Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مختارات - إصدارات - كتابات: الممثلة العالمية جينا لولو بريجيدا - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 12:45
متابعات - تغطيات صحفية: مشاركة مغربية في مهرجان ''هولندا للفنون'' - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 12:34
أخبار - منوعات - مواضيع : في ذكرى رحيل معتوب الوناس - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 12:14
مواعيد فنية - ثقافية: "مشارف" يستضيف الشاعر العراقي صلاح نيازي - الثلاثاء, 27 حزيران/يونيو 2017 11:45
مختارات - إصدارات - كتابات: ستانسلافسكي المغرب: جمال الدين الدخيسي - الإثنين, 26 حزيران/يونيو 2017 00:15
متابعات - تغطيات صحفية: الجمع العام التأسيسي للفرع الإقليمي للداخلة - الأحد, 25 حزيران/يونيو 2017 00:21
مختارات - إصدارات - كتابات: الممثل الأسطورة مارلون براندو - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 23:39
أخبار - منوعات - مواضيع : قصة حياة الأسطورة “إيفا بيرون” - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 22:01
مختارات - إصدارات - كتابات: عبد المجيد فنيش: قرصان المسرح و الملحون - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 21:52
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: توقف "غرابيب سود" فجأة... - السبت, 24 حزيران/يونيو 2017 21:32
Blue Grey Red
أخبار - منوعات - مواضيع

في ذكرى رحيل معتوب الوناس

في ذكرى رحيل معتوب الوناس.. أستاذ النضال وحنجرة الآمال

بقلم لحسن أمقران


بحلول يوم الخامس والعشرين من شهر يونيو الجاري، تكون قد مرّت تسع عشرة سنة على اغتيال رمز التحدي الأمازيغي.. إنه الراحل الذي جعل القضية الأمازيغية قضيته الأولى، وعاهد على الموت من أجلها.. إنه المناضل الذي تجاهل لغة التهديد وسياسة الاختطاف.. إنه المناضل الذي حمل القيثارة الرشاشة.. إنه صاحب الحنجرة التي تزرع الأمل وتحيي الصمود.. إنه المناضل الذي لم يستسلم للإغراءات، بعد أن تحدّى قبلها الوعيد.

"معتوب لونيس" ذلك المصباح المنير لكل سائر في درب الأمازيغية، إنه الرمز الذي وشم ذاكرة الأحرار وسيظل، كيف لا وهو القائل إنه يفضل أن يموت من أجل أفكاره على أن يموت على فراش المرض أو الشيخوخة؟

إن هذا اليوم، حيث نستحضر رحيل هذا الرمز، سيظل يعني الكثير لكل من آمن بالرسالة الأمازيغية، وجدير بنا أن نعرّف الجيل الجديد من الشباب بهذا النجم الذي سطع في سماء "تامازغا" وسيظلّ.

كان يوم 25 يونيو 1998 نهاية مؤلمة وفاجعة مقرفة، رصاصات التطرف والغدر تخترق جسد رمز التحرر بالمغرب الكبير، رمز اختار التمرد على كل شيء، لتنطفئ برحيله إحدى أهم وأقوى شرارات النضال في "تامازغا"، إنه "معتوب" وما أدراك ما "معتوب".

كتب هذا الزعيم الظاهرة سيرة ذاتية عن حياته بكل الجزئيات، في كتاب بعنوان (المتمرد)، استعرض فيها عالم طفولته وقريته وظروف الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، ثم فترة ما بعد الاستقلال والتي تميزت بانقلاب شركاء الأمس ضد الأمازيغ الذين أسهموا بأكبر الجهد والجهاد في إشعال نار الثورة الجزائرية ضد الفرنسيين.

أبان هذا "الطفل المشاكس"، منذ سنوات طفولته الأولى، عن موهبة كبيرة في الشجاعة والإقدام، خصوصا أن وضعه العائلي جعل منه طفلا مشاكسا حيث كان "الرجل" الوحيد في "عالم نساء"؛ وهو ما جعل منه طفلا مدلّلا.

كان دوما يقدم على أعمال تتجاوز سنه بكثير، ترعرع في جبال "دجردجورة" وسط عائلة متواضعة، وكان أبوه مهاجرا بفرنسا؛ وهو ما جعل والدته تقوم بدور الأب والأم في الوقت نفسه في تربية المتمرد الصغير، فضل المتمرّد الحقول واللعب بالقرية بديلا عن قاعة الدرس. كان يحسّ بالملل والضجر داخلها، وكان يعتبرها سجنا يفقده حريته المطلقة. تعود على التسكّع عوض الذهاب إلى المدرسة، يقضي معظم أوقاته في نصب المصائد للأرانب بدل الاهتمام بالدروس.

بدأ وعيه بالهوية الأمازيغية مع الروايات التاريخية التي كان يسمعها عن الملوك الأمازيغ من أمه، الشيء الذي أدى إلى ولادة شعور هوياتي مبكر لديه، ودأب على القيام بألعاب حربية مقلّدا رجال المقاومة، وكانت رغبته في الوجود ضمن صفوف المقاومين كبيرة، يتفاعل مع كل صغيرة وكبيرة تأتي من ساحة القتال، بل ويقدم على مغامرات بفعل شجاعته الكبيرة، حيث يقول في الفصل الأول من كتابه "المتمرد": "في يوم ما، قدم عندنا جندي فرنسي ليبتاع منا أرنبا وبعد ذلك بأيام شاهدنا الأرنب نفسه لدى ذلك الجندي وهو لا يزال على قيد الحياة، ساعدتني أمي لتسلق حائط الثكنة من أجل استعادة الأرنب، أسبوع بعد ذلك، أعادت أمي الأرنب نفسه لذلك الجندي، وبمثل هذا الفعل كنا نعتقد أننا شمتنا الفرنسيين، ربحنا مرتين ضعف مبلغ مالي دون ضبطنا متلبسين. في الأيام الموالية، كنت أترصد المعسكر؛ لكن لا أثر لأرنب فيه"..

ما بين (1963-1964) التي تميزت بسنّ سياسة التّعريب، تنامى التاريخ والوعي بالهوية الأمازيغية لدى "معتوب"، فوقف رافضا سياسة التعريب التي نهجها النظام الجزائري، والتي كانت تهدف إلى محو الإرث التاريخي الأمازيغي، فاستعرض "لوناس" القمع الذي تعرضت له الهوية الجزائرية من لدن النظام العروبي الحاكم، وتمسّكه بأمازيغيته.

ويروي معتوب لوناس أيضا فترة خدمته بالجيش الجزائري بالتفصيل، ويبين صورا من الحرب بين النظامين المغربي والجزائري؛ فقد صادف التحاقه بالجندية انفجار قضية "أمغالا"، حيث وجدت الجزائر نفسها مرة أخرى في مواجهة المغرب وتشابكت القوتان، وعيّن فقيدنا في مصلحة المعدات العسكرية، وهو ما أتاح له معاينة الوضع، وجعل الفقيد يقاسي كل أشكال الشطط في الثكنات العسكرية. تولى مهمة الحراسة وتألّم لرؤية آلاف المغاربة يغادرون الجزائر بعد قرار بومدين بطردهم.

أحس "معتوب" وهو يرى المغاربة يهاجرون الجزائر بقرار سياسي ووصمة عار كبيرة على جبين الجزائر، تنبأ بحرب عبثية بين الطرفين، وأكد أنه لو أرسل إلى جبهة القتال فلن يكون قادرا على إطلاق ولو نصف رصاصة على أشقاء له من القطر الجار. كانت العقوبات والإهانات ما ناله لونيس من خدمته العسكرية مما ولّد بداخله حقدا عظيما للجندية و للعدوان اللذين يختلفان عن قناعته ورغبته.

 

ككل الفنانين الموهوبين وبعيدا عن المعاهد الموسيقية الراقية، كانت قيثارته الأولى من القصدير وأوتارها من خيوط الصيد، عبرها أبحر في عالم الموسيقى يحيي الحفلات بـ"تيزي وزو"، وقد جعل منها أداة لإيصال رسالته، فغنى عن الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي كانت تعرفها القبائل خاصة والجزائر عامة، لم تكن واقعة 20 أبريل 1980 لتمرّ دون أن تؤجج حماس والتزام "معتوب"، والذي جعل الربيع الأمازيغي الذي نظمته الحركة الثقافية الأمازيغية والقمع العنيف من لدن النظام بداية الشرارة التي أطلقها عبر غنائه ضد التطرف والقمع والعنصرية، و بتفاعل حيّ وبيّن بقيثارته التي كانت وسيلته في ذلك.

"معتوب لونيس"، إذا، يعتبر من أشهر المغنين والموسيقيين في شمال إفريقيا بسبب لونه الغنائي وصوته المميّز وأيضا بسبب مواقفه السياسية المعارضة للدولة وسياسة التعريب القسري، و لمساندته للقضية الأمازيغية الجزائرية و فكرة اللامركزية.

تعلّم "لونيس" الغناء بشكل ذاتي وهاجر لفترة إلى فرنسا ثم عاد إلى الجزائر. وأصدر العديد من الألبومات الغنائية الأمازيغية الناجحة آخرها ألبوم أمازيغي بعنوان "رسالة إلى…" والذي صدر بعيد اغتياله.

كان الراحل يجهر بأفكاره حول العلمانية والحرية والديمقراطية والأمازيغية؛ وهو ما أدى إلى ازدياد سخط النظام الجزائري والجماعات الإسلامية والأحزاب العروبية. في أكتوبر 1988، بدأت الأحداث تتوالى في الجزائر والمواد الغذائية الأساسية تشهد زيادات صاروخية في الأثمان، كانت بوادر أزمة اقتصادية خانقة بامتياز؛ وهو ما أدى إلى ارتفاع حركة الاحتجاج أسفرت عن قتلى وجرحى.

وبحكم طبيعة الشخصية القبائلية، التي تعودت على الانتفاضات الشعبية، تم إعلان حالة الطوارئ، لكن "معتوب" لم يتوان في توزيع المناشير إيذانا بانطلاق الثورة، ليبدأ مسدس النظام في ترصده، قبل أن يتمكن من إصابته برصاص غادر انتهى به في غيبوبة، قبل أن يخرج من المستشفى وهو يشكو من إعاقة جسدية.

وبفعل الضغط الجماهيري، تم نقله إلى فرنسا بعد رفض تام للفكرة، هناك تمت معالجته وعاد يحمل كيسا طبيا، انفجر وهو يتابع مباراة في كرة القدم في "القبائل".

"معتوب" ذاق المرارة والألم أكثر من أي آخر؛ لكن ذلك لم يمنعه من الغناء من أجل الحرية والعدالة والمساواة وضد القمع والتطرف الديني الأعمى.

معاداته للتطرف الديني جعلت "الإسلاميين" يترصّدونه، توصّل بعدة رسائل مجهولة تحمل عبارات شديدة اللهجة، بطريقة مباشرة أو عبر بعض معارفه، كتب اسمه وصار واحدا من المسجلين في القائمة السوداء لدى هؤلاء. وقبل اختطافه بثلاثة أشهر، علقت مناشير على شوارع تيزي وزو تنذر بالفاجعة التي كانت منتظرة. أثناء عودته من الجزائر العاصمة في 25 شتنبر 1994، في جو ماطر، وقف "معتوب" في إحدى المقاهي في الطريق لأخذ قسط من الراحة، لكن العصابة التي تنتمي إلى "الجماعة الإسلامية المسلحة" اقتادته إلى مكان مجهول في معسكر هذه الجبهة المتطرفة. وكان الضغط الشعبي مرّة أخرى مفتاح خير على المغني المتمرد، وأطلق سراحه ليطّلع الناس على فظائع تلك المخيمات، حاملا معه رسالة من المتطرفين بأنهم "ليسوا قتلة وكل ما يريدونه هو قيام الجمهورية الإسلامية ويطلبون من سكان القبائل الكفّ عن الوقوف في وجههم"، وبدأت الأصوات تتعالى معبرة عن فرحتها لإطلاق سراحه.

في 25 يونيو 1998، على الطريق المؤدية إلى قرية "تاوريرت ن موسى" قرب "تيزي وزو"، كانت اللحظة الأخيرة في حياة المناضل الأمازيغي الكبير "معتوب لونيس" الذي اغتالته أيادي نتنة وعقول لا يتعدى تفكيرها الأحادية والفكر المطلق والتعصب الديني. يوم فقد فيه الأحرار أحد أبرز المناضلين الأوفياء للقضية الأمازيغية، ممّن اتخذ من الأغنية الملتزمة والشعر الهادف أداة للدفاع عن الهوية والثقافة الأمازيغية.

كانت نهايته حلما يتحقق لأعدائه من "الإسلامويين" والنظام العسكري الجزائري، ويعتبر كتابه "المتمرد" وثيقة تاريخية حية تشهد على تحولات الجزائر المعاصرة بآلامها وآمالها وطموحاتها ومفارقاتها أيضا، أسد لا يتعامل مع الهدن الممنوحة من جماعات "ظلامية" وأنظمة غاشمة يجمعهما التطرف والعنصرية، كانت الفاتورة التي دفعها "لونيس" غالية جدا، إنها حياته التي تبقى أغلى ما يملك بني البشر، إيمانه الراسخ بالقضية الأمازيغية جعله يعتبرها مسألة حياة أو موت.

تعلمنا منه دروس الإقدام والحرص على الشرف والسير قدما حتى تحقيق كل المطالب المشروعة، تم اغتياله إذا من لدن مسلّحين ملثّمين حينما كان خارج مدينته وهو يقود السيارة. وتسبب اغتياله في قيام مظاهرات واحتجاجات كبرى في المناطق الأمازيغية الجزائرية، أدت إلى مواجهات بين آلاف قوات الأمن وعشرات الآلاف من الأمازيغ الغاضبين الذين اتهموا الحكومة الجزائرية بقتل مغنيهم المحبوب.

تم تنظيم جنازة مهيبة له حضرها عشرات الآلاف من الجزائريين، وتصدر خبر اغتيال معتوب لونيس الأخبار في وسائل الإعلام المستقلة في الجزائر والمغرب وأهم وسائل الإعلام الدولية. ويعدّ قبره مزارا للمناضلين الأمازيغ من ربوع "تامازغا" ممّن يحجون إلى منطقة "القبائل".


 

قصة حياة الأسطورة “إيفا بيرون”

من حلم إلى كابوس… قصة حياة أسطورة الأرجنتين “إيفا بيرون”

بقلم دينا بدر

 

إيفا بيرون، هي الزوجة المخلصة للرئيس الأرجنتيني خوان بيرون، نالت لقب السيدة الأولى في الأرجنتين من عام 1946، أي منذ تولي زوجها رئاسة حكم البلاد حتى وفاتها في عام 1952، إيفا والتي تعرف باسم “ماريا إيفا دوارتي”، لم يكتف محبوها بألقابها المعروفة فأطلقوا عليها لقب إيفيتا أي (إيفا الصغيرة)، وهي التي لعبت دوراً هاماً في حياة زوجها ودوراً هاماً في شؤون البلاد، لذلك ستجد من يحبها بشدة ومن يكرهها بنفس الشدة من الجانب الآخر، تعالوا لنعرف كل الأحداث التي أدت إلى ذلك الحب والكره على حد سواء.

منذ حداثتي أحببت الفيلم الراقص الذي تناول سيرة الشخصية باعتبارها من الشخصيات البارزة في تاريخ الأرجنتين والعالم، والتي يجب أن تُخلد، وبالفعل أجدني أقع في غرام “مادونا” وهي تؤدي دورها ببراعة متناهية في ذلك الفيلم المسمى بـ “إيفيتا”، فهو فيلم راقص في مجمله وحالم بملكاته الخاصة، ملأه جم المشاعر والإحساس المرهف من بؤس وشقاء وحلم ونجاح ومرض وكل شيء، إنها الخلطة الحقيقية لاكساب الحياة وجهاً شفافاً من خلال التعرف على صاحب السيرة نفسه.

الفيلم كله راقص، بعضها رقصات كاستعراضات، وبعضها بل ومجمل الفيلم نفسه رقصات تتناغم بهدوء على مدار الفيلم نفسه – الحوار نفسه غنائي – فأصبح بذلك الفيلم الراقص الأول الذي يطفو إلى ذاكرتي، إذا ما ذكرت الأفلام الاستعراضية الراقصة.

دعونا نرجع لنعرف ما هي قصة “ماريا إيفا” باختصار؛ علّنا ندرك لماذا هي امرأة عظيمة فعلت ما تريد واستحقت النجاح الذي آلت إليه في النهاية!

طفولة إيفا بيرون

طفولة إيفا لم تكن سهلة كما سنعرف فقد ولدت في “لوس دولدوس” في الأرجنتين وذلك في السابع من مايو لعام 1919 وهي ابنة الخوان “دوارتي” والخوانا “إيبارجوري” وهي أسرة مفككة لعدد من الأطفال خمسة أصغرهم “ماري”، عاشت الأسرة في مزرعة منزل على الشارع الرئيسي في بلدتهم الصغيرة “الاتحاد” وكان والدها يدير تلك المزرعة لكنه يتقاسم الدخل بين أسرته الأولى وأسرته الثانية والتي من بينها “ماريا” وأخواتها.

منذ حداثة “ماريا” أخذت الحكومة كل الأراضي التي يديرها الأثرياء، وبذلك وجد أبيها نفسه بلا عمل فعاد إلى مسقط رأسه ذاهباً لأسرته الأولى، فوجدت والدة “مارى” نفسها مع خمسة أبناء وحدها بلا أي عائل للعائلة، فاضطرت لترك المنزل الكبير والانتقال إلى آخر أصغر بالقرب من السكك الحديدية، حيث عملت كخياطة لأهالي البلدة.

ومن أجل ذلك التحول الكبير في مجرى حياة الأسرة، كانت إيفا من دون أصدقاء دائماً، وأصبحت العائلة بكاملها منبوذة ودائماً ما كانت موصومة بالعار.

جاء انتقال الأسرة مرة أخرى من بلدتهم “الاتحاد” إلى “جونين” ضرورياً، فهو فرصة مثالية للخروج من عنق الزجاجة إلى نطاق أرحب وأوسع وذو فرص عمل أفضل للجميع، وبالفعل وجد الأشقاء الكبار بعضاً من فرص العمل المناسبة ومن ثم استطاعت “إيفا” وأخواتها البنات الذهاب إلى المدرسة والحصول على بعض الاستقرار النسبي.

الطموح المبكر

وصلت “إيفا” لسن المراهقة فُفتنت بعالم السينما الأخاذ والرقص المتاح دائماً ونجوم السينما الأمريكية اللامعين، فكانت من أحلامها في الحياة أن تصير واحدة منهم وتعيش بأريحية مثلهم، فقررت الذهاب إلى العاصمة الأرجنتينية “بوينس آيرس” لتصبح نجمة مشهورة.

الوالدة لم تكن راضية عن ذلك إلاّ أنها رضخت أمام قوة شكيمة ابنتها المصممة على تحقيق الحلم الكبير، ففي عام 1935 – كانت إيفا حينذاك تبلغ الخامسة عشر فقط – سافرت إلى العاصمة مع والدتها رغم معارضتها للتقدم إلى محطة إذاعية، واستطاعت رغم صغر سنها أن تحصل على وظيفة بالفعل في الإذاعة، مما أثار حفيظة الوالدة لأنها لم تستطع الرجوع بابنتها.

جاءت معاناة إيفا صعبة في سنوات عملها الأولى، ومع الإصرار وعدم التراجع استطاعت في وقت لاحق أن تشتهر كما تريد.

وجدت إيفا أن حياة العاصمة ليست سهلة كما كانت تتخيل، فقد جاءتها في وقت مشّوب بالكثير من التغيير السياسي، فكان الحزب الراديكالي قد سقط من السلطة وقتها، وحل محلهم ائتلاف المحافظين وأصحاب الأراضي الأثرياء، والذين قاموا بتنحية مجموعة الإصلاحيين السابقين من المناصب الحكومية، ووضعوا تلك الوظائف بين يدى الأصدقاء والمعارف، وكان كل من يعترض مصيره السجن غير المبرر، فتم خلق طبقة أصبحت هي السائدة، وهي الطبقة العاملة والتي يندرج من تحتها الطبقة الفقيرة، وهي طبقة عاجزة عن الوقوف أمام طبقة الأثرياء التي بيدهم كل شيء.

كانت إيفا وقتها من الطبقة العاملة الكادحة، فهي بالكاد تملك القليل من المال الذي لا يستطيع إنقاذها أبداً إلاّ أنّ ذلك لم يفل من عزيمتها على النجاح من شيء.

إلى مصاف الأثرياء

جاء وقت الانفراجة بأن وجدت “إيفا” عمل كممثلة صغيرة في فرقة إقليمية، سافرت من خلالها إلى جميع أنحاء البلاد، برغم مكسبها الضئيل إلاّ أنها لم تنس إرسال معظم ما يأتيها لأمها وأخواتها، وعندما زادت خبرتها في مجال التمثيل عملت كممثلة في المسلسلات الإذاعية وحصلت على أدوار ضئيلة في فيلم صغير.

وفي عام 1943، كانت إيفا قد بلغت الرابعة والعشرين وهو سن مثالي للحياة في حياة أية فتاة؛ لأن حياتها تغيرت نسبياً بأن انتقلت للعيش في حي راقي، واستقرت به وحققت بذلك بعضاً من أحلامها العظيمة، بأن جعلت لنفسها مكانة بين جموع الأثرياء ولو – حتى الآن – بالسكن فقط.

جاء زلزال هائل ضارباً غرب الأرجنتين وذلك في المنتصف من شهر يناير لعام 1944، والذي أسفر عن مقتل قرابة الـ 6000 من البشر، مما جعل الجميع في البلدة يريد تقديم المساعدات، حتى الجيش نفسه وتم ذلك برئاسة العقيد خوان “دومينجو بيرون” البالغ من العمر حينئذ الثامنة و الأربعين، وقتها طلب العقيد خوان”بيرون” من الإعلاميين ممثلين ومغنيين و إذاعيين استخدام شهرتهم لتعزيز قضيته، ومن ضمنهم كانت “إيفا” وسرعان ما أصبحا أصدقاء لا يفترقا لأنها وجدت نفسها بين ليلة وضحاها متحمسة لتلك القضية وكأنها قضيتها الأهم على الإطلاق.

سيدة الأرجنتين الأولى

كان خوان”بيرون” يتمتع بحب ودعم الفقراء والمساكين بالمناطق الريفية، إلاّ أنّ الأثرياء وملاك الأراضي لم يكونوا راضين عن أدائه وشعبيته الكبيرة.

وبحلول عام 1945 استطاع خوان”بيرون” أن يصبح وزيراً للحرب، ونائب الرئيس وسلطته التي فاقت الرئيس الأرجنتيني “فاريل” نفسه.

لم يرضي ذلك الأحزاب الحاكمة كالراديكالي والشيوعي فاتهموه بالسلوك الديكتاتوري، وإمعاناً في كسر شوكته قاموا بتعيين “إيفا” كوزيرة للاتصالات فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير.

فاستقال بعدها في أكتوبر 1945 مرغماً فتم حبسه فناشدت “إيفا” السلطات والقاضي بأن يتم الإفراج عنه ولكن لا جدوى، كذلك خوان “بيرون” نفسه أرسل للرئيس خطاباً طالبا منه العفو لكن الرئيس لم يستجب، حتى جاء أفراد من الطبقة العاملة محتجين بالإضراب على حبس بيرون التعسفي فتم الإفراج عنه، فتزوج فوراً من “إيفا” بعدما أطلق سراحه بثلاثة أيام وذلك في الـ17 من أكتوبر لعام 1945، في حفل مدني بسيط وكانت حينها لم تتعدى السادسة والعشرين بينما هو على مشارف الخمسين.

بعدما تزوجا أعلن “بيرون” نفسه مرشحاً للرئاسة في انتخابات 1946 وهي كزوجة للمرشح الرئاسي، فكانت دائماً تحت الرقابة المتعسفة، ودائماً ما كانت الصحافة تشير إلى أصولها غير الشرعية وطفولتها المشردة، إلاّ أنّ ذلك لم يكن ليثير بها أى شجون فكانت رحيمة بالفقراء ودائماً ما كانت تساعدهم، ومن الجانب الآخر كانت تشدد من أزر زوجها طوال الوقت.

بعدها استقالت من وظيفتها الإذاعية وانضمت لزوجها في حملته الانتخابية، ليفوز أخيراً بالانتخابات في الخامس من يونيو لعام 1946، لتصبح من بعدها هي سيدة الأرجنتين الأولى.

حياة إيفا بيرون السياسية

الأرجنتين كانت دولة ذات اقتصاد قوي ومتين، فبعد الحرب العالمية الثانية عانت الدول الأوربية التي أضرت بها الحرب فكانوا يقترضون من الأرجنتين القمح واللحوم، عامة كانت كسيدة أولى للبلاد تفتح مكتبها لكل الطبقات من العمال والقيادات النقابية في المصانع، والمناقشات المثمرة معهم وكانت تلقي عليهم الخطابات التي تدعم بها زوجها الرئيس.

على الجانب الآخر وبالرغم من أعمالها الكثيرة والخيرة إلاّ أنّ منافسيها والنقاد على أفعالها كانوا كُثر، فقد اتهموها بالتدخل السافر في شؤون البلاد، مما أدى لتحدث الصحافة عنها بشكل سيئ مما جعل رد فعلها سريعاً فقامت بشراء صحيفة خاصة تنشر قصصاً مؤيدة لها، وتقوم بطبع الصور البراقة لها كواجهة جميلة، وبالطبع ارتفعت أسهم مبيعات الصحيفة كثيراً.

وفى يونيو من عام 1947 سافرت “إيفا” – التي أصبحت “إيفيتا” في جولة أسمتها “جولة قوس قزح” بادئة إياها بإسبانيا بدعوة من الديكتاتور “فرانسيسكو فرانكو”، فحافظت بذلك على العلاقات مع إسبانيا قوية ومتينة خاصة أنها ساعدت إسبانيا إبان الحرب العالمية الثانية.

فاستقبلها أكثر من ثلاثة ملايين إسباني في العاصمة، ومن ثم تبعتها في جولات في معظم بلدان أوروبا لكنها لم تلق الترحيب اللائق بها.

ازداد نفوذ خوان “بيرون” في البلاد فأصبح نظامه يسمى بـ “البيرونية”، ومن خلاله ارتفعت نسبة المرأة العاملة بعدما أعطى الكونغرس الأرجنتيني المرأة حق التصويت في عام 1947، وأنشأت حزب المرأة البيرونية عام 1949.

وتم انتخاب بيرون مرة أخرى وذلك عام 1951 إلاّ أنه حينها قد أصبح متغيراً بشدة عن الانتخابات الأولى، فأصبح مستبداً على نحو متزايد، فكان يطلق النار ويسجن كل معارضيه.

الجثمان الخالد

نرجع عام 1948 حينما تلقت إيفيتا بيرون الآلاف من الرسائل اليومية من المحتاجين يطلبون الغذاء والكساء، فأخذت إيفيتا في بناء مؤسسة رسمية للمحتاجين، و أسمتها “مؤسسة إيفيتا بيرون” وتلقت الكثير من التبرعات من الشركات والنقابات والعمال لكي تقوم بما يلزم الدولة ويوفر الحياة الكريمة للمواطنين من مدارس ومستشفيات.

فعملت بلا كلل أو ملل من أجل أن تترك وراءها الكثير من الإنجازات؛ لتكتشف بعدها بعدما عانت من آلام في البطن إنها مصابة بسرطان الرحم الذي لم يمهلها الكثير فتنحت على إثره من الانتخابات.

ومن حب شعبها لها أقاموا بالقرب من منزلها القرنفلي حتى وافتها المنية في السادس والعشرين من يوليو لعام 1952 عن عمر يناهز الـ33 فقط، مما جعل زوجها من شدة حبه لها يخطط للاحتفاظ بجثمانها ووضعه في ساحة عرض، ليقوم الجيش بانقلاب عام 1955 على حكمه، وتم نفيه، ليضيع جسد إيفيتا في تلك الفوضى، ولم يظهر بعدها إلاّ عام 1970، حيث أعيد جثمانها في نهاية المطاف للدفن في مقابر أسرتها بـ “بوينس آيرس”، فانتهت بذلك حياتها القصيرة مخلفة ورائها قصتها الأسطورية.

 
 

فيروز في جديدها "لمين"

فيروز في جديدها "لمين" تتصدّر المشهد وتُثير الخلاف

 

لمين" قد لا تكون الأغنية المنتظرة التي كان يعوّل عليها بعض محبّي السيّدة فيروز، اللحن أجنبي والكلمات مترجمة ومحبّوها كانوا ينتظرون أغنية جديدة أعدّت خصيصاً لها، مع أنّ معظمهم لم يسمع بأغنية "Pour qui veille l’étoile" وبالكاد سمع بالمغنّي Gilbert Bécaud الذي رحل في العام 2001. "لمين" نجحت في غضون ساعات في أن تصبح هي الحدث، فتصدّرت السيّدة فيروز صدارة التغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي ومحرّكات البحث في منطقة تعجّ بالحروب، أراد المتابعون استراحة من حروب عبثيّة فدخلوا في حروب من نوعِ آخر. المنتقدون رأوا أنّ أغنية كهذه لن تعمّر طويلاً، ولن يكتب لها أن تسجّل في أرشيف فيروز الذي تتناقله الأجيال، وكان واضحاً حجم الغضب لدى محبّي زياد، الذي انقطعت علاقته بوالدته وشقيقته منذ سنوات، ربما عاد إلى كنف العائلة وربما لم يعد، تفاصيل لن يكشف عنها إلا لدى صدور الألبوم المنتظر لمعرفة ما إذا كان ثمّة نصيب لزياد بفيروز ولفيروز بزياد.  المدافعون عن الأغنية كان لهم مبرّراتهم أيضاً، مبررات عاطفية بامتياز، فالكلمات بسيطة لا تحتمل كل هذا الجدل المثار حولها، و سبق لفيروز أن غنّت كلمات أبسط، يحسب لها أنّها دخلت الاستوديو في الـ81 من عمرها، وغنّت بصوت ملائكي لم تمرّ عليه السنين، واطربت محبّيها بدقيقتين وثوانٍ معدودة هي مدّة أغنية تصدّرت المشهد الفنّي، وأحدثت حالة من النقاش بين محبّي فيروز الذين انقسموا في ما بينهم بانتظار ألبوم جديد يأتي بعد سبع سنوات على آخر ألبوماتها "إيه في أمل"


 
 

بوح إبداعي لعبد الكريم برشيد

المبدع المغربي عبد الكريم برشيد:

هنالك دائماً مسارح جديدة تولد برؤى جديدة وبلغات جديدة

حاوره فاضل محسن ـ عن جريدة المدى العراقية

يُعرّف عبد الكريم برشيد المسرح بأنه "حفل واحتفال ومهرجان كبير، يلتقي فيه الناس، انه عيد جماعي ارتبط بالساحات والأسواق والمواسم، فكلما اجتمع الناس، كان هناك مسرح، والحفل في أصله موعد شامل  يجمع الذوات المختلفة داخل إطار واحد، وعندما نوحّد اماكن وجودنا نوحّد زمن اللقاء وموضعه، ونكون بذلك قد وجدنا هذا الكيان وهذا الذي يحمل اسم الجمهور".

 

يعتبر برشيد رائد المسرح الاحتفالي، حيث قدم التنظير له على شكل بيانات تحمل اسم "بيانات المسرح الاحتفالي" وقد جمع تلك البيانات في كتاب أسماه (المسرح الاحتفالي)، الّف العشرات من المسرحيات والتي مازالت تقدم حتّى الآن وترجم أغلبها إلى اللغات الفرنسية والانكليزية والاسبانية، وكتب العديد من الكتب النقدية في مجال التنظير المسرحي.

 

مؤلف ومنظر مسرحي ولد في العام 1943 وحصل على دبلوم في الإخراج المسرحي من أكاديمية مونبولي / فرنسا  وعلى الدكتوراه من جامعة مكناس، تولّى مناصب مهمة وهو عضو مؤسس لنقابة المسرحيين في المغرب، كتب الرواية والشعر والمسرح والنقد وتدرّس نصوصه المسرحية في المدارس المغربية والمعاهد المسرحية العربية وفي مدارس البعثات الفرنسية.

 

بعد سنوات طويلة وبعد 40 سنة على اوّل زيارة في العام 1977 ها هو عبد الكريم برشيد، يعود الى بغداد مرة أخرى، بهذا الحوار الذي خصَّ به جريدة (المدى).

 

* هل أثرت عليك أجواء مدينتك فاس، من خزانة الكتب إلى الطرق الصوفية والحلقات في تكوينك المسرحي؟ وهل تعتبر المكان جزءاً من تكون الشخصية؟

 

- الذي نسميه المكان ليس معادلاً للفراغ ولا للخواء، ولا ورقة بيضاء يمكن أن نكتب فيها وعليها ما نشاء، ولكنه جسد حي، يفعل وينفعل ويتفاعل ويؤثر في الأجساد وفي الأرواح وفي الأفكار، وهو جسد له أرضه وسماؤه، وله تربته الخاصة، وله أملاحه في هذه التربة، وله معادنه، وله فضاؤه وله مناخه، وله ثقافته التي أوجدها التاريخ وأوجدتها الجغرافيا أيضاً، وهو الذي ينبت النبات، تماماً كما يمكن أن ينبت الناس، وهو الذي يعطيهم ملامحهم، ويعطيهم كثيراً من المعطيات الثقافية والجمالية والأخلاقية التي تميزهم، شكلاً ولوناً وأخلاقاً وسلوكاً، فأبناء الجبل، في قدرة التحمل لديهم، ليسوا هم أبناء السهل، وأبناء الصحراء، في وضوحهم، ليسوا هم أبناء الغيم والضباب، وذلك في غموض رؤيتهم، ويمكنك أن تجد هذا المعنى في شخصيتين من شخصيات شكسبير، تجدهما لدى هملت البارد، فكرياً وعاطفياً ووجدانياً، والمنتمي إلى الدنمارك البارد، والذي لا يفعل الفعل إلا بعد أن يسأل ويتساءل ويشك ويحتار، وفي مقابله تجد عطيل الحار، عاطفياً ووجدانياً، والقادم من أرض أفريقية حارة وملتهبة، والذي يسبق الفعل لديه على التفكير، وإذا كان الإنسان في المسرح اليوناني مسيّراً من طرف الآلهة، فإن الإنسان مازال مسيراً من طرف المكان.

 

وهل تعتقد أن اليونانيين ـ مثلاً ـ لو كانوا يعيشون في الصحراء العربية، كان يمكنهم أن يؤسّسوا هذا المسرح وهذه الفلسفة، وأن تكون لهم هذه العقلانية؟

 

- وأنا عشت في أمكنة متعددة، واكتسبت بذلك هوية مركبة، عشت طفولتي بين امكنة مختلفة، وأخذت منها أشياء كثيرة بلا شك، وعشت في مدينة فاس زمناً طويلاً، وأخذت منها أجمل ما فيها، وتشبعت فيها بالفنون وبالفكر الأصيل، وعشت في مدينة الخميسات، وأعطيتها شيئاً مما لدي، وأعطاني المكان فيها شيئاً من ثقافته الأمازيغية الاحتفالية، الغنية بالألوان وبالمعاني وبالألحان، وعشت في مدينة الدار البيضاء، وأخذت منها روح الحداثة والمعاصرة، كما كتب لي أن أعبر من مدينة مراكش، وأن انفتح من خلالها على الثقافة الإفريقية والعربية والأمازيغية، وبهذا فقد أخذت شيئاً من ثقافتي ومن رؤيتي ومن أخلاقياتي من الأمكنة التي عشت فيها.

 

* البعض يقول بأن المسرح في طريقه إلى المتحف بسبب تطورات الحياة ووسائل الاتصال وغير ذلك من الميديا. ماذا تقول وأنت المدافع الكبير عن الشكل المسرحي الكلاسيكي التقليدي؟

 

- ولكن أيّ مسرح؟ أنت تعرف أن المسرح هو احتفال الإنسان وهو عيده اليومي، وهو ديوانه الذي يخبئ فيه فرحه وحزنه وحبه وشوقه وخوفه وحيرته وشكّه وجدّه ولهوه، وإذا كان ممكناً أن يدخل الإنسان المتحف يوماً، فإن هذه الفنون الاحتفالية يمكن أن تدخله أيضاً، وهذا ما لا يمكن أتصوره أبداً، فمن طبيعة هذا المسرح أنه يتجدد دائماً، تماماً كما يتجدد الإنسان، وكما تتجدد الدنيا، وهو بهذا (محكوم) بأن يتغير، كما يتغير الفكر، وكما يتغير التاريخ والجغرافيا، وهناك دائماً مسارح جديدة تولد، برؤى جديدة وبلغات جديدة وبأبجديات جمالية جديدة، وهناك أخرى قديمة تبقى في الخلف، ووجودها في الخلف، لا يعني أبداً أنها غير موجودة، أو أنها قد ماتت وانتهت، لأنها أساساً أفكار ومعاني، والأفكار والمعاني لا تموت أبداً، ومعنى هذا أن الأفكار (القديمة) تحتاج دائماً إلى القارئ الجديد، وتحتاج إلى الرؤية الجديدة، وتحتاج إلى العلاقة الجديدة، وتحتاج إلى الأدوات الجديدة والمنهجيات الجديدة لإعادة تركيبها تركيباً يتماشى مع النحن، ويتوافق مع الآن، ويتناغم مع الهنا، ولعلَّ هذا هو ما يمكن أن تجده اليوم في المسرح الأوربي والغربي المعاصر، والذي لا يؤمن بمتحفية المسرح، ولا يؤمن بمتحفية الفلسفة ولا بمتحفية الفنون التشكيلية، ولهذا نراه يعيد تقديم المسرح اليوناني، بأزياء وسينوغرافيا جديدة، ويعيد قراءة مسرحيات كبار المؤلفين المسرحيين العالميين القدامى، وذلك برؤية معاصرة جديدة، فالمسرح يخبئ روحه فيه، وفي نصوصه حياة وحيوية موجودتان في حالة كمون أبدي، وبقدر ما تعطي هذه النصوص تعطيك، وبحسب قراءتك لها يكون وجودها الجديد والمتجدد، وبهذا يكون هذا المسرح ( القديم) جامداً في القراءات الجامدة، ويكون حياً في القراءات الحية، ويكون منغلقاً في القراءات المنغلقة، ويكون متفتحاً في القراءات المتفتحة، ويكون عالماً في القراءات العالمة، ويكون جاهلاً وأمياً في القراءات الجاهلة والأمية، وعليه، فإن من يحتاج لأن يدخل المتحف حقيقة، ليس هو هذا المسرح المجدد والمتجدد عبر التاريخ، ولكن هؤلاء الذين لا يعرفون حقيقة المسرح، والذين يتخيلون بأن هذا المسرح الإنساني يمكن أن يدخل المتحف يوماً، والذين يقبضون على رماد المسرح ولا يقبضون على جمره.

 

* بدفاعك عن الأشكال التقليدية المسرحية، يعني أنك بعيد عن التمرد ولا يهمك التجريب، ولا تؤمن بالحداثة (أقصد حداثة الشكل المسرحي) أو حداثة التكوين في القالب المسرحي؟

 

- الأصل في المسرح أنه فن وفكر وعلم وصناعة التمرد بامتياز، وهو مبني على أساس أنه رؤية نقدية، وعلى أساس أنه موقف نقدي، وليس هناك مسرحي واحد في العالم، لم يكن متمرداً على الواقع، ولم يمارس المعارضة الوجودية والاجتماعية، فالمسرحي ينطلق دائماً من فكرة أن الواقع متخلف ومريض، وأن هذا الواقع المريض يحتاج إلى العلاج، وتختلف طبيعة العلاج لدى المسرحي، فهناك من يعالج بالأدوية، وهناك من يعالج بالضحك، وهناك من يعالج بالكي، وهناك من يعالج بالصدمات الكهربائية، ويبقى أن الأساس هو البحث عن عافية الحياة وعن صحة المجتمع وعن منطقية الواقع والوقائع.

أنا لا أومن بالشكل الخارجي الخام، والذي له جمالياته البصرية وليست لديه رسائله، وما يهمني هو الصورة دائماً، أو هو روح الصورة، أما الإطار الفارغ، حتى ولو كان من الذهب الخالص، فإنه لا يعني لديّ أي شيء، فأنا أحيا التمرد في حياتي وفي حياة مسرحي، ولكنني لا أرفع شعار التمرد، ولا أتخذه عنواناً فقط، تماماً كما أحيا الحداثة وأعيشها، في رؤيتي وعلاقاتي، من غير أن أدعيها .

وتسأل عن القالب، وروح المسرح في المسرح هو المسرح، وهو أكبر من كل قالب، لأن المسرح جوهره الحقيقة، والحقيقة لا يمكن اعتقالها، ولا تأميمها، ولا تلفيفها في العلب، ولا وضعها في الصناديق، وحده المسرح المدرسي هو الذي يبحث عن القوالب والقواعد ويلتزم بها، ووحدهم معلمو الشعر هم من يلتزمون بقواعد العروض، أما الشاعر الكبير فهو أكبر من العروض كما قال أبو العتاهية يوماً، ومن حق المسرحي أن يقول: أنا أكبر من القواعد ومن القوالب ومن الدروس المسرحية الجامدة.

لا أومن بالحداثة.. كيف؟ أنا أومن بالأصيل، وما هو أصيل هو حقيقي، وما هو حقيقي هو عابر للأزمان والأمكنة وللثقافات واللغات والحضارات، ولهذا فإنني أؤكد دائماً على الحقيقة الأساسية التالية: وهي أن الفن الأصيل معاصر وحديث بالضرورة، وبالمقابل، فليس ضرورياً أن يكون كل هذا الفن المعاصر أصيلاً ، وهذا ما يفسر أن تدخل كثير من التجارب المعاصرة والحديثة في خانة الموضة العابرة، والتي لا يتعدى عمرها الشهور والسنوات القليلة.

 

* هل لديك ذكريات في بغداد، صداقات، مهرجانات، أو ما شابه ذلك؟

 

- أصدقائي في العراق، وفي مدينة بغداد بشكل خاص، كثيرون جداً، ومن أجيال متعددة بلا عدد، وذكرياتي فيها كثيرة جداً، ابتداءً من أول زيارة لها، والتي كانت في صيف 1977 بمناسبة انعقاد مهرجان الشباب العربي، وكان لمسرحيتي (عطيل والخيل والبارود) حضور في هذا المهرجان، وذلك من خلال فرقة مسرح الطلائعي بمدينة الدار البيضاء بإدارة المخرج إبراهيم وردة، وفي تلك الزيارة حضرت عرض مسرحية (غلغامش) للأستاذ سامي عبد الحميد، والتي قدمها مع طلبة أكاديمية الفنون، كما شاركت في مهرجان بغداد المسرحي سنة 1985 بمسرحية (الدجال والقيامة) من إخراج المرحوم مصطفى التومى، ونالت المسرحية الجائزة الأولى للتأليف، كما قدم لي المخرج العراقي المرحوم هاني هاني مسرحية ( الناس والحجارة) وكانت من أداء الممثل والمخرج  عزيز خيون، كما قدم لي المخرج البصري حميد صابر مسرحية (فاوست والأميرة الصلعاء) وقدمها المسرح القومي بعد ذلك المخرج حميد الجمالي، كما قد لي الثنائي شامل ونيكار مسرحية ( اسمع يا عبد السميع ) باللغة الكردية، ويمكن أن أقول لك بأن أصدقائي في العراق يفوق عدد أصدقائي في المغرب، وبالمناسبة أترحم على أصدقائي المسرحيين الكبار مثل، إبراهيم جلال وقاسم محمد وعوني كرومي ويوسف العاني..


 
 

لابد من حوار لتنضج الفكرة...

لابد من حوار لتنضج الفكرة...

قراءة في كتاب حوارات في المسرح العربي لعبد الجبار خمران

بقلم هايل المذابي / رئيس تحرير مجلة الفن و الأدب – اليمن

حوارات في المسرح العربي” كتاب صدر مؤخرا للفنان والإعلامي المغربي عبدالجبار خمران برعاية الهيئة العربية للمسرح ويحتوي 11 حوارا أجراها خمران مع شخصيات فنية مسرحية عربية مهمة و جاء الكتاب في 97 صفحة من القطع الكبير..

الفكرة ليست بحديثة لكن الاختصاص الذي تناوله الكتاب هو الجديد. و على سبيل الذكر من الكتب التي لها رواج “مكانة التسامح في الإسلام” الذي هو عبارة عن حوارات يديرها الدكتور خالد أبو الفضل، وغيرها كثير.

إن الأفكار لا تنضج إلا عندما تلوكها ألسنة الحوار، ولكنه لايكون و لن يكون مجدياً إن لم يكن مع من يمكن وصفهم بالنخبة كما هو في كتاب عبد الجبار خمران الذي نتحدث عنه. كالمسرحي المغربي الراحل عباس ابراهيم الذي أهداه المؤلف هذا الكتاب و حسن المنيعي و خالد الطريفي و خالد أمين و فاضل الجاف و عصام اليوسفي وسباعي السيد وحازم كمال الدين و رشيد أمحجور… وغيرهم من أصحاب الفكر الناضج و ممن يشار إليهم بالبنان عربياً في الفن المسرحي..

لنا أن نطرح سؤالاً هاماً: لماذا الحوار؟ ولماذا لم يختر الفنان والإعلامي القدير أن يكون كتابه مقالات تلخص ما جاء في الحوارات…؟

عدا موضوع الأفكار التي تفتح بعضها بعضا في الحوار فإن للحوار طبيعة جوهرية هي تثبيت الأفكار في الذهن فسقراط لُقّب بالمشاء و سميت مدرسته بالمشائية لأنه كان يعتمد على الحوار مع تلاميذه أثناء المشي و أيضا فإن سقراط اشتهر بالمنهج الحواري في فلسفته..

ومن جانب آخر يمكن القول أن ” الحوار”  مسلك يُحسّن ويُجمِّل ما نراه وندركه من أشياء .. و حين نعتقد أن في كل المسائل الغامضة نقاطاً مُظلمة، تحتاج إلى إضاءة ، وأننا عن طريق قدراتنا العقلية والمعرفية الخاصة، لا نتمكن من إجلاء وإضاءة تلك النقاط، فإننا سنسعى إلى الحوار بوصفة الوصفة الناجعة والأداة الوحيدة لتوضيح الصورة الذهنية لمعظم الأشياء و الأفكار دائماً  لا تنضج إلا إذا لاكتها ألسُن المناظرة…

الحوار يُلزمنا تمحيص الأفكار والمقولات و غربلتها كما أنه يمنحها بُعداً إضافياً وجديداً كانت بمنأىً عنه كما يجعل لها آفاقاً رحبة، وبالمقابل فإنه يُقصي الزبد منها و يبدده إلى الإعفاء نظراً لامتداداته اللا مشروعة..

والحوار منطوٍ على التسامح ، لأنه  ينطوي على اعتراف ضمني بالقصور، ويحد من غلواء الاعتداد بالذات ، وهذا هو الذي يرسخ بدوره مشاعر الحاجة إلى الآخرين لدينا والعكس .وبمجرد توفر هذا الشعور يبدأ التنازل، وتبدأ حركة التأثير والتأثر. والشعور بالحاجة إلى الآخرين- من وجه آخر- يشكل شرطاً للاستفادة من الحوار .

كلنا مطالبون بالإيمان بأن الحوار ليس شعاراً تزيينياً نرفعه أو نتجمل به، بل مصدراً للتعبير عما نفكر به، ومصدراً لتنمية الاتجاهات وإزالة اللبس والأوهام. ولا شك أن الحوار سيكون مُثمراً إذا استطاع أن يخلق جواً من الشك في أمور كنا ننظر إليها نظرة الموقن الجازم بما يرى وبما يذهب إليه. وإن الشك يولد بداية لامتلاك زمام المراجعة، في الوقت الذي يؤسس فيه للتسامح.

لقد استطاع خمران تقديم خلطة ناضجة التقى فيها الإعلام و الفن و النقد الذي يبني و الفكرة الناضجة من خلال حواراته التي قد يبددها العفاء إن لم تُجمع بين دفتي كتاب.

أخيراً لا ننسى أن نشكر خمران و نشكر الرعاية الكريمة و الجادة للمشاريع التي تثري الوسط الفني من قبل الهيئة العربية للمسرح.

 
 

الصفحة 1 من 18

Nous contacter

Adresse :
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail :
theatretafukt@gmail.com
tafoukt.production@gmail.com
bouichou@gmail.com
Téléphone :
(+212) 669279582 - 667313882
Siège Social de Théâtre Tafoukt :
Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes - Casablanca / Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع الحقوق محفوظة لـ : فضاء تافوكت للإبداع - مجلة فنية تصدرها مؤسسة تافوكت للإنتاج الفني
Casablanca - Maroc © 2015 www.tafukt.com