Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مواعيد فنية - ثقافية: برنامج الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 11:24
مسرح - الفنون الدرامية: فنانو الدراما بالمغرب بمجلس النواب - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:04
متابعات - تغطيات صحفية: بلاغ الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 29 نيسان/أبريل 2019 10:30
مواعيد فنية - ثقافية: موسم السينما الصينية بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 18:14
أخبار - منوعات - إصدارات : روائع الفن الانطباعي العالمي بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 13:09
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: فيلم المنتقمون: نهاية اللعبة - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:21
متابعات - تغطيات صحفية: بيتر بروك يفوز بجائزة أستورياس - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:06
بحوث - مقالات - دراسات: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 3) - الثلاثاء, 23 نيسان/أبريل 2019 19:14
مختارات - كتابات - مواضيع: اتجاهات نقدية معاصرة - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 09:40
مواعيد فنية - ثقافية: ندى الحاج ببيت الشعر في المغرب - الجمعة, 19 نيسان/أبريل 2019 11:09
Blue Grey Red

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 3)

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 3)

تقديم

تشرع مجلة تافوكت للفنون والإبداع في تجميع ونشر مجموعة مقالات مستقلة أو عبارة عن سلاسل بحوث أو دراسات تعنى بالمسألة الأمازيغية في كل تجلياتها وبكل تشعباتها وبشكل عام يشمل كل المناحي و من كل الزوايا مع استقراء طروحات مختلف وجهات النظر. وذلك تنويرا للباحثين والقراء عموما… ولا يفوتنا في مجلة تافوكت للفنون والإبداع شكر جميع المصادر والكتاب.

مرحبا بكل الأقلام والآراء والبحوث بهدف إغناء ساحة النقاش والمعرفة فيما يخص المسألة الأمازيغية.

توطئة خاصة بسلسلة: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي

يسود الاعتقاد عند المثقفين عموما، بل حتى عند بعض الباحثين المتخصصين، بأن الحديث عن المسألة الأمازيغية إبان عهد الحماية إنما يعني أساسا الظهير البربري بتاريخ 16 مايو 1930. وهذا الاعتقاد خاطئ لا محالة، لأن ظهير 1930 لم يكن في الواقع إلا تتويجا ونتيجة حتمية لمسلسل بدأت الإيديولوجية الكولونيالية في رسم حلقاته منذ أمد بعيد؛ وهو ما يسعى إلى تبيانه الدكتور الطيب بوتبقالت في هذه السلسلة التي ننشرها في 10 أجزاء كل منها يتكون من 3 عناوين رئيسة... عن هسبريس التي نشرتها في 30 حلقة.

بقلم أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال الدكتور الطيب بوتبقالت

حملات تنصير المغاربة

لما بدأ المستعمر الفرنسي في تطبيق سياسة «فرق تسد» بين أفراد الشعب المغربي كان من الطبيعي أن يلجأ إلى كل السبل المتاحة والممكنة من أجل الوصول إلى الأهداف التي رسمها في إطار مخططه العدواني. وقد وجد في العامل الديني أحد مرتكزاته الدعائية التخريبية، لذلك لم يتردد لحظة واحدة في إقدامه على محاولة زرع التشويش العقائدي والبلبلة الروحية عبر تشجيعه الماكر لقضايا التبشير ومساعي التمسيح في عمق الأوساط المغربية المسلمة.

والواقع أن تراكمات الماضي من أفكار نمطية وما خلفته المواجهات التاريخية من تطرف ومغالاة مبنية على خلفية من الانتماءات الدينية جعلت السياسة الكولونيالية ترتمي في أحضان الكنيسة، بالرغم من تظاهرها في كثير من الأحيان بالعلمانية. ومن الافتراءات المشهورة والتهم الكاذبة التي ما فتئت الدعاية الغربية تروجها منذ الحروب الصليبية تلك التي تدعي أن الإسلام قام وانتشر بحد السيف وليس بالإقناع والاقتناع، وأنه دين التعصب والتطرف واللاتسامح، وأنه مبني أساسا على العنف وكراهية الآخر. فإذا كان لهذه المزاعم أساس من الصحة، ولو بنسبة ضئيلة، كيف يمكن إذن فهم الحضارة العربية الإسلامية التي كانت في أوج عظمتها وقوتها ومع ذلك تركت اليهود والنصارى أحرارا يتعبدون في كنائسهم ومعابدهم في دار الإسلام؟ الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الإسلام دين التسامح والتعايش واحترام الآخر في مظهره وعقيدته، وأنه لا إكراه في الدين، وأن الحوار السلمي مع أهل الكتاب "بالتي هي أحسن" هو القاعدة العامة بينما تبقى المواجهة العنيفة مجرد استثناء.

ولا يهمنا هنا عرض إشكالية كيف تمكن الإسلام من دخول قلوب المغاربة الذين اختاروه وفضلوه على الديانات التي كانت سائدة في المغرب قبل ظهوره، بقدر ما يهمنا المشروع الكولونيالي الذي سخر الإرساليات المسيحية لأغراضه وأطماعه التوسعية تحت رداء "المحسن الكريم". وقد سبق لنا أن خصصنا 30 مقالا تحت عنوان: "تطور العلاقات المغربية - المسيحية من العصر الروماني إلى نهاية القرن العشرين"، وهي سلسلة نشرتها الجريدة الإلكترونية هسبريس عبر حلقات يومية خلال شهر رمضان الكريم لسنة 1437.

تجديد النشاط التبشيري

وللتذكير فإنه منذ مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، كانت طائفة الرهبان الفرنسيسكان التابعة للمذهب الكاثوليكي تقوم بنشاطها الديني داخل المغرب. وتحديدا يبدو أن سنة 1219 كانت البداية الفعلية لهذا النشاط. ولم تفلح عناصر هذه الطائفة في اختراق المجتمع المغربي المسلم، بالرغم من كل ما بذلته من مجهودات مستميتة من أجل ذلك. ومع تراجع مكانة المغرب على المسرح العالمي وتنامي النفوذ الغربي بصفة عامة، بدأت رياح التنصير تهب بشدة على البلاد.

وهكذا، أسس البابا كريكوار الخامس عشر في سنة 1622 جمعية رهبانية بهدف نشر المسيحية في «بلاد الكفر» واعترفت هذه الجمعية سنة 1630 بـ«إرسالية مراكش» التي تم وضعها تحت إشراف الطائفة الفرنسيسكانية. وقد تم تكليف رهبان الابرشية الإسبانية في سان دييكو بتدبير شؤون "إرسالية مراكش".

ولما تدهورت أوضاع البلاد إلى حد لم يعد في استطاعتها الحفاظ على السيادة الوطنية، وقع المغرب في سنة 1859 معاهدة يعترف بموجبها رسميا بهذا النشاط الفرنسيسكاني. وكانت الإرسالية آنذاك تتكون من أبوين كاثوليكيين فقط. وبعد إذن من الحبر الأعظم قام الكاردينال المسؤول عن الجمعية الرهبانية بتعيين مدبر رسولي لإرسالية «مراكش، تطوان والصويرة»، وكان ذلك يوم 15 دجنبر 1859. ويعد الأب جويسبي انطونيو صباطي أول مدبر رسولي يحصل على هذه الصفة رسميا مع الصلاحيات التي تمنحها الكنيسة الكاثوليكية في هذا الإطار، ومعنى ذلك أن الهيئات الكاثوليكية العليا بدأت تهتم بمستقبل المسيحية في المغرب.

ومما تجدر الإشارة إليه هو أن المشروع التنصيري عرف بدايته الفعلية في شكله الجديد المتمثل في التحالف الموضوعي الإمبريالي المسيحي غداة احتلال الجزائر. نعم، كانت سياسة التوغل الاستعماري تعتمد قبل كل شيء على المدرسة وتوظيفها كوسيلة فعالة في نشر وتثبيت نفوذ الهيمنة؛ لكنها في الوقت نفسه لم تكن تعني بهذا التوجه إغفال ما قد توفره لها الحملات التبشيرية من تسهيلات إضافية، وهو الشيء الذي رحب به رجال الكنيسة من الوهلة الأولى، لذلك وجب الحديث عن التحالف الموضوعي بين الطرفين. وفي تقرير أعد سنة 1885 حول الجزائر، تناول هرمان كروكر هذه النقطة مستخلصا ما يجب على الفرنسيين القيام به: «لم تكن المحاولات التمدينية الاجتماعية المحضة بالجزائر ناجحة، لأنها واجهت الإسلام واحترمته، ومن هنا نستخلص أن المسألة الجزائرية مسألة دينية، ويبقى السؤال المطروح هو: من ذا الذي يجب عليه محاولة حلها من غير المسيحيين الفرنسيين؟"..

شارل دو فوكو ولورتشندي

بعد احتلال الجزائر أصبح المغرب حقلا للاستكشاف والاستطلاع بالنسبة إلى المشاريع التبشيرية التابعة للاستعمار الفرنسي. وهكذا، غادر طنجة يوم 20 يناير 1883 شاب في حوالي الخامسة والعشرين من عمره، على ظهر بغلة وكان متوجها إلى تطوان ويدعي أنه يوسف علمان، حاخام الجزائر. تنقل هذا الشاب في جهات مغربية زهاء سنة كاملة تقريبا، أما هويته الحقيقية فهي الأب شارل دو فوكور المعروف منذ ذلك الحين بأدائه الاستخباراتي المتميز. يقول الباحث جون فكتور بصدد رحلة هذا المستكشف الجاسوس: «لقد شكل دو فوكور للمغرب أهم رحلة أنجزها أوربي قبل عهد الحماية». وكانت طريقة عمله في غاية من الدقة: كان يجمع معلوماته الاستخباراتية في كنانيش صغيرة لا تتعدى خمس سنتمترات مربعة، بحيث كان يتمكن من إخفائها في مقعر يده اليسرى، وبواسطة قلم رصاص لا يتعدى علوه سنتمترين كان يدون ملاحظاته بثبات وأمان. لقد كان لهذه الأعمال التجسسية وقع كبير على وتيرة تقدم التغلغل الاستعماري بالمغرب، وبمداد الفخر والاعتزاز سجل الفرنسيون هذا الإنجاز: "وضعت مصلحة جغرافية المغرب خط سير دو فوكو على خريطة بمقياس 200.000/1، وبإمكان المرء أن يتخيل شعور الامتنان والافتخار الفرنسي بذلك، إنه نفس خط السير الذي تبعته قواتنا نصف قرن فيما بعد تحت قيادة الجنرال هنري لتتحقق بذلك أمنية مستكشف 1884". وهكذا، تم تسييج المغرب الجغرافي بكامله في حدود الحماية الفرنسية، وبذلك يكون رجال الكنيسة قد وضعوا أنفسهم رهن إشارة السلطات الاستعمارية؛ لأن ذلك في اعتقادهم لا يمكنه إلا أن يخدم مصلحة انتشار الديانة المسيحية.

بيد أن الدعاية التنصيرية بالمغرب لم تسجل آثارا تذكر، لأن الإسلام كان يقف في وجهها كسد منيع يصعب عليها اختراقه. ففي سنة 1896، توفي بطنجة الأب لورتشندي الذي كان مدبرا رسوليا للبعثة الفرنسيسكانية الإسبانية بالمغرب منذ 1877. لقد جاءت حصيلة نشاط هذا المبشر في صفوف المغاربة على خلاف ما كانت تطمح إليه الأوساط الاستعمارية. وفي هذا الموضوع تقول رسالة بتاريخ 29 مارس 1896 من المفوضية الفرنسية بطنجة ما نصه: «لم يكن الأب لورتشندي يتوهم أن هناك حظوظا لنجاح الدعوة الإنجيلية في بلد ضرب فيه التعصب الإسلامي أطنابه. كان يسعى إلى خدمة بلده (إسبانيا)، ويعترف عن طيب خاطر بعدم جدوى مجهوداته فيما يتعلق بالدعاية الدينية، معتبرا كل مجهود دعائي بمثابة خطأ، ومصرحا بأن تأثيره على المغاربة كان بمقدار امتناعه عن النشاط الدعائي كقسيس كاثوليكي وكرئيس للإرسالية الفرنسيسكانية. وبالفعل فإننا لا نجد ولو مغربيا واحدا اعتنق المسيحية». ولعل هذه السلوكات التي تحلى بها الأب لورتشندي هي التي دفعت بالسلطان مولاي الحسن الأول إلى ربط علاقات تعاون ودية معه وتكليفه بمهمات تمثيلية لدى الفاتيكان.

المخاتلة التمسيحية

إن عدم جدوى التبشير في بلاد الإسلام هو الذي جعل المبشرين المسيحيين يمارسون نشاطهم الدعائي تحت غطاء أنشطة اجتماعية ذات طابع «إنساني»؛ لكن ذلك لا ينسحب على هذا النشاط التبشيري في أوساط الجاليات الأوروبية. بمعنى أنه طالما التزم المبشر باحترام مشاعر المسلمين واكتفى بنشر دعايته في صفوف المسيحيين الموجودين بصفة قانونية في دار الإسلام، فلا أحد يمسه بسوء؛ بل على العكس قد ينال بفضل سلوكه المتزن وفهمه الصحيح لحوار الأديان وتعايشها احترام الناس وتقديرهم له. وهذا ما يبدو قد حدث مع الأب لورتشندي في المنطقة الشمالية المغربية، إلا أن بعض المصادر تؤكد أنه كان جاسوسا لمصلحة النفوذ الإسباني بالدرجة الأولى، وهو شيء غير مستبعد تماما.

ولما تيقنت «الإرسالية الانجليزية لشمال إفريقيا» من أن حظوظ نجاح أنشطتها التبشيرية ضئيلة جدا أعطت توجيهات لمبشريها البروتستانت قصد القيام بخدمات طبية واجتماعية ونصحت أفرادها بالعدول عن أساليب التبشير العلني المباشر لصالح التبشير المتستر غير المعلن. وهي الطريقة نفسها التي اتبعتها «إرسالية المغرب الجنوبي الكالفانية» منذ استقرارها بمراكش في أواخر القرن التاسع عشر. وكتمويه لنشاطها التبشيري فتحت بهذه المدينة مستوصفا صغيرا ومعملا للخياطة والطرز. وأما أعضاء الإرسالية الأمريكية بالمغرب، التابعون لإرسالية «قداس الوحدة» التي كان يوجد مقرها بكنساس سيتي، فقد كانوا يتنكرون بزي مغربي، وكاد سلوكهم التبشيري المفضوح أن يلحق الضرر بمهام المبشرين الأوروبيين الذين كانوا أكثر حيطة وحذرا منهم. ويصف أوجين أوبان نشاطهم بقوله: «في البداية، كانت عادتهم المزعجة تتمثل في نشر الوعظ على الطرقات وفي الأسواق ثم طلب منهم بإلحاح أن يكفوا عن هذا حتى لا يعرضوا المبشرين الأوروبيين للخطر، بعد ذلك انتقلوا إلى البادية ليتابعوا بذل مجهوداتهم غير المثمرة في القرى والمداشر".

ومع بداية القرن العشرين، كان يوجد بالمغرب 28 قسيسا و25 راهبا، معظمهم من الإسبان المنتمين للطائفة الفرنسيسكانية. كانوا موزعين على المراكز التالية: طنجة، العرائش، تطوان، الرباط، الدار البيضاء، الجديدة، آسفي، والصويرة. وبالرغم من كثرة عددهم فإن نشاطهم التبشيري كان متواضعا جدا وتحركاتهم حذرة وتتظاهر بالتسامح ومساعدة الغير. وعلى العكس من ذلك، فإن تحركات وأنشطة الإرسالية البروتستانتية كانت تتسم بطابعها الدعوي، وكانت ممثلة عن طريق ثلاث فرق هي: إرسالية شمال إفريقيا التي كانت تتمركز بلندن، وكان نشاطها الفعلي يلاحظ في طنجة والدار البيضاء وتطوان وفاس. وهناك إرسالية الجنوب المغربي الكالفانية التي كانت تنشر عادة نتائج أنشطتها على صفحات جريدة دينية كانت تصدر بكلاسكو، وقد كان لها مبشرون بالجديدة وآسفي والصويرة ومراكش. وأخيرا الطائفة الانكليكانية لنشر المسيحية في الأوساط اليهودية، حيث كانت تستهدف اليهود المغاربة لتنصيرهم، وكانت لها جريدة تصدر بلندن وفيها تنشر نتائج أعمالها التبشيرية؛ لكن نفوذ المذهب البروتستاني لم يسجل أي انتشار في الأوساط اليهودية المغربية، بالرغم من ديناميكيته.

ونظرا لما كان يمثله العامل الديني من مكانة بارزة في مقومات الهوية المغربية، فإن المخطط الاستعماري التوغلي أولاه أهمية بالغة، ولم يكتف بتشجيع وتنظيم الأعمال التبشيرية المسيحية؛ بل حاول اختراق المؤسسات ذات الطابع الإسلامي المغربي، ومع كامل الأسف لم تكن محاولاته كلها فاشلة.

خيانة الزاوية الوزانية

شكلت الزوايا لعدة قرون ظاهرة مميزة للنسيج الثقافي المغربي، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاستهانة بتأثيراتها في شتى المجالات، إنها تعتبر من المؤسسات الاجتماعية المغربية العريقة ذات الأدوار والاختصاصات المتعددة والمتكاملة. فالزاوية مركز تواصلي إشعاعي يؤدي وظائف دينية روحانية وأخرى تربوية تأطيرية، بالإضافة إلى كونها تشكل نواة لحركة اقتصادية موسمية أو مصدرا لسلطة سياسية أو حتى محركا لتغيير ثقافي شامل وعميق.

وتلتصق الزاوية أيما التصاق بظاهرة التصوف الإسلامي الذي نشأ وازدهر انطلاقا من القرن الثاني الهجري بمثابة شعور باطني منبعه الإيمان بوحدانية الله، والاستسلام لإرادة الخالق في جو من التقوى تنمحي فيه شخصية المخلوق. إنه سلوك مبني على محبة الله وتهذيب النفس البشرية الأمارة بالسوء والمتشبثة بالماديات الزائلة زوال الإنسان نفسه. وعموما لكل زاوية طريقة صوفية يلتزم بها مريدوها في بحثهم الباطني عن كيفية ولوج هذا العالم الروحاني العجيب.

انتشرت الزوايا في إفريقيا الشمالية عامة، وفي المغرب خاصة، بفضل أشخاص قاموا قبل ذلك بزيارات إلى المشرق العربي قصد تأدية مناسك الحج، وعند رجوعهم كرسوا جهودهم للوعظ والإرشاد ونشر الإسلام والدفاع عنه. ثم تكونت حولهم مجموعات من المتعبدين والنساك الذين انخرطوا تلقائيا في تنظيمات ما لبثت أن تحولت إلى مؤسسات قائمة الذات، تنتسب إلى سيدي (فلان) الذي يرجع إليه الفضل في وضع الركائز الأولى للزاوية التي تحمل اسمه بزيادة ياء النسب المشددة: كالشادلية والجزولية والتيجانية والعساوية والدرقاوية...إلخ.

الوجه الآخر للزوايا

يمكن القول إن هذه المؤسسات السوسيوثقافية كانت دائما تنعم في المغرب بنوع من الاحترام والتقدير نظرا لطبيعتها الدينية واندماجها التام في محيطها الاجتماعي والاقتصادي، وربما نظرا كذلك لطبيعة المجتمع المغربي كمجتمع جد محافظ وميال إلى التأملات ذات الطابع الميتافيزيقي. إلا أن بعض الزوايا اكتسبت من الاستقلال المادي ومن الإشعاع الروحي ما جعلها تنتصب كدولة داخل الدولة، وتهدد بفعل وزنها المتنامي وانتشار طقوسها السلطة السياسية بالبلاد.

لقد تنبه سلاطين المغرب إلى هذه التوجهات الخطيرة التي تتخذ في بعض الأحيان طابعا فوضويا مشجعا للهرطقة والارتداد عن الدين، وتصدوا لها بعزيمة من حديد كما حدث ذلك إبان حكم السلطان مولاي اسماعيل. وفي كتاب "الاستقصاء" للناصري انتقادات عنيفة موجهة لأتباع بعض الزوايا الذين زاغوا عن تعاليم الإسلام الحنيف، حيث أصبحت ممارساتهم الشعائرية في إطار ما يسمى بـ"الحضرة" عبارة عن هيستيريا جماعية قد تشغلهم حتى عن أوقات الصلاة. تنظيمات من هذا النوع لا بد وأن تثير اهتمام المستعمر قصد استغلالها خدمة لنشر نفوذه وترسيخ قدمه. وهذا ما حصل بالفعل منذ دخول الفرنسيين أرض الجزائر.

زاوية وزان في خدمة الاستعمار الفرنسي

استولى الفرنسيون على الجزائر، ورغم ذلك بقي الشعب الجزائري يقاوم بمعنويات عالية. وكان مما استرعى انتباه قوات الاحتلال وجود تأطير اجتماعي تعبوي تقوم به الزاوية التيجانية في مواجهة الغزاة. وفي محاولة منه لاستقطاب العناصر القيادية لهذه الزاوية، كتب الجنرال الفرنسي بيجو رسالة إلى شيخ التيجانيين يقول فيها: "إنك تنصحنا بوضع حد لظلمنا وطغياننا، وتحثنا على سلوك الصراط المستقيم، وأنا أقول لك إن اتهاماتك لا أساس لها من الصحة، وبالتالي فإن نصائحك ستظل عديمة الجدوى".

ومع ذلك، فإن الجنرال الفرنسي كان ميالا إلى إغواء الشيخ التيجاني أكثر من ميله إلى ترك المجابهة مفتوحة بينهما. واقترح عليه ما يلي: "رغم اتهاماتك غير المقبولة، فإنني سأبقى أكن لك كثيرا من الاحترام وسأتركك تعيش في أمن وسلام، لكن في مقابل ذلك أوصيك بعدم تدخلك في السياسة، ويجب عليك من الآن فصاعدا أن تغض الطرف كاملا عن جميع أنشطة الحكومة".

وطبعا تم التركيز على الامتيازات المادية والمنفعة الشخصية التي سيحصل عليها شيخ الزاوية في مقابل خضوعه للأمر الواقع. وكخطوة أولى على درب تعاون أشمل، اتخذ الجنرال بيجو كل الاحتياطات اللازمة، حيث كتب إلى الشيخ التيجاني ليطمئنه: "في كل مرة تحتاج فيها إلى شيء ما، أو خدمة معينة، ما عليك إلا أن تراسل الخليفة سيدي أحمد بن سالم الموجود في بلدة لغوات، الذي سيرفع طلبك إلى الجنرال مارك الذي بدوره سيخبرني برغباتك، وفي حالة ما إذا تركك هذان الشخصان بدون جواب، فإنني أرخص لك بمراسلتي مباشرة بدون أي وسيط، والسلام".

وبعد فترة مد وجزر، تطورت العلاقات لفائدة الاستعمار الفرنسي إلى درجة أن شيخ الزاوية التيجانية، سيدي أحمد البشير، تزوج سنة 1870 بفرنسية اسمها أوريلي بيكار...

والجنرال الفرنسي بيجو نفسه هو الذي أمر قنصل فرنسا بطنجة سنة 1843 بربط الاتصال مع سيدي الحاج العربي، شيخ زاوية وزان. وكانت هذه مجرد خطوة استطلاعية في أفق تنمية العلاقات بين الجمهورية الفرنسية والزاوية المذكورة، وجاءت كل الدلائل لتبين أنها كانت مبادرة مثمرة للغاية، واتضح ذلك جليا لما منحت فرنسا حمايتها للحاج عبد السلام بن الحاج العربي سنة 1883م، ولم يكن زواج هذا الأخير بسيدة انجليزية عائقا أمام خدمة الاستعمار الفرنسي.

وفي هذا المضمار، يقول بول أودينو: "منذ ذلك التاريخ لم يكن لفرنسا إلا الثناء تجاه الخدمات الجليلة التي قدمها لنا شرفاء وزان". ونتجت عن حماية شيخ الزاوية، كما كان منتظرا، تفاعلات عمت كثيرا من اتباع الزاوية المعنية، الذين بدورهم طلبوا ومنحوا الحماية الفرنسية. ومن جراء ذلك بدأت سمعة الزاوية الوزانية في التراجع لدى الرأي العام المغربي.

و ورد في تقرير للمفوضية الفرنسية بهذا الشأن بتاريخ 23 نونبر 1896م ما نصه: "إن الحماية الأجنبية الممنوحة لشرفاء وزان من سلالة المؤسسين لهذا التنظيم، والسلطة التي يمارسونها على اتباعهم، ساعدتا على زيادة مستمرة في صفوف المنتمين لهذه الزاوية، الذين بواسطتها يبتغون التخلص من ابتزازات المخزن، خاصة في أقاليم الرباط والغرب. لكن ليبرالية المتوفى السيد الحاج عبد السلام الوزاني وزواجه بنصرانية، ولا سيما الحماية الأجنبية التي أحرز عليها لفائدة عائلته، كانت كلها عوامل ازعاج بالنسبة لمعظم مواطنيه".

كان عبد السلام بن الحاج العربي قد زار الجزائر سنة 1891م، حيث أعطيت له التعليمات بهدف نشر دعاية موالية لفرنسا حتى يتسنى لهذه الأخيرة احتلال مناطق توات وكورارة بدون مواجهة مع سكانها المغاربة. وفي هذا السياق، وقع الشيخ التزاما يضع بموجبه زاويته رهن إشارة فرنسا، وبعد موته سنة 1892م جاء دور ابنه مولاي العربي ليقوم هو الآخر بزيارة إلى الجزائر الفرنسية قصد تجديد التزامات الوالد المتوفى. ويشير التقرير المذكور أعلاه إلى أن: "شرفاء وزان هم الذين سهلوا توغلنا في إفريقيا الصحراوية وفي المغرب، وكل المستكشفين(الجواسيس) استفادوا من مساعدتهم".

وعم الفساد ...

جرت الاتصالات الفرنسية مع ممثلي مختلف الزوايا المغربية بصفة تدريجية وكانت ناجحة في معظم الأحيان. وهكذا كانت فرنسا تسمح للقنادسة والكزازيين بالقيام بجولات لجمع التبرعات (الزيارات) داخل الجزائر المحتلة. ولعل هذه السياسة المبنية على التساهل الماكر هي التي كانت وراء سلوك الزوايا المستفيدة التي لم تحرك ساكنا عندما أقدمت فرنسا على احتلال ايكلي.

وبالمقارنة مع الجزائر حيث عدد الزوايا قليل، فإن الفرنسيين وجدوا في المغرب عددا كبيرا من هذه التنظيمات التي اعتبروها "قوات اجتماعية يجب علينا أن نسخرها لصالح تغلغلنا بهذا البلد". وكانت وسائل الإغراء و الاجتذاب المستعملة من طرف الغزاة عبارة عن إعانات مالية وامتيازات أخرى مادية يذوب تحت تأثيرها الشعور الوطني للمستفيدين.

وبهذا الصدد، يعلق إدمون دوتي: "كيفما كان التردد والاحتراس الذي نلاقيه في البداية، فعلينا أن لا نيأس، لأن في الواقع غالبا ما تكون قابلية ارتشاء شيخ الزاوية أكثر من تعصبه الديني". وحسب استطلاع أجرته المفوضية الفرنسية بطنجة في أواخر القرن التاسع عشر، يبدو أن أربعة أخماس من سكان المغرب كانوا ينتمون إلى الزوايا، وبدون شك أن في هذا الاستطلاع شيئا من المبالغة، ولكن يستفاد منه على الخصوص أن ظاهرة انتشار الزوايا بالمغرب كانت شبه عامة.

الاستطلاع نفسه يؤكد عدم وجود علاقات بين الزوايا المغربية والإمبراطورية العثمانية، أو أي دولة مسلمة أخرى. وهذا معناه أن فرنسا وجدت مجالا استراتيجيا لتفعيل نفوذها في غياب أية منافسة، لا سيما وأنها اكتشفت من خلال تجربتها الاستعمارية بالجزائر مدى أهمية هذه المؤسسات في تأطير المجتمع الشمال الإفريقي وتوجيهه، كما أنها تعرفت عن قرب على طريقة تنظيمها وعلى نقاط ضعفها الكثيرة.

و لإيقاف تواطؤ الزوايا مع قوات الاحتلال والضرب على أيدي من يتاجر بالمصالح الوطنية العليا، وحدها سلطة مخزنية قوية كانت مرشحة لأداء هذا الدور المشروع. بيد أن المخزن المغربي كان طريح الفراش... وأين هم العلماء المغاربة من هذا المد الاستعماري عبر الزوايا؟

إن مصداقيتهم، حسب المصدر الاستطلاعي نفسه، قد تبخرت: "لم يعد لهم ذلك التأثير الذي كسبوه في الماضي بفضل كفاءتهم الحقيقية وبفضل الدور الذي لعبوه في تاريخ المغرب. لقد طالهم الفساد كما أن الفتوى التي أدلوا بها بطلب من المخزن هذه السنين الأخيرة أفقدتهم كل مصداقية (...) إنهم يتقاسمون خمس بيت المال، والسلطان يمنحهم امتيازات مختلفة، من كسوة ومال وحبوب... إلخ. وكلهم يوجدون تحت سلطة قاضي القضاة الذي هو الآن (1896) عبد الوهاب المعز، لكنهم في الواقع لا يشكلون هيئة منظمة".

وعليه، فإن الأرضية والظروف كانت كلها مناسبة لاكتساح عالم الزوايا بالمغرب وجعله يدور في فلك فرنسا، إلى درجة أنه من ضمن عشرات الزوايا النشيطة لم تقف في وجه المستعمر سوى اثنتين، وهما زاوية ماء العينين في الجنوب والزاوية البوعزاوية التي كانت وراء انتفاضة الشاوية عند دخول قوات الاحتلال إلى الدار البيضاء سنة 1907م. وهذا ما أكده جورج سبيلمان: "وفعلا لزمت التنظيمات الدينية الأخرى حيادا حذرا، وأكثر من ذلك لأن البعض منها، احتراما للقرارات الشريفة، وضعت نفوذها سرا رهن إشارتنا، وأذكر على الخصوص شرفاء وزان، وشيخ الدرقاويين، وزاوية أبي الجعد، والزاوية الكتانية التي أعيد فتحها تحت تأثير شيخها السيد عبد الحي الكتاني الذي خلف السيد محمد الكبير".

ومن الجدير بالإشارة هنا أن الفرنسيين كلفوا عبد الحي الكتاني سنة 1913م ليقوم بالتأثير على هيبة الله ماء العينين قصد إخضاعه للنفوذ الفرنسي، وقد أبدى الكتاني في أداء مهمته انصياعا فات كل التوقعات، مما جعل المستعمر يخطط لاستعماله "في المناطق البربرية بنجاعة، في اليوم الذي نكون فيه بحاجة إلى خلق مواجهة بين المناطق البربرية والمناطق العربية (كذا)". وبذلك يتضح أن المسألة الأمازيغية كانت حاضرة في المشروع الكولونيالي منذ بداية تحريك آلياته وأساليبه العدوانية ضد مكونات الشعب المغربي قاطبة.

مؤامرات الحماية الأجنبية

بناء على الأعراف والتقاليد الدبلوماسية الدولية، كان يوجد من الناحية القانونية نوع من الحماية القنصلية التي لا تمس بأي حال من الأحوال صميم السيادة الوطنية. ففي هذا الإطار العام، كانت تندرج عدة معاهدات أبرمها المغرب مع عدد من الدول الأوروبية، والتي تشير ضمنيا أو بصريح العبارة إلى مؤسسة الحماية القنصلية؛ ولكن في حدود معقولة وخاضعة للمراقبة القانونية من لدن الدولة المضيفة. ومثل هذه الترتيبات منصوص عليها في معاهدات كثيرة: المغرب - السويد (16 ماي 1763)، المغرب - فرنسا (28 ماي 1767)، المغرب - الدانمارك (25 يوليوز 1767)، المغرب - البرتغال (27 يونيو 1773)، المغرب - الولايات المتحدة الأمريكية (21 يونيو 1786)... وإذا كانت هذه المعاهدات تلتزم روحا ونصا باحترام الاتفاقات المبرمة في إطارها الدولي المتعارف عليه، فإن المعاهدات التي أبرمها المغرب بعد معركة إيسلي (1844) سجلت نقلة نوعية في تعامل الدول الأجنبية مع مسألة الحماية القنصلية متخذة إياها ذريعة لنشر نفوذها وكسب أكبر عدد ممكن من المحميين المغاربة وفقا لمصالحها. ويتعلق الأمر، خصوصا، بالمعاهدة المغربية الإنجليزية المبرمة بتاريخ 9 دجنبر 1856 (مادة 3)، والمعاهدة المغربية الإسبانية بتاريخ 20 غشت 1861 (المادتان 3 و47)، وكذلك الاتفاقية المغربية الفرنسية الموقعة بتاريخ 19 غشت 1863. وبسوء نية مبينة كانت نصوص تلك الاتفاقيات قابلة للتأويلات المطاطية من لدن الدول الأوروبية المعنية التي أصبحت بفعل هذا الواقع تبيع وتشتري المحميين المغاربة كنعاج أهم ما فيها أصوافها ولحومها ليس إلا..

غياب الشعور الوطني لدى المحميين

نقولها بكل صراحة إن الحماية الأجنبية التي أسالت لعاب الكثيرين من المغاربة خلال القرن التاسع عشر بقيت وصمة عار على جبين هؤلاء مهما كانت الاعتبارات والأسباب والمسببات التي دفعتهم إلى الارتماء في أحضان الأجانب ضدا على بلادهم. حتى إن البعض منهم كان يتبجح بوجوده تحت حماية أجنبية ولا يجد غضاضة في الإساءة إلى عشيرته والانتقام لأتفه الأسباب من أبناء جلدته... ولم يكن المغاربة المحميون متنصلين من مغربيتهم بقدر ما كانوا يتسوقون بجنسيتهم المغربية مقابل امتيازات مادية تافهة، إنهم كانوا من حيث يدرون ومن حيث لا يدرون في حالة تآمر على الذات المغربية.

وإذا لم يوجد أي تعريف قانوني للحماية القنصلية في غاية الوضوح، فإن الممارسة هي التي كانت تبين طبيعتها الحقيقية ومدلولها الفعلي. لقد اكتشف الأوروبيون في هذه الممارسة عملا مربحا و بتكاليف منعدمة تماما، وأدى تهافت المغاربة على هذا النشاط إلى ازدهار هذه الحركة التخريبية وانتشارها لتطال مختلف شرائح المجتمع المغربي. ومن جديد وجدت الدول الاستعمارية هشيما أجج نيران أطماعها وضاعف من تكالبها على البلاد؛ لكن صارعها التنافسي لاقتناء أكبر عدد ممكن من المحميين والاتجار فيهم بدون قيد ولا شرط طرح مشكل تدبير نفوذ كل دولة على حدة. وأما الدولة المغربية فقد كانت في حالة عجز تام، حيث لم تستطع التصدي لهذا التصعيد الخطير الذي آلت إليه أمور الحماية القنصلية على أرضها. وفي ذلك يقول المؤرخ شارل أندري جوليان: «أدت المغالاة في تمديد وتوسيع قانون الحماية إلى تعرض وجود الدولة المغربية للخطر، وقد بينت هذه المغالاة أنه أمام تحالف المصالح لم تعد هناك أية مقاومة دبلوماسية ممكنة. ولم يصدر أو يحدث أي نداء ضمير لكبح جماح هؤلاء المخربين، لقد كان الأوروبيون يتصرفون وكأنهم في بلد استعمروه فعلا، وكل الوسائل كانت بالنسبة لهم مباحة".

وفي سنة 1877، كان المحميون المغاربة حسب لوائح المندوبيات والقنصليات الأجنبية يعدون بالآلاف؛ وهو ما دفع بمحمد بركاش، المندوب السلطاني بطنجة آنذاك، إلى تقديم ورقة احتجاج إلى ممثلي الدول المعنية. وقد تضمن هذا الاحتجاج مشروع إصلاح لنظام الحماية، بالإضافة إلى اقتراح يرمي إلى انعقاد مؤتمر بالمدينة نفسها سنة 1879. والواقع أن الدول المعنية نفسها كانت في أمسّ الحاجة إلى ترتيب أوراق نفوذها على أرض الإمبراطورية الشريفة التي لم يعد يبقى منها إلا الاسم. وبعد مشاورات فيما بين ممثليها تم الاتفاق على انعقاد مؤتمر لهذه الغاية سنة 1880 ليس في طنجة، كما اقترح المغرب، ولكن في مدريد كما أرادت تلك الدول.

مؤتمر مدريد حول قانون الحماية

(16 ماي-31 يوليوز 1880)

حضر أشغال مؤتمر مدريد حول نظام الحماية الأهلية بالمغرب ممثلون عن اثنتي عشرة دولة وهي: إنجلترا، وفرنسا، وإسبانيا، وألمانيا، والبرتغال، وهولندا، وبلجيكا، والسويد، والنرويج، والدانمارك، والنمسا–هنغاريا و... المغرب طبعا ! وهكذا، اتفق ممثلو هذه الدول على إعفاء المحميين من الخضوع للقوانين المغربية، وبالتالي الإعفاء من الضرائب ما عدا ضريبة فلاحية وأخرى على الأبواب والممتلكات الحيوانية، علما بأن الوعاء الضريبي وعناصر العملية الجبائية كانت تتم تحت إشراف المسؤولين الأجانب كما نصت على ذلك المواد 2 و 12 و 13 من الاتفاقية. وكانت الحماية نوعين: حماية تجارية تهم السماسرة والوسطاء، وحماية فلاحية تسمى مخالطة. وبإمكان السلطات القنصلية توظيف جندي – ترجمان واحد، و خادمين اثنين، وكاتب واحد عند الاقتضاء. وهؤلاء جميعا يصبحون بعد توظيفهم «محميين» وفقا للمادة 3. ويحق لكل الممثلين الأجانب رؤساء البعثات أن يوظفوا تراجمة ومستخدمين من بين رعايا السلطان (المادة 2). وكانت الحماية لا تشمل ممتلكات المحمي وكيانه الجسدي فحسب، بل حتى أفراد عائلته، ولكنها لم تكن وراثية مع استثناء وحيد سبق أن نصت عليه الاتفاقية الفرنسية - المغربية بتاريخ 19 غشت 1863 «لصالح عائلة بن شمول التي قدمت أبا عن جد ولا تزال تقدم سماسرة وتراجمة لفائدة ميناء طنجة» (المادة 6).

وكان على ممثلي الدول الأجنبية، كل فيما يخصه، أن يقدموا للحكومة المغربية سنويا لائحة بأسماء المحميين لديهم (المادتان 7 و 8). وتنص المادة 11 على حق الملكية لفائدة كل الأجانب بالمغرب. وبسخرية مفضوحة تؤكد المادة 16 أنه «لا تمنح في المستقبل أية حماية غير قانونية أو شبه رسمية». وخصصت المادة نفسها (16) حماية فوق العادة من أجل «مكافأة خدمات متميزة أسداها مواطن مغربي لفائدة دولة أجنبية، أو بفضل أعمال أخرى استثنائية». وقد تم تحديد عدد هذه الفئة الأخيرة في 12 "محميا استثنائيا" لكل دولة! وتنص المادة 17، ما قبل الأخيرة، على واجب اعتراف المغرب لكل الدول الممثلة في مؤتمر مدريد بحق تمتعها بامتياز «الدولة الأكثر رعاية".

لقد اعتبر هذا التدخل في السيادة المغربية على أنه سياسة «الوضع الراهن» فيما يتعلق بما كان يسمى حينها «المسألة المغربية»، أي أن الأطراف المتفاوضة في مدريد اتفقت على ما يشبه الحد الأدنى في استغلال نفوذها عن طريق الحماية القنصلية بالمغرب، وذلك في انتظار تسوية استعمارية شاملة ونهائية. وبطبيعة الحال لم يكن الشارع المغربي غير مكترث بفضيحة الحماية الأجنبية التي لطخت سمعة البلاد والعباد.

غضب الشارع المغربي

راجت شائعة في طنجة، حيث كثافة المحميين في الأوساط اليهودية المغربية لافتة للنظر، ومفادها أن إنجلترا وإسبانيا ربما قد تتخليان عن حق «الحماية». وعبر اليهود المحميون عن استنكارهم الشديد لهذا القرار السياسي المزعوم. ويبدو أن مصدر هذه الشائعة كان هو الرابطة الأنجلو - يهودية التي كانت تتخذ من لندن مقرا لها، ولم يكن من المستبعد أن المستر درمونهاي، ممثل بريطانيا لسنوات طويلة بالمغرب، هو الذي كان وراء تحريك الرأي العام المحلي بطنجة عن طريق نشر البلبلة في صفوف الجالية اليهودية، لأسباب تكتيكية تستهدف التقليص من النفوذ الفرنسي المتنامي والمنافس بطبعه لإنجلترا. ومهما يكن من أمر، فإن سلوك اليهود المغاربة و تهافتهم بكثرة على الحماية الأجنبية استفز الرأي العام الوطني المسلم، إلا أن الأوساط الأوروبية كانت ترى في موقف المسلمين من هذه القضية تعبيرا واضحا عن تعصب المغاربة و معاداتهم للسامية !...

وما هي إلا أطروحات واهية كثيرا ما رددتها الدعاية الكولونيالية المغرضة، ووصف بول لوبوف مجريات هذه الأحداث على الشكل التالي: «عندها اعتقد المسلمون المغاربة أن بوسعهم القيام بكل شيء وأطلقوا العنان لتعصبهم الديني ضد السكان اليهود الذين غالبا ما كان يوظف المحميون من بينهم، ويقال إن شيخا يهوديا تم إحراقه حيا في فاس. ويتهم الرأي العام المغربي اليهود بارتكاب جرائم مختلفة حاقدا في الوقت ذاته على كل المحميين. وتبعا لذلك، اندلعت قلاقل أصبح معها الوضع الأمني في غاية الاهتزاز». ويلاحظ بول لوبوف أن ردود فعل الشارع المغربي لم تكن موجهة فقط ضد المحميين اليهود، بل كذلك ضد المحميين المسلمين، مما يرفع كل لبس بشأن تعصب المغاربة الديني المزعوم: «إن غضب المسلمين ضد إخوانهم في الدين الذين احتموا بالأجنبي وصل إلى حد أنه عندما استولينا على الجزائر كان زعيم من الأهالي يفقد نفوذه بمجرد إعلان تحالفه معنا. وأما الآن (1904) فإن كل الزوايا الدينية التي عبرت عن إخلاصها للسلطات الفرنسية وجدت نفسها مرغمة على ربط علاقات سرية معنا (...) وهكذا تبخر نفوذ شريف وزان في اليوم نفسه الذي منحه ورديكا، ممثلنا بطنجة، الحماية الفرنسية".

وتجند علماء مغاربة لتغيير هذا المنكر ونددوا أيما تنديد بهذه السلوكات المخالفة لتعاليم الدين الإسلامي والمنافية للأخلاق الفاضلة التي كان المغاربة دائما يتحلون بها. وجاءت كتاباتهم على شكل فتاوى وتوجيهات تربوية لإرشاد المواطنين وتحذيرهم من مغبة السقوط في هاوية الحماية الأجنبية اللعينة. وهكذا كتب علال بن عبد الله الفاسي: «الويل والثبور لمن احتمى بالباصبور»، وأسهم العربي المشرفي بكتاب «الرسالة في أهل باصبور الحثالى»، وأضاف المأمون بن عمر الكتاني «هداية الضال المشتغل بالقيل والقال»، وتطرق محمد بن إبراهيم السباعي إلى «كشف المستور عن حقيقة كفر أهل باصبور»... وتمت مقاطعة العديد من هؤلاء المحميين المغرورين بأنفسهم والضالين عن سواء السبيل، لكن بدون جدوى. وبدأت كل الدلائل تشير إلى أن المغرب أصبح قاب قوسين أو أدنى من انهيار عام يشمل كل مكوناته ويهدد بتمزيق هويته عن آخرها. وبعدما ازداد تهافت المغاربة على الحماية الأجنبية جريا وراء ما تحققه لهم من مزايا نفعية ضيقة الأفق، بدأت الدول المتنافسة في البحث عن الكيف لا الكم، من خلال استمالة العناصر من ذوي النفوذ المادي أو المعنوي، حتى إذا انضووا تحت حماية الدولة الأجنبية ضمنت هذه الأخيرة امتداد نفوذها بشكل أنجع الى شرائح اجتماعية كانت تبدو متحفظة أو مترددة في قطع الخطوة الحاسمة في اتجاه طلب الحماية. وحدث أن وقعت قبائل مغربية كلها في هذه المصيدة.

وكانت عائلة حاييم بن شمول، التي أشارت إليها بالاسم المادة 6 من الاتفاقية، تمثل أعلى مرتبة يصبو إليها المحميون. وكان بن شمول يعمل ترجمانا بالقنصلية الفرنسية بطنجة، وعضوا بارزا في الرابطة الإسرائيلية العالمية، وعضوا نشيطا في تنظيم ماسوني، وممثلا محليا لعدد من الشركات الملاحية والبنكية. و ممولا رسميا للجريدة الفرنسية الصادرة بطنجة تحت عنوان «انبعاث المغرب». وفي كتاب ذي نزعة معادية للسامية ألفه إدوار دريمون تحت عنوان: «فرنسا اليهودية» سنة 1886، تم توجيه انتقاد حاد إلى ابن شمول بصفته «الرأس المدبر للسياسة القنصلية الفرنسية بالمغرب». لهذا، كان ابن شمول يتمتع بحماية وراثية بصفة استثنائية، وكان حاصلا على وسام «جوقة الشرف».

ويقابل ابن شمول عند الإيطاليين يهودي مغربي آخر كان اسمه إسحاق تولدانو.

ولم تكن السلطات المغربية في وضع يمكنها من تغيير مجرى الأمور ومقاومة الغزو الأجنبي و دسائسه، وأصبحت البلاد من جراء تعرضها لأساليب التغلغل المتنوعة لقمة سائغة في فم الاستعمار الغربي.

 

مقالات أخرى في المسألة الأمازيغية

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 2)

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 1)

من هو العربي ومن هو الأمازيغي بالمغرب؟

شيشنق القائد الرمز

في غياب المسألة الأمازيغية عن موريتانيا

التأثير الأمازيغي العميق في اللغة الدارجة: 100 كلمة نموذجا

تموت لغة الأمازيغ لتعيش الحركة الأمازيغية

فرنسا والمسألة الأمازيغية

"تاسرغينت" Taserɣint اسم أمازيغي قديم لـ"العربية"

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com 
theatretafukt@gmail.com

GSM: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.