Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
متابعات - تغطيات صحفية: تظاهرة 48 ساعة سينما بتونس - السبت, 16 أيلول/سبتمبر 2017 20:02
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: تطوان بعيون شبابها سينمائيا - السبت, 16 أيلول/سبتمبر 2017 19:24
مسرح - الفنون الدرامية: بحوث ملتقى الشارقة للبحث المسرحي - الجمعة, 15 أيلول/سبتمبر 2017 11:22
أخبار - منوعات - إصدارات : ثلاثون بحراً للغرق لقاسم حداد - الجمعة, 15 أيلول/سبتمبر 2017 11:10
أخبار - منوعات - إصدارات : مغربية تفوز بجائزة الأدب العربي - الخميس, 14 أيلول/سبتمبر 2017 11:44
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: تتويج فلسطيني بمهرجان البندقية السينمائي - الخميس, 14 أيلول/سبتمبر 2017 11:31
متابعات - تغطيات صحفية: جائزة "فيزا دور نيوز" - الخميس, 14 أيلول/سبتمبر 2017 11:17
متابعات - تغطيات صحفية: "إت" يتصدر الإيرادات في أميركا - الخميس, 14 أيلول/سبتمبر 2017 11:02
مختارات - كتابات - مواضيع: الممثلة العالمية سالي فيلد - الخميس, 14 أيلول/سبتمبر 2017 10:52
مسرح - الفنون الدرامية: إعلان شراكات مسرح محمد الخامس - الأربعاء, 13 أيلول/سبتمبر 2017 20:05
Blue Grey Red

الغروتيسك في المسرح (1-2)

PDF | طباعة | أرسل إلى صديق

الغروتيسك في المسرح (1-2)

بقلم الكاتب والناقد الأردني منصور عمايرة

قد يتشكل الغروتيسك Grotesque، وهو يتمثل على مستوى الهيئة والفكر، كرؤية أنثروبولوجية، وذلك بالنظر إلى كيفية حياة المجتمعات الإنسانية، وطرق عيشها التي تمثل الأبعاد الثقافية المتعددة، كالكتابة والطقوس الدينية، والرسوم، والمعرفة، والتواصل المعرفي مع المجتمعات الأخرى، ليندرج الغروتيسك في البعد الأنثروبولوجي العام Anthropologie والإثنوغرافي Ethnographie لمجتمع ما، و الإثنولوجي Ethnologie لمجتمعات متعددة، فالأنثروبولوجيا تشمل جزئيتي الإثنوغرافيا والإثنولوجيا.

وبما أن ثقافة المجتمعات الإنسانية تمثل رؤية وجدلية على مستوى الدين واللغة والتكيف الاجتماعي، فهي لا بد أنها ستدخل في بنيات التصور والتعبير الأدبي والفكري للإنسان، وهذا ما يعبر عنه بطرق عدة، منها الكتابة إذا ما توافرت في ذاك المجتمع، ومنها البعد الشفوي لنقل معارف وتجارب المجتمع وعاداتهم وتقاليدهم من جيل إلى جيل للحفظ والتدارس، ومنها ما يعبر عنه بطرق طقوسية كالرقص والغناء والتمثيل، وقد يتعدى ذلك إلى حالة طقسية تتمثل بالشعائر والتعاويذ.

والغروتيسك بعد تلك النظرة، اهتم به المجتمع الحديث لدراسة الحالة الإنسانية المتشكلة عبر الزمن، في إطار البيئة المكانية والزمانية، ومدى تأثر العلاقات وتشكلها مع مجتمعات أخرى، وكيف تأثرت وأثرت فيها، فالغروتيسك يتجاوز حالة البعد الفردي للإنسان، وحالة البعد البدائي، فالعلاقات بين المجتمعات وإن كانت قديمة فهي تبدأ بعد تفاهم واحترام فيما بينها.

والغروتيسك عندئذ لا بد أنه سيتحول من مفهوم شكلي إلى مفهوم ثقافة وتعارف بين المجتمعات، فلم تعد تلك التصاوير التي تمثل التعويذة، ولا تلك الحروف والرسوم التخطيطية حالة طقسية، بل هي حالة معرفية، ولذلك فإن الحديث عن التشوه والقبح قد يكون نظرة اعتباطية، لأنها أكثر قصورا من ولوج لب الرؤية الثقافية للإنسان في مجتمع ما.

ولأهمية الدراسة في مجال الآداب والفكر والثقافة العامة في العصر الحديث، تهتم الدراسة بالغروتيسك في المسرح، فالمسرح قديم، إذا ما نظرنا إلى تلك الطقوس والتعابير القديمة التي واكبت تطور الإنسان، ولذا فالمسرح نوع أدبي و معرفي إنساني يتمثل فيه الغروتيسك، ونستطيع أن نتبينه من خلال البعد التعبيري، وتحولات التعبير التي تبين عن حالات انفصالية بين رؤية تعبيرية وأخرى، والدراسة تهتم بمفهوم الغروتيسك في إطار التحول الفرجوي المسرحي.

مقولة الغروتيسك ذات بعد جمالي، تحتكم للمنطق وربما تحتكم إلى ثنائية المنطق والعاطفة، وما دام هو كذلك فهو حالة تتموضع في إطار التأويل، واستدراج الرؤى للحكم على ما توصل إليه الفكر الإنساني، في كل مستوياته الإبداعية، فهذا الفكر يتواجد في الشعر والنثر، وفي المسرح النص والعرض، والعرض يبين عن حالة تجسدية، تجعلنا نتناوش الغروتيسك في محاولة كبرى للقبض عليه، وهو يتفجر بما لديه من مكنونات جمالية، تجعل النص والعرض المسرحي يبدو بحالة جدلية، وعليه، فإن الغروتيسك يرفض التمحور في إطارية شكلية جامدة، قد تجعله غفلا إلا في إطار هذا قبيح وهذا مشوه وهذا عجيب وهذا غريب وهذا مدهش وهذا لا معقول، وغيرها من المسميات التي لا تسعف الرؤية النقدية المسرحية، بقدر ما تجعلها في حالة ركامية حسب.

وقد طرح الموضوع و بدراسات حديثة في الغرب ولدى العرب، ولكنها تبدو تلح من دون هوادة على الصيغة الهيكلية، والتي تجعل الغروتيسك جسما متكلسا وكأنه خاوي الروح، وهذا ما نلمحه بدءا من التعريف والعودة بجذور الكلمة إلى الإيطالية، وهناك من ربطها بمسميات منها على سبيل المثال المسمّى العربي الأرابيسك، وكل هذه الملحقات للاسم، لتعطيه دلالة أكثر قوة ظلت رابضة في إطارية الشكل الهامد.

وتبدو أن المرجعية متشابهة في مجمل تلك الدراسات التي وقفت عليها، وبعضها يستند على بعض، وقد أجدها أكثر في كتابات النقد المغربي، وأشير إلى حسن المنيعي، كمترجم لموضوع الغروتيسك لمارتن فان بورن، وقد أخذ الآخرون من المنيعي في هذا الإطار مثل لطيفة بلخير في كتاب اشتغال الجسد الغروتيسكي في المسرح وأدبية النص الدرامي، وأخذ كذلك صلاح الدين جباري في كتاب بلاغة الغروتيسك، ونحن نشير إلى الكتابين نؤكد أن هناك اختلافات في محتوى كل دراسة من الدراسات المعروضة، وهناك أوجه شبه، وخاصة أن الحديث عن الغروتيسك ينسب إلى جملة من الأدباء والكتاب المسرحيين والفلاسفة والنقاد.

تبدو الوقفة الأولى دائما عند التعريف المعجمي كمتكأ أولي لكل ما يستغلق الفهم أحيانا، ومحاولة تفكيك المصطلح، للوصول إلى حالة من الطمأنينة حول ما سيعزز البحث والدراسة فيما بعد، ولكن الأمر في المصطلح، ومهما أسعفته الرؤية المعجمية يحتاج إلى تنوير اصطلاحي يتوقف عند برهنة وأدلة، وهي بالتالي عرضة للنقد والاستقراء، لتكون الدراسة أكثر جدية وجدلية في الوقت نفسه.

ثم نجد المحاولة الدائبة نحو تاريخية المصطلح، فتسعى الدراسات لتقعيد التاريخ كمتكأ آخر تستند إليه الدراسة، ولكن الأمر قد يبدو صعبا في حالة الدراسات الأدبية، لأن اللغة هي مرتكز أساسي في الدراسات الأدبية، واللغة تبقى لغة تتساوق دائما مع اختلافات طفيفة، نتيجة لمحاولة ولوج عوالم اللغة كلما مر الزمن، وهو يكشف لنا عن أحفورة تاريخية جديدة، يتوقف عندها الجميع، الفلاسفة والكتاب والأدباء والفنانون، ولكنها قد تشغل أكثر ما تشغل الفلاسفة، والكتاب والأدباء أيضا، لأن الأمر بحاجة إلى ارتاهانات كركائز أساسية تستند إليها المقولات المتعددة، ولكن الفن قد يرتهن إلى حالة التشكل في إطارية لوحية مثلا، حيث تكون كرؤية أخيرة تتوقف عند الشيء الموصوف بواسطة الألوان والأصباغ والإبداع.

في المادة التاريخية، نجد أن مصطلح الغروتيسك ولج الحياة الأدبية والنقدية والفلسفية والفنية والانثربولوجيا في « نهاية القرن الخامس عشر سلطت بعض الحفريات الأثرية الأضواء على رسوم تمثل كائنات إنسانية ونصف حيوانية ونباتية(1) ويؤكد هذا التاريخ معجم دليل الناقد الأدبي فيرد بتفصيل الحديث عن القبح « Grotesque « وهو يشير إلى هذا التاريخ « والكلمة في أصولها الإيطالية تعود إلى اللوحات الجدارية التي كشف عنها التنقيب الأثري في روما حوالي العام 1500 م، والقبح لغويا جاء من مفردة « الاسم « الإيطالية التي تعني الكهوف»(2)

في كتاب بلاغة الغروتيسك، المطبوع في العام 2010، يذكر أن الاسم « ارتبط باكتشافات القرن الخامس عشر المتعلقة بالتصاوير الجدارية fresque (3) وفي هذا الاتجاه نجد كتاب بلاغة الجسد وهو يشير إلى المصدر الموسوعة الإيطالية «ويعود أصل الغروتيسك إلى الحضارة الرومانية، حيث تم اكتشاف بعض الغرف داخل الكهوف الطبيعية أو الصناعية في البنايات الرومانية، خلال الحفريات التي أجريت خلال بداية القرن السادس عشر»(4) من خلال النظر في هذه الدراسات تؤكد على تاريخية المصطلح كمنطلق للدراسة الآنية، ولكن الأدب لا يعترف بمنطلق آني، فهو ذو قراءة استرجاعية، ولهذا ليؤكد ماهية الغروتيسك، سيرجع إلى الكثير من الإشارات التي ستؤكد هذا المصطلح وإن لم يكن معروفا بهذا الاسم، فيقترب منه العيب والفانتازي على سبيل المثال، وهذا ما يقودنا إلى المرجعية القاموسية للمصطلح حيث يشار إلى أنه أخذ من « الإيطالية غروتا Grotto «5 وهذا المعنى يتداول عند آخرين « تتحدث الثقافة الغربية عن مصطلح الغروتيسك Grotesque انطلاقا من عملية لغوية اشتقاقية من مصطلح Grotto التي تعني كهف أو مغارة أو سرداب»(6) وكذلك نجد هذه الإشارة المعجمية « لفظ غروتيسك لفظ إيطالي La grottesca-grottesco .(7)

وهناك اتفاق على المعنى القاموسي للكلمة ففي قاموس المورد « grotesque الغَرْتَسْك: فن زخرفي يتميز بأشكال بشرية وحيوانية غريبة أو خيالية متناسجة عادة مع رسوم أوراق نباتية، وشيء غريب على نحو بشع أو مضحك، خيالي غريب، متنافر على نحو بشع متسم بالإحالة أو البشاعة، مغاير لكل ما هو طبيعي أو متوقع أو نموذجي . وجاء بمعنى grotto مغارة، غار، كهف طبيعي أو صنعي.(8)

إذا ما أخذنا مفهوم الغروتيسك من معناه الدال على الكهف والمغارة، فهو ذو دلالة على الشكل والهيئة. ونجد أن اليونان اتبعوا التراجيديا الثلاثية بمسرحية ساتيرية «وهي موضوع شبه رومانسي يعتمد على الجروتيسكية ويتناول الآلهة والأبطال ويكــــاد يشبه المسرحية التهريجية*»(9) من هذه الإشارة نستدل على أن الغروتيسك استخدم دلالة على التهكم والسخرية. وقد جاءت هذه المسرحية بهذا الإطار بعد الثلاثية التراجيدية لإزالة الخوف وهي تسخر من الآلهة والأبطال.

وبالحديث عن الدراما الإغريقية وبالإشارة إلى احتفالات ديونيسيوس نجد أنه كانت ترافقه في رحلاته مجموعة من الكائنات الأسطورية التي تمثل قوى الطبيعة، الساتيروي، والنساء الباخيات، السيلينوي، والكنتوري، وبمساعدة هذه القوى أقام الأغريق مهرجانات دينية عديدة لديونيسيوس، وتقام الرقصات وتؤدى الأغاني تكريما للإله ديونيسيوس، والتي تتناول مراحل حياته بأسلوب غنائي و بواسطة التنكر والمحاكاة بالكلمة والحركة… والمغنون يتنكرون على هيئة ساتيوري، أو أية جماعة من أتباع ديونيسيوس السالفة الذكر، لكي يجعلوا الأحداث التي يسردونها أقرب إلى التصديق والحيوية، ولقد ظلت المسرحية الساتيرية تحتفظ بهذا الشكل التنكري إلى النهاية، فهي تعد أكثر فروع الدراما قربا إلى أصلها الديوثرامب، وبهذه الصورة من الهيئة والملبس، كان أفراد الجوقة يرقصون في دائرة حول مذبح ديونيسيوس الذي ينبعث منه دخان الأضاحي والقرابين»(10) في هذه الفقرة نجد صورة عن الذين كانوا يرافقون ديونيسيوس في رحلاته، فالساتيروي متوحشون يسكنون الغابات، نصفهم آدمي و نصفهم الآخر حيواني. ويمثلون حالة الترويح عن الآلهة ديونيسوس، وهذا ما بينته الأشكال والحركات والطقوس. والنساء الباخيات، فتيات عذارى ذوات شعر طويل أشعث، يلبسن ملابس فضفاضة، ويرقصن و يلوحن بصولجان ديونيسوس السحري. والسيلينوي، يظهرون في الرسوم بأجساد ضخمة كثيفة الشعر، لهم ملامح تنم عن حالة السكر الدائم، ويمثلون فئة كبار السن. والكنتوري، يمثلون القوة الحيوانية وما تجسده من نشاط وخصوبة.(11) هذه الإشارة تشير إلى الغروتيسك وتعريف الغروتيسك، والذي أكتشف فيما بعد في الكهوف، وهذه الشخصيات التي يشار إليها بالحديث عن ديونيسيوس تبين عن الشكل والهيئة والتي تبدو أكثر من بعد تهكمي، لتعطي دلالات متعددة.

وبالرجوع إلى الفترة الزمنية الممتدة في الحضارات المختلفة، نجد أن هناك أشكالا وتماثيل تبين عن حالة اندهاش واستغراب وحالة عجائبية، فمن ذلك تمثال عين غزال ذي الرأسين في الأردن والذي يعود إلى حقبة تاريخية أكثر من «6000 ق.م» وكذلك نجد صورة مشابهة قد تنم عن حالة من التشكل بين العقل والقوة، وتلك هي الإشارة إلى تمثال أبي الهول والذي يشير إلى بعض من حكم مصر في القرن «26 ق.م.». وعليه، فإننا نستدل على أن غاية التشكل الغروتيسكي يرجع لتصورات ورؤى الشعوب، سواء أكان يتعلق ببعد طقسي وشعائر أو بأبعاد تقاليد اجتماعية قد ترتبط بالتعاويذ.

و لمسعى التوثيق وتحري دقة المصطلح، فقد بدأ البحث عن استخداماته والإشارة إليه « استعمل أولا في الفنون التشكيلية للإشارة إلى اللوحات المشوهة المعالم والعجائبية التي تذكرنا بالرسوم البدائية التي أبدعها جيروم بوش J.Bosh وبتريل برجل P.Bruegel أو جاك كالو J.Gallot »(12) وما ذكره حسن المنيعي تؤكده بالقول ذاته لطيفة بلخير وتزيد عليه « الذي لم يكن رساما وصفيا ولكنه كان كاريكاتوريا يلتقي في مجموعة من النقاط مع رسومات غويا Coya Lucientes»(13) وقـــد استطرد صلاح جباري في توضيح معنى الغروتيسك، ورسوخ المصطلح في المعاجم، ومنها معجم الأكاديمية الفرنسية، حيث أشار إلى المعنى المجازي للمصطلح «مضحك، شاذ، خارق، كسوة غروتيسكية .. حوار غروتيسكي، مظهر غورتيسكي، خيال غروتيسكي، نمط غروتيسكي (14) وتشير الدراسات التي ذكرت إلى تتبع المصطلح منذ الرومانسية، وتشير إلى الكتاب والأدباء الذين أشاروا بالنقد إلى هذا المصطلح مثل هوغو في مقدمة مسرحية كرومويل، وتشير إلى الشعر السوريالي، وفي المسرح إشارة إلى بيكت ويونسكو وبرخت، وفي الرواية كافكا، وغومبروفتس الذي يعد أكبر مجسد للغروتيسك… والإشارة كذلك إلى باختين.(15)

تعريف الغروتيسك:


و تأكيدا للمعنى المعجمي و للزمنية التاريخية، ستكون هناك وقفات تعريف بالمصطلح، وبعضها يؤكد صعوبة تعريفه لتغير معانيه من حقبة لأخرى، وهوجو يصفه بأنه نمط جديد يقتحم القصيدة مشترطا المسخ والتشويه … والجميل نمط واحد، والقبيح ألف، وهو شكل من أشكال الضحك ولكن الضحك المغتم والكئيب.(16)

وبعضهم أشار إلى أكثر من هذا الوصف وهو يتحدث عن القبح حيث « يستثمر في كل ما هو هزلي، مقزز، مشوه، غير طبيعي، عبثي،… والسخرية السوداء»(17)

والقبح يندرج في إطار الفن، فالبعض يبين أن هدف الفن الجمال، وهل نستطيع زحزحة القبح من إطار الفن؟ فالقبح « لم يستبعده الفنانون دائما من أعمالهم، و إدخاله للعمل الفني يعطي قوة للعمل الفني وعمقه… ولكن الجمال عرف بأنه امتزاج مضمون العقل بالمجال الإدراكي»(18) إذا ما كان الجمال يمثل متعة استطيقية، فإن القبح يمثل « الألم الاستيطيقي، الاستياء الاستيطيقي».(19)

ويبـــــدو قول هنري بينك وهو يتحدث عن الغروتيسك بأنــه « النوع الذي في ارتباطه بالآخر الرفيع يخلق الحقيقة»(20) وهنا يبدو التعريف وكأنه يبحث عن الاستقرار، ولكن الأدب والفن « المسرح» هو محاولات جادة لفهم الحياة لنعيش فيها كما يتواءم مع إنسانيتنا أولا، ومع قيمنا الاجتماعية ثانيا، مع أفكارنا التي تقربنا لفهم أنفسنا ومجتمعاتنا ثالثا، ولكن المسرح لا يبحث عن الحقيقة كما يتوهمها البعض من خلال الواقع المعاش، وقد يطرح سؤال كبير هل الواقع المعيش هو الحقيقة؟ لو كانت الإجابة بالإيجاب لجوزنا لكل لص سرقتنا على سبيل المثال، و لجوزنا لكل فاسد أن يسفك البشرية ويفسد الأرض، وهذه إشارة قرآنية عظيمة نستدل منها على كرامة الإنسان ووجوده.

إن جمالية المسرح تبين عن فن وعن فكر يستدعي فكرا آخر، فالمسرح يفتح سؤالا لأنه بحث أصلا، والبحث ذو صفة دينامية، وهنا يمكن أن نستدعي مقولة « أعذب الشعر أكذبه « مع الاختلاف بين الشعر والمسرح، الشعر غالبا غنائي، والمسرح ليس كذلك، لأن ما يعنيه بنية المجتمع وبكل توهمه، بقضه وقضيضه، بنقصانه وكماله المتوهم، وهذا الاستدعاء للخروج من إطارية السكون، والبحث عن إطارية متحولة.

ومن غير المعقول أن نستدرج المسرح إلى الحقيقة وغير الحقيقة، وهنا ربما يشار إلى مسألة الفن للفن، ومسألة أخرى أهم منها، هي مسألة الالتزام بقضايا الإنسان والمجتمع ومسؤولية الكاتب والمسرح تجاه المجتمع.

وتبرز مرة أخرى صورة ثنائية الواقع والحقيقة، وربما ينطبق على الواقع ما ينطبق على الحقيقة، وكأن الواقع حالة متوهمة أيضا، فنجد من يفعل هذا ويتنكر له في الوقت ذاته، وهنا نلمح المخاتلة والتي تفصم الواقع و تفصم الحقيقة، فالمخاتلة حالة تشظٍ وهي حالة نمطية تبرز للعيان في ثنايا الحياة الإنسانية باطّراد.

ولكن تعريف هوغو مرة أخرى للغروتيسك، يبين عمّا هو أكثر بكثير من مجرد الشكل والهيئة والعجيب الجامد، فهو يبين بأنه «مرافعة لصالح التغريب وإزالة القداسة عن القيم وإحداث شك لينتهي العمل على تشويش الاستعمالات التقليدية للكوميديا والتراجيديا»(21) هوغو يتحدث عن ارتجاج الرؤية لدى المتلقي. إن إشارات هوغو وبعيدا عن الهيكلية للغروتيسك نجد أن الغروتيسك ليس نمطيا، بل يجب علينا أن نرفض هذه النمطية البغيضة، إنها إحداث الفجوات، هذه الفجوات هي التي تعبر عن ماهية الأحداث المحملة بالرؤى والأفكار، فليس الغروتيسك حالة ضاحكة تصل إلى درجة الميوعة، بل إنها حالة جادة تصل إلى تثوير عقل المتلقي، فمن المعيب أن نتوقف عند المسرحية كغروتيسك نمطي، هيئة جامدة فارغة تنتهي وتتوقف عند ضحكة بلهاء أو تهكم وسخرية، فليس هذا هم الغروتيسك، الغروتيسك حالة انفصامية تماما بين ما حدث/ ويحدث وما سيحدث.

ومرة أخرى نجد أن باختين يتقوقع في دائرة السخرية والتهكم، وهو يتحدث عن الغروتيسك كشكل وهيئة ما تتوقف بعد الضحكة أو السخرية، ويبين ذلك الفرنسي ميشيل كورفان Michel Corvin بالحديث عن غروتيسك باختين « ارتبط عبر التاريخ بالكرنفال أي في الوقت الذي يعمد فيه الشعب لوهلة من الزمن إلى عدم الخضوع للسلطة والتخلص من الإكراهات والضغوط الاجتماعية»(22) لكن الغروتيسك هنا حالة مؤقتة زمنيا بانتهاء هذا التهريج الكرنفالي، وهو لا يحمل على محمل الجد، وبالتالي فما هي الماهية التي يستفهمها؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يرتهن إلى هذا التفسير الضبابي؟ فسرعان ما ينقشع بعد ولوج خيوط الشمس جدارياته. وما هو الحدث الذي يشكل الشرخ الذي يجعلنا نطرح تساؤلا يميز ما قبل وما بعد؟ فالكرنفال قد تشترك به السلطة أيضا، إلا إذا اعتبرنا أن السلطة هي حالة كرنفالية دائمة، وبما أنها كذلك فهي محط انتقاص دائم بصورة السخرية، ولكن السخرية لا تبحث عن جواب ولا تطرح أصلا سؤالا، وعليه، فإن الكرنفال لا يختلف كثيرا عن الطقس الاحتفالي، فكلاهما حالــة نمطية سواء أكان مقدسا أو فرجة وتسلية.

وعليه، فإن باختين يلجأ إلى تقسيم ثنائيات غروتيسكية، مثل مقدس ومدنس، هذا ما ينطبق على النمط ، فالمقدس يمثل «التابو taboo»، والمدنس يمثل «التابو» أيضا، فهما نمطان، وهذا ما يتنافى مع الغروتيسك كتحول، فالغروتيسك يتحدث عن ثنائية ومهما انقسمت إلى جزئيتين فهو يشير إلى حالة تحويلية، وليست نمطية، بل يتشكل ليؤسس رؤيا أخرى، وهذه الرؤيا هي التي تفتح أسئلة، و صراعا جدليا مع الذات والآخر.

إن تفسير الحياة ربما يكون من شغل الفلاسفة والحكماء، ولا ننسى الدين، والفن يجب أن لا يشغل نفسه بالتنافي أو التوافق مع كل الأسس الحقيقية للحياة، أو الباحثة عن تقعيدها بطريقة رياضية، وهذا لا يعني أن الفنون غير ملتزمة، لأن الفنون هي وليدة المجتمعات الإنسانية ضمن دائرة لا تنفلت من عقال المجتمع، عندئذ قد يصبح الفن مدمرا، وهو عكس رغبة الفن الذي يبحث عن فهم الحياة، ليتعايش الإنسان بها، ولكن برؤية دينامية جدلية، ولكن الفن والأدب والإبداع لا يفسر الحياة بقدر ما يستدعي تفهمها، فتفسير الحياة للوقوف على الحقيقة كواقع في ظل الحياة الطبيعية، يجعلنا نصرح بأنه لا فائدة من الفنون الفكرية والأدائية، فما القيمة من عرض ما هو مكرور بشكل يومي، و بكل تناقضاته حيث تبدو التناقضات حالات شكلية نمطية مكرورة، ولكن الفنون هي التي تصور لرؤية جمالية تساعدنا على أن نتجادل ونتحاور، إنها محاولة للفهم وليس الحقيقة، فتلك الماهية تدعو الإنسان ليتفقد مقدرته على استعمال الحواس، فالحقيقة تشي بالثبات، حالة سباتية، ولكن الفنون حالة جدلية تحفزنا لنكون بوتيرة جديدة دائما، ولكنها ليست نمطية.

وإن كايزر يبدو له موقف مغاير من حقيقة باختين وهو يرى الغروتيسك حقيقة، وكايزر يبين أن الغروتيسك «يظهر في الأحاسيس المفزعة حيث تتوارى كل حقيقة، وتصبح غريبة بالنسبة لنا»(23) وهذه الحقيقة التي تتوارى كما يقول كايزر هي التي تدفعنا إلى حالة الخروج عليها، لأنها مرفوضة وباتت تمثل عائقا أمام رؤية تشاركية، وقد تبدو مسرحية بيت الدمية الدليل على ذلك.

حال الغروتيسك:
وبعضهم وضع سمات للغروتيسك و تمحورت حول أربع سمات «النشاز وعدم التناسق، المرعب والهزلي، الإسراف والمغالاة، التشويه الخارج عن المألوف»(24) وتبدو الغاية من هذه السمات التأكيد وراء التأكيد على ما يثار حول الغروتيسك، وتعرضت الدراسات إلى قوالب يتشكل منها الغروتيسك، مثل المسخ، و الاختلاف الشاذ، و الانحلال والذوبان والعملقة والتقزيم والتأليه، والتهجين، والعكسوالقلب، السكاطالوجيا « الكتابة البرازية « وهنا الإشارة إلى الأطراف في الجسد الإنساني،(25) ولكن المسخ وهو يبدو حقيقة وواقعة، نمط طبيعي حياتي ويومي، ويتشكل في الحياة من صور متعددة تبين عن الزيادة أو النقصان أو الاضطراب، بحيث لا نستطيع التمييز ما بين الزيادة والنقصان في تلك الحالة، الكل زائد والكل ناقص، وهذا ما يمثل الحالة الاضطرابية، وهنا ربما يمثل حالة هذيانية قريبة من الجنون أو هي هو. والاختلاف الشاذ يتمثل بقول القزويني الذي يصفه بأنه الغريب وهو كل أمر عجيب مخالف للعادات المعهودة والمشاهدات المألوفة…(26) وهذا القول للقزويني نستدل منه على أن الغريب وهو الغروتيسك هنا، يبين عن الهيئة والشكل، والغريب مرة أخرى حالة نتاجية في الطبيعة، ويرى في كل الأوقات وهو يعبر عن حالة من الاندهاش. والتأليه يستدل منه على أنه سلوك يصبح متجذرا في الإنسان، بحيث يشتغل كآلة من دون استدعاء الإحساس، ومن خلال هذه القوالب، نجد أنها تتعلق كلها في الحالة الجسمية للإنسان، ولكن الغروتيسك هو ليست حالة جسمية، وإن بدا كذلك، فهو أيضا حالة فكرية مشوهة، تندرج في إطارها القيم والسلوكيات الفكرية، والنابعة أحيانا كثيرة من أيديولوجيات أو معارف اجتماعية تأخذ دور المعتقد، وهذا هو الذي يجعل من الغروتيسك تشويها بعيدا عن النمطية، بل هو التشويه الفكري، ولكنه لا يلوذ بالقالب، بل يبدو متحررا من قيود الهيئة والتشكل إلى دائرة إحداث التغيير، وهذا هو المفهوم الذي نسعى إليه من خلال دراستنا للغروتيسك المسرحي. وبالنظر إلى التهجين كقالب غروتيسكي، فهو حالة مزجية، بين الضد والضد، والقالب هو حالة استبدالية، مكان الرأس يصبح مكان القدمين، وكل هذه القوالب تدل على نمطية مشوهة، وقد وجدت في الطبيعة ومن خلال نمطية تشكل الطبقات الاجتماعية أيضا، ولكنها حافظت على قالبيتها، والغروتيسك وهنا الحديث عن المسرح يتنافى مع هذا القالب المستبد، فلا مكان للطغيان في المسرح، ولذا فإن وسم الغروتيسك بحالة نمطية وهيكلية مجافاة لماهية الفنون التي تسعى لتنوير الفكر الإنساني من خلال الجدلية، وهذه الجدلية قد تتوافق وقد تستمر بالخلاف، وخلافها استمرارية بفتح شهوة الأسئلة التي لا تنتهي.

 

Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P : 16113 - Casablanca Principale. Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com / theatretafukt@gmail.com
Téléphone: (+212) 669279582
(+212) 667313882 - 654439945
Siège Social: Complexe Educatif Hassan II Pour La Jeunes / Casablanca - Maroc

تابعنا على Facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـ فضاء تافوكت للإبداع © 2017
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL