا يمكن التعامل مع أي عرض على أنه ينتمي حقا لفنون العرض المسرحي، مهما كان تصنيفه. وقد ضم المهرجان الرسمي الذي تجاوزت أعماله الأربعين عدة أجناس أو تصنيفات فرعية، وهي كلها تصنيفات تساهم في توجيه تلقي المشاهد للعمل، لكن مدى نجاحها يتوقف على مدى استيعابها لروح الدراما تلك في بنيتها الجديدة. فقد كانت هناك أعمال من المسرح الخالص، ولكن كانت هناك أيضا أعمال صنفت على أنها رقص Dance/ أو مسرح غنائي Theatre-Musique/ أو حلقات مسرحية Feuilleton Theatrale/ أو مسرح عرائس Marionnette/ أو عرض بيني Indiscipline، وهي كلها أنواع أو أجناس من العرض يعتمد نجاحها على درجة وعيها بدراميتها، ونجاحها في تجسيد تلك الدرامية بأساليبها المختلفة. وإلا صُنّف العمل خارج مجال العروض المسرحية كلية، كما فعل المهرجان في تصنيفه لعمل ليوبولد سيدار سنغور Leopold Sedar Senghor (1906-2001) الذي يتوج به احتفاليته بإفريقيا هذا العام لآخر ليلتين من المهرجان، بعنوان (امرأة سوداء Femme Noire) بأنه أدب – موسيقى Litterature-Musique بالرغم من وضعه في ساحة الشرف بالقصر البابوي، احتفاء بالمكانة الكبيرة التي حققها الشاعر والمفكر والمناضل الذي أصبح أول رئيس للسنغال بعد تحررها. لأنه في حقيقة الأمر قراءة لمختارات من شعر أول إفريقي ينتخب في الأكاديمية الفرنسية، مع عزف للموسيقى.

وباستثناء هاتين الليلتين الختاميتين، وقد صنفتا على أنهما ليلتان للأدب أو بالأحرى للشعر والموسيقى، فإن الأعمال المختلفة التي جرى تصنيفها على أنها أنواع من فنون العرض، يعتمد نجاحها على درجة دراميتها إن صح التعبير. فإذا ما أخذنا عروض الرقص الحديث، والتي أخذت تحتل مكانها كمكون أساسي بعدد من الأعمال المسرحية الاستعراضية وأعمال المسرح الشامل، أو كعروض مستقلة للرقص الحديث الذي يعتمد أساسا على قدرات الجسد البشري على الحركة والتعبير، سنجد أن نجاحها يعتمد كثيرا على درجة دراميتها. وخاصة أننا يمكن أن ننظر للعلاقة بين المسرح وعروض الرقص الحديث في ضوء تلك التي تخلقت بين المسرح وفن الباليه قبله. لأن الكثير من عروض الرقص الحديث تسعى لمد جذورها في هذين الجنسين كليهما: الباليه والذي أصبحت له قواعده و لغته ومفرداته و أجروميته، و الجانب الاستعراضي في المسرح الشامل؛ وإن كان يسعى إلى الاستقلال كلية عن غيره من عناصر العمل المسرحي، ويكوّن بلغته الحركية والبصرية الخالصة بنيته الدرامية القادرة على استيعاب المشاهد في شبكتها المغوية.

فييستا و تجريدات رقص الفلامنكو المحبطة


وقد شاهدت هذا العام أكثر من عرض ينتمي إلى ذلك الجنس من العروض، ويصنفها المهرجان ضمن عروض الرقص. كان أولها هو العرض الذي ذهبت له وأنا مستعد للاستمتاع بليلة لا بد أن تكون ثرية و باذخة. فقد حمل العرض عنوانا مثيرا: (الاحتفال La Fiesta) بأداة التعريف، وهي المفردة التي دخلت اللغة الإنجليزية على يدي همنغواي بما تنطوي عليه من بهجة وفرح صاخب في الحياة الإسبانية. وخصص له المهرجان أهم فضاءاته، أي ساحة الشرف في القصر البابوي التي تتسع لأكثر من ألفي مشاهد. وهو في الوقت نفسه عرض قادم من إشبيلية، بلد رقص الفلامنكو الشهير والاحتفالات الطقسية الباذخة، الدينية منها والدنيوية على السواء. كما أن ما ينطوي عليه البرنامج من سيرة لمؤلفه أو مصممه إسرائيل غالفان Israel Galvan، يشير إلى أنه قام بتثوير فن رقص الفلامنكو. لكن العرض خيب أملي، وأثار استهجان كثير من المشاهدين، والجمهور الفرنسي يعبر عادة عن استهجانه بشكل سافر.


وإذا أردت أن أختصر سر خيبة أملي تلك في كلمات قليلة، فهي أن العرض لا يعي أهمية أن تكون له بنية درامية، تجعل لحركة العارضين على الخشبة منطقها الداخلي ودلالاتها التي يمكن أن تبلغ المشاهد، وتساهم في إثراء تلقيه للعرض واستمتاعه به، حتى ولو لم يكن مسرحا. لكن لا بد من التفصيل قليلا، والبداية من أن مَن برمج مثل هذا العرض في ساحة الشرف الرحبة أساء له كثيرا! صحيح أن العرض حاول أن يضع صفا من الكراسي في كل جانب من جوانب الخشبة التي يتجاوز عرضها الأربعين مترا، وأن يضع قسما من وقائعه في وسطها، إلا أنه سرعان ما نحا إلى تجميع العارضين في ركن من أركانها، وترك بقية الخشبة فارغة، فبدا إسرائيل غالفان وكأنه مع عارضيه مجموعة تائهة في فضاء المكان الرحب؛ وخاصة أن أغلب الراقصين والعازفين كانوا يتجمعون حول بعضهم في قسم من الخشبة ويتركون باقيها خاليا دون توظيف، ناهيك عن استخدام الحيطان العالية التي تحيط بالفضاء، والتي استخدمها المخرج الياباني في عرضه عن (أنتيغون) ببراعة مدهشة قبله مباشرة في الأيام الأولى للمهرجان. وكان حلول عرض إسرائيل جالفان مكانه كاشفا عن إخفاقه في استخدام إمكانيات هذا الفضاء الكبيرة. هذا فضلا عن أن رغبة جالفان وفرقته في تفكيك رقص الفلامنكو الباذخ إلى عناصره الصوتية والحركية واستخدام مفردات تلك العناصر بطريقة تجريدية خالصة، سلب من الفلامنكو روحه والكثير من ميزاته التقليدية.

فرقص الفلامنكو في عروضه الجيدة له بنيته الدرامية التي يعتمد عليها تطور العرض فيه. وهي بنية تعتمد على إيقاع خاص تنضوي تحته كل مفردات الحركة والسكون فيه. حيث تسري سلطة الإيقاع المطلقة في كل شيء، ويصبح أي نشاز عنها، أو تفلت من سلطتها أمرًا مستهجنًا ومعاديًا لروح الفلامنكو نفسها. إلى الحد الذي يتحدثون فيه عن طغيان الإيقاع في هذا الجنس من الرقص، بمعنى أن الإيقاع هو الطاغية الذي لا يمكن التفلت من سلطته، والذي يتحكم في كل حركات الراقص وسكناته، وإلا خرج الراقص من الإيقاع كما يقولون Fuera de compass. والمدهش هنا أن كلمة الإيقاع المستخدمة في هذا التعبير هي نفسها الكلمة التي تعني البوصلة، أي أداة التوجه، وتعني أيضا الزمن. بمعنى أن كلمة الإيقاع في هذا التعبير تعني أيضا الخروج من البوصلة أو حتى من الزمن نفسه، حيث تنطوي على هذه المعاني كلها في رقص الفلامنكو. لكن إسرائيل غالفان، والذي يتحدر من أسرة تقليدية من راقصي الفلامنكو (فأمه غجرية من أسرة راقصي فلامنكو تقليدية وإن كان أبوه ليس من الغجر)، يسعى كما يقول لنا، إلى التحرر من ذلك الطغيان، وإلى تحطيم الأنماط التقليدية التي يستحيل معها الفلامنكو إلى نسخ مكررة لا حياة فيها. إنه يريد، كما يقول لنا في برنامج العرض، أن ينظر إلى هذا الميراث الثري، الذي ولد وتربى في كنفه، من الخارج، وأن يبدع فيه صيغا مبتكرة يتحول بها إلى فنان، وليس مجرد راقص فلامنكو محترف، يعيد إنتاج ما تعلمه من أفراد أسرته.

وقد فعل ذلك الأمر حقًا في العرض الذي شاهدته، ولم أجد فيه كثيرًا من العناصر التي سبق أن استمتعت بها في عروض رقص الفلامنكو التي سبق لي مشاهدتها على مدار السنين، وفي مختلف البلدان، بما في ذلك إسبانيا. لأنه تعمد أثناء العرض الاستعاضة بالصوت والتصفيق كثيرًا عن الأدوات الموسيقية، في نوع من تجريد الإيقاع إلى مكوناته الأولية، وتخليقه من دون أي أدوات موسيقية. وهو أمر بدا في مستهل العرض مبتكرًا ومثيرًا للاهتمام، ولكنه سرعان ما تحول إلى تكرارات مشتتة لا رابط يجمعها في بنية ناظمة، كما هي الحال في عروض الفلامنكو الجيدة. كما لجأ إلى فصل الإيقاع والموسيقى عن الحركة، وتحرير الحركة منهما معًا كي تصبح هدفًا في حد ذاتها. وبدلاً من العلاقة التقليدية بين الرقص والغناء، نجد أنه يفصلهما في أكثر من مكان، ما شتّت الانتباه أو أحال الغناء أحيانًا وفي بعض تجريداته له إلى صرخات؛ أخذ المشاهدون يسخرون منها عندما واصل تكرارها، فكررها كثير منهم معه. وبالتدريج تحول العرض إلى مجموعة من الاسكتشات المفككة أو المترهلة، حيث لا رابط بينها يدخل المشاهد في قلب شبكتها. ذلك لأن عملية التفكيك التجريدية لمفردات الفلامنكو الإيقاعية والحركية، لم ترافقها بنية ناظمة تؤسس للعرض تماسكه الداخلي ومنطقه السمعي الحركي، برغم استخدام العرض لبعض عناصر الفرجة المسرحية، التي لم يرقَ أي منها إلى براعة حركات ومهارات عروض الفلامنكو التقليدية وبذخ ملابسها المميزة.

جمهورية كالكوتا.. والرقص التعبيري


إذا كان عرض (فييستا) يفتقر إلى البنية الدرامية الناظمة، وهو الأمر الذي عانى منه كذلك العرض التونسي الراقص (بكيت دمعا دون عين) لرضوان المؤدب، فإن ما يعاني منه عرض (جمهورية كالكوتا Kalkuta Republic) لسيرج آمي كوليبالي Serge Aime Coulibaly الذي وفد للمهرجان من بوركينا فاسو هو العكس تمامًا؛ أي الإسراف في الاهتمام بهذه البنية بالصورة التي اقتربنا منها إلى وضع العربة أمام الحصان، لا خلفه، حسب التعبير الإنكليزي الشهير. وقدم العرض في ساحة دير السيليستين العريق، بشجرتيه العملاقتين، وأقواسه التي تمتد على خلفية المسرح. ويقدم مصمم العرض، وراقصه الأول في الوقت نفسه، عرضه في البرنامج على أنه مستلهم من أعمال الموسيقي والناشط السياسي النيجيري فيلا كوتي Fela Kuti (1938-1997)، الذي يعزى إليه خلق الإيقاع الأفريقي Afrobeat وصياغة روح موسيقى القارة السوداء وتمردها. ولا غرو فالعرض نفسه يحمل اسم بيت "فيلا كوتي" على أطراف مدينة لاغوس. وهو البيت الذي سمّاه على اسم أول زنزانة سُجن فيها في لاغوس، وكان اسمها كالكوتا، فأحال بيته إلى جمهورية بديلة تحمل هذا الاسم، مستقلة عن جمهورية نيجيريا الفيدرالية الغارقة في وحول الفساد والطغيان؛ فتحول ومن بعده قبر كوتي الذي سار في جنازته أكثر من مليون نيجيري، إلى مزار يحج إليه أنصار الفنان من المتمردين على فساد أفريقيا، والمعارضين لحكوماتها، والراغبين في مستقبل أفضل لها.


ويبدو أن سيرج آمي كوليبالي أحد هؤلاء الحجاج بالمعنى الاستعاري هنا، وقد تحول البيت بعد وفاة صاحبه إلى مزار لفناني أفريقيا وثوارها. أم تراه يحتفل بعشرين عامَا على رحيل ملهمه؟ حيث يقدم عرضًا ينقسم إلى قسمين عنون أولهما "بدون قصة يصيبنا الجنون" وهو العنوان الذي ظهر بالإنجليزية في أعلى أقواس خلفية المسرح. حيث يتحول الفضاء من خلال الإكسسوارات البسيطة إلى مزيج من الضريح والنادي الليلي لموسيقى "الجاز". ويبدأ العرض الذي يقوم به سبعة راقصين ويدور على موسيقى كوتي الصاخبة بطقس أقرب إلى الصلاة، وهو الأمر الذي كان يفعله كوتي عندما يبدأ عروضه بنوع من الصلاة مع جمهوره، قبل أن يعزف موسيقاه التي يستهدف بها إيقاظهم من سبات الإذعان واللاجدوى. ويبلور لنا العرض من خلال أسلوب الرقص التعبيري، ما يعلن عنه عنوانه، وهو التخبط الذي تعاني منه دول القارة الأفريقية، أو بالأحرى الجنون الذي تتبدد عبره طاقاتها من دون هدف، أو بالأحرى من دون قصة ناظمة تقود خطى شبابها المترع بالطاقة والحيوية إلى خلاص. فالعرض أيضًا يسعى لتجسيد سيرة فيلا كوتي وثورته من ناحية، وما جرى في بوركينا فاسو من ثورة تطالب بالتغيير والحرية من ناحية أخرى. وهو يعي هنا، كما يقول لنا في برنامج العرض، مقولة "سلافوي جيجيك" الشهيرة التي علق فيها على الربيع العربي، "إنه ليس من الصعب أن تثير الجماهير للمطالبة بالتغيير، لأننا نعرف أن الكرنفال أمر يسير، ولكن الصعب والمهم حقًا هو ماذا ستفعل بعد الانتفاضة، وعودة الأمور إلى نسقها العادي؟".

ومن هنا كانت أهمية العنوان (بدون قصة/ هدف/ خطة يصيبنا الجنون)، والعناوين التالية في هذا العرض. لأن القسم الثاني يبدأ بعد استراحة قصيرة يتم فيها تغيير الإكسسوارات وجلب الكثير من المقاعد إلى الخشبة، بعنوان "نحتاج دائمًا إلى شاعر"، فبدونه لن نستطيع الإجابة عن سؤال جيجيك ماذا ستفعل بعد الانتفاضة؟ ثم يعقبه قسم بعنوان "الحرب طقس تطهيري" يستخدم فيه أجساد الراقصين ببراعة وإيقاع محسوب، تعقبه لوحة دالة بعنوان "أفريقيا موحدة/ أفريقيا مقسمة"، تجسّد مدى التوترات، وتبدد الطاقات التي ترهق كاهل القارة السوداء، وتعوق تقدمها. ندلف بعدها إلى قسم رابع بعنوان "يمكن للعربدة أن تكون غاية في حد ذاتها"، الذي يكشف فيه عما يدور في أوساط الشريحة الصغيرة التي تستأثر بثروات القارة، وتيسر نهب الغرب لها. وأخيرًا "ليس كل ما يلمع ذهبًا"، يسعى فيه للفت الانتباه لما وراء المظاهر الكاذبة، والبحث عن جوهر التحرر الذي تنشده أفريقيا والذي يتيح لكل المخلصين لها بحق أن يغيروا واقعها إلى الأفضل. فنحن هنا على العكس مما شاهدناه في عرض (فييستا) إزاء بنية درامية تركيبية تستخدم الماضي الذي يجسده القسم الأول المستلهم من فيلا كوتي، والذي يدور على وقع موسيقاه، لبناء تصور جديد لأفريقيا في حاضرها الذي يسعى الفنان إلى الفاعلية فيه. وهي بنية تعي أهمية عناصرها التعبيرية، فنجد أن القسم الأول كله/ الماضي/ استخدم فيه العرض اللونين الأبيض والأسود وحدهما، بينما حينما انتقلنا للقسم الثاني/ الحاضر/ دخلت إليه الألوان الزاهية، والإكسسوارات المتعددة. واستخدم فيه العرض عددًا من عناصر الفرجة المسرحية، وبناه على مجموعة من الحتميات المتتابعة التي أرادتها العناوين، وتخلقت منها الدراما، وقد استطاعت أن تدخل المشاهد في شبكتها، وأن تستولي على اهتمامه، وهي تتوجه إلى عقله بينما يستمتع بها بصره.

عودة للمسرح في أحسن تجلياته.. بيت إبسن


أعود الآن بعدما تريثت طويلاً عند عروض الرقص إلى المسرح بمعناه التقليدي. وقد شاهد في هذا المجال فضلا عن عرض (أنتيغون) الياباني المبهر، ثلاث مسرحيات أخرى بالمعنى التقليدي للمسرح، سواء أكان شعريًا كما في مسرحية موريس ميترلينك Maurice Maeterlinck (الأميرة مالين La Princesse Maleine)، أو نثريًا كما في مسرحيتي (بيت إبسن Ibsen Huis) لسايمون ستون Simon Stone (الباريسيون Les Parisiens) لمدير مهرجان أفينيون أوليفييه بي. وكان أكثر العروض الثلاثة إثارة للملل والضجر هو عرض أوليفييه بي، بالرغم مما أتيح له من إمكانيات كبيرة من حيث التصميم والممثلين. وهو عرض مأخوذ عن رواية له بالعنوان نفسه تمتد لأكثر من خمسمائة صفحة، ويحكي فيها مسيرته عبر شخصين (يمثلان الذات المنقسمة على ذاتها، أو متعددة التجليات) منذ أن وصل إلى باريس لأول مرة وهو في التاسعة عشرة من عمره عام 1984 قادمًا من مدينة غراس، المدينة التي كانت مدار البحث في رواية باتريك زوسكيند الشهيرة (العطر)، راغبًا في الدخول إلى عالم المسرح، وقد عاش فيها ثلاثين عامًا من دون أن يشعر أثناءها حقًا أنه أصبح باريسيًا. وظل غريبًا فيها، محتفظًا برؤية الوافد من الأقاليم، حتى انتقل منها للعمل في آفينيون، قبل ثلاثة أعوام. ويمتد الزمن في الرواية طوال هذه الأعوام الثلاثين وحتى 2014، وهو الزمن الذي يحاول العرض تغطيته، فيصيب المشاهدين بالملل مما به من تكرار.


أما أكثر العروض الثلاثة إمتاعًا وإثارة للعقل والمشاعر معًا، فقد كان (بيت إبسن). وهو عمل جاء للمهرجان من مسرح Toneelgroep في أمستردام والذي يديره إيفو فان هوفا، وبالتالي فإنه يتسم بالصرامة الدرامية، واقتصاديات التركيز المسرحي، وجماليات الصورة التي تميز بها هذا المسرح تحت إدارة فان هوفا. أما مبدعه ومخرجه سايمون ستون، الذي جاء من أستراليا، وتعلم في جامعة كمبريدج ببريطانيا، وأسس نفسه مسرحيًا في أمستردام، فيبدو أنه قد هضم البنية الداخلية لأعمال هنريك إبسن (1828-1906)، وكيف أنها كانت مشغولة بالتغلغل في أعماق الأفراد وتعرية تواريخهم و أسرارهم الدفينة، وتشريح نزعاتهم الراغبة دومًا في كل ما هو غير مباح، و الشغوفة بالتحكم في الآخرين أو السيطرة عليهم. إنه يعي أن إبسن في المحل الأول كاتبا أخلاقيا يعتز بقيمة الإنسان وقدرته على تجاوز ما تطرحه عليه الحياة من محن ومشاكل، ويمتحن معدنه من خلال اختبار مواقفه من القيم السائدة والمعايير المتغيرة معًا، وأنه أسس ما يعرف باسم مسرحيات القضايا Problem Plays التي تناقش كل منها قضية اجتماعية أو أخلاقية وتدير جدلاً اجتماعيًا أو فكريًا حولها.

وها هو ينسج على غرار ملهمه الكبير في الكتابة والإخراج معًا. لا يكتفي بأن يدير حواره التناصي مع عمل محدد من أعماله العديدة والثرية معًا، ولكنه يسعى إلى اقتناص الروح السارية في كل أعماله، وأن يدير عمله الجديد (بيت إبسن) في واقعنا المعاصر، وليس في القرن التاسع عشر كما كان الحال مع جل أعمال إبسن. فقد كان هدف إبسن الأساسي هو تعرية الواقع الاجتماعي وتشريحه على خشبة المسرح، بطريقة تقدم شخصيات إنسانية قادرة على البقاء في وعي المسرح وتاريخه العريق. فما كان من سايمون ستون إلا أن بنى لنا في ساحة فضاء ليسيه سان جوزيف الكبيرة، بيتًا من طابقين كل حيطانه من زجاج شفاف نرى كل ما يدور داخله من جميع الجهات، ووضع هذا البيت الكبير على محور دوّار تتغير معه زاوية الرؤية باستمرار، ويتيح للمشاهدين أن يروا ما يدور في غرفه الخلفية من أسرار حميمية، بنفس وضوح ما يدور أمامهم في غرفه الأمامية. وهو تصميم بارع يجعلنا نرى حتى ما يدور على السلم أثناء صعود بعض الشخصيات أو هبوطها، أو حتى انهيارها في الطريق بين الطابقين.


ولأن سايمون ستون لا يطمح في أقل من أن يقدم لنا "بيت إبسن"، كما يقول العنوان، فإنه قدم عالمًا مسرحيًا زاخرًا بالأحداث والشخصيات يمتد لأكثر من أربع ساعات، وكان إبسن مغرمًا في كثير من الأحيان بالمسرحيات الطويلة التي تستمر لأكثر من أربع ساعات، كما في (بير جنت) أو (عندما نبعث نحن الموتى)؛ وحرص على أن يجعل كل فصل من فصول عمله الطويل هذا أقرب ما يكون إلى الدراما المستقلة والمركزة معًا، ولكن كل الفصول تتكامل في بنية أعرض هي بنية الأسرة المعطوبة التي نتعرف على أربعة أجيال منها، وقد تشابكت قصصها وتقاطعت تواريخها. وكأننا بإزاء ثمرة شهية تتفتح كي نتذوق ما فيها، ولكن علينا دائما البحث عن بذرة العطب الثاوية في داخلها. فالمسرحية تستغرق من حيث زمن الأحداث ما يقرب من نصف قرن، منذ ستينيات القرن الماضي وحتى نهاية العشرية الأولى لهذا القرن. وقد استخدم في هذا المجال عناوين الفصول، التي تظهر بالحروف الكبيرة عادة فوق مدخل البيت، وهذا غير شريط الترجمة الذي يقدم لنا ما تقوله الشخصيات. ما يتيح للمشاهد معرفة طريقه وسط غابة التواريخ المتشابكة لأفراد هذه الأسرة وأجيالها المتعاقبة.


حيث يقدم لنا مسرحية أجيال أربعة تبدأ بجيل الجدة فريدريك المولودة في القرن التاسع عشر والتي عاشت حتى عام 1973، وابنتها جوهانا وابنها توماس وقد تزوج كل منهما وأنجبت جوهانا ولدا (سابستيان) وبنتا (لينا) وأنجب توماس دانييل، وفينسنت وكارولين. ثم نصل لجيل أبناء أحفادها الأصغر، وهو الجيل الرابع في المسرحية. ومع تعدد الشخصيات والأجيال والأزمنة، فقد حافظ العرض على بنية درامية إبسنية واضحة. تتبع مصائر الشخصيات في تشابكاتها المعقدة بوضوح باهر. تتكشف لنا فيه ديناميات العطب الذي يكمن في الداخل، ويدفع بعضهم إلى الغرق في سمادير الخمر، أو الوقوع في شراك الجنس بالمحارم، أو حتى في مباءة المخدرات والإيدز. وبرغم تعقد حيوات تلك الشخصيات، ودوران الزمن ليكرر ميراثًا مبهظًا من جيل إلى آخر، فإن العرض استطاع أن يصحب المشاهد معه ولا يفقده أبدًا، باستخدام العناوين كقواطع للفصول، والتحرك الحر في الزمن باستخدام العناوين نفسها لإخبارنا بأننا في زمن مغاير، وأهم من هذا كله بالاهتمام بجماليات المشهد، والوعي بمحتوى الشكل المسرحي، وأهمية مفردات المشهد وهي تتكرر، ولكنه التكرار الذي ينطوي على التغاير والاختلاف في الوقت نفسه، في تلك البنية الحلزونية التي لا تنغلق فيها الدائرة، وإنما تكرر نفسها على مستوى مغاير وبتفاصيل مختلفة، تثري التلقي، وتحول المشاهد إلى مرايا تنعكس عليها المشاهد السابقة أو اللاحقة، بصورة تثير المشاعر، ولكنها تحث العقل على التفكير في الوقت نفسه.


 
 

الصفحة 1 من 18

Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com / theatretafukt@gmail.com
Téléphone: (+212) 669279582
(+212) 667313882 - 654439945
Siège Social: Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes / Casablanca - Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـ فضاء تافوكت للإبداع © 2017
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL