Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مسرح - الفنون الدرامية: أوديسّةُ ساراماغو على الخشبة في لندن - الإثنين, 16 تشرين1/أكتوير 2017 19:44
مختارات - كتابات - مواضيع: الممثلة العالمية جين فوندا - الإثنين, 16 تشرين1/أكتوير 2017 19:31
مواعيد فنية - ثقافية: جداريات "الصباغا باغا" بالبيضاء - الأحد, 15 تشرين1/أكتوير 2017 12:01
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: جديد مهرجان “إفريقيا للضحك” - السبت, 14 تشرين1/أكتوير 2017 10:50
متابعات - تغطيات صحفية: افتتاح السنة الثقافية بالمغرب - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 18:41
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: “نور في الظلام” يتوج في الإسكندرية - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 18:24
متابعات - تغطيات صحفية: صدور مرسوم بطاقة الفنان - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 18:04
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: عودة تلفزيونية للممثل جيم كاري - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 10:34
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: FERGANISME: FTAR 2017 - الخميس, 12 تشرين1/أكتوير 2017 11:16
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: مهرجان ابن امسيك 8 للمسرح الإحترافي - الخميس, 12 تشرين1/أكتوير 2017 10:35
Blue Grey Red

من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر

 

بقلم الناقد عبد الناصر حنفي - مصر

استهلال:

هذه الورقة هي جزء من دراسة - قيد الاكتمال (1) - تحاول التأمل في سياقات بعض أعمال المنظرة المسرحية الألمانية إريكا فيشر (Erika Fischer-Lichte) حول موضوعة "الأداء" (performance) التي يشهد مجالها البحثي في العقود الأخيرة حالة من النمو الانفجاري.

والتأمل هو رحلة السريان مع الفكرة والسعي إليها والإقامة عندها حيثما تقع، ولذلك يبدأ التأمل وينتهي بنفسه عكس التحليل الذي قد يبدأ مصاحبا لتأمل فكرة ما ولكنه ينتهي إلى محاولة إعادة بنائها طبقا لسياقات ظهورها بغض النظر عن كيفية تقديمها لذاتها، وما نقدمه هنا لا يكاد يخرج عن رحلة التأمل إلا قليلا، ولذلك فإنه لأمر قليل الأهمية ولا يعنيني كثيرا في الوقت الحالي أن تكون الأفكار أو النتائج التي تمر قد بها هذه التأملات قابلة -أو غير قابلة- للتعميم على مجمل ما تقدمه السيدة فيشر؛ أو مجمل ما يطرحه مجال دراسات الأداء بكافة تنويعاته واختلافاته، فهذه محاكمة لم يطلبها أحد، وبالتالي فلا يمكن لأحد الادعاء بحسمها من عدمه، مثلما لا يمكن الالتفات بجدية إلى أمر كهذا في مواجهة هذا المجال شديد الانفتاح والتقلب حد الهوس، والذي تخترقه نشوة التباهي بقدرته الدائمة على توسيع حدوده على نحو يجعله أحيانا غير قادر على التواؤم نظريا مع ذاته ومع ظاهرة المسرح التي أحالها إلى أفق النسيان برغم أنها لا زالت القلب النابض الذي يمنح الحياة لهذا الخطاب، وسواء كان مقدرا لهذا الوضع أن يستمر لفترة أطول، أم أنه في سبيله نحو حالة أكثر توازنا؛ ففي كلتا الحالتين قد لا يكون لدينا في مواجهة هذا الفضاء المضطرب خيارا مباشرا أفضل من إجباره على التموضع كمادة لتأمل تقوده الرغبة في التفكير في ظاهرة المسرح، بحيث يتم إعادته إلى تلك الظاهرة التي جعلته ممكنا في المقام الأول!

وفي هذا الإطار، فإنني أعد هذه التأملات وغيرها؛ مجرد جولات استكشافية أو تحضيرية لرحلة "تأسيس فينومينولوجيا المسرح".

ويتضمن مشروع هذا الدراسة -التي لما تكتمل بعد- أربعة تأملات: أولها هو ما تحتويه هذه الورقة (1- من ثقب العبارة، 2- الغرب وبقيته ودعوى التناسج الثقافي).

وثانيها يرصد اضطراب نموذج العلاقات الجديد بين النص والمسرح والأداء ويفككها عبر استدراجها للتقاطع مع مفهومي الطوطم والتابو.

أما التأمل الثالث فيتناول فكرة "حلقة التغذية المرتدة" عند فيشر في علاقتها بما اسميه "أنتروبيا المسرح" باعتبار أن ظاهرة المسرح -مثلها مثل غيرها من الظواهر- هي في النهاية مجرد "نظام حركة" في العالم.

والتأمل الرابع يبدأ من رد الفعل المسرحي على ظهور التصوير الفوتوغرافي ليصل إلى طرح مفهوم حالة "التباعد المسرحي" بوصفها أشبه بقانون يحكم علاقة المسرح بمادته "ما قبل المسرحية".

 

التأمل الأول:

1- من ثقب العبارة:

كان "النفري" يقول "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، ولكن ماذا إذا بدأنا أصلا من عبارة ضيقة للغاية؟ هل ستمكث الرؤية لصيقة بها وسجينة داخل مساحتها المحدودة والخانقة، أم أننا يمكن أن نصل إلى معكوس الحالة التي يصفها النفري حيث مع ضيق العبارة وبرغمه تتسع الرؤية!

لنبدأ تأملاتنا إذا بالتوقف عند هذه العبارة: "دراسات المسرح والأداء هي مبحث يدرس الأداءات" ("Theatre and Performance Studies is a discipline that studies performances") (2).

إن هذه العبارة اللطيفة و"الضيقة" تأتي بمثابة استهلال للفقرة الختامية من كتاب فيشر: "مقدمة روتلدج لدراسات المسرح والأداء" بحيث ستبدو وكأنها نداء انتباه أخير يمهد للمانيفستو الذي يليها ليعدد الإنجازات البحثية لدراسات الأداء على نحو يراد له ألا ينسى أبدا؛ مما يجعل "عبارتنا" تلك تكتسب لنفسها وقع التمهيد للنغمة الختامية الحاسمة لموسيقى شبه "فاجنرية" انتشرت نغماتها عبر الكتاب بأكمله في دوي صاخب وهادر ومليء بالتفاصيل والتوصيفات "الحسية" المكثفة حينا والعابرة من انطباع إلى آخر حينا؛ والممتزجة داخل بوتقة ما يقدم نفسه بوصفه ملاحظات امبيريقية ذات نبرة قد تبدو متحررة من أي تفكير مسبق؛ ولكنها في الوقت نفسه لا تكاد تنتظم إلا حول فكرة بعينها! وتلك النغمات المتتابعة غالبا ما كانت تجد لحظات ذروتها عند تتالي حزم من التعليقات والتعقيبات النظرية التي تحاول أن تؤكد على تجانسها الذاتي على نحو قد لا يفتقر إلى الحذق والرشاقة، بحيث سيبدو الأمر وكأننا في رحاب حالة من الصرامة المنهجية المنضبطة التي يمكن قبولها أو رفضها من الخارج، ولكن من الصعب خدشها من داخلها!

وبالطبع، فليس لمثل هذا السمت المتماسك الذي يحاول الكتاب أن يعكسه عن ذاته أن يثنينا عن مواجهة "عبارتنا" ببعض الأسئلة التي قد تبدو أكثر أولية مما ينبغي، فما الذي يضير التأمل، أي تأمل؛ أن يستهل رحلته انطلاقا من استكشاف ما إذا كانت هناك توترات داخلية تنتهك مظهر ما يقدم نفسه بوصفه بسيطا ومتماسكا ولا يسترعي الانتباه؛ حتى وإن تطلب الأمر المخاطرة بالانزلاق تجاه طرح الأسئلة الساذجة التي لا تكاد تتقصى سوى ما هو أقرب للبداهة المفروغ منها. ومن هذا المنظور دعونا نتساءل: ما الذي تحاول هذه العبارة قوله؟ وكيف تقوله؟ وما الذي تحاول أن تؤكده أو تخفيه؟ وإلى أين يمكن أن تقودنا مساءلتها؟ وما الموقع الذي تختطه لنفسها داخل مسار وسياقات أعمال السيدة "فيشر"؟ وكيف يمكن لها أن تنفتح مثل ثقب يتسع باستمرار على علاقات الظاهرة التي تتحدث عنها بحيث نختبر ما إذا كانت مقولة النفري تقبل الاشتقاق من حالات هي مبدئيا عكس ما تصفه؟

تقدم "عبارتنا" نفسها بوصفها تنبني على صيغة تعريفية (كذا هو كذا)، وهو ما يجعلها تنقسم تلقائيا إلى شقين يفترض أنهما متناظرين ومتكافئين، الأول هو ما يراد التعريف به، والثاني هو ما يحدده ويعرفه، ولكن ما أن نصل إلى هذه الملاحظة البديهية حتى يلوح الأمر وكأن ثمة غرابة ما قد اجتاحت عبارتنا! لأنه إذا ما كانت لفظة الدراسات في الشق الأول يتم التعويض عنها في الشق الثاني بلفظة "مبحث" (discipline)، بينما لفظة الأداء تجد ما يوازنها بشكل أو بآخر في صيغة الجمع "الأداءات"، وبالتالي تصبح عبارتنا على شكل الصيغة الحسابية التالية: "المسرح+الأداء= الأداءات"!

وهذا يتركنا أمام تساؤل غريب بعض الشيء: فأين ذهب المحتوى الذي يفترض أن تشير إليه لفظة المسرح، ولماذا تواجدت هذه اللفظة في الجزء الأول من العبارة ثم تم إسقاطها في جزئها الثاني، وهل مجرد "تكثير" لفظة الأداء وجمعها يعني أنها قد احتوت الظاهرة المسرحية على نحو لم تكن تستطيعه نفس اللفظة في حالتها المفردة؟

وهنا يتوجب علينا أن نتحرك بحذر بالغ، فالرد بالإيجاب على هذا السؤال يعني أن العبارة تفترض أن ثمة فرع علمي أو مبحث؛ أو حتى تعريف، لا ينطبق إلا على "تعين مفرد بذاته" للظاهرة التي يجعلها موضوعا له، وهو ما لا يتنافى مع الفكر السليم فقط بقدر ما يصطدم أيضا مع قواعد اللغة، أي لغة، فلفظة الأداء هنا اسم لجنس من الأفعال (بالمعنى الأرسطي!) وبالتالي فمن المحال افتراض أنها لا تشير إلا إلى فعل مفرد بعينه بحيث ينبغي أن نحولها إلى صيغة الجمع لندخلها في إطار البحث العلمي!

ليس باستطاعتنا إذا إلا التفكير في أن لفظتي "الأداء" و"الأداءات" في هذه العبارة يقولان الشيء نفسه، وعندئذ نصبح في مواجهة الصيغة المنطقية التالية: ب (المسرح) + أ (الأداء) = أ (الأداء)! بمعنى أن الشيء وغيره يساويان الشيء نفسه! وهو ما يضعنا أمام انبثاق مفاجئ لنقيضة تشبه كثيرا النقائض الشهيرة لزينون الإيلي (Zeno of Elea) والتي ما انفكت تهاجم كل ما هو إبستمولوجي من وقت لآخر منذ توقيت ظهورها وحتى الآن، وهنا فإذا ما رغبنا في الفرار أمام زينون -هذا الوحش الابستمولوجي المخيف- فليس أمامنا سوى إنكار وجود (ب) باعتبارها عدما، أو أقرب للعدم (على طريقة حساب اللانهاية)، وبذلك يمكن إهمالها وشق مسار العودة إلى الفردوس الأرسطي حيث أ=أ، وهي تقنية كثيرا ما استخدمت تاريخيا لنفي زينون خارج مدينة المعرفة.

وهكذا سيبدو أن ما لاحظناه من غرابة العبارة سرعان ما ينقلب إلى ارتباك أكثر عمقا مما هو متوقع.

ولكن ما يزيد الأمر إثارة أن حذف لفظة المسرح من أجل استعادة التوازن "المنطقي" بين شقي العبارة قد يجعلها تفقد غرابتها وارتباكها، ولكنها بالمقابل ستغرق في بلادة تنأى بنفسها عن أي معنى، بحيث تصبح أقرب إلى الصيغة التالية: "دراسات الأداء هي دراسة الأداءات"، وبغض النظر عن تباين توزيع الجمع بين لفظتي الدراسة والأداء؛ فنحن هنا أمام التفاف أو "تطوي" ذاتي يضاعف الأصوات نفسها بحيث يجعل العبارة مجرد همهمة أو ترجيع غنائي لأصوات متطابقة لا تقول شيئا.

وهكذا، فتحليل السطح التركيبي للعبارة يجعلنا نلمس بوضوح أن حضور لفظة "المسرح" (وسأشدد على أننا نتعامل هنا مع هذه اللفظة بغض النظر عن أي اختلاف حول معانيها أو تعريفاتها) قد أنقذ هذه العبارة من الانهيار على ذاتها، ومنحها شيئا من المعنى المنتهك بالغرابة والارتباك والتناقض، ولكن إذا ما ابتعدنا بعض الشيء عن هذا السطح تجاه مستوى أعمق قليلا فسيمكننا رصد أن لحظة استدعاء لفظة المسرح داخل العبارة هي نفسها لحظة نسيانها وإحالتها إلى غلاف صوتي فارغ بلا محتوى يخصه، وكأنها فاصل من الصمت المفاهيمي الذي يمنح تركيب العبارة مسافة داخلية بين مكوناته بحيث تحفظها من الالتفاف والتداعي حول نفسها. وهو ما يدعونا للتأمل ما إذا كان هذا الملمح مجرد عارض تافه أبرزته عبارة مرتبكة؛ أم أنه أحد تبديات ما أطلق عليه "ظاهرة نسيان المسرح": أي أن يصبح المسرح ذاته ذو طابع شديد العرضية وغير ملتفت إلى ماهيته كظاهرة داخل فضاء حضور يفترض أنه يخصه؛ مثل فضاء هذه العبارة، أو هذا الكتاب، أو أفق مبحث الأداء بصفة عامة؛ حيث تتحول ظاهرة المسرح إلى ما يشبه "مظلة" تعلو فراغا وتحدده، ولكنها ليست جزء منه لأنها لا تكاد توجد إلا بوصفها حدا خارجيا لهذا الفراغ! (3). وبالعودة إلى تقنيات مقاومة "زينون" وحساب اللانهاية، فربما كانت "ظاهرة المسرح" هنا تلعب دور ذلك الكم الذي ينبغي أن يبدو متناهي الصغر بحيث يمكن إهماله من أجل تأسيس حساب التفاضل، وبمعنى آخر، يمكننا القول -ولو بصورة مؤقتة سنعود لتدقيقها مع التقدم في التأملات التالية- أن حقل دراسات الأداء هو في أصله مجرد حساب تفاضل للمسرح.

ولكن هذا يضعنا أمام تساؤل آخر، فما الذي جلب تلك العبارة نحو هذه المساحة الأكثر عمقا والتي تجعلها منصة محفزة على إطلاق مثل هذا التأمل القلق حول الوضعية العامة للظاهرة المسرحية؟ وما هي الملابسات التي قادتها للظهور بالمقام الأول؟

ولمناقشة هذا السؤال ينبغي أن نتوقف أمام حدث فريد من نوعه، فعلى غلاف هذا الكتاب الذي جاءت تلك العبارة لتستهل نهايته نجد أسماء اثنين من المحررين! وهو أمر أعتقد أنه غير مسبوق على الإطلاق، خاصة ونحن أمام نص يفترض أنه يعود بأكمله إلى مؤلف فرد على قيد الحياة، بالإضافة إلى أن الكتاب ذاته قد سبق نشره بالألمانية عام 2009(4)، أي أننا أمام مصنف مكتمل وقائم بذاته، وما يزيد الأمر غرابة على نحو استثنائي أن المحررين كتبا مقدمة مستقلة يوضحا فيها ما قاما به من تعديلات و"أعمال تحريرية" جعلت الكتاب: "يعكس التغييرات الأكثر جوهرية المطلوبة لنقل العمل من الألمانية إلى السياق الأنجلو أمريكي" (5) بما في ذلك " التوسع بشكل كبير على الأصل عبر إضافة نماذج من المسرح والأداءات الأنجلو أمريكية وطرحها للحوار مع عمل الفنانين في ألمانيا والقارة الأوروبية" (6)، ولكن بالرغم من هذا الحرص المحمود للغاية على تأسيس حوار بين "الغرب وبقيته"! the west and his rest)) فإن المحررين لا يذكران شيئا على الإطلاق عن حوارهما مع المؤلفة لإنجاز كل تلك التغييرات التي أحدثاها، وكأن الأمر بات يخصهما وحدهما! وكأن السيدة فيشر قد قامت بتسليم النسخة الألمانية المطبوعة ثم اختفت فجأة! تاركة لمحرريها أداء ما يفترض أنه يخصها ويخص كتابها، وما يثير الدهشة هنا هو أن "المحررين" يتحدثان عن العملية التي أجرياها على الكتاب وكأنها استجابة لبداهة غير مطروحة للنقاش: فالقارئ "الأنجلو أمريكي" يجب أن يسمع صوتا يشبهه فإذا لم يكن الكتاب الأصلي كذلك فهذا يتطلب إجراء "تغييرات جوهرية"! ويستوي الأمر هنا ما إذا كانت هذه "البداهة" تتأسس على منطلقات تسويقية أو ثقافية.

إن العنوان الأصلي للكتاب بالألمانية يتحدث عن "علم المسرح" أو الدراسات المسرحية (Theaterwissenschaft) وليس دراسات المسرح والأداء (Theatre and Performance Studies) وهو الاسم الذي يطلق على هذا المبحث في أمريكا، ويبدو أن تعديل العنوان على هذا النحو قد جاء في سياق ما قام به المحرران لتقريب الكتاب من السياقات "الأنجلو أمريكية"!

وبالعودة إلى عبارتنا، فلو أننا وضعنا "علم المسرح" (Theaterwissenschaft) محل "دراسات المسرح والأداء" (Theatre and Performance Studies) لاستقامت العبارة، وتبخر كل ما كانت تنوء به من غرابة وارتباك، بحيث تصبح صياغتها كالتالي: "علم المسرح هو مبحث يدرس الأداءات"، وبالتالي تسترد العبارة صيغتها التعريفية وتماسكها الداخلي والتركيبي، وتصبح بمثابة بوابة مستقرة يفضي عبورها إلى الولوج نحو حقل بعينه من المباحث والمقاربات العلمية التي يمكن الاتفاق أو الاختلاف معها أو حولها، ولكن هل بوسع هذا التصحيح لتلك العبارة المثقوبة أن ينسينا ما كشف عنه هذا الثقب؟

إن ما رصدناه من تهتك العبارة واضطرابها وتناقضها الكاشف في النص الإنجليزي هو أمر يمكن العودة به إلى تداخل عمل المحررين مع المؤلفة، بحيث أنه أيا كان المسئول منهم عن ظهور العبارة بهذا الشكل في الكتاب؛ فإننا لا نستطع تجاهل أن التأمل فيها يقود إلى اكتشاف أننا أمام نص منقسم على ذاته، نص يقول شيئا (دراسات المسرح والأداء) بينما لا يستطيع التوقف عن التفكير في شيء آخر (علم المسرح)، وهو في نفس الوقت لا يستطيع الإفصاح عما يفكر فيه مثلما لا يكاد يستطيع مراجعة ما يقوله، وذلك بالرغم من أن الكتاب نفسه لا يكف أبدا في كل فصل من فصوله عن الإحالة إلى ذاته، سواء للإشارة إلى الموضوعات التي سبقت معالجتها أو تلك التي سيتم تناولها لاحقا، مما يعني أننا هنا أمام تعارض بين كتاب يلتفت إلى ذاته باستمرار ونص لا يكاد يستطيع التأمل في نفسه! وإذا ما استرسلنا في ارتقاء هذا المسار يمكننا القول إننا إزاء نص يفكر بالألمانية، ولكنه أجبر على التحدث في الكتاب بالإنجليزية! وهو أمر قد لا يبعد كثيرا عن حال مبحث الأداء، الذي لم ينفك يفكر في المسرح ومن خلاله بينما يتحدث طوال الوقت عن شيء آخر!

 

2- الغرب وبقيته (the west and his rest) ودعوى التناسج الثقافي:

والأن هل يمكن أن تمثل هذه الملاحظات متكأ مناسب لتناول مبحث "تناسج ثقافات الأداء" (Interweaving Performance Cultures)؟ والذي يشكل موضوع الفصل السابع من الكتاب، مثلما أصبح يمثل المنطلق الرئيسي والشغل الشاغل تقريبا لأعمال السيدة فيشر.

لقد كانت أحد محطات ظهور مبحث "التناسج" هو النقد الذي تم توجيهه لبيتر بروك وغيره حول التعاطي مع ثقافة الآخر، وخاصة ما كتبه رستم بهاروتشا (Rustom Bharucha) حول تعامله -الغربي أكثر مما ينبغي- مع ملحمة المهابهاراتا، والذي يمكننا ترجمته بأنه اعتراض هندي على محاولة تقريب الملحمة من السياقات "الأنجلو أمريكية" بصورة غير معلنة خلافا لما حدث مع كتاب فيشر الذي نتناوله هنا، والذي تم بشكل منهجي يعلن عن نفسه في مقدمة المحررين!

وبرغم أن اختيار محرري هذا الكتاب سيبدو وكأنه قد تم في إطار يهدف إلى فتح ساحة من التفاوض الثقافي، فأحدهما أمريكي (قام بالترجمة من الألمانية أيضا) والآخر ألماني وعضو سابق في مؤسسة "تناسج ثقافات الأداء" التي أسستها فيشر، إلا أن المقدمة المشتركة التي كتباها تشي بوضوح عن السياسة التحريرية التي تم اتباعها في التعاطي مع بعض الاختلافات المنهجية في مقاربات ظاهرة الأداء بين المدرسة الأمريكية، والمدرسة الألمانية، وسواء نبعت هذه الاختلافات من تباينات في جهود الباحثين واهتماماتهم، أو جاءت كرد فعل على تباينات ثقافية أكثر عمقا؛ فمن الواضح أن عمل المحررين هيمن عليه الصوت "الأنجلو أمريكي" في النهاية، وأن السياق الذي حاولا بناءه في هذا الإطار تعرض لاهتراءات في بعض المواضع، ومنها تلك العبارة التي توقفنا عندها منذ بداية هذا التأمل، والتي يمكن اتخاذها نموذجا لفحص و"تحليل" لحظات التوتر المماثلة في الكتاب؟

إن هذه الملاحظات "التأملية" يمكن لها أن تضع "أقواس" قاسية للغاية حول مشروع التناسج الثقافي بوصفه سعي "منهجي" لتجاوز إشكاليات التثاقف أو"المثاقفة" أو عمليات التداخل الثقافي (Intercultural) وما يتعلق بها من صراعات وأوضاع تفتقر للتوازن واللباقة والتسامح العادل، ليس فقط بين الشرق والغرب، ولكن أيضا بين الغرب و"بقيته"! بحيث أن هذه الأقواس قد تكشف عن دعوى "التناسج" بوصفها مجرد محاولة حسنة النية تزعم القدرة على تجاوز تباينات ثقافية ذات طابع سلطوي لا يمكن تجاهله أو إغفال حضوره المهيمن.

 

الهوامش:

1- بدأ مشروع هذه الدراسة كاستجابة لطلب الصديق خالد رسلان للمساهمة في الملف الذي تعده نشرة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي والمعاصر حول إريكا فيشر بوصفها أحد الأسماء المكرمة في الدورة الحالية.

2- Erika Fischer-Lichte "The Routledge Introduction to Theatre and Performance Studies" - Edited by Minou Arjomand and Ramona Mosse Translated by Minou Arjomand – 2014 – p 184

3- ترتبط استعارة المظلة (umbrella) عادة بمحاولة تحديد جزئي و طارئ ومؤقت ولكنه أيضا "متخارج"؛ لما لا يمكننا تحديده بذاته أو طبقا لشروطه الداخلية، وهو ما يفتح الصلة بينها وبين مبدأ "التفاضل" بوصفها تمثل حدث بداية ظهور تلك القيمة التي تحدد مجالا ما ثم تختفي، بينما يبقى ظلها بمثابة مبدأ فاعل في تكوين هوية هذا المجال، ولذلك فقد يكون من اللطيف تتبع حضور هذه الاستعارة في الكتاب رغم قلة استخدامها نسبيا، فهي تبدأ باعتبارها "وصفا" لعلم المسرح (Theaterwissenschaft) في علاقته بفنون الأداء، و "بعض" الأداءات الثقافية (مقدمة المحررين)، ثم ما تلبث أن تصبح أداة لفحص وإقرار ما ينتمي أو لا ينتمي إلى "فن الأداء" (Performance Art) ص 152، وبعدها ترتبط بـ "الأداء الثقافي" (cultural performance) كأداة عبور مباشر نحو بوابة "الانثروبولوجيا"؛ ص 163، ثم تعود مرة أخرى لتصبح أداة لتمييز ما قد يوجد خارج حدود "الأداء الثقافي" ص 181.

4- Erika Fischer-Lichte "Theaterwissenschaft: Eine Einführung in die Grundlagen des Fachs" Narr Francke Attempto Verlag GmbH + Co. KG – 2009.

5- "The title as it stands now—The Routledge Introduction to Theatre and Performance Studies—reflects the more substantive changes required by a transposition of the work from a German to an Anglo-American context." Editors’ preface – "The Routledge Introduction …" – p x

6- "Our edition also significantly expands on the original by drawing on additional examples of Anglo-American theatre performances and bringing these examples into conversation with the work of German and Continental European artists." – ibid


Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com / theatretafukt@gmail.com
Téléphone: (+212) 669279582
(+212) 667313882 - 654439945
Siège Social: Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes / Casablanca - Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـ فضاء تافوكت للإبداع © 2017
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL