Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مختارات - كتابات - مواضيع: الممثل العالمي ميل جيبسون - الجمعة, 20 تشرين1/أكتوير 2017 18:20
مسرح - الفنون الدرامية: أوديسّةُ ساراماغو على الخشبة في لندن - الإثنين, 16 تشرين1/أكتوير 2017 19:44
مختارات - كتابات - مواضيع: الممثلة العالمية جين فوندا - الإثنين, 16 تشرين1/أكتوير 2017 19:31
مواعيد فنية - ثقافية: جداريات "الصباغا باغا" بالبيضاء - الأحد, 15 تشرين1/أكتوير 2017 12:01
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: جديد مهرجان “إفريقيا للضحك” - السبت, 14 تشرين1/أكتوير 2017 10:50
متابعات - تغطيات صحفية: افتتاح السنة الثقافية بالمغرب - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 18:41
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: “نور في الظلام” يتوج في الإسكندرية - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 18:24
متابعات - تغطيات صحفية: صدور مرسوم بطاقة الفنان - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 18:04
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: عودة تلفزيونية للممثل جيم كاري - الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 10:34
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: FERGANISME: FTAR 2017 - الخميس, 12 تشرين1/أكتوير 2017 11:16
Blue Grey Red

مهرجان أفينيون: تعثر الاختيارات لكن لا يزال إبسن عظيماً

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

مهرجان أفينيون: تعثر الاختيارات لكن لا يزال إبسن عظيماً



بقلم الدكتور صبري حافظ / أفينيون

 

أنهيت مقالي السابق عن الأعمال البينية التي شاهدت منها عملين مدهشين في هذا المهرجان، قدمتهما للقراء فيه، بتأكيد الحديث عن درامية العمل الذي يعرض على خشبة المسرح مهما كانت تصنيفاته النوعية. فالدراما هي روح العرض التي لا يستطيع دونها أن يكون جديرا بالتقديم على الخشبة والانتماء لهذا الجنس الفني الخالد. فبدون بنية درامية ناظمة لا يمكن التعامل مع أي عرض على أنه ينتمي حقا لفنون العرض المسرحي، مهما كان تصنيفه. وقد ضم المهرجان الرسمي الذي تجاوزت أعماله الأربعين عدة أجناس أو تصنيفات فرعية، وهي كلها تصنيفات تساهم في توجيه تلقي المشاهد للعمل، لكن مدى نجاحها يتوقف على مدى استيعابها لروح الدراما تلك في بنيتها الجديدة. فقد كانت هناك أعمال من المسرح الخالص، ولكن كانت هناك أيضا أعمال صنفت على أنها رقص Dance/ أو مسرح غنائي Theatre-Musique/ أو حلقات مسرحية Feuilleton Theatrale/ أو مسرح عرائس Marionnette/ أو عرض بيني Indiscipline، وهي كلها أنواع أو أجناس من العرض يعتمد نجاحها على درجة وعيها بدراميتها، ونجاحها في تجسيد تلك الدرامية بأساليبها المختلفة. وإلا صُنّف العمل خارج مجال العروض المسرحية كلية، كما فعل المهرجان في تصنيفه لعمل ليوبولد سيدار سنغور Leopold Sedar Senghor (1906-2001) الذي يتوج به احتفاليته بإفريقيا هذا العام لآخر ليلتين من المهرجان، بعنوان (امرأة سوداء Femme Noire) بأنه أدب – موسيقى Litterature-Musique بالرغم من وضعه في ساحة الشرف بالقصر البابوي، احتفاء بالمكانة الكبيرة التي حققها الشاعر والمفكر والمناضل الذي أصبح أول رئيس للسنغال بعد تحررها. لأنه في حقيقة الأمر قراءة لمختارات من شعر أول إفريقي ينتخب في الأكاديمية الفرنسية، مع عزف للموسيقى.

وباستثناء هاتين الليلتين الختاميتين، وقد صنفتا على أنهما ليلتان للأدب أو بالأحرى للشعر والموسيقى، فإن الأعمال المختلفة التي جرى تصنيفها على أنها أنواع من فنون العرض، يعتمد نجاحها على درجة دراميتها إن صح التعبير. فإذا ما أخذنا عروض الرقص الحديث، والتي أخذت تحتل مكانها كمكون أساسي بعدد من الأعمال المسرحية الاستعراضية وأعمال المسرح الشامل، أو كعروض مستقلة للرقص الحديث الذي يعتمد أساسا على قدرات الجسد البشري على الحركة والتعبير، سنجد أن نجاحها يعتمد كثيرا على درجة دراميتها. وخاصة أننا يمكن أن ننظر للعلاقة بين المسرح وعروض الرقص الحديث في ضوء تلك التي تخلقت بين المسرح وفن الباليه قبله. لأن الكثير من عروض الرقص الحديث تسعى لمد جذورها في هذين الجنسين كليهما: الباليه والذي أصبحت له قواعده و لغته ومفرداته و أجروميته، و الجانب الاستعراضي في المسرح الشامل؛ وإن كان يسعى إلى الاستقلال كلية عن غيره من عناصر العمل المسرحي، ويكوّن بلغته الحركية والبصرية الخالصة بنيته الدرامية القادرة على استيعاب المشاهد في شبكتها المغوية.

فييستا و تجريدات رقص الفلامنكو المحبطة


وقد شاهدت هذا العام أكثر من عرض ينتمي إلى ذلك الجنس من العروض، ويصنفها المهرجان ضمن عروض الرقص. كان أولها هو العرض الذي ذهبت له وأنا مستعد للاستمتاع بليلة لا بد أن تكون ثرية و باذخة. فقد حمل العرض عنوانا مثيرا: (الاحتفال La Fiesta) بأداة التعريف، وهي المفردة التي دخلت اللغة الإنجليزية على يدي همنغواي بما تنطوي عليه من بهجة وفرح صاخب في الحياة الإسبانية. وخصص له المهرجان أهم فضاءاته، أي ساحة الشرف في القصر البابوي التي تتسع لأكثر من ألفي مشاهد. وهو في الوقت نفسه عرض قادم من إشبيلية، بلد رقص الفلامنكو الشهير والاحتفالات الطقسية الباذخة، الدينية منها والدنيوية على السواء. كما أن ما ينطوي عليه البرنامج من سيرة لمؤلفه أو مصممه إسرائيل غالفان Israel Galvan، يشير إلى أنه قام بتثوير فن رقص الفلامنكو. لكن العرض خيب أملي، وأثار استهجان كثير من المشاهدين، والجمهور الفرنسي يعبر عادة عن استهجانه بشكل سافر.


وإذا أردت أن أختصر سر خيبة أملي تلك في كلمات قليلة، فهي أن العرض لا يعي أهمية أن تكون له بنية درامية، تجعل لحركة العارضين على الخشبة منطقها الداخلي ودلالاتها التي يمكن أن تبلغ المشاهد، وتساهم في إثراء تلقيه للعرض واستمتاعه به، حتى ولو لم يكن مسرحا. لكن لا بد من التفصيل قليلا، والبداية من أن مَن برمج مثل هذا العرض في ساحة الشرف الرحبة أساء له كثيرا! صحيح أن العرض حاول أن يضع صفا من الكراسي في كل جانب من جوانب الخشبة التي يتجاوز عرضها الأربعين مترا، وأن يضع قسما من وقائعه في وسطها، إلا أنه سرعان ما نحا إلى تجميع العارضين في ركن من أركانها، وترك بقية الخشبة فارغة، فبدا إسرائيل غالفان وكأنه مع عارضيه مجموعة تائهة في فضاء المكان الرحب؛ وخاصة أن أغلب الراقصين والعازفين كانوا يتجمعون حول بعضهم في قسم من الخشبة ويتركون باقيها خاليا دون توظيف، ناهيك عن استخدام الحيطان العالية التي تحيط بالفضاء، والتي استخدمها المخرج الياباني في عرضه عن (أنتيغون) ببراعة مدهشة قبله مباشرة في الأيام الأولى للمهرجان. وكان حلول عرض إسرائيل جالفان مكانه كاشفا عن إخفاقه في استخدام إمكانيات هذا الفضاء الكبيرة. هذا فضلا عن أن رغبة جالفان وفرقته في تفكيك رقص الفلامنكو الباذخ إلى عناصره الصوتية والحركية واستخدام مفردات تلك العناصر بطريقة تجريدية خالصة، سلب من الفلامنكو روحه والكثير من ميزاته التقليدية.

فرقص الفلامنكو في عروضه الجيدة له بنيته الدرامية التي يعتمد عليها تطور العرض فيه. وهي بنية تعتمد على إيقاع خاص تنضوي تحته كل مفردات الحركة والسكون فيه. حيث تسري سلطة الإيقاع المطلقة في كل شيء، ويصبح أي نشاز عنها، أو تفلت من سلطتها أمرًا مستهجنًا ومعاديًا لروح الفلامنكو نفسها. إلى الحد الذي يتحدثون فيه عن طغيان الإيقاع في هذا الجنس من الرقص، بمعنى أن الإيقاع هو الطاغية الذي لا يمكن التفلت من سلطته، والذي يتحكم في كل حركات الراقص وسكناته، وإلا خرج الراقص من الإيقاع كما يقولون Fuera de compass. والمدهش هنا أن كلمة الإيقاع المستخدمة في هذا التعبير هي نفسها الكلمة التي تعني البوصلة، أي أداة التوجه، وتعني أيضا الزمن. بمعنى أن كلمة الإيقاع في هذا التعبير تعني أيضا الخروج من البوصلة أو حتى من الزمن نفسه، حيث تنطوي على هذه المعاني كلها في رقص الفلامنكو. لكن إسرائيل غالفان، والذي يتحدر من أسرة تقليدية من راقصي الفلامنكو (فأمه غجرية من أسرة راقصي فلامنكو تقليدية وإن كان أبوه ليس من الغجر)، يسعى كما يقول لنا، إلى التحرر من ذلك الطغيان، وإلى تحطيم الأنماط التقليدية التي يستحيل معها الفلامنكو إلى نسخ مكررة لا حياة فيها. إنه يريد، كما يقول لنا في برنامج العرض، أن ينظر إلى هذا الميراث الثري، الذي ولد وتربى في كنفه، من الخارج، وأن يبدع فيه صيغا مبتكرة يتحول بها إلى فنان، وليس مجرد راقص فلامنكو محترف، يعيد إنتاج ما تعلمه من أفراد أسرته.

وقد فعل ذلك الأمر حقًا في العرض الذي شاهدته، ولم أجد فيه كثيرًا من العناصر التي سبق أن استمتعت بها في عروض رقص الفلامنكو التي سبق لي مشاهدتها على مدار السنين، وفي مختلف البلدان، بما في ذلك إسبانيا. لأنه تعمد أثناء العرض الاستعاضة بالصوت والتصفيق كثيرًا عن الأدوات الموسيقية، في نوع من تجريد الإيقاع إلى مكوناته الأولية، وتخليقه من دون أي أدوات موسيقية. وهو أمر بدا في مستهل العرض مبتكرًا ومثيرًا للاهتمام، ولكنه سرعان ما تحول إلى تكرارات مشتتة لا رابط يجمعها في بنية ناظمة، كما هي الحال في عروض الفلامنكو الجيدة. كما لجأ إلى فصل الإيقاع والموسيقى عن الحركة، وتحرير الحركة منهما معًا كي تصبح هدفًا في حد ذاتها. وبدلاً من العلاقة التقليدية بين الرقص والغناء، نجد أنه يفصلهما في أكثر من مكان، ما شتّت الانتباه أو أحال الغناء أحيانًا وفي بعض تجريداته له إلى صرخات؛ أخذ المشاهدون يسخرون منها عندما واصل تكرارها، فكررها كثير منهم معه. وبالتدريج تحول العرض إلى مجموعة من الاسكتشات المفككة أو المترهلة، حيث لا رابط بينها يدخل المشاهد في قلب شبكتها. ذلك لأن عملية التفكيك التجريدية لمفردات الفلامنكو الإيقاعية والحركية، لم ترافقها بنية ناظمة تؤسس للعرض تماسكه الداخلي ومنطقه السمعي الحركي، برغم استخدام العرض لبعض عناصر الفرجة المسرحية، التي لم يرقَ أي منها إلى براعة حركات ومهارات عروض الفلامنكو التقليدية وبذخ ملابسها المميزة.

جمهورية كالكوتا.. والرقص التعبيري


إذا كان عرض (فييستا) يفتقر إلى البنية الدرامية الناظمة، وهو الأمر الذي عانى منه كذلك العرض التونسي الراقص (بكيت دمعا دون عين) لرضوان المؤدب، فإن ما يعاني منه عرض (جمهورية كالكوتا Kalkuta Republic) لسيرج آمي كوليبالي Serge Aime Coulibaly الذي وفد للمهرجان من بوركينا فاسو هو العكس تمامًا؛ أي الإسراف في الاهتمام بهذه البنية بالصورة التي اقتربنا منها إلى وضع العربة أمام الحصان، لا خلفه، حسب التعبير الإنكليزي الشهير. وقدم العرض في ساحة دير السيليستين العريق، بشجرتيه العملاقتين، وأقواسه التي تمتد على خلفية المسرح. ويقدم مصمم العرض، وراقصه الأول في الوقت نفسه، عرضه في البرنامج على أنه مستلهم من أعمال الموسيقي والناشط السياسي النيجيري فيلا كوتي Fela Kuti (1938-1997)، الذي يعزى إليه خلق الإيقاع الأفريقي Afrobeat وصياغة روح موسيقى القارة السوداء وتمردها. ولا غرو فالعرض نفسه يحمل اسم بيت "فيلا كوتي" على أطراف مدينة لاغوس. وهو البيت الذي سمّاه على اسم أول زنزانة سُجن فيها في لاغوس، وكان اسمها كالكوتا، فأحال بيته إلى جمهورية بديلة تحمل هذا الاسم، مستقلة عن جمهورية نيجيريا الفيدرالية الغارقة في وحول الفساد والطغيان؛ فتحول ومن بعده قبر كوتي الذي سار في جنازته أكثر من مليون نيجيري، إلى مزار يحج إليه أنصار الفنان من المتمردين على فساد أفريقيا، والمعارضين لحكوماتها، والراغبين في مستقبل أفضل لها.


ويبدو أن سيرج آمي كوليبالي أحد هؤلاء الحجاج بالمعنى الاستعاري هنا، وقد تحول البيت بعد وفاة صاحبه إلى مزار لفناني أفريقيا وثوارها. أم تراه يحتفل بعشرين عامَا على رحيل ملهمه؟ حيث يقدم عرضًا ينقسم إلى قسمين عنون أولهما "بدون قصة يصيبنا الجنون" وهو العنوان الذي ظهر بالإنجليزية في أعلى أقواس خلفية المسرح. حيث يتحول الفضاء من خلال الإكسسوارات البسيطة إلى مزيج من الضريح والنادي الليلي لموسيقى "الجاز". ويبدأ العرض الذي يقوم به سبعة راقصين ويدور على موسيقى كوتي الصاخبة بطقس أقرب إلى الصلاة، وهو الأمر الذي كان يفعله كوتي عندما يبدأ عروضه بنوع من الصلاة مع جمهوره، قبل أن يعزف موسيقاه التي يستهدف بها إيقاظهم من سبات الإذعان واللاجدوى. ويبلور لنا العرض من خلال أسلوب الرقص التعبيري، ما يعلن عنه عنوانه، وهو التخبط الذي تعاني منه دول القارة الأفريقية، أو بالأحرى الجنون الذي تتبدد عبره طاقاتها من دون هدف، أو بالأحرى من دون قصة ناظمة تقود خطى شبابها المترع بالطاقة والحيوية إلى خلاص. فالعرض أيضًا يسعى لتجسيد سيرة فيلا كوتي وثورته من ناحية، وما جرى في بوركينا فاسو من ثورة تطالب بالتغيير والحرية من ناحية أخرى. وهو يعي هنا، كما يقول لنا في برنامج العرض، مقولة "سلافوي جيجيك" الشهيرة التي علق فيها على الربيع العربي، "إنه ليس من الصعب أن تثير الجماهير للمطالبة بالتغيير، لأننا نعرف أن الكرنفال أمر يسير، ولكن الصعب والمهم حقًا هو ماذا ستفعل بعد الانتفاضة، وعودة الأمور إلى نسقها العادي؟".

ومن هنا كانت أهمية العنوان (بدون قصة/ هدف/ خطة يصيبنا الجنون)، والعناوين التالية في هذا العرض. لأن القسم الثاني يبدأ بعد استراحة قصيرة يتم فيها تغيير الإكسسوارات وجلب الكثير من المقاعد إلى الخشبة، بعنوان "نحتاج دائمًا إلى شاعر"، فبدونه لن نستطيع الإجابة عن سؤال جيجيك ماذا ستفعل بعد الانتفاضة؟ ثم يعقبه قسم بعنوان "الحرب طقس تطهيري" يستخدم فيه أجساد الراقصين ببراعة وإيقاع محسوب، تعقبه لوحة دالة بعنوان "أفريقيا موحدة/ أفريقيا مقسمة"، تجسّد مدى التوترات، وتبدد الطاقات التي ترهق كاهل القارة السوداء، وتعوق تقدمها. ندلف بعدها إلى قسم رابع بعنوان "يمكن للعربدة أن تكون غاية في حد ذاتها"، الذي يكشف فيه عما يدور في أوساط الشريحة الصغيرة التي تستأثر بثروات القارة، وتيسر نهب الغرب لها. وأخيرًا "ليس كل ما يلمع ذهبًا"، يسعى فيه للفت الانتباه لما وراء المظاهر الكاذبة، والبحث عن جوهر التحرر الذي تنشده أفريقيا والذي يتيح لكل المخلصين لها بحق أن يغيروا واقعها إلى الأفضل. فنحن هنا على العكس مما شاهدناه في عرض (فييستا) إزاء بنية درامية تركيبية تستخدم الماضي الذي يجسده القسم الأول المستلهم من فيلا كوتي، والذي يدور على وقع موسيقاه، لبناء تصور جديد لأفريقيا في حاضرها الذي يسعى الفنان إلى الفاعلية فيه. وهي بنية تعي أهمية عناصرها التعبيرية، فنجد أن القسم الأول كله/ الماضي/ استخدم فيه العرض اللونين الأبيض والأسود وحدهما، بينما حينما انتقلنا للقسم الثاني/ الحاضر/ دخلت إليه الألوان الزاهية، والإكسسوارات المتعددة. واستخدم فيه العرض عددًا من عناصر الفرجة المسرحية، وبناه على مجموعة من الحتميات المتتابعة التي أرادتها العناوين، وتخلقت منها الدراما، وقد استطاعت أن تدخل المشاهد في شبكتها، وأن تستولي على اهتمامه، وهي تتوجه إلى عقله بينما يستمتع بها بصره.

عودة للمسرح في أحسن تجلياته.. بيت إبسن


أعود الآن بعدما تريثت طويلاً عند عروض الرقص إلى المسرح بمعناه التقليدي. وقد شاهد في هذا المجال فضلا عن عرض (أنتيغون) الياباني المبهر، ثلاث مسرحيات أخرى بالمعنى التقليدي للمسرح، سواء أكان شعريًا كما في مسرحية موريس ميترلينك Maurice Maeterlinck (الأميرة مالين La Princesse Maleine)، أو نثريًا كما في مسرحيتي (بيت إبسن Ibsen Huis) لسايمون ستون Simon Stone (الباريسيون Les Parisiens) لمدير مهرجان أفينيون أوليفييه بي. وكان أكثر العروض الثلاثة إثارة للملل والضجر هو عرض أوليفييه بي، بالرغم مما أتيح له من إمكانيات كبيرة من حيث التصميم والممثلين. وهو عرض مأخوذ عن رواية له بالعنوان نفسه تمتد لأكثر من خمسمائة صفحة، ويحكي فيها مسيرته عبر شخصين (يمثلان الذات المنقسمة على ذاتها، أو متعددة التجليات) منذ أن وصل إلى باريس لأول مرة وهو في التاسعة عشرة من عمره عام 1984 قادمًا من مدينة غراس، المدينة التي كانت مدار البحث في رواية باتريك زوسكيند الشهيرة (العطر)، راغبًا في الدخول إلى عالم المسرح، وقد عاش فيها ثلاثين عامًا من دون أن يشعر أثناءها حقًا أنه أصبح باريسيًا. وظل غريبًا فيها، محتفظًا برؤية الوافد من الأقاليم، حتى انتقل منها للعمل في آفينيون، قبل ثلاثة أعوام. ويمتد الزمن في الرواية طوال هذه الأعوام الثلاثين وحتى 2014، وهو الزمن الذي يحاول العرض تغطيته، فيصيب المشاهدين بالملل مما به من تكرار.


أما أكثر العروض الثلاثة إمتاعًا وإثارة للعقل والمشاعر معًا، فقد كان (بيت إبسن). وهو عمل جاء للمهرجان من مسرح Toneelgroep في أمستردام والذي يديره إيفو فان هوفا، وبالتالي فإنه يتسم بالصرامة الدرامية، واقتصاديات التركيز المسرحي، وجماليات الصورة التي تميز بها هذا المسرح تحت إدارة فان هوفا. أما مبدعه ومخرجه سايمون ستون، الذي جاء من أستراليا، وتعلم في جامعة كمبريدج ببريطانيا، وأسس نفسه مسرحيًا في أمستردام، فيبدو أنه قد هضم البنية الداخلية لأعمال هنريك إبسن (1828-1906)، وكيف أنها كانت مشغولة بالتغلغل في أعماق الأفراد وتعرية تواريخهم و أسرارهم الدفينة، وتشريح نزعاتهم الراغبة دومًا في كل ما هو غير مباح، و الشغوفة بالتحكم في الآخرين أو السيطرة عليهم. إنه يعي أن إبسن في المحل الأول كاتبا أخلاقيا يعتز بقيمة الإنسان وقدرته على تجاوز ما تطرحه عليه الحياة من محن ومشاكل، ويمتحن معدنه من خلال اختبار مواقفه من القيم السائدة والمعايير المتغيرة معًا، وأنه أسس ما يعرف باسم مسرحيات القضايا Problem Plays التي تناقش كل منها قضية اجتماعية أو أخلاقية وتدير جدلاً اجتماعيًا أو فكريًا حولها.

وها هو ينسج على غرار ملهمه الكبير في الكتابة والإخراج معًا. لا يكتفي بأن يدير حواره التناصي مع عمل محدد من أعماله العديدة والثرية معًا، ولكنه يسعى إلى اقتناص الروح السارية في كل أعماله، وأن يدير عمله الجديد (بيت إبسن) في واقعنا المعاصر، وليس في القرن التاسع عشر كما كان الحال مع جل أعمال إبسن. فقد كان هدف إبسن الأساسي هو تعرية الواقع الاجتماعي وتشريحه على خشبة المسرح، بطريقة تقدم شخصيات إنسانية قادرة على البقاء في وعي المسرح وتاريخه العريق. فما كان من سايمون ستون إلا أن بنى لنا في ساحة فضاء ليسيه سان جوزيف الكبيرة، بيتًا من طابقين كل حيطانه من زجاج شفاف نرى كل ما يدور داخله من جميع الجهات، ووضع هذا البيت الكبير على محور دوّار تتغير معه زاوية الرؤية باستمرار، ويتيح للمشاهدين أن يروا ما يدور في غرفه الخلفية من أسرار حميمية، بنفس وضوح ما يدور أمامهم في غرفه الأمامية. وهو تصميم بارع يجعلنا نرى حتى ما يدور على السلم أثناء صعود بعض الشخصيات أو هبوطها، أو حتى انهيارها في الطريق بين الطابقين.


ولأن سايمون ستون لا يطمح في أقل من أن يقدم لنا "بيت إبسن"، كما يقول العنوان، فإنه قدم عالمًا مسرحيًا زاخرًا بالأحداث والشخصيات يمتد لأكثر من أربع ساعات، وكان إبسن مغرمًا في كثير من الأحيان بالمسرحيات الطويلة التي تستمر لأكثر من أربع ساعات، كما في (بير جنت) أو (عندما نبعث نحن الموتى)؛ وحرص على أن يجعل كل فصل من فصول عمله الطويل هذا أقرب ما يكون إلى الدراما المستقلة والمركزة معًا، ولكن كل الفصول تتكامل في بنية أعرض هي بنية الأسرة المعطوبة التي نتعرف على أربعة أجيال منها، وقد تشابكت قصصها وتقاطعت تواريخها. وكأننا بإزاء ثمرة شهية تتفتح كي نتذوق ما فيها، ولكن علينا دائما البحث عن بذرة العطب الثاوية في داخلها. فالمسرحية تستغرق من حيث زمن الأحداث ما يقرب من نصف قرن، منذ ستينيات القرن الماضي وحتى نهاية العشرية الأولى لهذا القرن. وقد استخدم في هذا المجال عناوين الفصول، التي تظهر بالحروف الكبيرة عادة فوق مدخل البيت، وهذا غير شريط الترجمة الذي يقدم لنا ما تقوله الشخصيات. ما يتيح للمشاهد معرفة طريقه وسط غابة التواريخ المتشابكة لأفراد هذه الأسرة وأجيالها المتعاقبة.


حيث يقدم لنا مسرحية أجيال أربعة تبدأ بجيل الجدة فريدريك المولودة في القرن التاسع عشر والتي عاشت حتى عام 1973، وابنتها جوهانا وابنها توماس وقد تزوج كل منهما وأنجبت جوهانا ولدا (سابستيان) وبنتا (لينا) وأنجب توماس دانييل، وفينسنت وكارولين. ثم نصل لجيل أبناء أحفادها الأصغر، وهو الجيل الرابع في المسرحية. ومع تعدد الشخصيات والأجيال والأزمنة، فقد حافظ العرض على بنية درامية إبسنية واضحة. تتبع مصائر الشخصيات في تشابكاتها المعقدة بوضوح باهر. تتكشف لنا فيه ديناميات العطب الذي يكمن في الداخل، ويدفع بعضهم إلى الغرق في سمادير الخمر، أو الوقوع في شراك الجنس بالمحارم، أو حتى في مباءة المخدرات والإيدز. وبرغم تعقد حيوات تلك الشخصيات، ودوران الزمن ليكرر ميراثًا مبهظًا من جيل إلى آخر، فإن العرض استطاع أن يصحب المشاهد معه ولا يفقده أبدًا، باستخدام العناوين كقواطع للفصول، والتحرك الحر في الزمن باستخدام العناوين نفسها لإخبارنا بأننا في زمن مغاير، وأهم من هذا كله بالاهتمام بجماليات المشهد، والوعي بمحتوى الشكل المسرحي، وأهمية مفردات المشهد وهي تتكرر، ولكنه التكرار الذي ينطوي على التغاير والاختلاف في الوقت نفسه، في تلك البنية الحلزونية التي لا تنغلق فيها الدائرة، وإنما تكرر نفسها على مستوى مغاير وبتفاصيل مختلفة، تثري التلقي، وتحول المشاهد إلى مرايا تنعكس عليها المشاهد السابقة أو اللاحقة، بصورة تثير المشاعر، ولكنها تحث العقل على التفكير في الوقت نفسه.


Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com / theatretafukt@gmail.com
Téléphone: (+212) 669279582
(+212) 667313882 - 654439945
Siège Social: Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes / Casablanca - Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـ فضاء تافوكت للإبداع © 2017
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL