Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مسرح - الفنون الدرامية: أوديسّةُ ساراماغو على الخشبة في لندن - الإثنين, 16 تشرين1/أكتوير 2017 19:44
مختارات - كتابات - مواضيع: الممثلة العالمية جين فوندا - الإثنين, 16 تشرين1/أكتوير 2017 19:31
مواعيد فنية - ثقافية: جداريات "الصباغا باغا" بالبيضاء - الأحد, 15 تشرين1/أكتوير 2017 12:01
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: جديد مهرجان “إفريقيا للضحك” - السبت, 14 تشرين1/أكتوير 2017 10:50
متابعات - تغطيات صحفية: افتتاح السنة الثقافية بالمغرب - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 18:41
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: “نور في الظلام” يتوج في الإسكندرية - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 18:24
متابعات - تغطيات صحفية: صدور مرسوم بطاقة الفنان - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 18:04
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: عودة تلفزيونية للممثل جيم كاري - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 10:34
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: FERGANISME: FTAR 2017 - الخميس, 12 تشرين1/أكتوير 2017 11:16
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: مهرجان ابن امسيك 8 للمسرح الإحترافي - الخميس, 12 تشرين1/أكتوير 2017 10:35
Blue Grey Red

نحو تأسيس فينومينولوجيا المسرح

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

نحو تأسيس فينومينولوجيا المسرح: عن ظاهرة المسرح بوصفها ممارسة اجتماعية

بقلم الناقد عبد الناصر حنفي - مصر

في مهمة وصف ظاهرة المسرح:

الممارسة الجمالية أيا كانت طبيعتها أو نوعيتها هي بالأساس محاولة تستهدف "الذهاب إلى العالم" وإعادة إنتاجه على نحو مستمر، ولذلك فهي بالضرورة تقطع ذلك الأفق الاجتماعي الذي يفترض أنها تنطلق منه وتعود إليه، وبالتالي فما هو جمالي لا يفلت أبدا مما هو اجتماعي بغض النظر عن تعقد خطوط التباين وعمليات الإحالة المتبادلة بين كل منهما، أو مستوى التباعد الذي قد يجمعهما، أو كثافة العماء الذي قد يفصل بينهما. وبالمقابل، فلا مجتمع يستطيع الإفلات من مواجهة عماءه الخاص أمام العالم، وتلك المواجهة لا يمكن استحضارها أو النفاذ إلى ساحتها إلا عبر الممارسة الجمالية!

وبالطبع فما هو مسرحي يتقاطع مع هذه الدائرة، ولكن مع اختلاف بارز وحاسم بقدر ما هو غير ملحوظ عادة، فالممارسة الجمالية/المسرحية هي في مجمل تبدياتها ممارسة اجتماعية بالمقام الأول، وباستثناء عنصر النص الدرامي؛ فإن ظهور ما هو مسرحي بوصفه ممارسة جمالية يستلزم ويشترط بصورة مسبقة أن يكون قد تم التأسيس له أولا بوصفه ممارسة اجتماعية ذات انتظام خاص.

ولكن هذا "الاختلاف المسرحي" يظل مطمورا ومطويا أسفل عباءات الخطاب النظري السائد، والذي لا يرصده إلا باعتباره مجرد شرط إجرائي مكمل ومحايد وبلا تأثير ملحوظ على مسارات ما هو جمالي. فطبقا لهذا الخطاب: ما من نوع فني إلا وله متطلبات إجرائية ومادية مسبقة تمهد لظهوره، ولكنها جميعا لا تعني النظرية الجمالية في شيء ما دامت متماثلة دائما بالنسبة لكل عمل فني نوعي، وأنه حتى إذا افترضنا أن هذه المتطلبات قد يكون بمقدورها استحداث "انحراف جمالي" في مسار العمل الفني فهذه التأثيرات عادة ما تكون ضئيلة بحيث يمكن إهمالها مثلما نفعل مع الأخطاء الطباعية التي قد تخترق نصا ما، أما إذا تكاثرت هذه الانحرافات وأدت إلى "تشويه" لا يمكن تجاهله فنحن هنا نتحدث عن "مادة فنية" لا تفي بتعريف "العمل الفني" وبالتالي فهي خارج سياق اهتمام النظرية الجمالية.

غير أن هذا التحليل لا يستقيم أمام "الممارسة المسرحية"، فما هو مسرحي لا يمكن اختزاله إلى ممارسة اجتماعية تسبق الفعل الجمالي ثم تسير بمحاذاته بحيث أن تلاقيهما أو تصادمهما يمكن أن يعد مجرد انحراف عابر وطارئ، إذ أن التلاقي المستمر والدائم بين شقي الفعل المسرحي (الاجتماعي والجمالي) هو المسار الوحيد الممكن لظهور العمل المسرحي، وهو وسيلته في إنتاج ذاته واستحضارها إلى العالم وحفظها وتجديدها طوال زمن حياة العرض، بحيث يمكننا القول أن ما هو جمالي هنا لا يظهر إلا بوصفه أثرا لممارسة اجتماعية ذات طبيعة خاصة، وأن هذا الظهور أيا كان نمطه الجمالي أو الدرامي أو شكله النهائي مرهون بحصيلة تفاعلات المجموعة "الاجتماعية" المنضوية تحت عباءة الفعل المسرحي.

وهكذا، فمن الواضح أن النفاذ إلى ظاهرة المسرح من أجل إنجاز وصف فينومينولوجي لها؛ هو مهمة لا يمكن أن تقنع بالبداية مما هو جمالي فحسب، مثلما لا يمكنها أن تقتصر عليه، فهذا أمر يشبه محاولة رسم خريطة لطريق ممتد ومتشعب من خلال وصف بعض منحنياته، أو رصد بعض المناطق التي يمر بها، وبالتالي فمهما كان الرسم والوصف جيدين ودقيقين إلا انهما لن يمنحانا أبدا فكرة واضحة عن هذا الطريق. ولذلك ينبغي إعادة تأسيس مهمة الوصف الفينومينولوجي للمسرح باعتباره ممارسة اجتماعية بالمقام الأول، وهي ممارسة تقطع طريقها نحو ما هو جمالي لتعود مرة أخرى إلى أفق ما هو اجتماعي.

عقبات وإشكاليات:

ومن أجل السعي إلى إنجاز هذه المهمة فنحن مبدئيا بحاجة إلى إطار منهجي دقيق يصف خرائط التفاعلات والتداخلات بين ما هو اجتماعي وما هو جمالي بوصفهما ممارسات متعينة في الواقع وليس باعتبارهما مجالين تجريديين للممارسة الإنسانية، بحيث نتمكن عبر معالجة هذا الإطار المنهجي من اشتقاق ما يخص الظاهرة المسرحية.

ولكن من المؤسف أن الخطاب النظري الراهن لا يوفر مثل هذه الفرصة، إن لم نقل إنه يعمل في اتجاه معاكس لها، سواء فيما يخص المسرح، أو فيما يتصل بالحدود القصوى لعلاقة الظاهرة الاجتماعية بالممارسة الجمالية. وهو ما ينبغي أن نتوقف قليلا لتحليله.

في نسيان المسرح:

ثمة أزمة تاريخية في التناول الجمالي للظاهرة المسرحية، بدأت مع تحليلات أرسطو التي لم تهمل تماما رصد بعض تعينات "الأداء المسرحي" بوصفه حالة أكثر اختلافا وتنوعا عن "النص اللغوي" الذي تتمحور حوله "الدراما"؛ إلا أنها تعاطت معها بوصفها مجرد "أعراض" أو تفصيلات ثانوية مشتقة من "الجوهر" الأصلي الكامن في "النص المسرحي"، وهو التوجه الذي هيمن على كافة التيارات الجمالية والمداخل الاستطيقية اللاحقة، بحيث يمكننا الحديث عن حالة مزمنة ومتواصلة من النسيان لما هو مسرحي مقابل فرط الانهمام بما هو درامي.

ومع أن ظاهرة "الحداثة" قد شهدت إعادة تكريس الحالة المسرحية بوصفها جنس أدائي متعالي أو متجاوز للمكون الأدبي الذي سجنها أرسطو داخله، بحيث لم يعد من الممكن تجاهل خصوصية ظواهر الأداء المسرحية أو مواصلة اعتبارها مجرد أعراض أو تبديات متناثرة يهيمن عليها حضور جوهر أصلي؛ إلا أن ما صاحب هذا المسار من انفجار المناهج التحليلية الجمالية وانبعاث وعي نظري ومهني هائل ومدقق بتقنيات الأداء وبالعناصر المكونة للعرض المسرحي قد افضى إلى حالة ليست أقل إرباكا من الوضعية الأرسطية إذ بدا وكأننا نتعامل مع "خشبة المسرح" أو المجال المسرحي بصفة عامة وكأنه مجرد ساحة تجميع أو التقاء و"تمازج" ظواهر وعناصر أدائية متباينة، وهكذا فبدلا من الهيمنة التاريخية لعنصر الدراما أصبحنا أمام تنازع عدد كبير من العناصر المسرحية التي يتمتع كل منها بنظريات جمالية مؤسسة ومداخل وتحليلات وصفية وتقنية تمثل كشوفا عميقة ومدهشة، وهو ما أدي إلى سيادة "يقين" أننا نعاين لحظة انكشاف الظاهرة المسرحية بصورة تامة ونهائية!

وبالطبع فلا يمكن تجاهل أننا بتنا نمتلك زخما معرفيا ومنهجيا غير مسبوق بالمسرح، وهو ما يعني أننا قد أصبحنا أشد اقترابا من ماهية هذه الظاهرة أكثر من أي وقت مضى، غير أن هذا لا ينفي أننا لا زلنا نتعاطى مع "ما هو مسرحي" بدلالة عناصره التكوينية، وأن كل مقاربة يقدمها الخطاب المسرحي تقوم مسبقا على عملية ترجيح واختيار، أو حتى التقاط؛ لعنصر أو عناصر على حساب أخرى، وهذه المفاضلة الدائمة والمستمرة تعمل على حفظ وضعية "نسيان المسرح" بعيدا عن التأمل والملاحظة، وتبعدنا عن الأسئلة الجذرية المتعلقة بما هو مسرحي، إذ أن كل هذه العناصر توجد؛ أو يمكن أن توجد على نحو مستقل خارج المسرح، وأغلبها له أصول غير مسرحية أصلا، وجميعها قابلة للحذف والاستبدال ولتقليص حضورها في العرض المسرحي إلى اقصى حد يمكن تخيله، كما يمكن تحويلها إلى شكل منبت الصلة بمنشئها الأصلي، مثلما تم تحويل ما هو درامي إلى حالة بعيدة تماما عن أصله الأدبي واستحضاره في الأفق المسرحي دون استخدام أي فعل تواصل لفظي!

ولذلك فكل هذا الزخم المعرفي والفوران المنهجي المتعلق بالعناصر والتقنيات المسرحية لا يستطيع أن يقربنا كثيرا من الإجابة عن سؤال: "ما هو المسرح؟"، أو ما هي تلك "الفعالية" التي تمنح هذه العناصر والتقنيات وجهها المسرحي وتحدد شكل ومساحة حضور كل منها؟ وكيف تفعل هذا؟ وما الذي يحكم هذا الحراك ويحدد اتجاهاته؟ وكيف يستطيع إعادة إنتاج نفسه وحفظ بقاءه في الواقع المعاش؟

وكل هذه الأسئلة تصب في المهمة الأساسية المعلقة وغير المنجزة بل وتكاد ترسم بعض المسارات التي يتعين عليها المرور بها، أي مهمة الوصف الفينومينولوجي للمسرح، والتي أعتقد أنه لا يمكن مقاربتها إلا عبر التعاطي مع ما هو مسرحي بوصفه ممارسة اجتماعية ذات صبغة جمالية خاصة. وهو ما ينقلنا إلى الجزء التالي من هذا التحليل.

من الاجتماعي إلى الجمالي: تباعد وتفتت:

العلاقة المنهجية بين الاجتماعي والجمالي يمكن بلورتها -دون إخلال كبير- في إطار ثنائيتين تعاقبتا على الهيمنة على هذا المنظور، أولهما "التأثير/التأثر" وهي ثنائية متلازمة أي لا يمكن حضور أحد طرفيها دون حضور الآخر، والثانية هي "الإبداع/التلقي".

والثنائية الأولى كانت موضوع صراعات أيديولوجية شرسة انتهت إلى إقرار بارد يعوزه الحماس بعلاقة الترابط بين الفن ومجتمعه. غير أن ما يهمنا هنا هو أن هذه الثنائية بكافة طبعاتها ومداخلها قد رسخت معادلة أساسية تحكم، ولا زالت؛ تحليل حركة العطاء بين العمل الفني والمجتمع، وبمقتضاها يصبح العطاء الاجتماعي للعمل مجرد اشتقاق أو متغير تابع لعطائه الجمالي، ومرهون به، بمعنى أن العمل المنخفض جماليا، أو الذي لا يقدم مردودا جماليا ملحوظا هو بالضرورة لا يقدم؛ بل ولا يمكن له أبدا أن يقدم؛ مردودا اجتماعيا جيدا أو ملحوظا.

وبغض النظر عن مدى انطباق هذه المعادلة على الفنون الأخرى، فهي تبدو وكأنها تقصي تماما من التفكير تفاعلات -وبالتالي عطاءات- الممارسة الاجتماعية التي يقوم عليها العرض المسرحي، وكأن هذه الممارسة، التي ينشط داخلها وحولها أفراد يعودون إلى مواقع اجتماعية متنوعة؛ معزولة عن التفاعل مع ذاتها، أو التفاعل مع الممارسات الاجتماعية الأخرى التي تتقاطع معها في الواقع الفعلي! وبالتالي فإن الإذعان المسرحي لهيمنة تلك المعادلة ساهم دائما في حجب هذه الظاهرة عن نفسها وبتر وعيها بحضورها وامتداداتها الدقيقة - والمؤثرة! - في الفضاء الاجتماعي.

أما ثنائية "الإبداع/التلقي" النشطة حاليا فهي تنتشر في فضاء لا يكاد يميز نفسه إلا عبر الاتكاء على طرفيها بوصفهما عمليتين أو لحظتين حديتين. وفي هذا الإطار يتم تكريس لحظة الإبداع باعتبارها "فعل" منقضي ومنتهي يتشكل بصورة مسبقة من تلاقي أو تصادم مجموعة هائلة ولا نهائية تقريبا من المنابع والروافد التي قد يأتي ما هو اجتماعي بوصفه أحد مكوناتها، فيما ستبدو لحظة التلقي باعتبارها "حدث" أكثر امتدادا وتبعثرا واضطرابا في أفق الزمان، يقوم به فاعلون متعددون لا يمكن -مبدئيا- حصرهم أو تعيينهم إلا بوصفهم موضوعا للتحليل والتأويل أو باعتبارهم منتجي هذا التأويل.

وعلى هذا النحو ستعمل هاتان اللحظتان وكأنهما معبر أو نقاط تفتيش "نقدية" للعلاقة بين الفضاء الاجتماعي والأفق الجمالي والفني! بحيث سيبدو وكأن مهامهما تنحصر في ضبط علاقات المرور بين هذه الظواهر! وفي هذا الإطار سيتم استخدام مقولات ومفاهيم حضور "ما هو اجتماعي" بكافة أشكاله باعتباره ذلك المهاد الذي يجمع بين فعل الإبداع الفني وفاعله، من جهة، وبين حدث التلقي الجمالي وفاعلوه من جهة أخرى؛ وهو ما يتم عادة عبر العودة إلى ما يوفره المدخل الاجتماعي من قواعد أولية تطرح نفسها كأفق حضور مسبق ومشترك بين عمليتي الإبداع والتلقي بحيث يمكن استخدامه كمرتكزات لبناء تأويلات جمالية جديدة، أو تكريسه كحجر أساس في أي محاولة تهدف إلى تحديد هوية أكثر تعينا وأقل تجريدا لمتلقي العمل الفني مما يتيح حصر وتصنيف أنماط استجاباته القائمة أو المتوقعة.

وهكذا، فمقابل ثنائية التأثير والتأثر التي تباعد بين الاجتماعي والجمالي وتضع كل منهما إزاء الآخر وفي مواجهته وكأنهما ظواهر متباينة ومنفصلة، فإن الثنائية "الانتشارية" للإبداع والتلقي تكاد تحول ما هو اجتماعي إلى مجرد رافد أو صدى لما هو جمالي، وفي هذا السبيل فهي تفتته وتقطع أوصاله كلما كان هذا ضروريا للتحليل.

ومن جهة أخرى، فإن ثنائية "الإبداع/التلقي" تتعثر في مصاعب نظرية كبيرة أمام "الممارسة المسرحية". فمثلا لحظة الإبداع التي هي طبقا لهذا التناول مجرد استجابة مكتفية بذاتها ومنغلقة عليها، بحيث أنها لا تكاد تنفتح إلا أمام متطلباتها وشروطها الخاصة بوصفها أقرب إلى موجة متذبذبة من القلق الوجودي الذي يسعى لاستحداث حالة توازن "أخيرة" في العلاقة بالعالم، هذه اللحظة قد يمكنها تفسير بعض مسارات عملية إبداع النص المسرحي بوصفه عملا يخص كاتبه، ولكنها في النهاية تقدم نموذجا أكثر بساطة من أن يستطيع وصف أو حتى استيعاب تعدد وتشابك وصراعات وارتباكات ومساومات وتنازلات الفاعلين في الممارسة المسرحية، وانقلاباتهم المستمرة على الحلول أو "لحظات التوازن" التي يمرون بها طوال مراحل حياة العرض المسرحي.

وبالمقابل "فلحظة التلقي" المسرحي ليست اقل تعقيدا وتراكبا، فهي بعيدة عن أن تكون محض نقطة زمنية معلقة في فراغ يمكن ملئه بالتأويلات الجمالية، ولا هي حدث مفرد يخص فاعل مجرد، ولا هي أيضا لحظة أو حدث مكتفي بذاته أو مبتور الصلة بما يسبقه أو يليه أو يجاوره من أحداث أو وقائع تظهر أو تحضر في سلسلة النقاط الزمنية المتتابعة بلا توقف؛ بقدر ما هي حدث حقيقي متصل في زمن حقيقي متصل، فهي حدث جماعي ممتد، ومتكرر، وبالتالي فهو قابل للانقسام والاختلاف والانشقاق على ذاته، مما يجعله شديد الحساسية لكل ما يسبقه أو يجاوره من أحداث قد تبدو مفتقرة لأي صلة مباشرة بالعمل المسرحي.

تأملات حول نقطة البداية: المسرح بوصفه مؤسسة لإنتاج العالم:

تعرضنا حتى الآن لضرورة إنجاز مهمة الوصف الفينومينولوجي لظاهرة المسرح انطلاقا من كونها ممارسة اجتماعية بالمقام الأول، وحللنا العديد من العقبات المنهجية والنظرية التي تكاد تجعل هذه الإنجاز شبه ممتنع، ولكن يبقى سؤال: إلى أين يمكن أن تفضي بنا هذه المهمة؟ وهل هي شيء أكثر من مجرد مماحكة منهجية أو انهمام فلسفي ضيق لا يخص سوى ذاته؟ ولمناقشة هذه الأسئلة علينا أن نطرح بعض التأملات حول خصوصية الظاهرة المسرحية.

أولا: العرض المسرحي هو الفن الوحيد على سبيل الحصر الذي بدأ وتطور بوصفه ممارسة منظمة بشكل مؤسسي لإنتاج الفعل الجمالي على نحو يمكن تكراره في سياقات مختلفة ومتباينة وذلك عبر ممارسة جماعية تطبق مبادئ صارمة وشديدة التطلب والرهافة في تقسيم العمل بين أعضائها، إنه المساحة التي تتلاقى فيها مجموعة اجتماعية مع ذاتها ومع عالمها لتبلور ما يمكن تقديمه إلى فضائها الاجتماعي الأعم، ولذلك فالممارسة المسرحية هي بالضرورة: جماعية، ونظامية، ومعلنة، ومتداخلة مع غيرها، وعامة؛ أي أنها ممارسة لا تخص فردا بعينه، وبالتالي فلا يمكن العودة بما تقدمه -في مجمله- إلى أي تمثل نابع من وعي فردي محض، وهو ما يجعلها - بامتياز- الساحة التي يلاقي فيها الوعي الاجتماعي ذاته ليستكشفها ويتأملها.

ثانيا: ومن جهة أخرى، هناك مسار ظهور مختلف تماما لما هو مسرحي مقارنة بكافة الممارسات الجمالية، ففيما تقدم هذه الأخيرة نفسها بوصفها خيال يذهب نحو الواقع أو يبحث عن نقطة تلاقي معه، فإن العرض المسرحي يقدم نفسه بوصفه واقع يذهب نحو الخيال، فالمسرح في النهاية سلسلة من الوقائع المنتظمة، أو الأحداث الفعلية "المعاشة" في مكان بعينه وزمان بعينه، ولكن مع نفي أو حذف أي استجابة مباشرة مرتبطة بها مما يفسح المجال أمام استجابة جمالية أكثر تعاليا تعيد تنظيم ترابطات هذه الوقائع في أفق يجلبها إلى العالم على نحو مغاير.

ثالثا: ولكن ما هي العلاقة بين ما هو معاش مسرحيا، وما هو معاش في العالم؟

إننا لا نتكون بوصفنا ذوات ولا ننتج العالم ونعيد إنتاجه إلا عبر ما هو معاش، ولكن المعاش هو بطبيعته عارض وطارئ وتصادفي ومختلف في ذاته ومع ذاته، وكثير منه غارق في المباشرة التي تجعله غير ملحوظ، وهو لا يظهر إلا عبر سلاسل من الوقائع والأحداث المتعاقبة بلا نهاية والتي يكتنفها الغموض و"المصادفة" والعماء، أما "المعاش المسرحي" فمن غير الممكن إنتاجه إلا وفقا لإطار أو ممارسة أكثر تنظيما تحل محل البنى والسياقات التي تنتج المعاش في الواقع اليومي، وتمنحه قابلية التكرار وتباعد بينه وبين المصادفة.

رابعا: وعلى هذا النحو تتجلى ظاهرة المسرح بوصفها أحد مؤسسات إنتاج العالم المعاش على نحو يتداخل بعمق في كشف وتعيين بعض أنماط وكيفيات ظهوره عبر استبدالها بحالات وأنماط "الحضور" المسرحي، ومن خلال هذا التصدع الفارق بين "حدث ظهور العالم" في الواقع وفعل استحضاره في المسرح تنفتح أمامنا طرق ذهابنا إليه وتتداعى إلينا سبل الخوض في استكشاف عماءه.

وبالتالي فإن إنجاز وصف فينومينولوجي متكامل لظاهرة المسرح هو أمر يتعدى كونه شأنا جماليا، بقدر ما هو خطوة في مسار وعينا بالعالم كما هو وبما هو.

Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com / theatretafukt@gmail.com
Téléphone: (+212) 669279582
(+212) 667313882 - 654439945
Siège Social: Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes / Casablanca - Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـ فضاء تافوكت للإبداع © 2017
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL