Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مواعيد فنية - ثقافية: La troupe Ineznazen des Ouacifs - الثلاثاء, 04 كانون1/ديسمبر 2018 19:32
متابعات - تغطيات صحفية: SMPAD: المؤتمر الوطني السابع - الثلاثاء, 04 كانون1/ديسمبر 2018 18:45
مسرح - الفنون الدرامية: مسرح تافوكت بالمهرجان الوطني 20 للمسرح - الأحد, 02 كانون1/ديسمبر 2018 10:10
مسرح - الفنون الدرامية: بلاغ المهرجان الوطني 20 للمسرح - الأحد, 02 كانون1/ديسمبر 2018 08:08
مواعيد فنية - ثقافية: جائزة الحسن الثاني للمخطوطات - الأحد, 02 كانون1/ديسمبر 2018 07:59
أخبار - منوعات - إصدارات : مجلة "الفنون" في حلة جديدة - السبت, 01 كانون1/ديسمبر 2018 16:53
مهرجانات - ملتقيات - مناسبات: مهرجان القاهرة السينمائي الدولي - الثلاثاء, 20 تشرين2/نوفمبر 2018 15:33
مواعيد فنية - ثقافية: أريف: أجيض في جولة وطنية - السبت, 01 كانون1/ديسمبر 2018 15:12
متابعات - تغطيات صحفية: المهرجان الدولي للفيلم بمراكش - السبت, 01 كانون1/ديسمبر 2018 14:44
أخبار - منوعات - إصدارات : في أحوال دولة المسرح - السبت, 01 كانون1/ديسمبر 2018 14:05
Blue Grey Red

بيان سيدي قاسم للإحتفالية المتجددة

بيان سيدي قاسم للإحتفالية المتجددة

الحلم الاحتفالي من النشوء إلى الارتقاء

الدكتور عبد الكريم برشيد

سيدي قاسم 31 أكتوبر 2018

حلم بالألوان الطبيعية

يقول أبو حنيفة النعمان (علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك، فله ما رأى، ولنا ما رأينا) وبالنسبة إلينا في المسيرة الاحتفالية نقول الكلمة التالية: حلمنا رؤية، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك، فله ما رأى، ولنا ما رأينا)

هي نفس الأسئلة إذن، نعود إليها أو تعود إلينا، ولا يمكن أن نغادرها أو نبتعد عنها أبدا، لأنها جزء من كياننا الوجودي والفكري والجمالي والأخلاقي، وتتعلق هذه الأسئلة بحقيقة عمرنا الفكري والإبداعي، والذي صغناه في مشروع كبير سميناه المشروع الاحتفالي، والذي عاش معنا وداخلنا، حتى أصبح هو نحن ونحن هو، ومن هذه الأسئلة يمكن أن نذكر :

( ــ هل كان ذلك الذي عشناه وكتبناه كان حلماّ؟

ــ وهل هناك حلم يستمر أربعين عاما؟

ـ وكيف تم هذا الحلم الطويل جدا، بأعين مغمضة أم بعيون مفتوحة؟) 1

هكذا تساءلت في كتاب ( عبد الكريم برشيد وخطاب البوح) والذي هو حوار بحجم كتاب، ولقد كان ذلك ردا على سؤال ذ عبد السلام لحيابي ( تعهدت الاحتفالية على نفسها أن تصل إلى الكونية رغم أن الإبحار كان صعبا جدا، فهل تحقق من هذا الحلم شيء؟)

وجوابا على هذا السؤال قلت ( أكيد أن الأحلام الطويلة والكبيرة لا يمكن أن تصنعها إلا النفوس الكبيرة، وهكذا كان الحلم الاحتفالي بكل تأكيد، كان طموحا، وكان سورياليا وصوفيا، وكان مثيرا ومدهشا بغرائبيته و عجائبيته، ولو كان حلم ليلة واحدة عابرة لانتهى عند مطلع النهار، ولو كان حلم شخص من الناس، ما كان له كل هذا الإشعاع، ولما تبنته أمة كاملة، من ماء محيطها البارد إلى ماء خليجها الدافئ، ولما أصبح اليوم من أهم مشاريعها الجمالية والفكرية والعلمية العصر الحديث) 2

وتأتي هذه التساؤلات المشروعة عشية احتفال الحلم الاحتفالي ببلوغه سن الثانية والأربعين من عمره، ولقد رأيت أن تصدر هذه الورقة من مدينة سيدي قاسم، وأن يكون ذلك بمناسبة أيامها المسرحية، وأن أشرك الجميع معي في هذا التفكير العلني المسموع، مؤكدا على الحقيقة التالية، وهي أنه لا وجود للغنى إلا بالتعدد، ولا وجود لأي مستقبل جديد إلا بالحلم الجديد، وأنه لا يمكن أن نقترب من الحقيقة إلا عندما تتعدد وتتنوع وجهات النظر.

وفي مسرحية ( يا ليل يا عين) يدور الحوار التالي بشأن التعدد والاختلاف:

(عـبـد الـلـه: إن الأصل في هذا الوجود يا عبد البصير أنه متعدد الألوان والأصباغ، فهو مثل الطاووس تماما، حقيقته في تعدد ألوانه، والتي هي نفس ألوان الأرض، ونفس ألوان السماء وكل الأشياء، وإذا اختزلنا ألوان هذا الطاووس في لون واحد أوحد، وكان هذا اللون هو الأسود، فإنه لن يظل طاووسا كما خلقه الله ..

عبد الصبور: وماذا يصبح يا عبد الله ؟

عـبـد الـلـه :     يصبح غرابا، وما أكثر الدعاة إلى غربنة الوجود وإلى غربنة الحياة،  وإلى غربنة عقول وأرواح كل الأحياء، ولأنني ـ يا عبد البصير ـ لا أفكر كما يفكر كل الناس، فإنني مجنون وأحمق، وعلامة جنوني وحمقي أنني أدخلت المصحة (لنفسه ) وهل هي فعلا مصحة أو هي سجن ؟) 3


ولأننا لم نكن من دعاة (غربنة) الفكر والفن والسياسة والحياة، فقد اجتهدنا من أجل أن نكتشف الألوان الأخرى والأضواء الأخرى والأفكار الأخرى والحالات الأخرى والمواقف الأخرى، وصغنا كل ذلك في حلم كبير أسميناه الحلم الاحتفالي، ولقد كان هذا الحلم  بكل ألوان الطاووس، ولم يكن أحادي اللون، ولا كان غرابي اللون.

درجات الحلم و درجات العبقرية

في البدء إذن، كان الكائن (الخام)، هكذا قلنا، وهكذا سنقول دائما، وبالحلم وحده أصبح هذا الكائن إنسانا، وكان ضروريا أن يكون مختلفا ومخالفا، ولقد تمكن من أن يرتقي إلى درجة الإنسانية الحق، وبطاقة هذا الحلم السحرية والعجائبية استحق أن يكون مختلفا ومتميزا عن كل الحيوانات الأخرى، وأصبح من حقه أن يكون كائنا مدنيا حالما، وأن يكون في حلمه حرا، وأن يكون مسافرا، وأن يكون عالما، وأن يكون غنيا، وأن يكون شاعرا، وأن يكون عرافا ومتنبئا، وأن يكون جميلا، وأن يكون قويا، وأن يكون في متخيله الحلمي أكبر من جسده المادي، وأن يكون بشطحاته الإبداعية أكبر من واقعه اليومي المحدود والمسدود، وبهذا فقد كان أهم ما يميز الإنسان الاحتفالي أنه كائن حالم ومتحرر بالضرورة، ولقد أدرك دائما بأن الحق في الحلم هو أصدق وأجمل وأنبل كل الحقوق، وبهذا فقد كان ضروريا أن يكون شاعرا في حلمه، وأن يكون عرافا ومتنبئا في رؤيته ورؤاه، وأن يمد بصره وبصيرته إلى الآفاق البعيدة جدا، وأن يرحل بحلمه إلى العوالم الغريبة والعجيبة والمثيرة والمدهشة، والحلم وحده هو الآلية الداخلية الكبيرة والخطيرة التي تنتج  الصور الممكنة الوجود، وهو الذي يؤسس العوالم الأخرى الجديدة، أما الزمن، فهو هذا الفضاء المفتوح الذي يسع كل الأحلام وكل الخيالات وكل الصور وكل الهذيان الإبداعي الخلاق.

وانطلاقا من هذا المعنى، فقد انطلق هذا الإنسان الاحتفالي من درجة البدء المؤسس للوجود، وفضل أن يشتغل بفعل الحفر التأسيسي، وأن يبدأ من تربة هذه الأرض، وأن يوجد اللاموجود بعد ذلك، وأن يكون الممكن، وأن يصل بحلمه المشروع إلى عتبة المحال، وأن يطرق الأبواب المغلقة، وأن ينظر إلى الأعلى دائما، وأن يعشق الأعلى والأسمى، وألا يلتفت إلى الخلف إلا .. في مرآة نفسه وروحه ووجدانه وخياله، وأن يكون متفائلا بالضرورة، إيمانا منه بأن الأجمل والأكمل هو ما يمكن أن يكون غدا، ولعل هذا هو ما جعل هذا الاحتفالي مخاطرا ومغامرا بالضرورة أيضا، وجعله شاهدا على الحقيقة الغائبة والمغيبة، وجعله شهيدها في نفس الآن.

والحلم الاحتفالي هو أساسا صورة، ومن طبيعة هذه الصورة أنها غير مادية، وأنها أكبر من المكان، وأنها أرحب من الزمان، وأنها في غرائبيتها فوق واقعية، وقد تكون كل أجزائها من هذا الواقع اليومي والتاريخي، ولكنها مركبة تركيبا احتفاليا جديدا، وهي بهذا سوريالية أو أسطورية أو صوفية في بينيتها العميقة الخفية.

نحن نؤمن بأن هذه الاحتفالية العامة قد أوجدها الزمن الكوني العام، وأنه قد أوجدها التاريخ العام، ولكنها ـ في المقابل ـ قد أوجدت هي أزمانها المتعددة الخاصة، والتي هي أساسا أزمان للفعل التأسيسي الخلاق، ولعل أهم ما يميز هذا الزمن الاحتفالي المركب هو أنه موجود بين زمنين متقابلين ومتناقضين، الأول هو الزمن التأصيلي المنكفئ على نفسه، والثاني هو الزمن التجريبي الهارب من الذات الحقيقية، والموجودة الآن ـ هنا، إلى الذوات الأخرى الغائبة، والمنتسبة إلى الأرض الأخرى، وإلى العوالم الأخرى، وإلى الثقافات الأخرى، وإلى المناخات الأخرى، وإلى الإبداعات الأخرى، وإلى اللغات الأخرى، والتي لها قيمتها بكل تأكيد، ولكن في إطار شروطها وسياقاتها الخاصة، والتي لا يمكن أن تقبل التهريب والاستيراد والاستنساخ، ومن طبيعة الروح الاحتفالية أنها لا تقدس الموتى، لأن الموت في ذاته ليس قيمة،  وقد يكون عطبا من أعطاب الوجود، أو مرضا من أمراض الحياة، كما أنها لا تتطلع إلى الغيب، ولا تشتغل بالغيبيات، ولا تؤمن بالأصنام والأوثان، وهي لا شيء يشغلها إلا الإنسان والإنسانية، ولا شيء يحركها إلا الحياة والحيوية، ولا شيء يسحرها إلا المدينة والمدنية، ولا شيء يفتنها إلا جمال النفوس والأرواح والحالات والأشياء، ولا شيء يقنعها إلا العقل الحر في الوطن الحر.

في كتاب ( المؤذنون في مالطة) فصل بعنوان ( الحق في الحلم والتفاؤل) وفيه نسوق الحديث التالي (ومن جميع كل الحقوق التي نتحدث عنها اليوم، ونتمسك بها، ونطالب بها، فإننا ننسى ـ أو نتناسى ـ أهمها وأخطرها، والذي يمكن أن يتمثل في الحق في الحلم والتفاؤل. إن الكائن ضيق ومحدود، ولكن فضاء الممكنات رحب و واسع، ومتعدد الأبعاد والمستويات، و المظاهر والتجليات والدلالات) 4

الحلم والاحتفال والزمن

وهذا الاحتفالي الحالم هو الذي قال يوما:

( لدي اليوم من الصور أكثر مما لدي من الكلمات

ولدي من الأسئلة أكثر مما لدي من الإجابات

ولدي من الإشاعات أكثر مما لدي من المعلومات

ولدي من الأحلام أكثر مما لدي من الوقائع

ولدي من الشك أكثر مما لدي من اليقين

ولدي من الضرورات أكثر مما لدي من الاختيارات

ولدي من التجارب أكثر مما لدي من التجريب) 5

إن من طبيعة هذه الاحتفالية الحالمة أنها لا تعشق الزمن لذاته، ولكن لما يمكن أن يكون فيه من حياة وحيوية، ومن جمال وجمالية، ومن صور لها معناها ومغزاها، وبهذا فهي لا تبكي على الأطلال، فقط لأنها أطلال بالية، ولا تحن إلى الماضي، فقط لأنه الماضي الذي ضاع، وهي لا تسعي لأن تعيش نفس ما عاشه الآخرون في الأمكنة الأخرى وفي الأزمنة الأخرى، لأنه لا وجود لحياة يمكن أن تعاش أكثر من مرة واحدة، كما أنها لا تعمل من جل أن ( تحيي) الذي فات ومات، ولا أن تعود للذي لا يمكن أن يعود، ولهذا فقد عملت دوما من أجل تأسيس زمنها العيدي الخاص، انطلاقا من (النحن) الحية والفاعلة والعاقلة و المحتفلة والمعيدة في هذه الاحتفالية الوجودية الكبرى، وانطلاقا أيضا من هذا ( الهنا) الجغرافي، والذي له كلمته بكل تأكيد، وله خصوصيته، وانطلاقا من هذا ( الآن) التاريخي الجديد والمتجدد، والمتحرك دائما باتجاه ما يمكن أن يكون، وما يحتمل أن يكون، وما نتصور وما نحلم أن يكون.

وفي البحث عن المعنى الحقيقي لهذا الزمن تساءلت الاحتفالية مع سانت أوجستين الذي قال ( ما الزمن؟.. إنني لأعرف معرفة جيدة ما هو، بشرط ألا يسألني أحد عنه، لأنه لو سألني أحد ما هو، وحاولت أن أفسره له، لارتبكت) 6

في الأدبيات الاحتفالية يتردد اسم السندباد كثيرا، وهو في الرؤية الفكرية الاحتفالية شخصية أساسية ومحورية، وهذا بالتأكيد هو ما يجعلني أقول عنها ( إن السندبادية جزء من فلسفتي، وإن رحلاتي ليست بحرية ولا أرضية أو جوية فقط، ولكنها رحلات في الزمن المطلق، وهي رحلات في المكان المطلق، ورحلات في النفس والوجدان، ورحلات في العقل والروح، ومن تكن هذه وجهة رحلاته لابد أن يتعب كثيرا، والتعب الصادق في الحياة الصادقة هو .. ملح هذه الحياة، وملح هذا الوجود بكل تأكيد) 7

في هذا الحلم الاحتفالي شيء كثير من الجرأة ومن التحدي، وفيه شيء غير قليل من التخطي ومن التجاوز ومن الارتقاء إلى الأبعد وإلى الأعلى، وفيه جرعة قوية من السكر الواعي ومن العربدة الفكرية والإبداعية، وفيه شيء من الانفلات من اليومي، ومن المادي الحسي، ومن الواقعي الجامد، وتؤكد الاحتفالية على أن هذا الواقع اليومي هو مجرد وجه واحد من وجوه الحقيقة المتعددة والمتنوعة والزئبقية والماكرة، ويبقى الجانب الآخر الخفي من الحقيقية ممنوعا و مقموعا، ويظل في حاجة متجددة إلى حلم الحالمين، وإلى قراءة العرافين، وإلى نبوءة المتنبئين، وإلى بصيرة المستبصرين، وهذا ما حاولنا أن نقوم به في حلمنا الاحتفالي الكبير، والذي استمر لحد الآن لأزيد من أربعة عقود، ومازال في بداياته الأولى، ومنذ تلك البدايات التأسيسية الأولى أكدنا على أن الحلم هو ( الرفض، بشكل مؤدب و محتشم، وهو يمثل درجة الصفر في سلم التمرد والثورة) 8

ولهذا فقد كان ضروريا أن نقول ما يلي ( لو أننا وجدنا في هذا الواقع اليومي ما يقنعنا فكريا ما فكرنا،

ولو وجنا فيه الجمال الصادق ما حلمنا بالجمال، ولو وجدناه منظما ما أنفقنا أربعين عاما في تنظيم

فوضاه، ولو وجناه واضحا ما عملنا على تحليله وتفكيكه وتأويله، وعلى إعادة تركيبه بشكل آخر مختلف ومغاير )

الحاضر والغائب في الرؤية الاحتفالية

في هذا العالم إذن، هناك حقيقة غائبة، أو مغيبة، أو مقموعة، أو ممنوعة، ولكنها بالتأكيد موجودة، إن لم يكن ذلك هنا، فهي هناك، وإن لم تكن حاضرة في هذا اليوم، فهي حاضرة في الآتي من الزمن، وقد آمنا دائما بأن كل آت قريب، وبأن ما نمشي باتجاهه لابد أن ندركه، ورددنا مع النفري قوله على لسان الحق ( القرب الذي تعرفه مسافة.. والبعد الذي تعرفه مسافة.. وأنا القريب البعيد بلا مسافة) وهكذا هي الحقيقة في العين الاحتفالية، قريبة بعيدة بلا مسافة.

لقد انطلقنا في هذا الحلم الجماعي من المسلمة التالية، وهي أنه لا يمكن تجاوز أي شيء، أو الانتقال إلى أية فكرة، أو إلى أي فعل جديد، إلا بعد وجود هذا الشيء أولا، وبعد تأسيس هذه الفكرة أولا، وبعد تحقيق هذا الفعل أولا، وهذا ما جعلنا نبدأ بالتأسيس أولا، إيمانا منا بأنه لا معنى للتجديد التجريبي إن لم يكن تجديدا لشيء موجود بالفعل، ولهذا يكون من الغريب العجيب أن تجد اليوم من يتحدث عن ما بعد الدراما، وهو لم يؤسس بعد الدراما، وأن تجد من يتحدث عن ما بعد الحداثة، وهو لم يدرك درجة الحداثة، وأن تجد من يتحدث عن الدراما البديلة، وبديلة لأي شيء؟ وإذا كان ابن رشد قد قال ( الحق لا يضاد الحق) فإن الاحتفالية تقول بأن الجمال لا يضاد الجمال، وبأنه لا وجود لأبة تجربة وجودية إبداعية حقيقية يمكن أن تكون بديلا لغيرها من التجارب، من هذا المعنى انطلقنا، ليكون حلمنا الاحتفالي جزء أساسيا وحيويا من الحلم الإنساني والكوني العام.

حلمنا إذن كان إضافة، هكذا أردناه أن يكون في معناه الحقيقي، وليس هكذا تم تفسيره وترجمته وتأويله، عن سوء نية أو سوء فهم، أو عنهما معا، لست أدري، وأعتقد أن هذه الاحتفالية ليست مسئولة عن تخلف جزء كبير من النقد المسرحي المغربي ـ العربي اليوم، والذي صعب عليه أن يقرأ هذه الاحتفالية داخل شرطها التاريخي والجغرافي والحضاري، وداخل سياقاتها ومناخاتها الخاصة، ولم يتمثل هذا الحلم (الصغير) في إطار المشروع العربي النهضوي الكبير والخطير.

في هذه الاحتفالية سرنا على نهج (إخوان الصفا) وأسسنا جماعة أعطيناها اسم ( جماعة المسرح الاحتفالي) وكان ذلك بمدينة مراكش بتاريخ 27 مارس من سنة 1979 وكان القصد أن نحلم بشكل جماعي داخل هذه الأسرة الفكرية والروحية، والممتدة من ماء المحيط إلى ماء الخليج، وأن نقتسم فيما بيننا الحالة الاحتفالية والرؤية العيدية للوجود، وأن ننطلق جميعنا، كل من موقعه الخاص، من الفكرة الاحتفالية أولا، وأن نؤسس الفكر الاحتفالي والفن الاحتفالي ثانيا، وأن نتعايش داخل المدينة الاحتفالية الممكنة الوجود ثالثا، لقد انطلقنا من أخوة الروح بدل أخوة الدم، وحاولنا أن ننتسب جميعا إلى نفس الرحم، وإلى نفس الأم، وأن نعيش جميعا داخل نفس البيت الاحتفالي الكبير، ولقد كان هناك من فهم أننا نؤسس حزبا، أو نوجد رباطا صوفيا، ولذلك فقد حاربتنا بعض الأحزاب، وهاجمنا بعض المتحزبين المتعصبين، من غير أية ذرة وعي بحقيقة الأخوة الاحتفالية، والتي هي أخوة مفتوحة على كل الناس، وأنها بذلك ليست مغلقة في وجه أي أحد، وهذه الأخوة هي التي جعلتنا نقول ( نحن إخوة في الفن والفكر والإبداع، أبونا العقل، وأمنا الحقيقة، وأخونا الجمال، وعشقنا الحكمة، وأختنا الفضيلة، وهدفنا الكمال الأسمى، أي كمال الأجساد والنفوس والأرواح) وهل في هذه الأخوة ما يمكن أن يغضب؟

بمثل هذا الحلم الجماعي وحده يمكن للمفرد أن يخرج من فردانيته، وأن يجد إنسانيته، وأن يحقق حريته، وأن يتحرر من عزلته، وأن يستعيد دوره داخل الجماعة المفكرة والمبدعة والمفسرة والمغيرة، وأن يتمرد على الوجود النمطي في المجتمع المعلب، ولقد أكدت الاحتفالية دائما على أن من لا يحلم لا يتمرد، وعلى أن من لا يتمرد لا يمكن أن يكون ذاته، ولا يمكن أن يعيش حياته وأعماره، ولا يمكن أن يوجد في أزمانه الحقيقية الخاصة، ومن الممكن أن يكون مجرد رقم في الحساب، أو يكون مجرد صوت في الجوقة المنشدة، أو مجرد صراخ في جماعة الهتافين، أو يكون مجرد ظل، أو يكون مجرد صدى، ولهذا أكدت هذه الاحتفالية كثيرا على الحق في الاختلاف، وأكدت على الإبداع في مقابل الاتباع، وعلى الأصيل في مقابل الدخيل، وعلى الحلم في مقابل الوهم، وعلى الفعل في مقابل الانفعال، وانطلاقا من هذا المبدأ خاصمت الدروس الجاهزة، وثارت على التعاليم الفوقية والغيبية، وتمردت على المدرسية في المسرح أولا، وفي الفن والفكر والعلم وفي كل الصناعات ثانيا، ولهذا فقد كان ضروريا الرجوع إلى المسرح في درجته المؤسسة الأولى، أي إلى درجة الاحتفال، ومن هذه الدرجة بدأت مسيرتنا نحو تأسيس أو عادة تأسيس مسرح الحياة الجديدة بوعي جديد.

حلم يتفلسف بالكلمة والصورة

ذلك الحلم السبعيني إذن ـ من ذلك القرن الذي مضى ولم يمض ـ لم يفقد بريقه بعد، ولقد تأكد بأنه قد أصبح اليوم، مع توالي الأعوام والعقود، حلما كبيرا عابرا للقارات، وعابرا للأمكنة والأزمنة، وأن ذلك الشباب الذي كناه لم يفقد حماسه وثقته في حلمه المشروع، وأعتقد أن الأفكار الأصيلة لا يمكن أن تكون إلا جديدة ومتجددة على الدوام، وبغير هذا ما كان ممكنا أن تـتأسس المشاريع الفكرية والجمالية في العالم الكبرى، وأن تكون في الزمن أكبر من اللحظة الزمنية العابرة.

في هذا الحلم وجدنا أنفسنا نفكر ونتفلسف، ولم يكن للفلسفة عندنا غير معنى واحد أوحد، والذي هو محبة الحكمة، ولقد رأينا أننا في هذا المسرح لا نشتغل على فن واحد، ولكن على كل الفنون، ولقد وجدنا أنفسنا نردد تلك الكلمة القديمة ـ الجديدة  التي تقول ( المسرح أبو الفنون) كما اقتنعنا بتلك المقولة الأخرى التي تقول ( الفلسفة أم العلوم) ولقد اقتنعنا أن هذا المسرح، بالإضافة إلى أنه آداب وفنون وصناعات متحدة، فهو علوم إنسانية أيضا، وبهذا فقد كانت العلوم المسرحية جزء أساسيا وحيويا من فلسفة العلوم العامة، وهذا بالتأكيد هو ما جعل الاحتفاليين يحتفون بالفكر الفلسفي، وجعلهم يؤكدون على الحقيقية التالية، وهي أنه لا يمكن تأسيس العلم المسرحي الجديد، ولا يمكن إقامة الفقه المسرحي الحديث، ولا يمكن وضع النحو المسرحي للغة المسرحية الجديدة إلا بالفلسفة المسرحية الجديدة، ولقد تعزز هذا الاقتناع بصدور كتاب يحمل عنوان ( فلسفة التعييد الاحتفالي: في اليومي وفي ما وراء اليومي) 9

ولأن هذه الفلسفة ـ في الحلم الاحتفالي ـ لم تكن مطلوبة لذاتها، فقد وجد الاحتفاليون أنفسهم يقولون مع أندري سبونفيل ( الفلسفة لا معنى لها إلا بقدر ما يقربنا من الحكمة، يتعلق الأمر  بأن نفكر جيدا كي نعيش جيدا، وهذا وحده ما يعني التفلسف في الحقيقة) 10

ونحن تفلسفنا من أجل أن نحلم بشكل جيد، ومن أجل أن نفكر بشكل جيد، ومن أجل أن نكتب مسرحا بشكل جيد، ومن أجل أن نؤسس بلاغة مسرحية بشكل جيد، ومن أجل أن نتمثل الجمال، في الفن والحياة بشكل جيد، ومن أجل أن نقرأ الواقع والتاريخ بشكل جيد، ومن أجل أن نتحاور ديمقراطيا في المسرح بشكل جيد، ومن أجل أن نتلاقى مسرحيا بشكل جيد، ومن أجل أن نؤسس الرؤية الإخراجية بشكل جبد، ومن أجل أن نعطي الممثل ثقافة تجعله يمثل بشكل جيد.

ولعل أجمل ما في الحلم الاحتفالي هو أنه حلم صادق، ولعل أجمل وأنبل ما في الحالم الاحتفالي هو صدقيته وشفافيته، وهو عشقه للجمال والكمال، وهو جنونه العاقل، وهو فوضويته المنظمة، وهو ثباته على الثوابت، وهو روحه القتالية التي لازمته على امتداد أربعة عقود من الزمن، وهو جرأته في الفكر والعلم والفن، ولقد كان في كل مساره صوفيا ( إذا نطق كان كلامه عين حاله) وهذا الاحتفالي الحالم هو الذي قال مع أبي ذر الغفاري (الصدق ما ترك لي صديقا) قالها وعاش المنفى في وطنه، وقالها وعاش الغربة والعزلة بين أهله وصحبه، وهذا هو حال الحالم الاحتفالي في هذا الزمن المأتمي الرديء.

ولعل أهم ما ميز هذا الفعل الحالم دائما هو أنه لم يكن حلما انفعاليا أو مزاجيا، ولكنه كان حلما عاقلا وعالما ومسئولا، ولقد انطلقنا في هذا من القناعة التالية، وهي أنه ( عندما يحلم العقل، فإنه يصبح بإمكان الإنسان أن يسترد كل شيء، وأن يلحق بأي شيء، يسترد زمنه الضائع، وفحولته وبراءته الضائعة، وذوقه المضيع، وثقافته الضائعة) 11

حول هذا الحلم، اختلف المختلفون، فالمدرسيون قيموه بمعيار النجاح والفشل، وتجار الكلمة والإبداع قيموه بمنطق الربح والخسارة، وتجار السياسة قيموه بحسب تموقعه على الخرائط السياسية والحزبية، وذلك انطلاقا من الأسئلة التالية: هل هذا الحلم يميني أم يساري؟ هل هو تقدمي أم رجعي؟ هل هو سلفي أم حداثي؟ هل هو ديني أم لا ئكي؟ هل هو مع الرحمان أم مع الشيطان؟

وأعترف ـ أنا الاحتفالي ـ بأن نشوة النجاح أو نشوة الفوز أو نشوة الانتصار ( ليس لها في حياتي كبير تأثير، وأخطر منها نشوة الوجود، وأهم منها نشوة الحياة، وأنبل منها نشوة الصحة العضوية والنفسية والروحية، وأروع منها نشوة الإحساس بالخلق والابتكار، ونشوة السير في طريق التأسيس، ونشوة الصدق مع الذات ومع العالم، أما النجاح، فما أسهله اليوم يا صاحبي، وما أقصر الطريق إليه، وبإمكان أي تاجر أو مغامر أو مقامر أو سمسار أن يحققه، وفي لمح البصر، وبأبخس الأثمان أيضا) 12

الحلم والغرابة و الإدهاش

في الحلم يحضر فعل الإدهاش بكل تأكيد، ويتبدى هذا الواقع على حقيقته الشفافة، ويكون بذلك أجمل وأكمل وأنبل، وتدرك العين الحسية والحدسية صوره الحقيقية الخفية أو المصادرة أو المهربة، تحضر بكل أبعادها ومستوياتها المتعددة، وفي كل تجلياتها المتنوعة، وفي كل تمظهراتها القريبة والبعيدة، وفي كل درجاتها الكائنة والممكنة، وفي كل حالاتها الظاهرة والخفية، ويصبح هذا الواقع ( البسيط) مركبا تركيبا صادما ومستفزا في كثير من الحالات، ويكون فيه شيء كثير من الغرابة ومن العجائبية ومن اللامنطق، ويكون بذلك صعبا على الفهم، وعلى التفسير البراني، ولعل هذا هو ما حصل مع الحلم الاحتفالي المركب والمعقد، والذي قرئ قراءة فيها شيء كثير من التبسيط ومن التسطيح أيضا.

وانطلاقا من تلك الرؤية الحلمية والعيدية، أثثت هذه الاحتفالية عالمها وكونها بالعناصر الجديدة والغريبة، وبالوقائع الجديدة، وبالأجساد والأرواح الجديدة، وأوجدت بينها علاقات أخرى ممكنة الوجود، اقتناعا منها بأنه لا مستحيل في الحلم، وبأنه لا حدود للخيال، وبأنه لا نهاية للحياة، وبأنه لا ضفاف للروح، يظهر هذا في الكتابات النظرية بكل تأكيد، والتي فيها شيء من العقل المفكر، وفيها كثير من الخيال المحلق في السماوات العالية والبعيدة، وفيها العلم والشعر، وفيها الفن والصناعة، وفيها الفقه والبلاغة، تماما كما يظهر في الكتابات الإبداعية، والتي سميناها احتفاليات مسرحية حية في الحياة الحية، ولم نسمها نصوصا مسرحية مكتوبة في الكتب المعتقلة في الرفوف، في هذا الإبداع الحيوي يتداخل الواقعي والتاريخي، ويتعايش العلم والفن، ويتقاطع اليومي مع الأسطوري، ويتحاور المألوف والمعروف مع العجائبي والسحري، وفي هذا المعنى يقول ذ. كمال فهمي في حديثه عن ( المسرحية) الاحتفالية، مشيرا إلى أن ( بنيتها غير تقليدية وغير مدرسية، وحققت الإثارة والإدهاش انطلاقا من عناوينها الغريبة: امرؤ القيس في باريس وعنترة في المرايا المكسرة،، اسمع يا عبد السميع، ابن رشد بالأبيض والأسود، ابن الرومي في مدن الصفيح، فاوست والأميرة الصلعاء) 13

وهذا التأكيد على الفعل الحيوي في الفكر الاحتفالي لا يعني أنه لا يؤمن بالكتابة، خصوصا عندما تكون هذه الكتابة فاهمة، وتكون عالمة، وتكون مفتوحة على العقل الشاعر، وتكون متجاورة ومتحاورة جدليا مع الشعر العاقل، كما أنها لا تستهين بقيمة أفكار الأساتذة المفكرين، ولا بعطاءات المبدعين الخلاقين، وهي بهذا تحترم النقل وتحترم العقل معا، مع التأكيد على قناعتها بما يقوله المعتزلة من أنه ( إذا تعارض العقل والنقل فاتبع العقل) ونضيف نحن المقولة التالية ( إذا تعارض الواقع والحلم فاتبع الحلم) ونؤكد على أنه لا قيمة لحلم لا يجمل الواقع، ولا يجدد القديم، ولا يعيد إنتاج الأشياء الموجودة بشكل مختلف ومغاير.

في الحلم فوضى ظاهرة دائما، ووراء هذه الفوضى نظام خفي، نظام لا تراه إلا العيون السحرية الخارقة، أي عيون الشعراء والحكماء وعيون المبدعين الخلاقين، وهذا النظام يحتاج للكشف عنه، ويحتاج إلى الرحيل إليه حيث هو، وبحثا عن جماليات هذا النظام المغيب ـ في الحياة والفكر وفي الإبداع معا ـ خاطر الاحتفالي بركوب متن الخيال، اقتناعا منه بأنه ليس بعد الغموض إلا الوضوح، وليس بعد الجهل إلا العلم، وليس بعد هذا النقص إلا الكمال، وليس خلف هذا القبح الواقعي إلا الجمال الحلمي، وليس بعد هذه الغفوة العابرة إلا الصحو المقيم، وليس بعد هذا الاستعباد إلا الحرية.

يقول السورياليون في واحد من بياناتهم ( نحن مختصون في التمرد) ونعتقد أنه لا وجود لحركة إبداعية أو فكرية طلائعية لا تكون مختصة في التمرد والثورة، ونؤمن بأن قدر المجددين أن يتحرروا من سلطة وسطوة السائد المستبد، وأن يكونوا في طليعة الحالمين الخلاقين والمبدعين.

حلم بطعم الرفض والتمرد

في هذا الحلم بحثنا عن المعنى، معنى أن نكون أولا، وأن نكون نحن الآن هنا ثانيا، وليس في أي مكان آخر، أو في أي زمان آخر، لقد بحثنا عن حقيقة وجودنا، وعن حقيقة أنفسنا، وعن حقيقة الآخر الذي لا يمكن أن نكتمل به، والذي يساعدنا على أن نرى شيئا من صورتنا وحقيقتنا في عينيه، وفي رؤيته، وفي تفكيره، وفي كتاباته، وفي إبداعه، ولقد مارسنا حقنا المشروع في السؤال، وفي الفضول المعرفي، وفي الشغب الفكري، وفي الكلام المسؤول، وفي التعبير الحر، وفي الجرأة العالمة، ولقد وجدنا أنه لا مجال للوصول للحقيقة إلا برفض الوهم والزيف، وأنه لا مجال للقبض على الجمال إلا برفض القبح والرداءة، ولقد تكلمنا وكتبنا، ولم نسكت عن الحق، وكان ضروريا أن نرفض كل كلام لا يحمل معنى، وأن نرفض كل كتابة لا تحمل رسالة، ولا  تضيف لهذا الوجود أية قيمة معرفية أو جمالية أو أخلاقية.

وفي عشقنا للحق والحقيقة، كان ضروريا أن نحب الوجوه، وأن نخاصم الأقنعة، وأن نرفض كل وجه لا يحمل ملامح واضحة، ولقد رفضنا كل فن لا يحمل بصمة خاصة، ورفضنا كل جسد بلا وجدان وبلا عمق وبلا روح؛ جسد له طول وعرض، وله كثافة ووزن، ولكنه بلا محرك، وبلا طاقة وجدانية محركة، وبالنسبة للحلم الاحتفالي فإن كل جسد بلا روح هو مجرد جثة، أو مجرد صورة، أو مجرد تمثال، أو مجرد (مانكان) ولا شيء كثر من ذلك.

ولقد أكدنا على ضرورة أن تحمل التجارب الفكرية والإبداعية الجديدة أسماءها الخاصة، كما أكدنا على أن كل ولادة جديدة تستوجب أن يحمل المولود الجديد اسما جديدا، وعلىه، فإن كل ما لا يسمى لا وجود له، وهو بذلك في حكم العدم، ولهذا فقد أعطينا لحلمنا الاحتفالي الجماعي اسماءه، وكانت هذه الاسماء هي المسرح الاحتفالي، وكانت هي الواقعية الاحتفالية في المسرح، وكانت هي الاحتفالية، وكانت هي الاحتفالية الجديدة، وكانت هي الاحتفالية المتجددة، وإذا كان هناك اليوم تجارب مسرحية فوضوية ليس لها نظام، وليس لها مسار ولا خط سير، فما ذنبنا نحن؟ كما أكدنا على أنه لا وجود لأية نبتة إبداعية أو فكرية ليس لها نواة صلبة، وليس لها أرضية صلبة تصعد منها، وليس لها تربة غنية وسخية تخرج منها، وليس لها مناخ فكري تحيا فيه وبه.

ولأننا نعشق الحياة، في إنسانيتها الصادقة، وفي حيويتها المتجددة، وفي مدنيتها المتحضرة، وفي حقيقتها وصدقيتها، وفي جمالياتها الظاهرة والخفية، فإننا نرفض حياة لا جديد فيها، ونرفض فنا لا يجمل الواقع، ونرفض أية تجربة وجودية أو بداعية لا خلق فيها ولا إبداع ولا جهاد ولا اجتهاد، كما نرفض أي دور مسرحي في مسرحية الوجود لا اختيار فيه، ونرفض حرية لا عقل فيها، ونرفض  اختيارا لا اجتهاد فيه، ونرفض اجتهادا لا جرأة فيه، ونرفض جرأة لا مخاطر فيها.

في المسرح، نرفض كل فعل تأصيلي مغلق على نفسه، فعل لا يجدد، ولا يتجدد بتجدد الأيام والأعوام، ولا يتحرك، ولا ينمو، ولا يفعل، ولا يتفاعل مع الأفعال الأخرى، المشابهة أو المخالفة، ولا يكون حديثا في كل عصر حديث.

وبالمقابل، فإننا نرفض كل فعل دخيل لا يتلاءم ولا يتناغم مع الأصيل، ولا ينصهر فيه، ولا يؤسس معه فعلا جديدا ومتجددا، وهذا هو الحلم الاحتفالي كما عشناه وأسسناه من قبل، وكما نحياه الآن هنا، وكما يمكن أن يصبح مستقبلا ..

الهوامش:

1 ــ عبد السلام لحيابي ( عبد الكريم  برشيد وخطاب البوح حول المسرح الاحتفالي )

منشورات إيديسوفت ـ الدار البيضاء ـ 2015 ــ  ص 170

2 ــ نفس المرجع السابق ـ ص 170

3ــ  ع. برشيد ( يا ليل يا عين) موال مسرحي ـ إيديسوفت  الدار البيضاء ـ

4 ـ  ع. برشيد (المؤذنون في مالطة ) كتاب الجيب ـ منشورات االزمن ـ الرباط 1999 ــ 111

5 ــ ع. برشيد ( اعترافات الحكواتي الجديد ) منشورات ديهيا ـ مدينة أبركان ـ ص 25 ـ26

6 ــ سانت أوجستين ( اعترافات) ترجمة سعيد الغانمي ـ مجلة ( نزوى) سلطنة عمان ـ ع:31 يوليوز 2002 ــ ص 27

7 ــ  ع. برشيد  ( اتهامات أخرى مشرفة ـ ركن ( أنا الموقع أعلاه) مجلة ( طنجة الأدبية) طنجة ـ 2015 ـ ع 57 ـ ص 4

8 ــ (المؤذنون في مالطة) نفس المرجع السابق ـ ص 99

9 ــ ع. الكريم برشيد ( فلسفة التعييد الاحتفالي: في اليومي وفي ما وراء اليومي) منشورات توبقال ـ الدار البيضاء ـ

10 ــ أندري سبونفيل ( حكمة الحداثيين) دار وليلي للطباعة والنشر ـ مراكش ـ ط1 ـ 2004

11 ــ (المؤذنون في مالطة) نفس المرجع السابق ـ ص 100

12 ــ ع. برشيد (اتهامات بتقدير مشرف جدا ) ركن ( أنا الموقع أعلاه) مجلة ( طنجة الأدبية) ع 56 ــ 2015 ـ ص 3

13 ــ  كمال فهمي ( المسرح والفلسفة هل الاحتفالية فلسفة؟ مجلة المدى ـ الدار البيضاء ـ 2015 ــ ص 84

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com theatretafukt@gmail.com
Télé: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.