Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مختارات - إصدارات - كتابات: الممثلة العالمية جينا لولو بريجيدا - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 12:45
متابعات - تغطيات صحفية: مشاركة مغربية في مهرجان ''هولندا للفنون'' - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 12:34
أخبار - منوعات - مواضيع : في ذكرى رحيل معتوب الوناس - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 12:14
مواعيد فنية - ثقافية: "مشارف" يستضيف الشاعر العراقي صلاح نيازي - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 11:45
مختارات - إصدارات - كتابات: ستانسلافسكي المغرب: جمال الدين الدخيسي - الإثنين, 26 حزيران/يونيو 2017 00:15
متابعات - تغطيات صحفية: الجمع العام التأسيسي للفرع الإقليمي للداخلة - الأحد, 25 حزيران/يونيو 2017 00:21
مختارات - إصدارات - كتابات: الممثل الأسطورة مارلون براندو - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 23:39
أخبار - منوعات - مواضيع : قصة حياة الأسطورة “إيفا بيرون” - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 22:01
مختارات - إصدارات - كتابات: عبد المجيد فنيش: قرصان المسرح و الملحون - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 21:52
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: توقف "غرابيب سود" فجأة... - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 21:32
Blue Grey Red
مسرح - الفنون الدرامية

وقف رعاية مسرحية لشكسبير تهاجم ترامب

وقف رعاية مسرحية لشكسبير تهاجم ترامب في نيويورك

 

القيصر يقتل بعد مشهد طويل بعدة طعنات - نيويورك تايمز

 

ألغت شركتان أمريكيتان كبيرتان رعاية مسرحية "يوليوس قيصر" للأديب العالمي وليام شكسبير في نيويورك بعد تصوير الزعيم الروماني على هيئة تشبه رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب.

 

وأوضحت شركة "دلتا إيرلاينز" الأمريكية للطيران أن منتجي المسرحية "تخطوا معايير الذوق السليم في مشهد قتل الشخصية الرئيسية التي تشبه ترامب".

 

وظهر القيصر في المسرحية التي تعرض في حديقة سنترال بارك الشهيرة في نيويورك على شكل رجل أعمال قوي وصاحب شعر أشقر ويرتدي بذلة زرقاء مع دبوس على شكل علم أمريكا بينما زوجته المسماة "كالبورنيا" تتحدث الإنجليزية بلهجة سلافية.

 

وكانت "دلتا إيرلاينز" داعمة للمسرح العام الذي يقدم مسرحيات شكسبير طيلة 4 أعوام بالإضافة إلى بنك أوف أمريكا الذي رعى تلك المسرحيات طيلة 11 عاما في سنترال وأوقف بدوره الدعم.

 

ويؤدي القيصر مشهدا طويلا في حادثة الاغتيال يقاوم فيه عددا من المهاجمين قبل أن يتلقى طعنات من رفاقه السابقين.

 

وقال منتجو المسرحية إن قيصر في المسرحية شخصية معاصرة جذابه لكنه غير موقر ويصر على ممارسة السلطة المطلقة.

 

وانتقد نجل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المسرحية وتساءل: "هل هناك تجاوز للحدود حين يتحول الفن إلى خطاب سياسي؟".

 

بدورها رفضت كاتبة المسرحية وقف العرض وقالت إن "على شركة دلتا عدم التدخل في عروض المسرحيات" مطالبة جمهور المسرح بمقاطعة الشركة.


 

إيحاءات بيرانديلو في مسرحية الملزمة

إيحاءات بيرانديلو في مسرحية الملزمة

بقلم صباح هرمز

موضوع الخيانة الزوجية ليس موضوعاً جديداً في الفنون الأدبية، وعلى وجه الخصوص في الفن المسرحي، فقد تناوله معظم الكتّاب في نصوصهم، ابتداءً من نشأة المسرح في عهد أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس، إلى يومنا هذا. ولكن كل واحد منهم من منظوره الخاص وطريقته التي لا تشبه وتختلف بهذا القدر أو ذاك، عن منظور وطريقة غيره ممن تناولوا هذا الموضوع.

ومعاناة بيرانديلو مع زوجته المجنونة، تكاد أن تتطابق الى حد كبير مع معاناة ستندبرغ مع زيجاته، ولكن ليس لأنهن مجنونات كما هو حال (أنطونينا بورتولانو) زوجة بيرانديلو، وإنما لأنه هو بنفسه يعاني من حالات الاضطراب النفسية، وإذا كان ستندبرغ قد تصدّى للخيانة الزوجية في مسرحياته، البجعة واللعب بالنار، والأب وقوعاً تحت تأثير تقلبات الحياة التي عاشها معهن، فإن بيرانديلو يتعرض لها في هذه المسرحية وغيرها من المسرحيات وقوعاً تحت تأثير الطبيعة الشخصية التي سيطرت على التفكير الفلسفي في القرن العشرين. ولعلَّ ذلك مردّه الى أنه عاش السنين الطويلة حياةً مزدوجةً، عاش نفسه، وعاش النموذج المشوّه لنفسه في فكر زوجته. ومع بداية المسرحية تطفو هذه الشكوك على سطح الأحداث، ولكنها بدلاً من أن تدبّ في نفس الضحية الذي هو (أندريه) زوج (جوليا)، فإنها تعتمل دواخل صديق أندريه المحامي (أنطونيوسيرا) وعشيقته جوليا، خشية انكشاف أمرهما لأندريه أثناء انحناء أنطونيو  لتقبيلها والعواقب المحتملة جرّاء ذلك،  ولا يكشف المؤلف تحديداً، الفعل الذي كانا يمارسانه في تلك اللحظة إلا بعد مرور ست صفحات على بداية المسرحية، ومع هذا فإن المتلقّي وعبر الحوارات الجارية بين أنطونيو و جوليا يحدس بوقوع أمر ما من هذا القبيل، الأمر الذي دفعهما لإدخال بعض الطمأنينة الى نفسيهما ودحض الشك باليقين، استعادة  الأحداث العابرة التي مرّت بهما  أثناء هبوط أنطونيو  السلم الذي كان يتقدمه أندريه بخطوات، بينما كانت جوليا تنير لهما السبيل، حيث يخشى أنطونيو من أن يكون أندريه قد ألتفت خلفه لحظة تقبيله جوليا وشاهدهما متلبسين بالجرم المشهود، وعندما توبّخه ولايتلقى منها جواباً يشفي غليله، يسعى لاستنطاقها الى ما لاحظته أثناء ذلك، ولكنها لا تكترث الى سؤاله وينصب جل اهتمامها بمكان تواجد زوجها، وهو مثلها يتجاهل السؤال الذي طرحته ويعود ثانية الدخول في أدقِّ التفاصيل التي وقعت قبل وبعد الحادثة، أو كما لوكان كل واحد منهما يتحدث مع نفسه ولا يصغي الى حوار الآخر من شدة القلق والهواجس التي تنتابهما في تلك اللحظة، ولكن كما يبدو أن أنطونيو أكثر قلقاً وخوفاً من جوليا، ويتجلّى هذا في إصراره الزائد لمعرفة أدقِّ التفاصيل، أو لربّما وهو السبب الأرجح، تيقّنه من أن أندريه قد رصد حالتهما من خلال تكرار جملة (ألتفت وراءه وهو ينحدر السلم) لمرتين، بالإضافة الى قوله (لمحنا على أبعد تقدير لحظة خاطفة).

ومن جملة (أصمت وأهدأ بربك قل لي كل شيء. ماذا فعل؟ أود معرفة كل شيء). التي تنطقها جوليا تبدأ كلتا الشخصيتين أنطونيو وجوليا، بقراءة النموذج المشوّه الذي عاشاه في فكر أندريه. فأنطونيو يقرأه بالتعويل على المواضيع التي كان يثيرها أندريه بين فترة وأخرى عن قصد بهدف استشعاره بالعلاقة القائمة بينه وبين زوجته أو هكذا يتصور، كالقضية التي ينبغي معالجتها في المدينة، والنبرة الطبيعية التي ودّعه فيها في ضوء الشمعة و السلم، وحديثه عن ولديه اللذين غادرهما مستغرقين في النوم، ولكن ليس بتلك العاطفة المطمئنة، وتشخيص بصره إليه  أثناء حديثه عنها، وعدم نوم أنطونيو ليلتين أثناء نومه في غرفة الفندق مع أندريه خوفاً من مسّه بسوء.

أما جوليا فتقرأ النموذج المشوّه في فكر زوجها بالاعتماد على (اضطرارها الى إكراهه على حبها والتجاوب معه، لاعتقادها أن احترام الزوج وثقته وصداقته، هي في بعض اللحظات، شتائم موجهة الى الطبيعة)، بينما تقرأ الحياة التي عاشتها نفسها في (هروبها  معه من منزل والديها لأنها كانت تحبه) وهنا في هذا التناقض، بين حبها له من جهة وخيانتها من جهة أخرى، تكمن سر الحياة المزدوجة التي عاشته مع زوجها، فمن الطبيعي أذن إن هي تساءلت كما تساءل بيرانديلو، أيتهما هي النفس الحقيقية، وليولد هذا الصراع انحيازها الى أحد الجانبين، ولعلَّ حبها الكبير لولديها وعرفاناً للسعادة التي وفرها لها زوجها، آثرت أن تصارحه بخيانته بمعزل عن النتائج المترتبة عن هذا الاعتراف، وعندما لم تنفع كل الوسائل التي تستخدمها معه من أجل موافقته لتبقى بقرب ولديها وحتى جارية له، تطلب منه أن يقتلها الذي لا يتورع لأن يدعوها لتقتل هي نفسها بنفسها، لتهرع الى الغرفة بعد أن تقبل زوجها في وجهه، مغلقة الباب، ويُسمع طلق ناري.

وانتحار جوليا لا يحدث بشكل مفاجئ، وإنما يمهّد له المؤلف بصيغتين، تقترن الصيغة الأولى بالمباشرة والثانية تأتي عن طريق الإيحاء، متمثلة الأولى في الجملة التي تطلقها جوليا بوجه أنطونيو وهي تقول له (ولكنه إذا ما تردّد فأعرف كيف الخلاص)، و متمثلة الثانية في الجمل الحوارية الدائرة بين جوليا و أنطونيو.

وهاتان الصيغتان يشتغل عليهما أيضاً في الحوارات الدائرة بين جوليا وزوجها في سعي من الأخير لإيصال حقيقة معرفته بالعلاقة التي ترتبط بينها وبين أنطونيو، وإذا كان في عملية الانتحار قد بدأ بصيغة المباشرة، فهو هنا يعكس الآية يبدأ بالإيحاء، شروعاً من إيفادها الصغيرين الى بيت والده، وهو بهذا يخبرها بخلو الجو لها ولعشيقها، ومروراً بمرافقة أنطونيو لهما في المدينة، لقراءة انفعالاتها ومدى استجابتها لهذا الخبر، وانتهاءً بثمّة أسباب عديدة، أي بالإضافة إلى التسليات التي ستقدمها إليها المدينة، أنها ستجد فيها الحريّة الأكثر والأوسع.

 
 

رجل برجل لبرتولد بريشت

رجل برجل لبرتولد بريشت: هندسة عاطفية لاكتشاف جوهر الإنسان

تعد مسرحية “رجل برجل” للكاتب الألماني برتولد بريشت، والتي نُشرت عام 1927، نوعاً من التنبؤ والاستشراف للاضطراب الوجودي الذي عانى منه بريشت فيما بعد. الكاتب يثير الإعجاب في طريقته لسبر أغوار الذات الإنسانية.

عندما سُئِلَ بريشت في عام 1926: ماذا تكتب الآن؟ أجاب: مسرحية كوميدية، بعنوان “رجل برجل”، حيث يجري فيها تفكيك للإنسان، الذي يعاد تجميعه وتركيبه من جديد في جلد شخص آخر. ومن الذي يقوم بهذه العملية؟ أجاب: ثلاثة مهندسين عاطفيين. وهل التجربة تعتبر ناجحة؟ أجاب: نعم، من أجل إرضاء الجميع. وهل يولد، من جراء هذه العملية، إنسان مثالي؟ أجاب: لا، ليس بشكل خاص.

تتحدث قصة هذه المسرحية، عن رجل يدعى “كالي كاي”، يخرج في أحد الأيام من بيته لكي يشتري سمكا، فتلتقيه دورية عسكرية، فقدت احد أفرادها الأربعة، ويجب عليها أن تعثر على شخص آخر يحل مكانه، بسرعة فائقة، لتتجنب ثورة وغضب الرقيب “فيرتشايلد”، الرهيب. إن “كالي كاي”، رجل لا يعرف أن يقول لا، لأحد. ليس لأنه رجل ضعيف كما يمكن أن نعتقد، بل على العكس، انه الأقوى، ويصبح كذلك بالفعل، بدءا من اللحظة التي ينصهر فيها بالكتلة العسكرية، ويكف عن أن يكون شخصاً له ذاته الخاصة. كالي كاي، يتبع الجنود الثلاثة، وشيئاً فشيئاً، يتكيف مع الملابس، ويتبنى المواقف، والأفكار التي يجب أن يمتلكها المحارب في حالة الحرب. وهكذا يتم تفكيكه وتجميعه وتركيبه مثل سيارة جديدة، لكي يتأقلم مع مجريات الأمور في العالم، وليصبح، في النهاية المطاف، محارباً قوياً يبعث على الخوف. إن الجيش في مجتمع ما بعد الحرب العالمية الأولى، كان يريد عصراً تتكاثر فيه الكائنات الخالية من الجوهر، الهجينة، والقابلة للتغيير، والتي تكون كتلة صلبة في الآلة الاقتصادية والصناعية والعسكرية العظمى.

لدى برشت، كما هو الحال دائماً، شخصيات كثيرة، ومتنوعة، مصائرهم متداخلة باستمرار في جو مرح المتاهة. نعثر في هذه الكوميدية التهريجية على بدايات الأسئلة الكامنة في مسرحية “دائرة الطباشير القوقازية”، لبريشت. ما الذي يحدد هويتنا؟ الولادة أم التربية؟ وحتى إذا جردنا الإنسان عن اسمه، فهل يصبح شخصا آخر؟ هناك الكثير من الأفكار والتأملات التي قام بها وجربها بريشت على المسكين “كالي كاي” في مسرحيته.

ولكن خلافا لكل المظاهر، لعل هذا الأخير، ليس مجرد ضحية بريئة. ففي مجتمع يسيطر عليه الوهم، “كالي كاي” وحده الوحيد القادر على اختيار تحوله. يحاول بريشت أن يقول لنا هنا، بأننا كثرة، ويجب علينا أن نهيئ أنفسنا، ونستوعب هذا التغيير في حالة دائمة ونهائية. إن موضوع المسرحية يتحدث عن عملية تجريد الفرد من شخصيته لصالح المجتمع الذي يستخدمه من دون هاجس.

ولكن، نحن لا نعرف فيما إذا كان “كالي كاي” قد فقد نفسه وروحه حقاً، عندما اخذ مظهر جندي متعجرف، أم لا ؟ ولكن هذا السؤال يمكن طرحه على رجل المجتمع، والرجل العادي اللذان اجتمعا هنا في هذه المحاكاة الساخرة للشرط الإنساني، المكتوبة بلهجة قاسية تؤكد على أكثر الحالات بشاعة. تتحدث المسرحية، عن دوار الهوية الذي يغرق الحبكة في دوامة من التهور، والتراجيدية، والكوميدية؛ عن إزالة هوية رجل، ووضعها في جلد نسخة أخرى أكثر ترتيباً ربما. إنها، أي المسرحية، تضع الفرد أمام الهاوية مباشرة، وعندما نقرأ حكايتها نصاب بنفس الدوار الذي أصاب صاحبنا “كالي كاي”، عندما كان أمام نعشه الخاص:

وإذا كنت خيالا؟ وإذا كان الرجل، ليس إلا صفحة بيضاء فارغة، نستطيع في أوقات الفراغ، محو هويته ورسم شخصية جديدة؟ فتجيبه الأرملة بغيبك: لا تتعب نفسك بذكر اسمك، ما الفائدة؟ طالما أنك تقصد به دائما شخصا آخر؟

ماذا يبقى من الإنسان عندما نجرده من تاريخه، وعائلته، بل وحتى من اسمه؟ كالي كاي: إذن، بإمكاني أن أصبح شخصا آخر، وهكذا يصبح ‘كالي كاي’، الجندي ‘جرايا جيب’، كلباً من كلاب الحرب.

أن تكون، يعني أن تصبح. وبصرف النظر عن حركة الكينونة هذه، أو بعيداً عنها، لم يعد فعل التحول، إلا ضرب من الخيال فحسب. علينا مراقبة هذا الذي يبقى من الإنسان عندما يتم تجريده عن هويته. هل سيستسلم إلى شهواته كليا، مثلما حصل لصاحبنا “كالي كاي”؟ ثم، هل أن ما حصل له بسبب مكائد ثلاثة جنود مكلفين بمهمة حقيرة، حقاً؟ جزئياً نعم. ولكن بريشت نفسه يثير انتباهنا إلى أن “كالي كاي” هو دهشتنا الكبرى، وعالمنا المعاصر، إنه يدافع عن نفسه من خلال جعل قضيته تأخذ شكلاً مأساوياً، ويربح، في نهاية المطاف، نتيجة لتداخل المواد في جوهر روحه، بدليل أنه بمجرد ما تنتهي عملية تغير اسمه وشخصه، يصرح بأنه في صحة جيدة. إذن، إننا لسنا أمام مسرحية تتحدث عن عملية غسل الدماغ. لأن “كالي كاي”، الوحيد الذي يبادر في عدم الرد، على اسمه، ولم يعد يتعرف عليه.

كالي كاي: من هذا الذي يحضرونه؟

بغبيك: شخص اعدم في اللحظة الأخيرة.

كالي كاي: ما اسمه؟

بغبيك: إذا لم تخني ذاكرتي فاسمه كالي كاي.

كالي كاي: وماذا سيجري له؟

بغبيك: لمن؟

كالي كاي: لكالي كاي هذا.

بغبيك: سيدفنونه الآن.

كالي كاي: هل كان إنساناً طيباً أم شريراً؟

بغبيك: كان رجلاً خطيراً.

هناك سر عميق، هو أننا لم نصنع من تراكب حالاتنا المتعاقبة، مثلما يفكر مارسيل بروست؟ كائنات تنزع نفسها باستمرار، مثل الأفاعي، وتنظر إلى جلودها القديمة دون الاعتراف بها؟ لقد كان برشت أكثر وضوحا من بروست، عندما قال: “الذات المستمرة هي خرافة”. الإنسان يتخلى عن قناعه الخاص من أجل أن يصنع له، على الفور، واحداً آخر. ومن هوية إلى أخرى، ومن حزن إلى ثان يرسم الإنسان مساره، وحركته، وأثره. مثل قلم الرصاص في الرسم اليدوي، حيث يأخذ القلم، في كل لحظة، اتجاهاً مختلفاً، ويرسم شيئاً مختلفاً عن الشكل الأول. وكلما يتردد القلم في اليد، ينفتح عالم ممكن، نحو الأفضل أو الأسوأ. وفي الفترة الفاصلة بين القديم والجديد، تولد الوحوش.

لقد نشرت مسرحية “رجل برجل” في عام 1927، أي في الوقت الذي عرفت أعمال هذا المؤلف البافاري الذي يدعى بريشت العظمة، والانحطاط مع صعود النازية. إذن، ألم تكن هذه المسرحية نوعاً من التنبؤ والاستشراف للاضطراب الوجودي الذي عانى منه بريشت فيما بعد؟ وربما لهذا السبب، قد قال عنها، في عام 1939: “إن مشكلة هذه المسرحية، هو الكذب الجماعي، والفرقة السيئة، والقوة الإغرائية”. إن الكذب الجماعي، بمثابة تنديد بتأثير النظام النازي، الذي دفعه إلى المنفى، في السويد، وفنلندا، وكاليفورنيا في عام 1941. والفرقة السيئة، فرقته وانقطاعه عن والديه في عام 1918، والإعراب الصريح عن مرارته من أمريكا، التي طردته من أراضيها في عام 1947، ومن الحلفاء الذين لم يسمحوا له بالعودة إلى ألمانيا الغربية. أما القوة الإغرائية، فهي بصمة رجل مسرح يشار إليه دائماً من خلال أعماله، التي أكسبته إمكانية الاستقرار في برلين الشرقية، وتأسيس فرقة مسرح البرلين انسامبل، مع زوجته هيلين فايكل، الموجودة دائماً حتى وقتنا الحاضر.

ما الذي يصنع جوهر الإنسان؟ يحاول المخرج الفرنسي “كليمنت بواري” الإجابة على هذا السؤال الوجودي الذي وضعه بريشت على المسرح في شبابه، من خلال مسرحية “رجل برجل”. ولكن، لكي يقص علينا المخرج “كليمنت بواري”، هذه الحكاية، اختار سينوغرافيا، على هيئة بناء معدني ضخم، وكأنه معمل لصنع القرطاسية أو مطبعة، على ما يبدو، مع لفات ضخمة من الورق. بحيث بدت هذه السينوغرافيا، وكأنها ليس لها أية علاقة مع حبكة المسرحية، ولكن عناصرها، سمحت شيئاً فشيئاً، بتشكيل مرة، معبدا بوذي، وأخرى، مطعما للجنود، أو قاطرة قطار.

وفي عمق المسرح، أبواب زجاجية كبيرة تفتح على التاريخ وتغلق على السرد. وقد ترك الإخراج مجالاً كبيراً إلى الكوميدية الجسدية، بحيث نعثر في المشاهد الأولى للمسرحية، على أجواء تذكرنا بالسينما الصامتة. وكان الممثلون يجسدون هذا النوع من اللعب ببراعة مدهشة، مستحضرين من خلاله شخصيات نمطية مشهورة جداً في عالم الفن. ولكن في نهاية المسرحية، أصبحت لهجة العرض أكثر جدية، واتخذت شكل الصرامة، واكتسب الروي فيه عمقاً، وذلك من خلال طرحه ضمنياً للسؤال التالي: هل أن الإنسان قابل للاستبدال؟ وأمام الضغط، يوافق “كالي كاي” على انتحال هوية أخرى، لأن ذلك أفضل دائماً من أن يطلق عليه الرصاص. إن مسرحية “رجل برجل”، تذكرنا من خلال نكاتها الهزلية الساخرة، بأن نفي الإنسان، يبدأ دائما بحيلة.

تبدو هذه المسرحية كما لو أنها وعاء يغلي على خشبة المسرح، مشاهد المسرحية أصلية، خيالية، واحتفالية، تلعب فيها شخصيات فاحشة بشكل خاص، مثل الرقيب تشارلز فيرتشيلد، الملقب بالخماسي الدموي، وصاحبة الحانة ليوكاديا بغبيك. ولقد استدعى الإخراج الخيال بحيوية كبيرة، وتوزيع للأدوار ملفت للنظر. إن ‘رجل برجل’، مسرحية غنية جدا، ويستحق اختراقها نوع من الصمت، ويجب علينا أن نعترف بأنها كما هي تعتبر مسرحية كثيفة جدا، وكثيرة الخصال، وإنها تطلب من مشاهدها نوعا من المسافة عند رؤيتها. ولقد أختار المخرج ‘كليمنت بواري’، أن يذهب نحو هذه المسرحية، مشيا على الأقدام، دون تشذيب، أو حذف أو تقصير من طول مسافتها. وربما كان الأجدر به أن يقلل قليلا من طولها، ويكثف من أحداثها أكثر فأكثر، كي لا يسمح لتسلل الضجر إلى بعض المشاهد. فالضجر شيطان ثقيل المعشر، ما أن يحل ضيفا على العرض مرة، حتى يصعب التخلص منه بسهولة، فهو يدعو المتفرج للكلام مع من بجانبه، ويسمح له بالتأفف، أو للالتفات يمنة ويسرة أحيانا، وهكذا دواليك. ولكن على الرغم من ذلك، فقد كان العرض على النحو الذي شاهدناه فيه، حدثا مدويا، وصدى حادا وقويا، ربما، لأن اللوحات التي اقتبسها بريشت من العصر الكولونيالي، لم تنتهي بعد من تحديها لنا. وربما أن المخرج أراد أن يجعلنا أمام أنفسنا من خلال استنطاقه لشريط الماضي القديم الذي مازال يمارس علينا تأثيره، لا سيما ان الاستعمار لم ينتهي بعد، حتى وان رحلت آلته الحربية وجيوشه المدججة، يبقى جاثما على الصدر مثل كابوس ليس له نهاية.

المصدر: القدس العربي

 
 

مسرحية القسمة لفرقة مسرح إيسيل

مسرحية القسمة تسائل حيف المجتمع اتجاه المرأة

 

تطرح جمعية إيسيل للمسرح والتنشيط الثقافي بشراكة مع مؤسسة Friedrich Ebert الألمانية عملها الفني الجديد، ويتعلق الأمر بمسرحية “القسمة”، التي سيشاهدها جمهور مدينة الرباط في عرض أول يوم الثلاثاء 13 يونيو 2017 على الساعة العاشرة ليلا، وذلك بالمسرح الوطني محمد الخامس.

المسرحية تناقش شتى أنواع الحيف الاجتماعي الذي يطال المرأة في موضوع الإرث. هذه المبادرة الفنية المتفردة، التي تتوخى طرح موضوع مجتمعي للنقاش في قالب فني، هي إنتاج لمجموعة فنية معترف بها وطنيا ودوليا، تتألف من الباحث والكاتب المسرحي عصام اليوسفي كاتبا للنص، و إخراج المسرحي والمخرج مسعود بوحسين، ثم سينوغرافيا الفنان رشيد الخطابي، وفي التشخيص نجد كلا من الفنانة المقتدرة فضيلة بنموسى، إلى جانب كل من وسيلة صابحي، سعيد آيت باجا، فريد الركراكي، بنعيسى الجيراري.

تيمة المسرحية تبقى حسب أحد أبطالها، بنعيسى الجيراري “شائكة وطالما كان حولها جدال كبير واجتهادات كثيرة، لكن نحن لا نقدم الموضوع في طاولة للنقاش بل بطريقة فنية و فرجوية”، مؤكدا أن “الفرقة اختارت الاشتغال على هذا العمل المسرحي، بعيدا عن نقاش ما جاء به الشرع، بل لتسليط الضوء على نقاط توصل إليها الاجتهاد وتسببت في لغط كبير بسبب ما تحمله من حيف وظلم اتجاه المرأة”.

وسيلة صابحي، واحدة من المشخصين لشخوص المسرحية، أكدت بدورها أن العمل المسرحي الجديد الذي تشارك فيه “يطرح قضايا وحالات تعيش داخل المجتمع المغربي و نصادفها بشكل يومي، وجاءت المسرحية لتسلط عليها الضوء دون أن ندلي برأينا، فنحن أولا وأخيرا مجموعة من الفنانين الذين يشخصون حالات إنسانية مجتمعية في قالب فني على خشبة المسرح و نتقاسمها مع الجمهور، الذي يعتبر الحكم الأول والأخير، مما يعني أن عملنا بعيد عن تقديم الأحكام الجاهزة أو وجهات النظر”، تقول صابحي.

من جهتها، أكدت الممثلة المقتدرة فضيلة بنموسى، أنها اختارت المشاركة في العمل الجديد لفرقة إيسيل، بعدما قررت أن تكون أعمالها بعد سنوات من العطاء في المجال المسرحي، “توعوية وجادة، وهو ما ينطبق على مسرحية القسمة، التي تتطرق لموضوع حساس، ونحن باختيارنا هذا لا نقول أننا نقدم حلا للمشاكل المطروحة، بل نقرب بين أفكار مختلف شرائح المجتمع وأفراده لحل بعض المشاكل، وذلك باستشارة العديد من الفاعلين، منهم مختصون في الدين وآخرون في القانون وغيرهم، كل ذلك من أجل طرح عمل فني متزن ومتوازن يحترم ذكاء وخصوصية المتفرج المغربي”.

جدير بالذكر أن العرض المسرحي الجديد لفرقة إيسيل سيتنقل بين 5 جهات من جهات المملكة، وسيزور خلال جولته 5 مدن مغربية بعد العاصمة، ويتعلق الأمر بكل من الدار البيضاء يوم الأربعاء 14 يونيو بالمركب الثقافي كمال الزبدي، مرورا بمكناس يوم 15 يونيو بالمركب الثقافي محمد المنوني، وتطوان يوم 16 يونيو بالمركب الثقافي لالة عائشة، وطنجة يوم 18 يونيو بالمسرح البلدي محمد الحداد ثم مراكش يوم 19 يونيو بدار الثقافة، علما أن كل العروض مبرمجة على الساعة العاشرة ليلا.

 
 

مسرح شارل بودلير

المسرح البودليري

مقتطف من كتاب “كتابات حول المسرح” لرولان بارت. ترجمة عبد الوهاب الملوح

لا تكمنُ قيمة المسرح البودليري في محتواه الدرامي، بل في صفته المُتحوِّلة : وليس دور النقد هنا معالجة هذه المحاولات بُغية تشكيل صورة من خلالها عن مسرح مكتمل ؛ بالعكس إنما هو السعي للوقوف على موهبة الإخفاق.

طبعًا إنه بلا جدوى - بل وكم سيكون ذلك فظيعًا لو قلنا أنه بمناسبة أحياء ذكرى بودلير- أن نأمل شيئا من هذه البذور،  فكما إنه ليس من الممكن التساؤل عن الدوافع الحقيقية التي شدَّت بودلير إلى مثل هذه الحال الإبداعية غير المنقوصة والتي لا تشبه في شيء جمالية “أزهار الشرِّ”؛ عرف جيدًا أن غير المكتمل خيار كما هو الأمر عند سارتر وعند كل كاتب، وإن تصوَّر مسرحًا من دون كتابته القبلية هو بودلير شكل له دلالته لما سوف ينتهي إليه العمل.

ثمَّة فكرة جوهرية يقوم عليها ذكاء المسرح البودليري ألا وهي : المسرحة؟ ما معنى المسرحة؟

هو المسرح ينقصه نص؛ وكثافة العلامات والأحاسيس التي يتم تشييدها على الركح من خلال دليل مكتوب ؛ هو هذا الإدراك الشعوري المسكون بالزخارف الحسية، الحركات، الأصوات، المسافات، المواد، الأضواء التي تغمر النص من تحت تدفق لغته البرانية.

طبعًا، لا بدّ أن تكون هذه المسرحة حاضرة منذ البذرة الأولى المكتوبة في العمل. ليس هناك مسرح عظيم بدون مسرحة مفترسة، كما الأمر عند إسخيليوس أو شكسبير أو بريشت. النص المكتوب مأخوذ مسبقًا بالأجساد والأشياء والموقف البراني، بما يجعل الفظ يتفجر موادًا. أما ما يلفت النظر في السيناريوهات الثلاث التي نعرفها لبودلير (ولن أولي أهمية لإيديوليس Ideolus عمل بالكاد يكون بودليريًا) هي سيناريوهات سردية بالأساس حيث حضور المسرحية حتى ولو كان افتراضيًا، ضعيف جدًا. من الضروري الحذر من الوقوع في فخاخ بعض الإشارات الساذجة لبودلير من نوع : “إخراج حيوي جدًا، متحرك جدًا، أبَّهة عسكرية ضخمة، ديكور ذو تأثير شعوري، تمثال فانتاستيكي، ملابس شعبية متنوعة، الخ …”.

هذا الهوس بكل ما هو إجرائي خارجي يتعمد ضربات متدافعة، كما لو أنه ندم متعجل، لا يعبر عن أي مسرحة معمَّقة، إنما هو في المقابل ذلك الانطباع البودليري في شموليته غريب عن المسرح ؛ فبودلير كعادته في مواضع أخرى ذكي جدًا، يبدِّل مفهومه في كل مرة حسب ما تتاح له الفرصة : الفكرة في الحانة الريفية لـ “السكير” ؛ المكان ؛ مادية الرايات أو الأزياء ؛ التصوُّر السطحي للأبهة العسكرية … وعلى النقيض من ذلك لا شيء يُثبت فعلاً العجز أمام المسرح أثر من هذا التعامل الشمولي معه، الشبيه بالرومنطيقي والذي أقل ما يقال عنه غرائبي في رؤياه. ففي كل مرَّة يلمِّح فيها بودلير للإخراج، يؤكد إنه يراه بعفوية عيني المتفرج ؛ مكتملاً، غير قابل للتعديل، نظيفًا جدًا، مُهيَّأً يشبه أكلاً تم إعداده بشكل جيد، مستعرضًا كذبة مشتركة أسعفها الوقت لمحو آثار خدعتها. ولنأخذ مثالاً على ذلك “لون الجريمة” لقد كان ضروريا في الفصل الأخير من “السكير” وهو حقيقة نقدية وليس دراماتورجية.

لا يمكن أن يتأسس الإخراج في لحظته الأولى، إلا على تعددية الأشياء وأدبيتها مرفوقة بحلمها المزدوج، متوفرة على موهبة ذهنية روحية، كافية ؛ منتشرة بغاية تجميعها بشكل جيد وفي نفس الوقت تشتيتها.

إذًا، لا شيء يمكن أن يتعارض مع الدراماتوجيا أكثر من الحلم، ولأن بذور المسرح الحقيقي كانت دائمًا حركات تهتم بالأخذ والإبعاد : سريالية أشياء المسرح : حواسه وليست حلمية ذهنية. فحين يتحدث بودلير عن الإخراج، فذلك لا يعني بالضرورة إنه الأقرب الى المسرح الحسي. ربما أمكننا الحديث عن التعبير الجسماني الذي قد يُزعج الممثل، عن الإحساس، عن الاضطراب. فذلك هو ما ينتمي للمسرح الأصيل عند بودلير، الذي اقترح أن تؤدي دور ابن الدون جوان،  فتاة حيث لا يبدو البطل محاطًا بمجموعة من النسوة الجميلات المكلفات بمهن خدمية ؛ بينما تكشف زوجة السكير من خلال تعاملها مع جسدها عن ميل إلى الطاعة والهشاشة بما يجعلها عرضة للاغتصاب ثم للقتل. يشترط بودلير في الممثل، الدعارة (ففي النهاية كُلٌّ يتلذَّذ بشيء ما سواء في عرض مسرحي أو حفل راقص) لن يمكن الاحساس بـ “فينوسيتها” كما لو أنها سلوك طارئ، ديكوري (عكس الإخراج “المتحرك” عكس حرمات البوهيمين وأجواء الحانات الريفية) ولكنها ضرورية كما لو أنها تجل لشكل أوَّلي من أشكال الكون البودليري ألا وهو : المكر.

جسد الممثل مصطنع، غير أن ازدواجيته هذه أعمق من إزدواجية الديكورات المصنوعة أو ألأثاث المُركّب للمسرحية : التمويه، استعارات الحركات أو النبرات، جاهزية الأشياء للعرض؛ كل هذا احتيالي لكنه غير مزيف أو مختلق، بما يجعله يعزِّز ذلك التجاوز الشفاف ذي المذاق الشهي، الأساسي والذي يحدد بودلير من خلاله تأثير الفردوس المصطنع : يحمل الممثل في داخله الدقة العالية للعالم المتتالي، كما هوة الشأن في عوالم “الحشيش” حيث لا شيء مُبتكر، كل شيء موجود من خلال التطثُّف المتضاعف.

بإمكاننا ومن خلال ما تقدم، التكهن أن بودلير كان لديه ذلك الإحساس الحاد بالمسرحة، الأكثر سرية بل والأشد قلقًا ؛ تلك المسرحة التي تضع الممثل في قلب المعجزة المسرحية، وتحدده باعتباره مكانًا للتجسيد القصووي، حيث الجسد مزجوج، جسد حي أنتجه طبع مبتذل وهو في نفس الوقت جسد أنيق مصقول من خلال وظيفته كشيء مصطنع.

لاشيء آخر غير هذي المسرحة النافذة والتي ظلت مجرد إشارة محبوسة في المشاريع المسرحية لبودلير.

بينما هي تتدفق منهمرة في بقية أعماله ؛ هكذا عادة ما تحدث الأمور كما لو أن بودلير ضمَّن “المسرحة” في كل شيء عدا وتحديدًا أن تكون متواجدة في مشاريعه المسرحية. بيْد أن هذا التنامي الهامشي لمكونات جنس داخل أجناس أخرى : رواية، شعر، مسرح هي في الأصل لا تنتمي إليها وغير مهيأة لاحتضانها إنما هي صفة الابداع عمومًا.

المسرحة عند بودلير مدفوعة بنفس هذي القوة للإفلات ؛ تتفجر في كل مكان هناك حيث لا تكون مُنتظرة أولاً وخاصة في “الفراديس المصطنعة”، يصف فيها بودلير تحولاً حواسيًا من نفس كنه الإدراك الممسرح، بما أن الحقيقة وكيفما كانت عيب متأثرة بمغالاة حادة ؛ هي نفسها مثالية الأشياء ؛ ثانيًا في شعره حين يقوم بتجميع الأشياء في شكل إدراك إشعاعي للمادة متكدسة، متكثفة كما لو أنها على ركح ملتهب بالألوان والأضواء بالتمويهات موسومة هنا أو هناك بفخامة الاصطناعي بجميع أوصاف اللوحات التشكيلية وأخيرًا بفضاء مأهول بالأداء التيوقراطي للرسام بنفس الأسلوب في المسرح (سوف تتكاثر اللوحات في مسرحية “ماركيز هوزار الأول” ويبدو كما لو أن كل شيء فيها مصبوغ بأعمال Gros او Delacroix تمامًا كمسرحية “نهاية الدون جوان” أو مسرحية “السكير” اللتين بدتا شبيهتين بتمرينات صلب مخطط شعري أكثر منه تصميمًا مسرحيًا بأتم معنى الكلمة).

هكذا انتقلت المسرحية عند بودلير من عالمها المسرحي لتمتد في بقية أعماله عبر اتجاه معاكس لكن في نفس الوقت فاضح يصب عناصر فوق درامية في مشاريع هذه المسرحيات، بما يشير أن المسرح ينشغل في تدمير نفسه من خلال حركة إفلات وتسمم مزدوجة.

غير أن ما لم يتم إدراكه هو إن الأصناف الروائية تغزو السيناريو البودليري : “نهاية الدون جوان وعلى الأقل الشذرة التي تم إيصالها إلينا تنتهي بمزيج ستاندالي غريب ؟ فالدون جوان يتحدث شبيهًا بموسكا، في الكلمات القليلة التي يتبادلها الدون جوان مع خادمه يسيطر مناخ عام هو نفسه مناخ الحوار في الرواية أين يحافظ كلام الشخصيات على هذا التلميح وهذي الشفافية المهذبة التي عادة ما نعرف أن بودلير يكسو بها كل أشياء إبداعه. الأكيد أن الأمر يتعلق هنا بمسوَّدة أولى، ومن الممكن أن بودلير قد صبغ حواره بهذه الأدبية المطلقة على اعتبار إنها اللغة الأساسية للمسرح. غير إننا هنا بصد تحليل موهبة الإخفاق لا غير معنيين بافتراضية مشروع ما. على أن الشيء الدال في هذه المرحلة من المخاض هو أن السيناريو يتخذ صفة الأدبية مصقولاً بلا حلق ولا أمعاء.

في كل مرة تتم فيها الإشارة للأزمنة والأمكنة فذلك إثبات على رعب المسرح، ذلك المسرح الذي يمكننا تخيله على الأقل في عصر بودلير. الفصل، المنظر هي وحدات يتخلص بودلير منها بكل سرعة، يتجاوزها دائمًا ويؤجل النظر فيها لوقت آخر حتى يستطيع من السيطرة عليها، فتارة يشعر أن هذا الفصل قصير جدًا وطورًا يراه طويلاً جدًا. ففي مسرحية “الماركيو هوزارالأول، الفصل الثالث” يستخدم الفلاش باك وهي تقنية لا تستعملها اليوم إلا السينما، وفي “نهاية الدون جوان” المكان متجول غير ثابت، هو عبارة على مسلك بين المدينة والريف فاقد الحس شبيه بالمسرح المجرد (فاوست). يتفجر عمومًا هذا النوع من المسرح من خلال بذرته الأولى، يتلولب كما لو أنه عنصر كيميائي في الموضع الخطأ، يتجزأ إلى لوحات (بالمعنى التصويري للكلمة) أو إلى حكايات. ذلك أن بودلير بخلاف رجل المسرح المختص عوض إن ينطلق من الركح يتخيَّل قصة سردية بأكملها. من وجهة نظر جينية ليس المسرح إلا هذا التكثيف الذي ينتج عن تخييل مداره مُعطى أولى دائمًا ما يكون ذا طابع حركي (لا طقسي عند إسخيليوس، إدارة ممثلين عند موليار) : هذا المسرح مُفكر فيه كما لو أنه تحوُّل ٌ قطعي، مفروض بحكم مبدأ الإبداع ذي الطابع الرمزي “ماركيز هوزار الأول” أو الطابع الوجودي “السكير”.

ذات مرة قال بودلير :

“أعترف إنني لم أفكر إطلاقًا في الإخراج”.

هذا شكل من السذاجة الذي لا يمكن أن يفصح عنه أقل دراماتورجي خبرة، وهو ما لا يعني إن سيناريوهات بودلير غريبة تمامًا عن جماليات العرض، لكن بالنظر إلى ما تنتمي إليه من عوالم تخييلية فليس ذلك هو المسرح، بل هي السينما التي بإمكانها أن تحقق نجاحها، ذلك إن السينما تعتمد على الرواية وليس على المسرح، الأماكن المتجولة والفلاش باك، غرائبية اللوحات، التفاوت الزمني في المقاطع، باختصار هذا الاضطراب في عرض السرد والذي يشهد به ما قبل المسرح عند بودلير، هذا بالضبط ما تحتاجه السينما لتخصيبها بشكل نقي تمامًا.

إذًا، ودون أي شك فـ “الماركيز هوزار الأول” هي سيناريو متكامل. وهو ما ليس في استطاعة ممثلي هذي الدراما غير المطلعين على التيبولجية الكلاسيكية في استعمالات السينما.

ذلك أن الممثل في حقيقته هو نتاج شخصية روائية وليس حلمًا جسديًا (كما حدث لابن الدون جوان الذي لعبت دوره فتاة أو زوجة السكير التي هي موضوع سادية) لم يكن في حاجة على الإطلاق إلى عمق الخشبة ليكون فهو جزء من بنية شعورية أو اجتماعية لا صلة لها إطلاقًا بعلم التشكل، هو علامة سردية خالصة كما تستوجبه الرواية أو السينما.

الذي يتبقى من المسرحة الحقيقية في مشاريع بودلير؟ لا شيء .. سوى ما يمكن اعتباره لجوءًا للمسرح، فكل شيء حدث كما لو أن مجرد نية كتابة شيء من الدراما أرضت شغف بودلير وأعفته من تغذية مشاريعه بمادة مسرحية حقيقية ممتدة عبر العمل، لكنها غير مقبولة في المواضع الوحيدة التي يمكن أن تزدهر فيها وتكتمل نهائيًا.

ذلك أن هذا المسرح الذي اعتقد بودلير لوهلة، أنه أمسك به فإنما عجَّل بمنحه الخطوط الأكثر وضوحا للإفلات منه مما أحدث بعد ذلك، بذاءة ما، تعددية ما (وهو أمر مستغرب نظرًا لأناقة بودلير الرفيعة) تبدو في الظاهر مجلوبة من الرغائب المنسوبة للعامة ؛ خداع (أوديوني) للوحات الضخمة (حرب، مرور إمبراطور، حفل في حانة ريفية، مُخيم للغجر، جريمة معقدة) كل ما يُحيل على جمالية اللفظ، مقطوعًا عن حوافزه الدرامية أو هو شكلية اللحظة المسرحية مُدرَكة من خلال تأثيراتها الأكثر تمجيدًا لحساسية البورجوزاية الصغرى.

وطالما المسرح هو بهذا الشكل، سوف يعمل بودلير من أجل تحصين المسرحة، فلديه شعور أن التحايل الجميل مهدد بالأسلوب الغوغائي ؛ لقد أخفاها (المسرحة) بعيدًا عن الركح، منحها لجوءا في عزلة أدبه، في أشعاره، في محاولاته النقدية، في صالوناته الأدبية. لم يبق من هذا المسرح التخييلي غير دعارة الممثل وشهوة الجمهور للأكاذيب (وليس المكر) وللإخراج المفخَّم للكلام. مُبتذل هذا المسرح ؛ غير أنه ابتذال متمزق في حدود إنه مراقب في تسييره، مبتور عن قصد من كل ما هو عمق شعري أو درامي ؛ مقطوع عن كل تخيًّل يمكن أن يحققه؛ مًصوِّرًا هذا الوضع المسرحي بكل دقة بنى بودلير مشاريعه وإخفاقاته إلى أن اكتمل هذاالقتل الخالص للأدب، ونعلم جيدًا أن هذا القتل كان ومنذ زمن مالارميه قلق الكاتب الحديث ومبرره.

إذًا… وقد تخلَّت عن المسرح المسرحة فشرع يبحث له عن ملاذ في كل مكان، وإذا به يتحول إلى شكل اجتماعي وقح وهو ما سماه بودلير ذات يوم التذبذب كدلالة على ما نسميه اليوم الالتزام.

وفق هذي الحركة الخالصة (هي خالصة لأنها لا تعبر سوى عن نية وإن هذا المسرح البودليري لا يحيا إلا بوصفه مشروعًا) يلتحق بودلير مجددًا بهذي الاجتماعية على الصعيد الإبداعي بغاية تثبيتها ثم الإفلات منها وفق جدلية اختيار كان سارتر فقد توسع في تحليلها بشكل دقيق ونهائي.

تقديم دراما لـ “هوستين” مدير مسرح la Gaité كان تمش باعث للارتياح في نفس بودلير أفضل من تمجيد سانت بوف أو الطمع في الالتحاق بالأكاديمية أو انتظار وسام جوقة الشرف.

من هنا تمسُّنا مشاريع هذا المسرح بعمق. انها جزء من بودلير، من داخله، من هذه السلسلة المتعددة والتي من خلالها يتجدد نجاح “أزهارالشر” كفصل لا مزية للموهبة عليه أقصد الادب طبعًا.

كان لا بد من الجنرال Aupick Ancelle وكان لابد من تيوفيل غوتييه، سانت بوف، الأكاديمية والمسرح الأوديوني، كان لا بد من كل هذه المجاملات والتي هي في حقيقتها ملعونة، مهملة وبالكاد يمكن التفطن إليها. كان لا بد من كل هذا ليكتمل عمل بودلير لهذا كان الخيار مسؤولًا على اعتبار أنه قدر ذو شان.

سوف نحب “أزهار الشر” أقل إذا لم ندمج في قصة مبدعها هذي الهواية الفظيعة للفظاظة.

* هامش بقلم رولان بارت

• نعرف أن لبودلير 4 مشاريع مسرحية الأول ايديوليس أو (مانوال) موزون وغير مكتمل كتبه بودلير رسنة 1843 (حين كان عمره 22 سنة) بالتعاون مع إرنست برارون. بقية المشاريع الثلاثة الأخرى كانت سيناريوهات وهي (نهاية الدون جوان) لم يكن سوى بداية لفكرة و(الماركيز هوزار الأول) وهو عبارة عن دراما تاريخية كان بودلير يتحدث فيها عن دراما لأحد أبناء المهاجرين، وولفانغ دي كادول ممزق بين مبادئ الوسط الذي عاش فيه وطموحاته نحو الإمبراطور وأخيرًا “السكير” وهو العمل الأكثر بودليرية من الأعمال الأخرى، وهو حكاية جريمة، عامل سكير متكاسل يقتل زوجته ويرمي بها في بئر ثم يردم البئر بالحجارة.  وتعتبر دراما “السكير” توسعة للفكرة المُشار إليها في قصيدة “خمر المجرم” الواردة في “أزهار الشر”. نُشرت هذه المشاريع المسرحية في طبعة كريبيه والبلياد والأعمال الكاملة لبودلير ونادي أفضل كتاب .


 
 

الصفحة 1 من 13

Nous contacter

Adresse :
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail :
theatretafukt@gmail.com
tafoukt.production@gmail.com
bouichou@gmail.com
Téléphone :
(+212) 669279582 - 667313882
Siège Social de Théâtre Tafoukt :
Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes - Casablanca / Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع الحقوق محفوظة لـ : فضاء تافوكت للإبداع - مجلة فنية تصدرها مؤسسة تافوكت للإنتاج الفني
Casablanca - Maroc © 2015 www.tafukt.com