Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
متابعات - تغطيات صحفية: "أنمسوال" بالمهرجان الوطني للمسرح - الجمعة, 01 كانون1/ديسمبر 2017 18:01
مسرح - الفنون الدرامية: تونس قبل "قرطاج" - الجمعة, 24 تشرين2/نوفمبر 2017 11:39
متابعات - تغطيات صحفية: خميسآرت: ندوة مسرح الشارع - الأحد, 12 تشرين2/نوفمبر 2017 11:07
بحوث - مقالات - دراسات: الفضاء العمومي ومسرح الشارع - الأحد, 12 تشرين2/نوفمبر 2017 10:53
مواعيد فنية - ثقافية: Ouarzazate: Morocco Solar Festival - الجمعة, 10 تشرين2/نوفمبر 2017 10:49
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: مهرجان السينما والذاكرة المشتركة - السبت, 04 تشرين2/نوفمبر 2017 13:02
متابعات - تغطيات صحفية: بلاغ مشترك بين النقابة والفيدرالية - السبت, 04 تشرين2/نوفمبر 2017 10:56
أخبار - منوعات - إصدارات : جديد الفيدرالية الدولية للممثلين - الثلاثاء, 31 تشرين1/أكتوير 2017 18:12
مواعيد فنية - ثقافية: ملتقى فنون العرائس والفرجة الشعبية - الأربعاء, 25 تشرين1/أكتوير 2017 19:18
مواعيد فنية - ثقافية: سيرة القصيدة بمهرجان مكناس - الثلاثاء, 24 تشرين1/أكتوير 2017 11:18
Blue Grey Red

عـن شعريـة الدراما الحديثة

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

عـن شعريـة الدراما الحديثة


بقلم د. حسن المنيعي (عن الفرجة)

لم تعمل النظريات الجمالية في القرن السابع عشر على تأسيس جمالية درامية أصيلة. لقد كان مشروعها المشترك هو التزام الكتاب بـ”شعرية أرسطو” دون التفكير في خلق قطيعة مع معاييرها، ومنها على الخصوص مفهوم “المحاكاة” Mimésis الذي يحدد الفن باعتباره تقليداً للطبيعة، ثم مفهوم الوحدات الثلاث، وعلى الخصوص “وحدة الحدث” التي تميز لدى “أرسطو” بين “التراجيديا” و “الملحمة”، حيث تحاكي الأولى أناساً يقومون بشيء ما، بينما تحاكي الثانية عبر “السرد”. لهذا، فإن المسرح قد ظل – خلال هذه الحقبة منصهراً في الشعر الكلاسيكي، ومنهمكا في التمييز بين الأجناس الأدبية (تراجيديا – كوميديا – تراجيكومديا الخ..). لكن التراجيديا تظل الجنس المفضل لدى الكتاب، لأنها “تقدم للجمهور صورة نبيلة عن أنفسهم، كما تحقق لديهم متعة باطنية (التطهير)(*).

وإذا كان هذا الجنس يقصد به “الدراما” Le drame، فإن الجمالية التي ارتبطت بالقرن الثامن عشر، وجزء كبير من القرن التاسع عشر، ستقترح تصورات فنية وجمالية في هذا الموضوع كان من حصيلتها بروز مسرح درامي يخضع لنبوغ الكاتب ورؤيته للعالم، وأفق انتظار الجمهور. وانطلاقاً من مبدإ “حرية الفن”، أنتجت المدرسة الرومانسية شعرية درامية تنظر إلى المسرح باعتباره فناً تنحصر وظيفته في خدمة كل شرائح المجتمع، وفي الانفتاح على التاريخ والعالم. وقد ركزت نصوصه على بطل يتموضع في قلب الحدث، وعلى مراعاة وحدة الموضوع دون التمييز بين ما هو مأسوي (التراجيديا) أو هزلي (الكوميديا): الشيء الذي جعلها تنتج ما سمي بـ”دراما الغروتيسك” التي نجد أهم تنظير لها في مقدمة مسرحية “كرمويل” لـ”فكتور هوجو”، والتي سيكون لها تأثير كبير على المسرح الطلائعي.

لكن أهم ما سجله القرن التاسع عشر، هو الاهتمام بالممثل كما فعل ذلك “ّديدرو” Diderot من خلال كتابه “تناقض حول الممثل” (نشر سنة 1830). ثم الدخول في مغامرة “الإخراج المسرحي”. في هذا الصدد، أسس “أندري أنطوان” A. Antoine سنة 1887 “المسرح الحر” ليمارس في نطاقه، ولأول مرة، وظيفة المبدع الثاني: أي المخرج المسرحي، الشيء الذي جعل هذا الفن ينضاف إلى إعداد الفرجة، كما أدى إلى تحديد جديد للمسرح يركز على مصطلحات مثل الحركة، والديكور، والصوت.

إضافة إلى ذلك، قام ّديدرو” بابتكار دراماتورجيا تطرح تساؤلات حول الوحدات الأرسطية نتج عنها جنس درامي يكتب نثراً، ويدرس الأوضاع الإنسانية والصراعات التي تجري بين أفراد العائلة (دراما العائلة). لذلك لم تعد “المحاكاة” في رأيه انعكاساً للواقع، بل “إيحاء” بعناصره ومكوناته. وهذا ما جعل نظريته عن الدراما تعطي الأهمية لمفهوم “الاحتمال” vraissemblance الذي أصبح مرتبطا بالطبيعة الإنسانية والمواقف، والتي يدعمها سمو الحدث وإيقاعاته في نطاق البناء الدرامي.

وقد سايره في هذا الاتجاه العديد من الكتاب أمثال “بومارشي” Beaumarchais وسبستيان مرسيي S. Mercier. مما أدى إلى هيمنة التنظير حول “الدراما”، الذي كان من نتائجه تحول الكتابة الدرامية بعد أن أصبحت مواصفات الإخراج تظهر في “النص”، خصوصا على مستوى العناية بالإشارات المسرحية Didascalies، واللوحات، والديكور إلى درجة أن “ديدرو” كان يعالج قضايا الخشبة بعين الفنان التشكيلي. من هنا، تميز مسرح القرن التاسع عشر بعدة طروحات نظرية حول “المسرح الدرامي” ركزت في الأساس على الكتابة الدراماتورجية، وضرورة انتشالها من هيمنة القواعد الأرسطية وخصوصا مفهوم التطهير (باعتباره فضيلة أخلاقية)، ثم مفهوم العرض التقليدي، الذي يجعل من الخشبة فضاء للإيهام يحبس أنفاس الجمهور دون أن يكون له رد فعل سوى الإحساس بالخوف والشفقة.

لتجاوز هذا الموقف، وجه “جان جاك روسو” J. J. Rousseau نداء إلى المسرحيين يدعوهم إلى تجاوز هذه الوضعية، وتعويضها بتوحد احتفالي للشعب مع ذاته من خلال إمتاعه بعروض في الهواء الطلق. وفي نفس الخط، أدانت الحركة الرمزية (الفرنسية على الخصوص) العرض الذي يعكس الواقع ولا يتعداه، كما انحازت إلى رصد العمق اللا منطقي للعالم وخبايا النفس البشرية. وقد تجسد هذا التوجه في “درامات” تقوم على رموز وإيحاءات انعكست في أعمال “ميترلنك” و “بول كلوديل”، و “تشيكوف”، و “إبسن”، و “أوغست ستراندبرغ”.

أما على المستوى الفني، فقد عاب “ريشار ﭭاغنر” R. wagner. -في ألمانيا – على الفن الدرامي عدم وجود وحدة بين العناصر التي تؤسس فرجته. لهذا اقترح مفهوم “النتاج الشامل” الذي يعمل على تجميع عناصره الدرامية مبدع واحد. وهذا ما أدى إلى إعادة النظر إلى الإخراج المسرحي، وتطوير آفاقه على يد منظرين أمثال ّأدولف آبيا” A. Appia و “غوردن غريغ G. Graig اللذين عوضا واقعية الديكور بعناصر رمزية وتجريدية تمتزج بتركيبات ضوئية، لخلق انطباعات في نفسية المتفرج بدل إيهامه بالواقع.

هذا، ومع أن المسرح قد ظل في بداية القرن العشرين، يركز على المحاكاة، فقد عرف بروز المدرسة التعبيرية التي كانت رد فعل ضد “الطبيعية” التي تدرس الإنسان من خلال بيئته، وتقحمه ضمن الجماعة لتقف على حياته وتطوره. وعلى العكس من ذلك، ركزت “الدراما التعبيرية” على الإنسان باعتباره رمزاً لطبقة محددة، كما رصدته في حالة تمرده ضد المحيط الاجتماعي الذي يعد فضاء يعرقل حريته، ويهدد كيانه. من هنا، لم تعد المسرحية (الدراما) تخضع لحدث بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما أصبحت عبارة عن لوحات تؤشر إلى “محطات” يقدم الفعل الدرامي في نطاقها موزعاً على فضاءات. لكن أطرافه تتوحد عبر رابط موضوعي يستطيع الجمهور إدراكه من خلال نموذج البطل، الذي قد يكون مثالياً أو مبتذلا في نفس الوقت، مادام أن الدراما (دراما المحطة) لا تعتمد على صراع كلاسيكي، بقدر ما تقوم على معالجة العيش اليومي. لهذا، كان لها تأثير كبير على كتاب المسرح الحديث الذي سيحقق طفرات هائلة على يد منظرين هما “أنطونان أرطو” A. Artaaud و “برتولد برشت” B. Brecht اللذان أبدعا شعريتين دراميتين عرفت الأولى “بمسرح القسوة”، والثانية “بالمسرح الملحمي”.

* شعرية أرطو وبرتولد برشت

لقد أكد الأول “أرطو” أن الفن المسرحي لا يمكن له أن يعبر عن الطاقة الخلاقة للحياة إلا إذا شكل أثر الفرجة “قوة” لا “انعكاساً”. ومن ثم، نادى بخلق قطيعة مع التقليد المسرحي الأدبي، كما رفض اللغة التي تحرص على التفريق بين الكلمات والأشياء. أما عن النص، فلم يعد، في نظره، إلا ذريعة لدعم فرجة تتجاوزه كلياً، وذلك بما تنطوي عليه من أبعاد فنية تنعكس في الحركة، والموسيقى، والصراخ، وجمالية الأكسسوارات. وكذا في “سحرية” الكلمات، وكل ما يعيد المسرح إلى أصوله المقدسة الأولى، ويحرر غرائز الإنسان الدفينة. وهذا ما جعل شعريته التي ضمنها كتابه “المسرح وضعفه” تلح على ضرورة الفصل بين ما نعيشه وما يقدم فوق الخشبة.

أما “برشت”، فقد تميزت شعريته بإدراج السرد في النص الدرامي، وكذا في الإخراج المسرحي لتتحول الخشبة برمتها إلى فضاء للحكي. لذلك، شكلت “لدراما الملحمية” أو الجدلية نقيضا للدراما الكلاسيكية القائمة على الإيهام. علما بأن ما يميز شعرية “برشت” هو تقنية “التباعد” Distanciation التي تعني تجريد نسق أو طابع من كل ما يحتوي عليه حقيقة، أو ما يحدده، وابتكار مكانه ما هو غريب ومدهش. وهذا يعني أن أثر التباعد يهدف إلى جعل المتفرج ينظر إلى ما يشاهده أو ما يجري فوق الخشبة باعتباره ملاحظا يقظا، ومحايداً تجاه كل القضايا التي تعرض أمامه. وهذا يعني أن عليه أن يقدم أحكاما منطقية حول الفرجة، التي ترتكز بنيتها على مشاهد قصيرة ومتلاحقة تجري فوق خشبته عارية، وفي نطاق تمسرح واضح.

* بيترزوندي والدراما الحديثة

لقد كان لشعرية كل من “أرطو” و “برشت” أثر كبير على الممارسة المسرحية الحديثة والمعاصرة، لأن الأولى تميزت بتمردها ضد المفهوم الكلاسيكي للمسرح الذي يرتكز على النص، كما أعطت الأولوية للمخرج باعتباره منظما ساحراً للعرض المسرحي. أما الثانية، فقد أعادت النظر إلى جوهر “المسرح الدرامي” Th. Dramatique كما حدده أرسطو، أي باعتباره مسرحاً يجعل “الملحمة” l’epopée (التي ترتكز على السرد) تعارض “الدراما” Le drame (التي يدعمها الخطاب). إضافة إلى أن فرجة المسرح الدرامي (التقليدي) تقوم على صراع لا يتيح للمتفرج إبداء رأيه النقدي حوله.

من هنا، كان المسرح الملحمي – كما أكد على ذلك المنظر الألماني بيتر زوندي Peter Szondi– مصدر أزمة بالنسبة للدراما التقليدية منذ سنة 1880. في هذا الصدد. قدم في كتابه الشهير “نظرية الدراما الحديثة” الإطار الجدلي الذي يتمفصل المسرح في نطاقه باعتباره أزمة للدراما التي تحقق، مع ذلك، استمرارها إلى جانب أشكال مسرحية ذات بنية ملحمية. وقد حرص، في هذا الجانب، على تحليل مختلف أشكال الأدب الدرامي الحديث انطلاقا من فرضية تميز بين الشكل الدرامي والمضمون الملحمي (الذي يحدد باعتباره خاصية مشتركة بين الملحمة، والمحكي والرواية).

في هذا المجال، يرى أن الدراما هي “جنس مطلق” وعالم ثانوي مستقل، وأن لها مرجعية ذاتية ومنغلقة على نفسها. كما أنها تمتلك زمنها الخاص ومنطقها الداخلي الذي يقصي كل مرجعية خارجة عنها، لأنها تتظاهر – بحكم اعتمادها على مسرح العلبة – بتجاهل حضور جمهور سلبي خلال العرض، ولكنه جمهور إيجابي من خلال الاندماج. إضافة إلى ذلك، فإن الدراما تركز، منذ عصر النهضة، على إنّية العلاقة البينذاتية والروابط الإنسانية مما جعل “الحوار” Le dialogue يحتل الصدارة في مسار الحدث الدرامي وتطوره. على أنه في القرن التاسع عشر، تم إقحام عناصر “ملحمية” في بنية الدراما: الشيء الذي جعلها تعيش أزمة في علاقتها مع الأدب الدرامي الملحمي الحديث. وقد انحصر إدراك هذه الأزمة على أنها تناقض دراماتورجي قائم بين استمرار الشكل التقليدي للدراما، وحضور مضمون جديد ذي بنية ملحمية (إما سردية أو روائية) يفرض، كما يفعل المحكي، وجهة نظر ذات (شخصية أو خارجية) على موضوع (الحدث الدرامي).

من هنا، توجهت الدراما نحو النسيج الاجتماعي باعتباره شهادة، ولكنه لا يشكل إلا جزء من كل ينفلت من قبضتها، أو نحو مسرح الحميمية الغنائي Lyrique الذي يفضل “اللامرئي” على “المرئي”. أما عن المسرح الملحمي (الذي فرض نفسه من خلال ما أخرجه “إروين بيسكاتور” من أعمال درامية، وكذا من خلال مسرحيات “برتولد برشت”، فقد كان يقدم أهم المحاولات الرامية إلى حل تناقضات الدراما الحديثة. من ذلك، أن الشكل الدرامي قد أخد ينبثق من هذا المضمون الملحمي الجديد، الذي تولد عنه شكل دراماتورجي حديث عمل على تقويض الشكل التقليدي.

وبما أن “بيسكاتور” كان يهتم أيضا بالسينما، فقد وظفها في إخراجاته منذ سنة 1927. وهذا ما يؤكد على بروز تلك البنية الشكلية الملحمية، خصوصاً على مستوى هيمنة وجهة نظر ذات (المؤلف أو المخرج) على موضوع (الحدث الدرامي أو المادة المسرحية)، أو على مستوى فعل خلاّق يتجسد في التوليف montage من خلال التجاور. فبعد أن كان الحدث في الدراما ينحدر من تطور وحصيلة المعطيات الإنية الداخلية للصراعات الإنسانية، صار، مع هذا الأدب الدرامي الملحمي الجديد، نتاج توليف متسام يقوم به مؤلف. وهذا يعني أن الحدث قد تم إبعاده (نظرية التباعد البرشتية) ليتحول إلى موضوع حكائي يقدم فوق الخشبة. بتعبير واضح، لقد تم تعويض الحدث بالمحكي الركحي.

على ضوء هذه الإشارات (التي هي حصيلة دراسة للمسرح الأوروبي من سنة 1880 إلى 1950) أمكن لـ”بيترزوندي” أن يقف على أزمة الدراما لا من حيث شكلها، بل وأيضا من حيث التقليد الفني الذي يتحكم في عرضها فوق الخشبة. لهذا خلص إلى الاستنتاج التالي: وهو أن حل هذه الأزمة يقتضي التنظير للمسرح لا باعتباره “نصا درامياً”، وإنما باعتباره “ممارسة ركحية”. وهذا ما جعله ينحاز إلى المسرح الملحمي البرشتي، حيث عده ثورة في الممارسة المسرحية الحديثة، وأسلوبا جد متطور في مجال الدراماتورجيا.

وكما هو معلوم، فإن شعرية “برشت” قد غيرت مسار المسرح، كما أنها أثارت نقاشاً حاداً بين مؤيدين ومعارضين. ومع أن المسرح المابعد/برشتي قد ظل متأرجحا بين الدرامي والملحمي، وذلك حسب وضعية المتفرجين وصانعي الفرجة، فإن من الشعريات التي ظهرت في السبعينيات شعرية “مسرح المقهورين” التي ارتبطت بالمسرحي العالمي ّأوغستو بول”   Augusto Boal، والتي تهدف إلى مقاومة سياسة القهر في كل المجتمعات الإنسانية، كما تهدف إلى دعم الفكر الاحتجاجي الفاعل لدى الجمهور. وهي في الأساس نتاج اطلاع “بول” على أعمال “برتولد برشت” ونظريته عن المسرح الملحمي، حيث اكتشف لديه “أن المسرحية لا يمكن أن تنتهي بالطمأنينة والتوازن، وأن عليها، على العكس من ذلك، أن تؤشر إلى المنعطفات التي يمر منها لا توازن المجتمع، وفي أي اتجاه يمكن رفع وتيرة التغيير”. إضافة إلى ذلك، اكتشف في دراسة له عن المسرح الشعبي “أن على المسرحي أن يغادر القاعات المركزية، وأن يذهب إلى ضواحي المدن حيث يمكن له أن يلتقي هناك بالناس الذين يريدون تغيير المجتمع حقيقة”.

وإذا كانت هذه الشعرية قد انتشرت في العالم نظراً لاعتمادها على الجمهور/ المتفرج Le Spect – acteur، والعمل الجماعي، والاهتمام بطرح القضايا اليومية، فإن أشكالها (مسرح المنتدى – مسرح الصورة – قوس قزح المتعة الخ..) تتعامل مع الجمهور مباشرة انطلاقا من مبدإ ديمقراطي يجعل المتفرج يتمتع بحرية التفكير، والتعبير عن آرائه ومواقفه، لأن أهم عنصر فاعل في مسرح المقهورين هو “الجسد الإنساني” الذي يتحول إلى موضوع، وممثل، ومبدع ومغيّر لأوضاعه.

شعريات حديثة الانتشار

منذ بداية السبعينيات، عرف المسرح تحولات كبيرة كان أهمها انفتاحه على الفنون الأخرى التي جعلت الخشبة تعج بأساليب درامية جديدة يظل النص المسرحي في بعضها عنصرا ثانويا، خصوصا بالنسبة للعروض التي تعتمد مفهوم “المسرح الشامل” الأرطي. وإذا كانت هذه التحولات تعد إسهاماً للمخرجين في المقام الأول (خصوصا الذين يمارسون مسرحاً احتفالياً له علاقة مباشرة بالحياة اليومية)، فإن المنظر الألماني “هانس – تيز ليمان Hans – Thies Lehmann قد اهتم بهذه التحولات، وعمل على رصدها في نهاية التسعينيات (1999) وذلك في كتابه “مسرح ما بعد الدراما” Le théâtre Postdramatique الذي يمكن اعتبار ما ورد فيه شعرية درامية حديثة تطرح بديلا عن “المسرح الدرامي” و “المسرح الملحمي”.

وقد أكد في هذا الباب أن المسرح الغربي (منذ العصر الإليزابيتي وإلى نهاية القرن العشرين) كان مسرحاً خاضعاً للمقولة الأرسطية حول المحاكاة، والتطهير، ووحدة الحدث والبعد السيكلوجي الأخلاقي. إلاّ أن مسرح الطليعة الذي يمثله “مسرح العبث” أنتج نصوصا تقوم على التشذر، كما حرص بعض المخرجين على ممارسة مسرح شامل أنتجت جماليات ركحية جديدة تعتمد الفنون البصرية، والسينما، والكوريغرافيا، والوسائطية (الفيديو) والتشكيل، إضافة إلى الأشكال المسرحية المتفجرة التي سادت فيما بين 1950 – 1960 كمسرح الوقعة Happening والمسرح البيئي وفن الجسد body art.

ورغم أهمية شعرية المسرح الملحمي، وشيوع تطبيقها في العالم، فإن “ليمان” لم يعترف بثورتها في مجال الدراماتورجيا، بل نظر إليها على أنها “مجرد تجديد ونهاية للدراماتورجيا الكلاسيكية”، وأنها تحتوي على أطروحة تقليدية في الأساس مادام أن الحكاية La fable تظل بالنسبة لــ”برشت” الحجر الأساس في المسرح. لذا، فمن المستحيل، انطلاقاً من الحكاية، فهم الجزء الأكبر في المسرح الجديد الذي ساد فيما بين 1960 – 1990 بما في ذلك الصيغة النصية التي تبناها الأدب المسرحي (بكيت – هندكه – ستروس – مولور Muller (1).

وهكذا، واعتمادا على الفرجات التي شهدها فيما بين سنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي (والتي كان أغلبها أعمالا أنجزت ضد أدب العبث الذي يرتبط بفلسفة، أو أدب (*)لم يعمل أي منهما على ابتكار ممارسة جديدة للخشبة، بقدر ما كانا يتموضعان في مسار استمرارية الدراما، ويعكسان رمزية الفكر)، دافع “ليمان” عن مسرح يقوم على الأدائية Performance أي عن مسرح يقوم على اللعب، ويتحرر من النص الدرامي، ولا يعير أدنى اهتمام لوجود تراتبية بين المنظومات الركحية والأكسسوارات المستعملة، وعلى الخصوص بين الخشبة والنصوص، مادام أن هذه الأخيرة لن تكون ركحية (أي قابلة لأن تقدم عبر اللعب والكلام). وإنما هي على العكس من ذلك تكتب ضد الخشبة، التي لا تعمل على تجسيد محتوياتها بقدر ما تقترح أساليب فنية تجعلها تنفتح على عوالم جديدة.

من هنا، يشكل “مسرح ما بعد الدراما” ثورة ضد الإخراج المسرحي الذي يقوم بتفكيك النص، ويدعو إلى توسيع أفق الممارسة المسرحية اعتماداً على كتابة دراماتورجية تخترق الأجناس، وتنصهر فيها عدة أساليب درامية تحول الفضاء الركحي إلى بؤرة تمسرح مشترك بين الجمهور والممثلين: الشيء الذي دفع “ليمان” إلى تسمية “مسرح ما بعد الدراما” يـ”الكورا – غرافي chora- graphie، أي الذي تتم كتابته عبر الفضاء، والزمن والجسد، لا من خلال النص. وهذا ما جعله ينبذ مبدأ “الحدث” L’action و “الحكاية” La fable لبلورة “موقف” أو “حالة” يتكفل جسد الممثل بإبرازهما، لأن الممثل يعد في الجوهر ّمؤدياّ Performer لا يعمل على محاكاة شخصية ما. وإنما يتجنب الاندماج في باطنيتها أو مشاعرها، لاكتشاف مشاعره وإحساساته الدفينة شأنه شأن الرياضي.

إن مفاهيم من هذا القبيل هي التي عرضت هذه الشعرية – رغم أصالتها – لانتقادات من لدن بعض النقاد وممارسي المسرح نظرا لرفضها لعناصر أساسية مكونة للدراما مثل الحكاية، والحدث والشخصيات، إضافة إلى أن “ليمان” لم يأخذ بعين الاعتبار ما راكمه المسرح من تجارب حديثة بعد سنة 1999، كما أنه اعتمد – للدفاع عن شعريته نماذج مسرحية (كانطور Kantor – غروبر Gruber بوب ولسون B. Wilson – بينا بوش الخ) تعارض التقليد المسرحي، وتدفع النسق الدرامي إلى الانتقال من “المعنى” إلى “الحسية” Sensualité، أو بتعبير آخر، إلى تحويل الفن المسرحي إلى فن “اللامعنى”، وإقصائه عن الحقل السياسي، مع أن كل ما سجله المسرح من تجارب حداثية (منذ الثمانينيات) من خلال تعامله مع التراجيديا القديمة، وإعادة كتابة نصوص خالدة، وكذا من خلال ما عرفه الإخراج المسرحي من تطور في علاقته بالفنون الأخرى؛ كل ذلك ما يزال يؤكد على حضور الدرامي Le dramatique في عملية الإنجاز المسرحي.

أخيراً، إذا كان المسرح الدرامي الكلاسيكي هو مصدر ظهور شعريات حديثة نظرا لهيمنة النظرية الأرسطية عليه، وتنوع الخطابات والتفسيرات حولها، فقد صدر في فرنسا سنة 2007 كتاب هام تحت عنوان: “أرسطو أو هامة المسرح الغربي” Aristote ou le Vampire du th. Occidental. وهو من تأليف “فلورانس دبون” F. Dupont أستاذة جامعية متخصصة في الأدب الإغريقي واللاتيني على الخصوص.

وقد ركزت في عملها، هذا، على الأطروحة التالية: وهي أن الإيديلوجية المسرحية الغربية قد انصاعت لتفسير معكوس يعد في الجوهر خطاً ارتكبه التقليد حول شعرية أرسطو، حيث قرأها باعتبارها كتاباً يصف حقيقة المسرح، بينما يتعلق الأمر في الواقع بنص جد معياري يبتكر مسرحاً ذا طابع ثقافي لا يقوم على اللعب، ولا يهتم بالجسد والموسيقى. في مقابل ذلك، كان على هذا التقليد أن يراعي أهمية “المسرح اللاتيني” الذي كان يقدم عروضًا تجري في إطار “شعرية” خاصة، واعتماداً على اللعب.

ومن ثم، فقد كان هذا المسرح يعرف باسم “الألعاب الركحية Ludi scaenici، لأنه لا علاقة له بـ”المحاكاة”. وإنما هو فرجة التفاعل المباشر مع مادة العرض. على ضوء هذه الملاحظة. دعت “فلورانس دبون” المسرحيين إلى خلق قطيعة مع هيمنة المسرح الأرسطي، كما دافعت عن مسرح حي لا يكون هدفه هو تقديس “النص”، وإنما إنجاز فرجة تقوم على اللعب، وتستمد مرجعياتها من الأشكال المسرحية الشعبية، والكوميديا المرتجلة والـﭭودفيل.

وبعد هذا العمل (أي في سنة 2012)، نشر المنظر الفرنسي الكبير “جان بيير سرزاك” J. P. Sarrazac كتابه “شعرية الدراما الحديثة” Poétique du Drame moderne درس فيه الصيرورة الركحية للمسرح، وذلك عبر تحليل لمفهوم الدراما منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى اليوم. وقد انطلق في دراسته من أطروحة بيترزوندي” عن “نظرية الدراما الحديثة. وهذا ما جعله يقدم لنا “شعرية مفتوحة” تدافع عن مسرح حي أطلق عليه تسمية “المسرح الرابسودي”(2) الذي ينحصر في الجمع، بطريقة دينامية، بين أشكال تعبيرية متعددة وهجينة، وذلك عن طريق “التوليف” أو “التشذير”: أي هدم وإعادة بناء أشكال مسرحية أو خارج/مسرحية (رواية – قصة قصيرة – مقالة فلسفية – رسائل – جريدة، محكي عن الحياة) لإنتاج عمل يتقاطع فيه الدرامي، والملحمي، والغنائي.

هذه إشارة مقتضبة إلى أهم الشعريات الحديثة التي تؤكد لنا أن المسرح هوفن متحول يقوم على الابتكار الذاتي،وعلى التنظير الذي يراعي أصول الدراما التقليدية.إنه فن اجتماعي بامتياز يجعلنا دوما في علاقة مع لغات ركحية تتأرجح بين ما هو أصيل وحديث.

** الإحـالات:

(*): استعمل جان بيير سرزاك هذا المصطلح لأول مرة في كتابه “مستقبل الدراما” للحديث عن كتاب الدراما الجدد (المترجم).

(1):  Hans- Thies Lehmann : Le Théâtre postdramatique, ed l’arche, Paris, p.44.

(*): اعتمدنا لكتابة هذا التقديم على بعض المراجع التي لها علاقة بموضوع المسرح وشعرياته.

(2): المسرح الرابسود ي: théâtre Rhapsodique يمكن ترجمته إلى العربية بـ “مسرح الراوية”، لأن الرابسود هو مصطلح إغريقي كان يطلق على الرواة الذين كانوا يتنقلون بين المدن لتقديم قصائد شعرية أو مقاطع من الإليادة والأوديسا.


Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com / theatretafukt@gmail.com
Téléphone: (+212) 669279582
(+212) 667313882 - 654439945
Siège Social: Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes / Casablanca - Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـ فضاء تافوكت للإبداع © 2017
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL