Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مواعيد فنية - ثقافية: برنامج الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 11:24
مسرح - الفنون الدرامية: فنانو الدراما بالمغرب بمجلس النواب - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:04
متابعات - تغطيات صحفية: بلاغ الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 29 نيسان/أبريل 2019 10:30
مواعيد فنية - ثقافية: موسم السينما الصينية بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 18:14
أخبار - منوعات - إصدارات : روائع الفن الانطباعي العالمي بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 13:09
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: فيلم المنتقمون: نهاية اللعبة - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:21
متابعات - تغطيات صحفية: بيتر بروك يفوز بجائزة أستورياس - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:06
بحوث - مقالات - دراسات: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 3) - الثلاثاء, 23 نيسان/أبريل 2019 19:14
مختارات - كتابات - مواضيع: اتجاهات نقدية معاصرة - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 09:40
مواعيد فنية - ثقافية: ندى الحاج ببيت الشعر في المغرب - الجمعة, 19 نيسان/أبريل 2019 11:09
Blue Grey Red
بحوث - مقالات - دراسات

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 3)

الثلاثاء, 23 نيسان/أبريل 2019 19:14

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 3)

تقديم

تشرع مجلة تافوكت للفنون والإبداع في تجميع ونشر مجموعة مقالات مستقلة أو عبارة عن سلاسل بحوث أو دراسات تعنى بالمسألة الأمازيغية في كل تجلياتها وبكل تشعباتها وبشكل عام يشمل كل المناحي و من كل الزوايا مع استقراء طروحات مختلف وجهات النظر. وذلك تنويرا للباحثين والقراء عموما… ولا يفوتنا في مجلة تافوكت للفنون والإبداع شكر جميع المصادر والكتاب.

مرحبا بكل الأقلام والآراء والبحوث بهدف إغناء ساحة النقاش والمعرفة فيما يخص المسألة الأمازيغية.

توطئة خاصة بسلسلة: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي

يسود الاعتقاد عند المثقفين عموما، بل حتى عند بعض الباحثين المتخصصين، بأن الحديث عن المسألة الأمازيغية إبان عهد الحماية إنما يعني أساسا الظهير البربري بتاريخ 16 مايو 1930. وهذا الاعتقاد خاطئ لا محالة، لأن ظهير 1930 لم يكن في الواقع إلا تتويجا ونتيجة حتمية لمسلسل بدأت الإيديولوجية الكولونيالية في رسم حلقاته منذ أمد بعيد؛ وهو ما يسعى إلى تبيانه الدكتور الطيب بوتبقالت في هذه السلسلة التي ننشرها في 10 أجزاء كل منها يتكون من 3 عناوين رئيسة... عن هسبريس التي نشرتها في 30 حلقة.

بقلم أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال الدكتور الطيب بوتبقالت

حملات تنصير المغاربة

لما بدأ المستعمر الفرنسي في تطبيق سياسة «فرق تسد» بين أفراد الشعب المغربي كان من الطبيعي أن يلجأ إلى كل السبل المتاحة والممكنة من أجل الوصول إلى الأهداف التي رسمها في إطار مخططه العدواني. وقد وجد في العامل الديني أحد مرتكزاته الدعائية التخريبية، لذلك لم يتردد لحظة واحدة في إقدامه على محاولة زرع التشويش العقائدي والبلبلة الروحية عبر تشجيعه الماكر لقضايا التبشير ومساعي التمسيح في عمق الأوساط المغربية المسلمة.

والواقع أن تراكمات الماضي من أفكار نمطية وما خلفته المواجهات التاريخية من تطرف ومغالاة مبنية على خلفية من الانتماءات الدينية جعلت السياسة الكولونيالية ترتمي في أحضان الكنيسة، بالرغم من تظاهرها في كثير من الأحيان بالعلمانية. ومن الافتراءات المشهورة والتهم الكاذبة التي ما فتئت الدعاية الغربية تروجها منذ الحروب الصليبية تلك التي تدعي أن الإسلام قام وانتشر بحد السيف وليس بالإقناع والاقتناع، وأنه دين التعصب والتطرف واللاتسامح، وأنه مبني أساسا على العنف وكراهية الآخر. فإذا كان لهذه المزاعم أساس من الصحة، ولو بنسبة ضئيلة، كيف يمكن إذن فهم الحضارة العربية الإسلامية التي كانت في أوج عظمتها وقوتها ومع ذلك تركت اليهود والنصارى أحرارا يتعبدون في كنائسهم ومعابدهم في دار الإسلام؟ الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الإسلام دين التسامح والتعايش واحترام الآخر في مظهره وعقيدته، وأنه لا إكراه في الدين، وأن الحوار السلمي مع أهل الكتاب "بالتي هي أحسن" هو القاعدة العامة بينما تبقى المواجهة العنيفة مجرد استثناء.

ولا يهمنا هنا عرض إشكالية كيف تمكن الإسلام من دخول قلوب المغاربة الذين اختاروه وفضلوه على الديانات التي كانت سائدة في المغرب قبل ظهوره، بقدر ما يهمنا المشروع الكولونيالي الذي سخر الإرساليات المسيحية لأغراضه وأطماعه التوسعية تحت رداء "المحسن الكريم". وقد سبق لنا أن خصصنا 30 مقالا تحت عنوان: "تطور العلاقات المغربية - المسيحية من العصر الروماني إلى نهاية القرن العشرين"، وهي سلسلة نشرتها الجريدة الإلكترونية هسبريس عبر حلقات يومية خلال شهر رمضان الكريم لسنة 1437.

تجديد النشاط التبشيري

وللتذكير فإنه منذ مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، كانت طائفة الرهبان الفرنسيسكان التابعة للمذهب الكاثوليكي تقوم بنشاطها الديني داخل المغرب. وتحديدا يبدو أن سنة 1219 كانت البداية الفعلية لهذا النشاط. ولم تفلح عناصر هذه الطائفة في اختراق المجتمع المغربي المسلم، بالرغم من كل ما بذلته من مجهودات مستميتة من أجل ذلك. ومع تراجع مكانة المغرب على المسرح العالمي وتنامي النفوذ الغربي بصفة عامة، بدأت رياح التنصير تهب بشدة على البلاد.

وهكذا، أسس البابا كريكوار الخامس عشر في سنة 1622 جمعية رهبانية بهدف نشر المسيحية في «بلاد الكفر» واعترفت هذه الجمعية سنة 1630 بـ«إرسالية مراكش» التي تم وضعها تحت إشراف الطائفة الفرنسيسكانية. وقد تم تكليف رهبان الابرشية الإسبانية في سان دييكو بتدبير شؤون "إرسالية مراكش".

ولما تدهورت أوضاع البلاد إلى حد لم يعد في استطاعتها الحفاظ على السيادة الوطنية، وقع المغرب في سنة 1859 معاهدة يعترف بموجبها رسميا بهذا النشاط الفرنسيسكاني. وكانت الإرسالية آنذاك تتكون من أبوين كاثوليكيين فقط. وبعد إذن من الحبر الأعظم قام الكاردينال المسؤول عن الجمعية الرهبانية بتعيين مدبر رسولي لإرسالية «مراكش، تطوان والصويرة»، وكان ذلك يوم 15 دجنبر 1859. ويعد الأب جويسبي انطونيو صباطي أول مدبر رسولي يحصل على هذه الصفة رسميا مع الصلاحيات التي تمنحها الكنيسة الكاثوليكية في هذا الإطار، ومعنى ذلك أن الهيئات الكاثوليكية العليا بدأت تهتم بمستقبل المسيحية في المغرب.

ومما تجدر الإشارة إليه هو أن المشروع التنصيري عرف بدايته الفعلية في شكله الجديد المتمثل في التحالف الموضوعي الإمبريالي المسيحي غداة احتلال الجزائر. نعم، كانت سياسة التوغل الاستعماري تعتمد قبل كل شيء على المدرسة وتوظيفها كوسيلة فعالة في نشر وتثبيت نفوذ الهيمنة؛ لكنها في الوقت نفسه لم تكن تعني بهذا التوجه إغفال ما قد توفره لها الحملات التبشيرية من تسهيلات إضافية، وهو الشيء الذي رحب به رجال الكنيسة من الوهلة الأولى، لذلك وجب الحديث عن التحالف الموضوعي بين الطرفين. وفي تقرير أعد سنة 1885 حول الجزائر، تناول هرمان كروكر هذه النقطة مستخلصا ما يجب على الفرنسيين القيام به: «لم تكن المحاولات التمدينية الاجتماعية المحضة بالجزائر ناجحة، لأنها واجهت الإسلام واحترمته، ومن هنا نستخلص أن المسألة الجزائرية مسألة دينية، ويبقى السؤال المطروح هو: من ذا الذي يجب عليه محاولة حلها من غير المسيحيين الفرنسيين؟"..

شارل دو فوكو ولورتشندي

بعد احتلال الجزائر أصبح المغرب حقلا للاستكشاف والاستطلاع بالنسبة إلى المشاريع التبشيرية التابعة للاستعمار الفرنسي. وهكذا، غادر طنجة يوم 20 يناير 1883 شاب في حوالي الخامسة والعشرين من عمره، على ظهر بغلة وكان متوجها إلى تطوان ويدعي أنه يوسف علمان، حاخام الجزائر. تنقل هذا الشاب في جهات مغربية زهاء سنة كاملة تقريبا، أما هويته الحقيقية فهي الأب شارل دو فوكور المعروف منذ ذلك الحين بأدائه الاستخباراتي المتميز. يقول الباحث جون فكتور بصدد رحلة هذا المستكشف الجاسوس: «لقد شكل دو فوكور للمغرب أهم رحلة أنجزها أوربي قبل عهد الحماية». وكانت طريقة عمله في غاية من الدقة: كان يجمع معلوماته الاستخباراتية في كنانيش صغيرة لا تتعدى خمس سنتمترات مربعة، بحيث كان يتمكن من إخفائها في مقعر يده اليسرى، وبواسطة قلم رصاص لا يتعدى علوه سنتمترين كان يدون ملاحظاته بثبات وأمان. لقد كان لهذه الأعمال التجسسية وقع كبير على وتيرة تقدم التغلغل الاستعماري بالمغرب، وبمداد الفخر والاعتزاز سجل الفرنسيون هذا الإنجاز: "وضعت مصلحة جغرافية المغرب خط سير دو فوكو على خريطة بمقياس 200.000/1، وبإمكان المرء أن يتخيل شعور الامتنان والافتخار الفرنسي بذلك، إنه نفس خط السير الذي تبعته قواتنا نصف قرن فيما بعد تحت قيادة الجنرال هنري لتتحقق بذلك أمنية مستكشف 1884". وهكذا، تم تسييج المغرب الجغرافي بكامله في حدود الحماية الفرنسية، وبذلك يكون رجال الكنيسة قد وضعوا أنفسهم رهن إشارة السلطات الاستعمارية؛ لأن ذلك في اعتقادهم لا يمكنه إلا أن يخدم مصلحة انتشار الديانة المسيحية.

بيد أن الدعاية التنصيرية بالمغرب لم تسجل آثارا تذكر، لأن الإسلام كان يقف في وجهها كسد منيع يصعب عليها اختراقه. ففي سنة 1896، توفي بطنجة الأب لورتشندي الذي كان مدبرا رسوليا للبعثة الفرنسيسكانية الإسبانية بالمغرب منذ 1877. لقد جاءت حصيلة نشاط هذا المبشر في صفوف المغاربة على خلاف ما كانت تطمح إليه الأوساط الاستعمارية. وفي هذا الموضوع تقول رسالة بتاريخ 29 مارس 1896 من المفوضية الفرنسية بطنجة ما نصه: «لم يكن الأب لورتشندي يتوهم أن هناك حظوظا لنجاح الدعوة الإنجيلية في بلد ضرب فيه التعصب الإسلامي أطنابه. كان يسعى إلى خدمة بلده (إسبانيا)، ويعترف عن طيب خاطر بعدم جدوى مجهوداته فيما يتعلق بالدعاية الدينية، معتبرا كل مجهود دعائي بمثابة خطأ، ومصرحا بأن تأثيره على المغاربة كان بمقدار امتناعه عن النشاط الدعائي كقسيس كاثوليكي وكرئيس للإرسالية الفرنسيسكانية. وبالفعل فإننا لا نجد ولو مغربيا واحدا اعتنق المسيحية». ولعل هذه السلوكات التي تحلى بها الأب لورتشندي هي التي دفعت بالسلطان مولاي الحسن الأول إلى ربط علاقات تعاون ودية معه وتكليفه بمهمات تمثيلية لدى الفاتيكان.

المخاتلة التمسيحية

إن عدم جدوى التبشير في بلاد الإسلام هو الذي جعل المبشرين المسيحيين يمارسون نشاطهم الدعائي تحت غطاء أنشطة اجتماعية ذات طابع «إنساني»؛ لكن ذلك لا ينسحب على هذا النشاط التبشيري في أوساط الجاليات الأوروبية. بمعنى أنه طالما التزم المبشر باحترام مشاعر المسلمين واكتفى بنشر دعايته في صفوف المسيحيين الموجودين بصفة قانونية في دار الإسلام، فلا أحد يمسه بسوء؛ بل على العكس قد ينال بفضل سلوكه المتزن وفهمه الصحيح لحوار الأديان وتعايشها احترام الناس وتقديرهم له. وهذا ما يبدو قد حدث مع الأب لورتشندي في المنطقة الشمالية المغربية، إلا أن بعض المصادر تؤكد أنه كان جاسوسا لمصلحة النفوذ الإسباني بالدرجة الأولى، وهو شيء غير مستبعد تماما.

ولما تيقنت «الإرسالية الانجليزية لشمال إفريقيا» من أن حظوظ نجاح أنشطتها التبشيرية ضئيلة جدا أعطت توجيهات لمبشريها البروتستانت قصد القيام بخدمات طبية واجتماعية ونصحت أفرادها بالعدول عن أساليب التبشير العلني المباشر لصالح التبشير المتستر غير المعلن. وهي الطريقة نفسها التي اتبعتها «إرسالية المغرب الجنوبي الكالفانية» منذ استقرارها بمراكش في أواخر القرن التاسع عشر. وكتمويه لنشاطها التبشيري فتحت بهذه المدينة مستوصفا صغيرا ومعملا للخياطة والطرز. وأما أعضاء الإرسالية الأمريكية بالمغرب، التابعون لإرسالية «قداس الوحدة» التي كان يوجد مقرها بكنساس سيتي، فقد كانوا يتنكرون بزي مغربي، وكاد سلوكهم التبشيري المفضوح أن يلحق الضرر بمهام المبشرين الأوروبيين الذين كانوا أكثر حيطة وحذرا منهم. ويصف أوجين أوبان نشاطهم بقوله: «في البداية، كانت عادتهم المزعجة تتمثل في نشر الوعظ على الطرقات وفي الأسواق ثم طلب منهم بإلحاح أن يكفوا عن هذا حتى لا يعرضوا المبشرين الأوروبيين للخطر، بعد ذلك انتقلوا إلى البادية ليتابعوا بذل مجهوداتهم غير المثمرة في القرى والمداشر".

ومع بداية القرن العشرين، كان يوجد بالمغرب 28 قسيسا و25 راهبا، معظمهم من الإسبان المنتمين للطائفة الفرنسيسكانية. كانوا موزعين على المراكز التالية: طنجة، العرائش، تطوان، الرباط، الدار البيضاء، الجديدة، آسفي، والصويرة. وبالرغم من كثرة عددهم فإن نشاطهم التبشيري كان متواضعا جدا وتحركاتهم حذرة وتتظاهر بالتسامح ومساعدة الغير. وعلى العكس من ذلك، فإن تحركات وأنشطة الإرسالية البروتستانتية كانت تتسم بطابعها الدعوي، وكانت ممثلة عن طريق ثلاث فرق هي: إرسالية شمال إفريقيا التي كانت تتمركز بلندن، وكان نشاطها الفعلي يلاحظ في طنجة والدار البيضاء وتطوان وفاس. وهناك إرسالية الجنوب المغربي الكالفانية التي كانت تنشر عادة نتائج أنشطتها على صفحات جريدة دينية كانت تصدر بكلاسكو، وقد كان لها مبشرون بالجديدة وآسفي والصويرة ومراكش. وأخيرا الطائفة الانكليكانية لنشر المسيحية في الأوساط اليهودية، حيث كانت تستهدف اليهود المغاربة لتنصيرهم، وكانت لها جريدة تصدر بلندن وفيها تنشر نتائج أعمالها التبشيرية؛ لكن نفوذ المذهب البروتستاني لم يسجل أي انتشار في الأوساط اليهودية المغربية، بالرغم من ديناميكيته.

ونظرا لما كان يمثله العامل الديني من مكانة بارزة في مقومات الهوية المغربية، فإن المخطط الاستعماري التوغلي أولاه أهمية بالغة، ولم يكتف بتشجيع وتنظيم الأعمال التبشيرية المسيحية؛ بل حاول اختراق المؤسسات ذات الطابع الإسلامي المغربي، ومع كامل الأسف لم تكن محاولاته كلها فاشلة.

خيانة الزاوية الوزانية

شكلت الزوايا لعدة قرون ظاهرة مميزة للنسيج الثقافي المغربي، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاستهانة بتأثيراتها في شتى المجالات، إنها تعتبر من المؤسسات الاجتماعية المغربية العريقة ذات الأدوار والاختصاصات المتعددة والمتكاملة. فالزاوية مركز تواصلي إشعاعي يؤدي وظائف دينية روحانية وأخرى تربوية تأطيرية، بالإضافة إلى كونها تشكل نواة لحركة اقتصادية موسمية أو مصدرا لسلطة سياسية أو حتى محركا لتغيير ثقافي شامل وعميق.

وتلتصق الزاوية أيما التصاق بظاهرة التصوف الإسلامي الذي نشأ وازدهر انطلاقا من القرن الثاني الهجري بمثابة شعور باطني منبعه الإيمان بوحدانية الله، والاستسلام لإرادة الخالق في جو من التقوى تنمحي فيه شخصية المخلوق. إنه سلوك مبني على محبة الله وتهذيب النفس البشرية الأمارة بالسوء والمتشبثة بالماديات الزائلة زوال الإنسان نفسه. وعموما لكل زاوية طريقة صوفية يلتزم بها مريدوها في بحثهم الباطني عن كيفية ولوج هذا العالم الروحاني العجيب.

انتشرت الزوايا في إفريقيا الشمالية عامة، وفي المغرب خاصة، بفضل أشخاص قاموا قبل ذلك بزيارات إلى المشرق العربي قصد تأدية مناسك الحج، وعند رجوعهم كرسوا جهودهم للوعظ والإرشاد ونشر الإسلام والدفاع عنه. ثم تكونت حولهم مجموعات من المتعبدين والنساك الذين انخرطوا تلقائيا في تنظيمات ما لبثت أن تحولت إلى مؤسسات قائمة الذات، تنتسب إلى سيدي (فلان) الذي يرجع إليه الفضل في وضع الركائز الأولى للزاوية التي تحمل اسمه بزيادة ياء النسب المشددة: كالشادلية والجزولية والتيجانية والعساوية والدرقاوية...إلخ.

الوجه الآخر للزوايا

يمكن القول إن هذه المؤسسات السوسيوثقافية كانت دائما تنعم في المغرب بنوع من الاحترام والتقدير نظرا لطبيعتها الدينية واندماجها التام في محيطها الاجتماعي والاقتصادي، وربما نظرا كذلك لطبيعة المجتمع المغربي كمجتمع جد محافظ وميال إلى التأملات ذات الطابع الميتافيزيقي. إلا أن بعض الزوايا اكتسبت من الاستقلال المادي ومن الإشعاع الروحي ما جعلها تنتصب كدولة داخل الدولة، وتهدد بفعل وزنها المتنامي وانتشار طقوسها السلطة السياسية بالبلاد.

لقد تنبه سلاطين المغرب إلى هذه التوجهات الخطيرة التي تتخذ في بعض الأحيان طابعا فوضويا مشجعا للهرطقة والارتداد عن الدين، وتصدوا لها بعزيمة من حديد كما حدث ذلك إبان حكم السلطان مولاي اسماعيل. وفي كتاب "الاستقصاء" للناصري انتقادات عنيفة موجهة لأتباع بعض الزوايا الذين زاغوا عن تعاليم الإسلام الحنيف، حيث أصبحت ممارساتهم الشعائرية في إطار ما يسمى بـ"الحضرة" عبارة عن هيستيريا جماعية قد تشغلهم حتى عن أوقات الصلاة. تنظيمات من هذا النوع لا بد وأن تثير اهتمام المستعمر قصد استغلالها خدمة لنشر نفوذه وترسيخ قدمه. وهذا ما حصل بالفعل منذ دخول الفرنسيين أرض الجزائر.

زاوية وزان في خدمة الاستعمار الفرنسي

استولى الفرنسيون على الجزائر، ورغم ذلك بقي الشعب الجزائري يقاوم بمعنويات عالية. وكان مما استرعى انتباه قوات الاحتلال وجود تأطير اجتماعي تعبوي تقوم به الزاوية التيجانية في مواجهة الغزاة. وفي محاولة منه لاستقطاب العناصر القيادية لهذه الزاوية، كتب الجنرال الفرنسي بيجو رسالة إلى شيخ التيجانيين يقول فيها: "إنك تنصحنا بوضع حد لظلمنا وطغياننا، وتحثنا على سلوك الصراط المستقيم، وأنا أقول لك إن اتهاماتك لا أساس لها من الصحة، وبالتالي فإن نصائحك ستظل عديمة الجدوى".

ومع ذلك، فإن الجنرال الفرنسي كان ميالا إلى إغواء الشيخ التيجاني أكثر من ميله إلى ترك المجابهة مفتوحة بينهما. واقترح عليه ما يلي: "رغم اتهاماتك غير المقبولة، فإنني سأبقى أكن لك كثيرا من الاحترام وسأتركك تعيش في أمن وسلام، لكن في مقابل ذلك أوصيك بعدم تدخلك في السياسة، ويجب عليك من الآن فصاعدا أن تغض الطرف كاملا عن جميع أنشطة الحكومة".

وطبعا تم التركيز على الامتيازات المادية والمنفعة الشخصية التي سيحصل عليها شيخ الزاوية في مقابل خضوعه للأمر الواقع. وكخطوة أولى على درب تعاون أشمل، اتخذ الجنرال بيجو كل الاحتياطات اللازمة، حيث كتب إلى الشيخ التيجاني ليطمئنه: "في كل مرة تحتاج فيها إلى شيء ما، أو خدمة معينة، ما عليك إلا أن تراسل الخليفة سيدي أحمد بن سالم الموجود في بلدة لغوات، الذي سيرفع طلبك إلى الجنرال مارك الذي بدوره سيخبرني برغباتك، وفي حالة ما إذا تركك هذان الشخصان بدون جواب، فإنني أرخص لك بمراسلتي مباشرة بدون أي وسيط، والسلام".

وبعد فترة مد وجزر، تطورت العلاقات لفائدة الاستعمار الفرنسي إلى درجة أن شيخ الزاوية التيجانية، سيدي أحمد البشير، تزوج سنة 1870 بفرنسية اسمها أوريلي بيكار...

والجنرال الفرنسي بيجو نفسه هو الذي أمر قنصل فرنسا بطنجة سنة 1843 بربط الاتصال مع سيدي الحاج العربي، شيخ زاوية وزان. وكانت هذه مجرد خطوة استطلاعية في أفق تنمية العلاقات بين الجمهورية الفرنسية والزاوية المذكورة، وجاءت كل الدلائل لتبين أنها كانت مبادرة مثمرة للغاية، واتضح ذلك جليا لما منحت فرنسا حمايتها للحاج عبد السلام بن الحاج العربي سنة 1883م، ولم يكن زواج هذا الأخير بسيدة انجليزية عائقا أمام خدمة الاستعمار الفرنسي.

وفي هذا المضمار، يقول بول أودينو: "منذ ذلك التاريخ لم يكن لفرنسا إلا الثناء تجاه الخدمات الجليلة التي قدمها لنا شرفاء وزان". ونتجت عن حماية شيخ الزاوية، كما كان منتظرا، تفاعلات عمت كثيرا من اتباع الزاوية المعنية، الذين بدورهم طلبوا ومنحوا الحماية الفرنسية. ومن جراء ذلك بدأت سمعة الزاوية الوزانية في التراجع لدى الرأي العام المغربي.

و ورد في تقرير للمفوضية الفرنسية بهذا الشأن بتاريخ 23 نونبر 1896م ما نصه: "إن الحماية الأجنبية الممنوحة لشرفاء وزان من سلالة المؤسسين لهذا التنظيم، والسلطة التي يمارسونها على اتباعهم، ساعدتا على زيادة مستمرة في صفوف المنتمين لهذه الزاوية، الذين بواسطتها يبتغون التخلص من ابتزازات المخزن، خاصة في أقاليم الرباط والغرب. لكن ليبرالية المتوفى السيد الحاج عبد السلام الوزاني وزواجه بنصرانية، ولا سيما الحماية الأجنبية التي أحرز عليها لفائدة عائلته، كانت كلها عوامل ازعاج بالنسبة لمعظم مواطنيه".

كان عبد السلام بن الحاج العربي قد زار الجزائر سنة 1891م، حيث أعطيت له التعليمات بهدف نشر دعاية موالية لفرنسا حتى يتسنى لهذه الأخيرة احتلال مناطق توات وكورارة بدون مواجهة مع سكانها المغاربة. وفي هذا السياق، وقع الشيخ التزاما يضع بموجبه زاويته رهن إشارة فرنسا، وبعد موته سنة 1892م جاء دور ابنه مولاي العربي ليقوم هو الآخر بزيارة إلى الجزائر الفرنسية قصد تجديد التزامات الوالد المتوفى. ويشير التقرير المذكور أعلاه إلى أن: "شرفاء وزان هم الذين سهلوا توغلنا في إفريقيا الصحراوية وفي المغرب، وكل المستكشفين(الجواسيس) استفادوا من مساعدتهم".

وعم الفساد ...

جرت الاتصالات الفرنسية مع ممثلي مختلف الزوايا المغربية بصفة تدريجية وكانت ناجحة في معظم الأحيان. وهكذا كانت فرنسا تسمح للقنادسة والكزازيين بالقيام بجولات لجمع التبرعات (الزيارات) داخل الجزائر المحتلة. ولعل هذه السياسة المبنية على التساهل الماكر هي التي كانت وراء سلوك الزوايا المستفيدة التي لم تحرك ساكنا عندما أقدمت فرنسا على احتلال ايكلي.

وبالمقارنة مع الجزائر حيث عدد الزوايا قليل، فإن الفرنسيين وجدوا في المغرب عددا كبيرا من هذه التنظيمات التي اعتبروها "قوات اجتماعية يجب علينا أن نسخرها لصالح تغلغلنا بهذا البلد". وكانت وسائل الإغراء و الاجتذاب المستعملة من طرف الغزاة عبارة عن إعانات مالية وامتيازات أخرى مادية يذوب تحت تأثيرها الشعور الوطني للمستفيدين.

وبهذا الصدد، يعلق إدمون دوتي: "كيفما كان التردد والاحتراس الذي نلاقيه في البداية، فعلينا أن لا نيأس، لأن في الواقع غالبا ما تكون قابلية ارتشاء شيخ الزاوية أكثر من تعصبه الديني". وحسب استطلاع أجرته المفوضية الفرنسية بطنجة في أواخر القرن التاسع عشر، يبدو أن أربعة أخماس من سكان المغرب كانوا ينتمون إلى الزوايا، وبدون شك أن في هذا الاستطلاع شيئا من المبالغة، ولكن يستفاد منه على الخصوص أن ظاهرة انتشار الزوايا بالمغرب كانت شبه عامة.

الاستطلاع نفسه يؤكد عدم وجود علاقات بين الزوايا المغربية والإمبراطورية العثمانية، أو أي دولة مسلمة أخرى. وهذا معناه أن فرنسا وجدت مجالا استراتيجيا لتفعيل نفوذها في غياب أية منافسة، لا سيما وأنها اكتشفت من خلال تجربتها الاستعمارية بالجزائر مدى أهمية هذه المؤسسات في تأطير المجتمع الشمال الإفريقي وتوجيهه، كما أنها تعرفت عن قرب على طريقة تنظيمها وعلى نقاط ضعفها الكثيرة.

و لإيقاف تواطؤ الزوايا مع قوات الاحتلال والضرب على أيدي من يتاجر بالمصالح الوطنية العليا، وحدها سلطة مخزنية قوية كانت مرشحة لأداء هذا الدور المشروع. بيد أن المخزن المغربي كان طريح الفراش... وأين هم العلماء المغاربة من هذا المد الاستعماري عبر الزوايا؟

إن مصداقيتهم، حسب المصدر الاستطلاعي نفسه، قد تبخرت: "لم يعد لهم ذلك التأثير الذي كسبوه في الماضي بفضل كفاءتهم الحقيقية وبفضل الدور الذي لعبوه في تاريخ المغرب. لقد طالهم الفساد كما أن الفتوى التي أدلوا بها بطلب من المخزن هذه السنين الأخيرة أفقدتهم كل مصداقية (...) إنهم يتقاسمون خمس بيت المال، والسلطان يمنحهم امتيازات مختلفة، من كسوة ومال وحبوب... إلخ. وكلهم يوجدون تحت سلطة قاضي القضاة الذي هو الآن (1896) عبد الوهاب المعز، لكنهم في الواقع لا يشكلون هيئة منظمة".

وعليه، فإن الأرضية والظروف كانت كلها مناسبة لاكتساح عالم الزوايا بالمغرب وجعله يدور في فلك فرنسا، إلى درجة أنه من ضمن عشرات الزوايا النشيطة لم تقف في وجه المستعمر سوى اثنتين، وهما زاوية ماء العينين في الجنوب والزاوية البوعزاوية التي كانت وراء انتفاضة الشاوية عند دخول قوات الاحتلال إلى الدار البيضاء سنة 1907م. وهذا ما أكده جورج سبيلمان: "وفعلا لزمت التنظيمات الدينية الأخرى حيادا حذرا، وأكثر من ذلك لأن البعض منها، احتراما للقرارات الشريفة، وضعت نفوذها سرا رهن إشارتنا، وأذكر على الخصوص شرفاء وزان، وشيخ الدرقاويين، وزاوية أبي الجعد، والزاوية الكتانية التي أعيد فتحها تحت تأثير شيخها السيد عبد الحي الكتاني الذي خلف السيد محمد الكبير".

ومن الجدير بالإشارة هنا أن الفرنسيين كلفوا عبد الحي الكتاني سنة 1913م ليقوم بالتأثير على هيبة الله ماء العينين قصد إخضاعه للنفوذ الفرنسي، وقد أبدى الكتاني في أداء مهمته انصياعا فات كل التوقعات، مما جعل المستعمر يخطط لاستعماله "في المناطق البربرية بنجاعة، في اليوم الذي نكون فيه بحاجة إلى خلق مواجهة بين المناطق البربرية والمناطق العربية (كذا)". وبذلك يتضح أن المسألة الأمازيغية كانت حاضرة في المشروع الكولونيالي منذ بداية تحريك آلياته وأساليبه العدوانية ضد مكونات الشعب المغربي قاطبة.

مؤامرات الحماية الأجنبية

بناء على الأعراف والتقاليد الدبلوماسية الدولية، كان يوجد من الناحية القانونية نوع من الحماية القنصلية التي لا تمس بأي حال من الأحوال صميم السيادة الوطنية. ففي هذا الإطار العام، كانت تندرج عدة معاهدات أبرمها المغرب مع عدد من الدول الأوروبية، والتي تشير ضمنيا أو بصريح العبارة إلى مؤسسة الحماية القنصلية؛ ولكن في حدود معقولة وخاضعة للمراقبة القانونية من لدن الدولة المضيفة. ومثل هذه الترتيبات منصوص عليها في معاهدات كثيرة: المغرب - السويد (16 ماي 1763)، المغرب - فرنسا (28 ماي 1767)، المغرب - الدانمارك (25 يوليوز 1767)، المغرب - البرتغال (27 يونيو 1773)، المغرب - الولايات المتحدة الأمريكية (21 يونيو 1786)... وإذا كانت هذه المعاهدات تلتزم روحا ونصا باحترام الاتفاقات المبرمة في إطارها الدولي المتعارف عليه، فإن المعاهدات التي أبرمها المغرب بعد معركة إيسلي (1844) سجلت نقلة نوعية في تعامل الدول الأجنبية مع مسألة الحماية القنصلية متخذة إياها ذريعة لنشر نفوذها وكسب أكبر عدد ممكن من المحميين المغاربة وفقا لمصالحها. ويتعلق الأمر، خصوصا، بالمعاهدة المغربية الإنجليزية المبرمة بتاريخ 9 دجنبر 1856 (مادة 3)، والمعاهدة المغربية الإسبانية بتاريخ 20 غشت 1861 (المادتان 3 و47)، وكذلك الاتفاقية المغربية الفرنسية الموقعة بتاريخ 19 غشت 1863. وبسوء نية مبينة كانت نصوص تلك الاتفاقيات قابلة للتأويلات المطاطية من لدن الدول الأوروبية المعنية التي أصبحت بفعل هذا الواقع تبيع وتشتري المحميين المغاربة كنعاج أهم ما فيها أصوافها ولحومها ليس إلا..

غياب الشعور الوطني لدى المحميين

نقولها بكل صراحة إن الحماية الأجنبية التي أسالت لعاب الكثيرين من المغاربة خلال القرن التاسع عشر بقيت وصمة عار على جبين هؤلاء مهما كانت الاعتبارات والأسباب والمسببات التي دفعتهم إلى الارتماء في أحضان الأجانب ضدا على بلادهم. حتى إن البعض منهم كان يتبجح بوجوده تحت حماية أجنبية ولا يجد غضاضة في الإساءة إلى عشيرته والانتقام لأتفه الأسباب من أبناء جلدته... ولم يكن المغاربة المحميون متنصلين من مغربيتهم بقدر ما كانوا يتسوقون بجنسيتهم المغربية مقابل امتيازات مادية تافهة، إنهم كانوا من حيث يدرون ومن حيث لا يدرون في حالة تآمر على الذات المغربية.

وإذا لم يوجد أي تعريف قانوني للحماية القنصلية في غاية الوضوح، فإن الممارسة هي التي كانت تبين طبيعتها الحقيقية ومدلولها الفعلي. لقد اكتشف الأوروبيون في هذه الممارسة عملا مربحا و بتكاليف منعدمة تماما، وأدى تهافت المغاربة على هذا النشاط إلى ازدهار هذه الحركة التخريبية وانتشارها لتطال مختلف شرائح المجتمع المغربي. ومن جديد وجدت الدول الاستعمارية هشيما أجج نيران أطماعها وضاعف من تكالبها على البلاد؛ لكن صارعها التنافسي لاقتناء أكبر عدد ممكن من المحميين والاتجار فيهم بدون قيد ولا شرط طرح مشكل تدبير نفوذ كل دولة على حدة. وأما الدولة المغربية فقد كانت في حالة عجز تام، حيث لم تستطع التصدي لهذا التصعيد الخطير الذي آلت إليه أمور الحماية القنصلية على أرضها. وفي ذلك يقول المؤرخ شارل أندري جوليان: «أدت المغالاة في تمديد وتوسيع قانون الحماية إلى تعرض وجود الدولة المغربية للخطر، وقد بينت هذه المغالاة أنه أمام تحالف المصالح لم تعد هناك أية مقاومة دبلوماسية ممكنة. ولم يصدر أو يحدث أي نداء ضمير لكبح جماح هؤلاء المخربين، لقد كان الأوروبيون يتصرفون وكأنهم في بلد استعمروه فعلا، وكل الوسائل كانت بالنسبة لهم مباحة".

وفي سنة 1877، كان المحميون المغاربة حسب لوائح المندوبيات والقنصليات الأجنبية يعدون بالآلاف؛ وهو ما دفع بمحمد بركاش، المندوب السلطاني بطنجة آنذاك، إلى تقديم ورقة احتجاج إلى ممثلي الدول المعنية. وقد تضمن هذا الاحتجاج مشروع إصلاح لنظام الحماية، بالإضافة إلى اقتراح يرمي إلى انعقاد مؤتمر بالمدينة نفسها سنة 1879. والواقع أن الدول المعنية نفسها كانت في أمسّ الحاجة إلى ترتيب أوراق نفوذها على أرض الإمبراطورية الشريفة التي لم يعد يبقى منها إلا الاسم. وبعد مشاورات فيما بين ممثليها تم الاتفاق على انعقاد مؤتمر لهذه الغاية سنة 1880 ليس في طنجة، كما اقترح المغرب، ولكن في مدريد كما أرادت تلك الدول.

مؤتمر مدريد حول قانون الحماية

(16 ماي-31 يوليوز 1880)

حضر أشغال مؤتمر مدريد حول نظام الحماية الأهلية بالمغرب ممثلون عن اثنتي عشرة دولة وهي: إنجلترا، وفرنسا، وإسبانيا، وألمانيا، والبرتغال، وهولندا، وبلجيكا، والسويد، والنرويج، والدانمارك، والنمسا–هنغاريا و... المغرب طبعا ! وهكذا، اتفق ممثلو هذه الدول على إعفاء المحميين من الخضوع للقوانين المغربية، وبالتالي الإعفاء من الضرائب ما عدا ضريبة فلاحية وأخرى على الأبواب والممتلكات الحيوانية، علما بأن الوعاء الضريبي وعناصر العملية الجبائية كانت تتم تحت إشراف المسؤولين الأجانب كما نصت على ذلك المواد 2 و 12 و 13 من الاتفاقية. وكانت الحماية نوعين: حماية تجارية تهم السماسرة والوسطاء، وحماية فلاحية تسمى مخالطة. وبإمكان السلطات القنصلية توظيف جندي – ترجمان واحد، و خادمين اثنين، وكاتب واحد عند الاقتضاء. وهؤلاء جميعا يصبحون بعد توظيفهم «محميين» وفقا للمادة 3. ويحق لكل الممثلين الأجانب رؤساء البعثات أن يوظفوا تراجمة ومستخدمين من بين رعايا السلطان (المادة 2). وكانت الحماية لا تشمل ممتلكات المحمي وكيانه الجسدي فحسب، بل حتى أفراد عائلته، ولكنها لم تكن وراثية مع استثناء وحيد سبق أن نصت عليه الاتفاقية الفرنسية - المغربية بتاريخ 19 غشت 1863 «لصالح عائلة بن شمول التي قدمت أبا عن جد ولا تزال تقدم سماسرة وتراجمة لفائدة ميناء طنجة» (المادة 6).

وكان على ممثلي الدول الأجنبية، كل فيما يخصه، أن يقدموا للحكومة المغربية سنويا لائحة بأسماء المحميين لديهم (المادتان 7 و 8). وتنص المادة 11 على حق الملكية لفائدة كل الأجانب بالمغرب. وبسخرية مفضوحة تؤكد المادة 16 أنه «لا تمنح في المستقبل أية حماية غير قانونية أو شبه رسمية». وخصصت المادة نفسها (16) حماية فوق العادة من أجل «مكافأة خدمات متميزة أسداها مواطن مغربي لفائدة دولة أجنبية، أو بفضل أعمال أخرى استثنائية». وقد تم تحديد عدد هذه الفئة الأخيرة في 12 "محميا استثنائيا" لكل دولة! وتنص المادة 17، ما قبل الأخيرة، على واجب اعتراف المغرب لكل الدول الممثلة في مؤتمر مدريد بحق تمتعها بامتياز «الدولة الأكثر رعاية".

لقد اعتبر هذا التدخل في السيادة المغربية على أنه سياسة «الوضع الراهن» فيما يتعلق بما كان يسمى حينها «المسألة المغربية»، أي أن الأطراف المتفاوضة في مدريد اتفقت على ما يشبه الحد الأدنى في استغلال نفوذها عن طريق الحماية القنصلية بالمغرب، وذلك في انتظار تسوية استعمارية شاملة ونهائية. وبطبيعة الحال لم يكن الشارع المغربي غير مكترث بفضيحة الحماية الأجنبية التي لطخت سمعة البلاد والعباد.

غضب الشارع المغربي

راجت شائعة في طنجة، حيث كثافة المحميين في الأوساط اليهودية المغربية لافتة للنظر، ومفادها أن إنجلترا وإسبانيا ربما قد تتخليان عن حق «الحماية». وعبر اليهود المحميون عن استنكارهم الشديد لهذا القرار السياسي المزعوم. ويبدو أن مصدر هذه الشائعة كان هو الرابطة الأنجلو - يهودية التي كانت تتخذ من لندن مقرا لها، ولم يكن من المستبعد أن المستر درمونهاي، ممثل بريطانيا لسنوات طويلة بالمغرب، هو الذي كان وراء تحريك الرأي العام المحلي بطنجة عن طريق نشر البلبلة في صفوف الجالية اليهودية، لأسباب تكتيكية تستهدف التقليص من النفوذ الفرنسي المتنامي والمنافس بطبعه لإنجلترا. ومهما يكن من أمر، فإن سلوك اليهود المغاربة و تهافتهم بكثرة على الحماية الأجنبية استفز الرأي العام الوطني المسلم، إلا أن الأوساط الأوروبية كانت ترى في موقف المسلمين من هذه القضية تعبيرا واضحا عن تعصب المغاربة و معاداتهم للسامية !...

وما هي إلا أطروحات واهية كثيرا ما رددتها الدعاية الكولونيالية المغرضة، ووصف بول لوبوف مجريات هذه الأحداث على الشكل التالي: «عندها اعتقد المسلمون المغاربة أن بوسعهم القيام بكل شيء وأطلقوا العنان لتعصبهم الديني ضد السكان اليهود الذين غالبا ما كان يوظف المحميون من بينهم، ويقال إن شيخا يهوديا تم إحراقه حيا في فاس. ويتهم الرأي العام المغربي اليهود بارتكاب جرائم مختلفة حاقدا في الوقت ذاته على كل المحميين. وتبعا لذلك، اندلعت قلاقل أصبح معها الوضع الأمني في غاية الاهتزاز». ويلاحظ بول لوبوف أن ردود فعل الشارع المغربي لم تكن موجهة فقط ضد المحميين اليهود، بل كذلك ضد المحميين المسلمين، مما يرفع كل لبس بشأن تعصب المغاربة الديني المزعوم: «إن غضب المسلمين ضد إخوانهم في الدين الذين احتموا بالأجنبي وصل إلى حد أنه عندما استولينا على الجزائر كان زعيم من الأهالي يفقد نفوذه بمجرد إعلان تحالفه معنا. وأما الآن (1904) فإن كل الزوايا الدينية التي عبرت عن إخلاصها للسلطات الفرنسية وجدت نفسها مرغمة على ربط علاقات سرية معنا (...) وهكذا تبخر نفوذ شريف وزان في اليوم نفسه الذي منحه ورديكا، ممثلنا بطنجة، الحماية الفرنسية".

وتجند علماء مغاربة لتغيير هذا المنكر ونددوا أيما تنديد بهذه السلوكات المخالفة لتعاليم الدين الإسلامي والمنافية للأخلاق الفاضلة التي كان المغاربة دائما يتحلون بها. وجاءت كتاباتهم على شكل فتاوى وتوجيهات تربوية لإرشاد المواطنين وتحذيرهم من مغبة السقوط في هاوية الحماية الأجنبية اللعينة. وهكذا كتب علال بن عبد الله الفاسي: «الويل والثبور لمن احتمى بالباصبور»، وأسهم العربي المشرفي بكتاب «الرسالة في أهل باصبور الحثالى»، وأضاف المأمون بن عمر الكتاني «هداية الضال المشتغل بالقيل والقال»، وتطرق محمد بن إبراهيم السباعي إلى «كشف المستور عن حقيقة كفر أهل باصبور»... وتمت مقاطعة العديد من هؤلاء المحميين المغرورين بأنفسهم والضالين عن سواء السبيل، لكن بدون جدوى. وبدأت كل الدلائل تشير إلى أن المغرب أصبح قاب قوسين أو أدنى من انهيار عام يشمل كل مكوناته ويهدد بتمزيق هويته عن آخرها. وبعدما ازداد تهافت المغاربة على الحماية الأجنبية جريا وراء ما تحققه لهم من مزايا نفعية ضيقة الأفق، بدأت الدول المتنافسة في البحث عن الكيف لا الكم، من خلال استمالة العناصر من ذوي النفوذ المادي أو المعنوي، حتى إذا انضووا تحت حماية الدولة الأجنبية ضمنت هذه الأخيرة امتداد نفوذها بشكل أنجع الى شرائح اجتماعية كانت تبدو متحفظة أو مترددة في قطع الخطوة الحاسمة في اتجاه طلب الحماية. وحدث أن وقعت قبائل مغربية كلها في هذه المصيدة.

وكانت عائلة حاييم بن شمول، التي أشارت إليها بالاسم المادة 6 من الاتفاقية، تمثل أعلى مرتبة يصبو إليها المحميون. وكان بن شمول يعمل ترجمانا بالقنصلية الفرنسية بطنجة، وعضوا بارزا في الرابطة الإسرائيلية العالمية، وعضوا نشيطا في تنظيم ماسوني، وممثلا محليا لعدد من الشركات الملاحية والبنكية. و ممولا رسميا للجريدة الفرنسية الصادرة بطنجة تحت عنوان «انبعاث المغرب». وفي كتاب ذي نزعة معادية للسامية ألفه إدوار دريمون تحت عنوان: «فرنسا اليهودية» سنة 1886، تم توجيه انتقاد حاد إلى ابن شمول بصفته «الرأس المدبر للسياسة القنصلية الفرنسية بالمغرب». لهذا، كان ابن شمول يتمتع بحماية وراثية بصفة استثنائية، وكان حاصلا على وسام «جوقة الشرف».

ويقابل ابن شمول عند الإيطاليين يهودي مغربي آخر كان اسمه إسحاق تولدانو.

ولم تكن السلطات المغربية في وضع يمكنها من تغيير مجرى الأمور ومقاومة الغزو الأجنبي و دسائسه، وأصبحت البلاد من جراء تعرضها لأساليب التغلغل المتنوعة لقمة سائغة في فم الاستعمار الغربي.

 

مقالات أخرى في المسألة الأمازيغية

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 2)

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 1)

من هو العربي ومن هو الأمازيغي بالمغرب؟

شيشنق القائد الرمز

في غياب المسألة الأمازيغية عن موريتانيا

التأثير الأمازيغي العميق في اللغة الدارجة: 100 كلمة نموذجا

تموت لغة الأمازيغ لتعيش الحركة الأمازيغية

فرنسا والمسألة الأمازيغية

"تاسرغينت" Taserɣint اسم أمازيغي قديم لـ"العربية"

 

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 2)

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 18 نيسان/أبريل 2019 12:06 الخميس, 18 نيسان/أبريل 2019 11:25

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 2)

تقديم

تشرع مجلة تافوكت للفنون والإبداع في تجميع ونشر مجموعة مقالات مستقلة أو عبارة عن سلاسل بحوث أو دراسات تعنى بالمسألة الأمازيغية في كل تجلياتها وبكل تشعباتها وبشكل عام يشمل كل المناحي و من كل الزوايا مع استقراء طروحات مختلف وجهات النظر. وذلك تنويرا للباحثين والقراء عموما… ولا يفوتنا في مجلة تافوكت للفنون والإبداع شكر جميع المصادر والكتاب.

مرحبا بكل الأقلام والآراء والبحوث بهدف إغناء ساحة النقاش والمعرفة فيما يخص المسألة الأمازيغية.

توطئة خاصة بسلسلة: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي

يسود الاعتقاد عند المثقفين عموما، بل حتى عند بعض الباحثين المتخصصين، بأن الحديث عن المسألة الأمازيغية إبان عهد الحماية إنما يعني أساسا الظهير البربري بتاريخ 16 مايو 1930. وهذا الاعتقاد خاطئ لا محالة، لأن ظهير 1930 لم يكن في الواقع إلا تتويجا ونتيجة حتمية لمسلسل بدأت الإيديولوجية الكولونيالية في رسم حلقاته منذ أمد بعيد؛ وهو ما يسعى إلى تبيانه الدكتور الطيب بوتبقالت في هذه السلسلة التي ننشرها في 10 أجزاء كل منها يتكون من 3 عناوين رئيسة... عن هسبريس التي نشرتها في 30 حلقة.

بقلم أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال الدكتور الطيب بوتبقالت

نشر ثقافة التضليل


كان التغلغل الاستعماري بالمغرب يرتكز في بداية الأمر على العنصر اليهودي نظرا لأنه كان يبدو بمثابة الحلقة الضعيفة في البنيان الاجتماعي المغربي. وفعلا، لم تخيب العناصر اليهودية المغربية ظن الفرنسيين بها، كما أشرنا إلى ذلك في المقال السابق. لكن هذا الإنجاز الذي حققه مخططو الإستراتيجية الكولونيالية لم يكن كافيا لضمان الاختراق التام لمكونات المجتمع المغربي، وقد تأكدوا أنه لا بد من السير قدما نحو تحقيق المزيد من الأهداف المرحلية الأخرى قبل الاكتساح الشامل والفعلي للبلاد. كان المنطق الاستعماري منسجما مع نفسه ومبنيا على تصور بسيط وعملي قابل للتطبيق، وصياغته بإيجاز هي كالتالي: بما أن مدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية مهدت الطريق إلى أعماق المغرب وبرهنت على مدى فاعليتها كأنجع وسيلة لنشر النفوذ الفرنسي بأقل ثمن وبأعلى مردودية، فلماذا لا يتم توسيع وتعميق هذه التجربة الناجحة، سيما أنها كانت محصورة في الأوساط اليهودية المغربية دون غيرها؟ إنه تساؤل تمت ترجمته إلى مشروع أنيطت مسؤولية القيام به إلى مدارس من نوع جديد، كان همها الوحيد هو خدمة الدعاية الهدامة نفسها، التي بدأت تفعل فعلها في النسيج الاجتماعي والثقافي المغربي. ولم تكن المسألة الأمازيغية غائبة في هذا النهج، لكن السياسة الاستعمارية رأت أن أوانها لم يحن بعد.

المدارس الفرنسية-العربية أداة للتضليل والتشويه

في عام 1883 تأسست جمعية الرابطة الفرنسية، أي بعد مرور زهاء عشرين سنة على تأسيس الرابطة الإسرائيلية العالمية، وهما جمعيتان، كما سبق الذكر، جندتا لخدمة النفوذ الفرنسي في الخارج عبر نشر اللغة والثقافة الفرنسيتين لأغراض استعمارية محضة، وليس لأهداف حضارية إشعاعية. فإذا كانت مدارس الرابطة الإسرائيلية موجهة خصيصا نحو الأوساط اليهودية المغربية قصد تربيتها تربية الخادم المطيع لسيده المستعمر، فإن مدارس الرابطة الفرنسية كانت موجهة بصفة عامة نحو الأوساط المسلمة بهدف خلق تواصل كاذب مع هذه الأوساط واستمالة عناصرها المؤثرة واستغلالها لفائدة التوسع الكولونيالي. وأما تسمية «المدارس الفرنسية - العربية» التي كانت تحملها مؤسسات الرابطة الفرنسية فلا تعدو كونها تجسيدا صارخا لهذا التواصل الخادع.

في سنة 1894 بدأت الرابطة الفرنسية مسيرتها الدعائية بالمغرب انطلاقا من طنجة، حيث دشنت بهذه المدينة «دروسا للكبار» كان يشرف عليها ابن غبريط، الجزائري الأصل، الذي كان يعمل في الوقت نفسه ترجمانا بالمفوضية الفرنسية بطنجة. بعد ذلك، وبمبادرة من اللجنة الإقليمية للرابطة الفرنسية تم فتح أول مدرسة «فرنسية-عربية» ابتدائية بطنجة سنة 1899، جاءت لتعزز تجربة «دروس للكبار» وتفتح آفاقا جديدة للأطماع الاستعمارية الفرنسية تحت قناع شبه ثقافي. وتعد هذه المدرسة، رغم بساطتها وبدايتها المتواضعة، من أنجح إنجازات التوغل الفرنسي بواسطة التعليم بالمغرب، لكونها توفقت منذ الوهلة الأولى في تمهيد الطريق لتحقيق نتائج أكبر، ومما يلفت الانتباه أن التعليم بها كان منظما بشكل يدفع الأطفال بطريقة غير مباشرة إلى تفضيل التعليم الأوربي والنفور من التعليم التقليدي المغربي: كان الصباح مخصصا للتعليم الإسلامي في إحدى القاعات المهملة، التي لم يكن فيها من التجهيزات سوى حصير يجلس عليه التلاميذ ليتابعوا دروسهم تحت إشراف فقيه في يده سياط.. وفي المساء ينتقلون إلى قاعة مريحة، تم تجهيزها بمعدات فرنسية عصرية، يقوم فيها بتدريس اللغة الفرنسية معلم أوربي أو جزائري. وبينما كان راتب المعلم 40 بسيطة شهريا، كان راتب الفقيه للمدة نفسها لا يتعدى 15 بسيطة..

وسرعان ما ازدهرت مدرسة ابن غبريط، ولعل السر في نجاحها يكمن أساسا في المساندة التي كانت تحصل عليها من اللجنة المركزية للرابطة الفرنسية، وكذلك من الحاكم العام بالجزائر. ففي سنة 1902 بلغ عدد التلاميذ بها 70 تلميذا، منهم 12 جزائريا و58 مغربيا، موزعين على ثلاثة أقسام للتعليم الابتدائي. وقد كانت غالبية التلاميذ المغاربة من أبناء التجار وأصحاب الأملاك العقارية..

وتحت تأثير النجاح الذي حققته مدرسته، طلب ابن غبريط من مموليه المزيد من الدعم المادي حتى يتسنى له توسيع وتعزيز مشروعه «التربوي». وهكذا اقترح تأسيس مدرسة جديدة تشرف عليها سيدة جزائرية قصد تعليم الفتيات المغربيات الخياطة والطرز والمبادئ الأولية في اللغة الفرنسية. لقد كان ابن غبريط يستفيد من إعانة مالية سنوية قدرها 600 فرنك فرنسي تمده بها اللجنة الإقليمية للرابطة الفرنسية، بالإضافة إلى هبات وعدة تجهيزات مدرسية. كما كان حاكم الجزائر يخصص له 600 فرنك فرنسي كإعانة مالية سنوية. إلا أن كل هذه المساعدات كانت غير كافية لإنجاز المشروع المشار إليه، حيث تجاوزت النفقات المتوقعة ما قيمته 2700 بسيطة. عندها تدخل ممثل فرنسا بطنجة، سان روني تايلندي، لدى وزارة الخارجية بباريس من أجل تخصيص اعتماد سنوي إضافي لا يقل عن 800 فرنك فرنسي لمساعدة ابن غبريط على تنمية مشروعه، الذي يندرج كليا في استراتيجية التعليم الاستعماري. وهذا بعض ما جاء في رسالته إلى وزير الخارجية الفرنسي: «إنه باتخاذكم لهذا الإجراء العطوف تكونون، معاليكم، قد ضمنتم الاستمرارية والتطور لنشاط يخدم مصلحة النفوذ الفرنسي، ويعد بمثابة المحاولة الأولى الرامية إلى نشر ثقافة أوربية في أوساط المسلمين المغاربة. ومن شأن هذا الإجراء كذلك أن يقدم تشجيعا ثمينا للموظف الجزائري (ابن غبريط) الذي سخرناه من أجل إحداث مدرسة طنجة الفرنسية - العربية، وقد تفانى فيما أمرناه بالقيام به".

حظي مشروع ابن غبريط «التعليمي» بالرعاية المادية المطلوبة و المفتوحة على احتمالات زيادات أوفر. وهكذا ما إن أصبحت ما كانت تسميه الدبلوماسية الكولونيالية «المسألة المغربية» توشك على نهايتها لصالح الأطماع الفرنسية، حتى ارتفع عدد مدارس الرابطة الفرنسية بالمغرب إلى ثماني مؤسسات بلغ عدد التلاميذ بها حوالي 2000 تلميذ، وكلهم تعلموا فيها أن فرنسا جاءت لتلقنهم "الحضارة الراقية والقيم الأخلاقية العليا...".

تطور الاختراق الكولونيالي

وجدت فرنسا في أسلوب تغلغلها الاستعماري، عبر المدارس الإسرائيلية والمدارس الفرنسية-العربية، أفضل وأنجع وسيلة لنشر دعايتها الكولونيالية بالمغرب وأوثق سبيل لبلوغ مراميها على المدى البعيد.. لقد نجحت هذه التجربة نجاحا تاما، ما شجع فرنسا على قطع خطوة كبيرة أخرى في الاتجاه نفسه. وقد تجلى ذلك في التدخل هذه المرة في الإشراف المباشر على العملية «التعليمية» بالمغرب من خلال مشروع جاءت كل عناصره موجهة توجيها محكما. لقد نالت فرنسا حصة الأسد من التكالب الغربي على البلاد، ولم تمر سوى أسابيع معدودة على «الوفاق الودي» الفرنسي- الإنجليزي، بتاريخ 8 أبريل 1904، حتى تقدم النائب البرلماني لمقاطعة وهران، أوجين إيتيان، أمام الجمعية الوطنية الفرنسية بباريس، بمشروع إحداث «المعهد المغربي». لقد كانت نوايا الاستيلاء على البلاد بارزة من خلال حيثيات المشروع التي تقول إن «فرنسا بإقدامها على تحمل أعباء الإشراف على التطور السلمي بالمغرب، تكون قد وافقت على مهمة صعبة، لا بد لها أن تولي اهتماما كبيرا للتغيير الاقتصادي لهذا البلد قصد الإعداد لتغييره الاجتماعي. لكن فرص سوء التفاهم، وبالتالي نشوب النزاعات بين الحضارتين، اللتين ستصبحان في وضع اتصال مباشر، ستكون كثيرة. كيف يمكن تفادي ذلك بدون معرفة معمقة للوسط المغربي؟» لم يكن هذا السؤال في الحقيقة جديدا بالنسبة للدعاية الكولونيالية التي تبنت منذ أواخر القرن التاسع عشر إستراتيجية «الاختراق المتستر»، مستهدفة ضم المغرب تحت لواء الاستعمار الفرنسي. إن الجديد في هذا المشروع، الذي تم تقديمه للبرلمان الفرنسي في يوليوز 1904، هو ارتفاع درجة الاختراق الكولونيالي والتأكيد المتزايد للأطماع الفرنسية بالمغرب. وكان طبيعيا أن تلعب التجارب الاستعمارية الفرنسية السابقة دور المحفز لإثبات النظرة المستقبلية التي اعتمدها المشروع المشار إليه، إذ تقول إحدى فقراته: «إن كل تاريخنا الكولونيالي ينبهنا إلى ضرورة دراسة المجتمع المغربي دراسة شاملة و بمنهجية سليمة. ألم نكافح مرارا في إفريقيا الشمالية وإفريقيا الغربية، وفي الهند الصينية ضد التقاليد والطوائف، التي اتضح فيما بعد من خلال التجربة، أنه كان بالإمكان أن نتفاهم منذ البداية، وقد أجبرنا في آخر المطاف على البداية من حيث كان لزاما علينا أن نبدأ، ونعني بذلك مضاعفة المدارس التعليمية، والبعثات الدراسية، والمعاهد المحلية، مع إعطاء الأولوية في مشروعنا لعلم الاجتماع من أجل معرفة المجتمعات المحلية قصد تسهيل قيادة الأهالي وتسخيرها".

طلب أوجين إتيان من البرلمان الفرنسي تخصيص 7500 فرنك كحد أدنى لإنجاز هذا المشروع، وانكب مجلس النواب مباشرة على دراسته خلال صيف 1904. وفي يوم 24 أكتوبر من السنة نفسها قدم ليسيان هيبر تقريرا عن لجنة الشؤون الخارجية للمستعمرات التي أشرفت على دراسة المشروع. وجاء في مقدمة التقرير: «من المسلم به اليوم أن المشاريع المستقبلية لن يكتب لها النجاح إلا إذا كانت مبنية على دراسة الماضي دراسة متينة، وأن الإصلاحات عند السكان البدائيين المتعصبين والمحافظين من جراء رداءتهم وضعفهم، تحدث البلبلة و تزرع بذور الثورة، وأنه لا منفعة في زعزعة مؤسسات تتميز قبل كل شيء باستمراريتها، لا سيما أن عيوب هذه المؤسسات نفسها تبدو كأنها تشوهات جسدية تعودت على تحمل الآلام»... في هذه الفقرة التي تكشف عن النوايا الاستعمارية الجلية يعيد التقرير إلى الأذهان تصريحا أدلى به وزير الخارجية الفرنسي، دلكاسي، أمام مجلس الشيوخ الفرنسي في مارس 1903، حيث قال: «لقد تعود المغرب لمدة طويلة على هذه الفوضى العارمة التي لا يمكن لبلد منظم أن يقاومها ويتحملها بمثل هذه الاستماتة...

إنها طروحات تنسجم تماما مع إستراتيجية «رسالة فرنسا الحضارية». لقد بينت التجارب الفرنسية في الهند الصينية وفي مدغشقر أن هذا الأسلوب المبني على تلقين مبادئ في اللغة الفرنسية وأبجديات الثقافة الفرنسية السطحية للأهالي، ساهم بقسط أوفر مما كان متوقعا في استمالة شعوب المستعمرات وخضوعها للأمر الواقع. وفعلا، شيدت فرنسا في هذه البلدان مدارس ومعاهد ليس لتربية السكان ومكافحة الجهل، ولكن بهدف معرفة قدراتهم الذاتية ومكونات شخصيتهم الثقافية، متوخية من وراء ذلك «تسهيل قيادتهم على درب التقدم»... وكل الشروط أصبحت متوفرة لنجاح التجربة نفسها بالمغرب، إذ يقول التقرير: «إن هذه الطريقة أبانت عن قيمتها وأثبتت فاعليتها، لذا يجب أن يكون تطبيقها أول عمل نقوم به في المغرب. وقبل بذل المجهود يجب أن نعترف بجهلنا، وهذا معناه التأكيد مجددا على أننا سوف لن نقوم بفعل شيء ما في هذا البلد بدون تريث. إن حرصنا هذا هو أول عنصر لضمان نجاحنا في مواجهة الثقافة الإسلامية المعقدة و المتملصة، شأنها في ذلك شأن فن الزخرفة العربية التي تترجمها".

بعد هذا التحليل الدعائي الذي يستمد روحه من واقع كولونيالي عنيد، وافقت لجنة الشؤون الخارجية على المشروع، واقترحت تأسيس «المدرسة الفرنسية للدراسات العليا المغربية» تحت وصاية وزارة الخارجية وتحت الإشراف الإداري والمراقبة العلمية لأكاديمية الآداب ومعهد فرنسا. وتهدف هذه المدرسة إلى إنجاز أبحاث أثرية ولغوية مع التعريف «علميا» بتاريخ المغرب ومعالمه الأثرية ولهجاته.

ويستفاد من ذلك كله أن التوجهات العلمية الخادعة لهذا النهج الكولونيالي أصبحت أكثر من أي وقت مضى تمثل المرجعية الرئيسية لممارسة السياسة الاستعمارية الفرنسية الرامية إلى إحكام السيطرة على مكونات الشعب المغربي، وعلى رأسها العنصر الأمازيغي.

تخريب الهوية المغربية تحت ستار المعرفة العلمية

كانت كل التقارير، التي أنجزها الجواسيس الفرنسيين خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تشير ضمنيا أو بصريح العبارة إلى ضرورة تخريب النسيج الاجتماعي المغربي انطلاقا من مرتكزاته السوسيوثقافية. لذلك حظيت كل المشاريع «العلمية» ذات الصبغة الاستكشافية والتوثيقية بأهمية بالغة.

رواد البعثة العلمية الاستعمارية

وفي هذا الإطار بالضبط أدت كتابات وتحريات ألفريد لوشاتليي حول المجتمع المغربي ومؤسساته إلى تراكمات كان مشروع "البعثة العلمية الفرنسية بالمغرب" أحد إفرازاتها البارزة. ولا غرابة إذا وجدنا أن أحد الضباط السامين في الجيش الاستعماري الفرنسي يخصص مؤلفا كاملا جاء عنوانه على الشكل التالي: «جذور انتصارنا بالمغرب، ألفريد لوشاتليي الرائد». وكمقدمة لهذا المؤلف كتب المارشال ديسبيري ما نصه: "لقد استخرج ألفريد لوشاتليي من جولاته في المغرب، من طنجة إلى مراكش عبر تطوان ووزان وفاس وسلا والصويرة إلخ..، برنامج عمل يفوق بكثير من الاعتبارات ذلك البرنامج الذي اعتمد عليه وزير الحربية سنة 1830 قصد الإعداد لاحتلال الجزائر".

زار ألفريد لوشاتليي المغرب للمرة الأولى عام 1886، ونشر نتائج زيارته التجسسية سنة 1890 في كتاب تحت عنوان: «مذكرة حول المغرب». وقد تم رسميا إضفاء طابع السرية على محتوى تلك المذكرة. وقد كان لوشاتليي آنذاك ضابطا في الجيش الفرنسي برتبة نقيب. كانت مذكرته تتألف من مائة وخمسة وثمانين صفحة، حاول من خلالها وضع الخطوط العريضة للسياسة التي كان يجب على فرنسا اتباعها تجاه المغرب، ملحا على «الضرورة القصوى لاتفاق مع إسبانيا»، ولافتا نظر الحكومة الفرنسية إلى النشاط المعادي والمتزايد الذي كانت ألمانيا تقوم به منذ 1876 ضد النفوذ الفرنسي، والذي كان يجسده التطور المتزامن لمصالحها الاقتصادية ودورها السياسي بالمغرب.

وحدث أن صادفت استنتاجات ألفريد لوشاتليي ظهور «المسألة المغربية» بتشعباتها الدولية الحادة، كما أن تحرياته عززت فعلا التوجهات الكولونيالية الفرنسية القاضية بإعطاء المزيد من الاهتمام «العلمي» لمستعمراتها الإسلامية عموما. لذلك كانت طروحات لوشاتليي تلقى أصداء إيجابية لدى السلطات الحكومية الفرنسية العليا. وتأكيدا لهذا التوجه أحدث سنة 1902 بالمجمع الفرنسي للدراسات العليا/ معهد فرنسا (كوليج دو فرانس) كرسي علم الاجتماع الإسلامي خصيصا ليشغله ألفريد لوشاتليي، الذي أصبح منذ ذلك الحين المستشار المعتمد للحكومة الفرنسية في شؤون شمال إفريقيا. وفي السنة الموالية أعد لوشاتليي برنامجا لتنظيم «بعثة علمية» سرية تم تكليفها بدراسة المجتمع المغربي.

وفي عام 1906 أسس لوشاتليي مجلة "العالم الإسلامي"، التي كانت بنكا للمعلومات تستنير به فرنسا لإدارة مستعمراتها الإسلامية.

وفي هذا السياق كتب لوشاتليي معللا مدى جدوى هذا المشروع وانعكاساته الإيجابية على مصالح فرنسا: «إذا استطعت أن أجعل من مجلة العالم الإسلامي جذاذات يتم تحيينها باستمرار من طرف من سيخلفني، سأكون متيقنا أن سياستنا الإسلامية، سواء كانت كولونيالية أم دبلوماسية أم اقتصادية، ستحقق بفضل هذه الخطوة الجبارة وبسهولة كبيرة تفوقا باهرا على السياسات الإسلامية للدول الأخرى التي تنافسنا على الاستيلاء على المغرب». وهكذا ظهرت مجلة "العالم الإسلامي" في أواخر عام 1906 بعد موافقة البعثة العلمية الفرنسية، التي كانت تحت إشراف لوشاتليي نفسه. ومنذ الأعداد الأولى، سجلت المجلة نجاحا واضحا، وهو ما دفع بالبعثة إلى زيادة الاعتمادات المخصصة للمجلة لترتفع من مبلغ 8000 فرنك إلى 12000 فرنك، مع إمكانية إضافة اعتمادات أخرى كلما ارتأى المندوب العام للبعثة ذلك.

أشرف ألفريد لوشاتليي شخصيا على إدارة مجلة "العالم الإسلامي" منذ تأسيسها إلى عام 1924، حيث خلفه في هذا المنصب لويس ماسينيون، المستشرق المعروف. وتجدر الإشارة إلى أن لوشاتليي كان هو الذي سهر، إلى جانب الجنرال ليوطي، على تأسيس هيئة «ضباط الشؤون الأهلية»، وهي الهيئة التي شكلت العمود الفقري للاستخبارات الفرنسية بالمغرب، وبصفة خاصة في الأوساط القروية. وهكذا لما مات ألفريد لوشاتليي سنة 1929 ترك وراءه جيشا من المستعمرين، الذين يتظاهرون بمعرفتهم «العلمية» بالمجتمع المغربي ومؤسساته، ويقدمون المشورة والمساعدة الفعلية للإقامة العامة، التي كانت تتظاهر بنهج سياسة «الإصلاحات».. وطبعا كل ذلك كان يحدث تحت ستار «الاختراق المتستر» وما يشتمل عليه من التشويه والدمار للهوية المغربية.

جورج سالمون، ميشو بيلير وآخرون..

منذ تأسيس البعثة «العلمية» في شهر أكتوبر 1903، عين على رأسها جورج سالمون بصفته مكلفا بمهمة. وبناء على قرار صادر عن الحاكم العام للجزائر تم فتح اعتماد سنوي بمقدار 8000 فرنك وضع رهن إشارة هذه المؤسسة ليصل بذلك المبلغ الإجمالي لميزانية البعثة إلى 11000 فرنك.

في البداية حددت المدة الزمنية للبعثة في سنتين على اعتبار أن هذه المدة مرحلية ريثما يتعزز تنظيمها لتصبح بعثة دائمة. أما الهدف من تأسيسها فقد كان دقيقا: هو إنشاء وتنظيم خزانة كتب ومخطوطات ودراسات مونوغرافية بمدينة طنجة من أجل توفير قاعدة توثيقية واسعة وشاملة، تساهم في خدمة النفوذ الفرنسي بالمغرب على أسس «علمية». كانت البعثة تحت إشراف "مجلس للإتقان" يرأسه أوجين إتيان، النائب البرلماني لمقاطعة وهران، وتحت الإدارة "العلمية" لألفريد لوشاتليي. دام تنظيم البعثة في مرحلتها التأسيسية حوالي ستة أشهر استطاعت خلالها أن تجمع اللوازم الأولية لمباشرة أنشطتها، وهكذا لما حل شهر مايو من سنة 1904 كان عدد الكتب التي توفرت لديها يناهز 1700 كتاب.

وفي سنة 1905 طلبت البعثة زيادة 50 في المائة من ميزانية تسييرها، حيث بلغت النفقات 17000 فرنك، بينما الإيرادات لم تتعد 11000 فرنك، مع العلم أن برنامج البعثة برمته كان شبه سري لضمان نجاحه، إلا أن غياب الطابع الرسمي العلني للبعثة في مرحلة التأسيس لم يكن ليمنع مؤسسها من طلب دعم مالي إضافي من وزارة الخارجية، مما أعطى الفرصة لألفريد لوشاتليي لتوضيح ماذا كانت تعنيه الفترة الانتقالية: "أعتقد أنه من المستحب أن ترفع وزارة الخارجية قيمة دعمها من 2000 إلى 8000 فرنك، كما هو الحال بالنسبة للدعم الذي تتلقاه البعثة من حكومة الجزائر. ونظرا لظروف المغرب الخاصة، فإن من الأفضل أن تتطور البعثة تدريجيا لتصبح مؤسسة تابعة لوزارة الخارجية، سيما أن الاعتراضات المتعلقة بطابعها الرسمي قبل الأوان لم تعد واردة بسبب وساطة مجلس الإتقان الذي يعطيها طابعا مستقلا في حدود ما تقتضيه الضرورة". وسرعان ما اكتسبت البعثة اعترافا رسميا علنيا وطابعا دائما لتصبح بذلك ثمرة ناضجة من ثمار «الاختراق المتستر» الاستعماري بالمغرب. وهكذا بدأت ممارسة نشاطها بكل هدوء وطمأنينة في جو من السرية المدروسة. ولم يمر على وجودها إلا ظرف زمني وجيز حتى شرعت في نشر سلسلة من الدراسات والتحريات والمخطوطات تحت عنوان «وثائق مغربية» بلغت خمس كراسات مع نهاية 1904. والسلسلة المذكورة معروفة اليوم عند كل الباحثين والمهتمين بالدراسات التاريخية المغربية. ولقائل أن يقول: "رب ضارة نافعة"!....

وعلى أي حال، كانت هذه نتيجة مشجعة ليس بالنسبة لأعضاء البعثة فحسب، بل بالنسبة للحكومة الراعية لهذا المشروع، والساهرة على إنجازه في ظروف استعمارية دولية حرجة، لذلك صوت البرلمان الفرنسي على فتح اعتماد يقدر بـ 40.000 فرنك دعما للبعثة وتشجيعا لها قصد مضاعفة الجهود لبلوغ الأهداف التي من أجلها أسست. ومعلوم أن وزارة الخارجية كانت تتوفر آنذاك على حساب خاص وضع رهن إشارتها لتمويل برامج من هذا القبيل، والحساب كان يحمل اسم «اعتمادات الاختراق»!. كما أن وزارات أخرى كانت مهتمة بطبيعة أعمال البعثة، وعلى استعداد تام للمساهمة المباشرة في تمويل أنشطتها، والأمر يتعلق تحديدا بوزارة الحربية ووزارة الخارجية ووزارة المستعمرات، مما يوضح مدى العناية التي كانت توليها فرنسا لسياسة تغلغلها «العلمي» بالمغرب.

وارتفع عدد أعضاء البعثة سنة 1905 إلى خمسة أعضاء نشيطين، هم جورج سالمون، رئيس البعثة، وميشو بيلير وجولي، وهما عضوان رسميان، ولويس مرسي وكودفروي، وهما عضوان متدربان. وقد قاموا كلهم بجولات «استكشافية» داخل المغرب وبدؤوا بتدوين وتحرير معلوماتهم وملاحظاتهم. وفي السنة نفسها بلغت «الوثائق المغربية» مجلدها السابع، أي ما مجموعه 2000 صفحة، كما أن خزانة البعثة بدأت رفوفها تتمدد لاستيعاب عشرات المخطوطات والوثائق المغربية. وابتداء من 1906 قامت البعثة بنشر أعمالها على شكل مجلدات بدلا من كراسات شهرية، ووصل عددها تلك السنة عشرة مجلدات، أي ما يناهز 5000 صفحة، وكانت عبارة عن دراسات ممنهجة للمجتمع المغربي بغرض إخضاعه والاستيلاء على أرضه وخيراته. وعلى سبيل المثال خصصت المجلدات الستة الأولى لتاريخ المغرب، وتصنيف الشرفاء، مع تبيان دورهم الاجتماعي، وتاريخ التنظيم الاجتماعي لعدد من المدن الشمالية المغربية، والإدارة المغربية، والقانون والعرف المغربيين، والاجتهاد القضائي المغربي، إلخ. ومعنى ذلك أن أشغال البعثة كانت منذ بدايتها تندرج في إطار ما يمكن أن نسميه بـ«الاستعمار العلمي»، وهي حالة من التغلغل الاستعماري لم يسبق لها مثيل على مستوى إفريقيا الشمالية (الجزائر وتونس). لقد أصبحت البعثة مدرسة للكولونيالية «المستنيرة» وأداة فعالة تتحرك في الخفاء حسب توجيهات مصادر القرار بفرنسا. وبكل تأكيد برهنت البعثة على ذلك خلال انعقاد مؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906 عبر ما قدمته من وثائق لمناصرة الأطماع الفرنسية في مواجهة أطماع الدول الأخرى المتكالبة على المغرب. ومن المفارقات اللافتة للنظر أن السلطات المخزنية آنذاك لم تكن تعلم أي شيء عن هذه المؤسسة وخطورة مساعيها «العلمية» الهدامة! والسبب في ذلك راجع إلى عوامل شتى متداخلة أنهكت النظام السياسي المغربي وجعلته في وضع لا يحسد عليه...

تنامي التنظيمات الحزبية الكولونيالية

يمكن الجزم بأن ما قدمته البعثة العلمية الفرنسية المشبوهة من خدمات اختراقية يستحيل تقييمه إلى يومنا هذا، لسبب بسيط هو أنها استطاعت أن تزرع ألغاما فتاكة في حقلنا الثقافي قد يصعب حتى على الأجيال المقبلة إبطال مفعولها بشكل كامل وجذري! وما المسألة الأمازيغية، شكلا ومضمونا، إلا لبنة من لبنات أنشطتها الهدامة. وها هو تنظيم يحمل اسم «لجنة المغرب» جاء لتفعيل وتقوية عناصر هذه الحملة الهادفة إلى اجتثاث الهوية الوطنية.

تصرفات «لجنة المغرب» الدعائية

في سنة 1904 تأسست «لجنة المغرب»، باعتبارها امتدادا للتنظيم الكولونيالي، الذي كان يحمل اسم «لجنة إفريقيا الفرنسية»، التي كانت عبارة عن تجمع استعماري يروج لنجاح فرنسا بما استولت عليه من أراض إفريقية. كان ذلك تأكيدا واضحا لتطلعات الأطماع الإمبريالية الفرنسية إلى تحقيق المزيد من المكتسبات في هذا المجال وتعزيزها. وكان المغرب في بداية القرن العشرين من البلدان الإفريقية القليلة، التي ما زالت لم تخضع بصفة رسمية للهيمنة المباشرة للاستعمار الغربي. وهكذا انضافت «لجنة المغرب» إلى أساليب التغلغل الإمبريالي الفرنسي، و طورت برامجها التجسسية، دعما و تكميلا لأنشطة "البعثة العلمية"، التي تطرقنا إليها سابقا. كان أعضاء هذه اللجنة ينتمون إلى التيار الكولونيالي الفرنسي المتشدد، بل يعتبرون نواته الصلبة. هذا من الناحية الإيديولوجية، أما من الناحية الاجتماعية، فقد كانوا يتشكلون من صفوة بارزة من رجال السياسة، والمثقفين، والقادة العسكريين، ورجال الأعمال.

وقد تم إسناد الرئاسة الفعلية لهذا التنظيم إلى نائب رئيس البرلمان، بينما تولى وزير الحربية رئاسته الشرفية. وفيما يتعلق بشروط العضوية، فإنها الشروط نفسها الواجب توفرها للانضمام إلى «لجنة إفريقيا الفرنسية». وهي باختصار الإيمان العميق بالإيديولوجية الكولونيالية، التي تبنتها الجمهورية الثالثة الفرنسية، والمساهمة الفعلية في تحقيق هيمنة فرنسا وتوسعها بالقارة الإفريقية. وبناء على ذلك تم إعداد برنامج «لجنة المغرب» الدعائي كجزء لا يتجزأ من السياسة العامة الفرنسية في جوانبها المتعلقة بـ"المسألة المغربية".

لقد سقطت الجزائر بين أيدي الغزاة، وما لبثت تونس أن استسلمت للأمر الواقع، وهو المصير نفسه الذي كان ينتظر المغرب. إنها إفريقيا «البربرسكية»، كما كانت تنعتها الأدبيات الاستعمارية، التي أضحت مجالا فسيحا لإمبريالية الجمهورية الفرنسية. وهذا الوضع بالذات هو الذي أوقد نار الحماس العدواني لدى أعضاء «لجنة المغرب»، الذين تجندوا من أجل تقوية النفوذ الفرنسي بالمغرب للانفراد بالاستيلاء عليه. وفي وثيقة دعائية صادرة عن هذه اللجنة ما يعبر تعبيرا صارخا عن إرادتها الاستعمارية و نواياها التوسعية. وهذا جزء مما نصت عليه: "في البلدين البربرسكيين (الجزائر وتونس)، اللذين استولينا عليهما لدينا ساكنة أوروبية بتعداد يفوق 800.000 نسمة، وهي في تزايد مطرد، لكنها توجد في وسط 6 ملايين من الأهالي الذين يتزايدون هم كذلك. هذان البلدان يمثلان نشاطا تجاريا يقدر بأكثر من 800 مليون فرنك فرنسي، وأكثر من 600 مليون فرنك فرنسي من هذا المبلغ الإجمالي يهم بلدنا، إنها نتيجة رائعة! إلا أن هذا الوضع سيبقى معرضا للخطر طالما ظل المغرب في حالة فوضى أو تم الاستيلاء عليه من طرف قوة أجنبية. يجب أن نتمكن من حسم مصير الإمبراطورية الشريفة لصالحنا، لتكون النتيجة أفضل وأشمل".

و بهدف استمالة المستثمرين الاستعماريين الفرنسيين، عمدت اللجنة إلى عقد مقارنات مع البلدين المغاربيين المحتلين، فكانت ترى أن المغرب يوفر أكثر مما توفره تونس والجزائر مجتمعتين: أراض فلاحية شاسعة وخصبة، معدل تساقطات مطرية مرتفع، موارد معدنية غنية ومتنوعة، إلخ. لهذا كانت اللجنة تحث الفرنسيين على توجيه اهتمامهم إلى ما قد يوفره لهم المغرب من خيرات وفرص سانحة للثراء السريع في حالة بسط النفوذ الفرنسي نهائيا عليه: «إن هذا البلد الجميل، مع الأسف، غير معروف بما فيه الكفاية، واهتمام الفرنسيين به في حاجة إلى دعمه بالمزيد من المعلومات. ومما يؤسف له أكثر هو أن هذا التقصير الحاد انضافت إليه المنافسة الأوروبية، التي تحاول جاهدة عرقلة سيرنا و توغلنا للاستحواذ عليه». كانت هذه هي الخطوط العريضة لبرنامج «لجنة المغرب» الدعائي الذي يتقاطع مع برنامج «البعثة العلمية» من حيث التنفيذ والمنهجيات الاختراقية المتبعة.

تصعيد الأساليب التأثيرية

لما فرغت «لجنة المغرب» من رسم أهداف استراتيجيتها العامة، كثفت جهودها الدعائية، على وجه الخصوص، في اتجاه الرأي العام الفرنسي قصد تحسيسه بما قد يجلبه الاستيلاء على المغرب من مزايا عديدة. ولهذا الغرض تم توظيف منبر إعلامي كولونيالي معروف تحت عنوان «نشرة إفريقيا الفرنسية». ولم تقف اللجنة عند هذا الحد، بل لجأت إلى كل الأساليب الدعائية المتاحة، من وثائق مختلفة حول المغرب وندوات وتقارير وخرائط وكراسات وبيانات إحصائية، إلخ. وكل هذه العناصر تم توظيفها بخلفية تطوير النفوذ الفرنسي داخل المغرب لضمان احتلاله في أقرب الآجال، وفي ظروف سياسية دولية ملائمة.

وبطبيعة الحال، كان يغذي هذا النشاط الدعائي المحموم عدد من الدراسات الميدانية، التي أجريت في المغرب من طرف أشخاص كلفوا بإنجازها وفقا لرغبات اللجنة وتماشيا مع أهدافها المبيتة. وقد تم التركيز على الأنشطة التجارية والصناعية والفلاحية الفرنسية بشكل اتضحت من خلاله الإمكانيات الهائلة، التي كان المغرب يفتحها أمام تطور هذه القطاعات. وهكذا التزمت «لجنة المغرب» بأن تعمل كل ما في وسعها على تحقيق المشروع الكولونيالي: "لا يخفى على الجمهور أن تنظيما حرا هو وحده الكفيل بأن يدعم ويتمم - وعند الاقتضاء يحرض- الحكومة فيما يخص معالجة الملف المغربي. وهذا بالضبط ما تقوم به لجنة المغرب المنبثقة عن لجنة إفريقيا الفرنسية التي طالما قامت هي الأخرى بالمهام نفسها".

وبعد مرور سنة على تأسيسها، استطاعت اللجنة أن تنشر عدة دراسات، كانت عبارة عن وثائق دعائية تندرج في إطار انشغالات فرنسا من أجل تحقيق مشروع استعمارها للمغرب. وهذه بعض العناوين لما أنجز في هذا الباب: "مهمة في الغرب المغربي" (224 صفحة)، "دليل المغرب" (64 صفحة)، "ظروف العيش في طنجة"، "الرأي العام الألماني والمسألة المغربية" (40 صفحة)، "التجارة والصناعة في فاس" (216 صفحة)، "الملكية في القانون الإسلامي، وخاصة في المغرب" (52 صفحة)، "المصالح الفرنسية والألمانية بالمغرب" (43 صفحة)، "نبذة اقتصادية حول تافيلالت" (37 صفحة)، "الجيش المغربي" (29 صفحة)...إلخ. إن مجرد قراءة عابرة لهذه الكتيبات تبين بوضوح العائق الذي كانت تشكله ألمانيا أمام ترجمة طموحات فرنسا الاستعمارية إلى واقع ملموس ونتائج حاسمة ونهائية.

لقد كانت «لجنة المغرب» في الواقع انعكاسا لتطور نوعي عرفته الإيديولوجية الكولونيالية الفرنسية في مستهل القرن العشرين. وهذا معناه أنها لم تأت من فراغ، كما أنها لم تكن مجرد تنظيم جمعوي تقف وراءه وتسانده الإدارة العليا الفرنسية بباريس. فهي قبل كل شيء إفراز لحلقة متطورة من الفكر الاستعماري الفرنسي في مظاهره البراجماتية ونظرته الشمولية.

بروز التيار الحزبي الاستعماري

في سنة 1892 أسس أوجين إيتيان «التجمع الكولونيالي»، الذي كان يعرف على الخصوص باسم «الحزب الكولونيالي». وتجدر الإشارة إلى أن أوجين إيتيان كان من مؤسسي «لجنة المغرب» و رئيسها الشرفي. شغل أوجين إيتيان مناصب عليا هامة، منها نائب برلماني لوهران لمدة 40 سنة، ونائب كاتب الدولة للمستعمرات سنة 1887 وما بين 1889 و 1892، ومديرا للمجلة الكولونيالية، ووزير عدة مرات، منها وزير الحربية، وكان يشغل هذا المنصب حين كان رئيسا شرفيا لـ"لجنة المغرب" آنفة الذكر. وقد انضم إلى هذا الحزب عدد من النواب المتحمسين للتوسع الكولونيالي الفرنسي، وكان تأثيرهم على الرأي العام الفرنسي بالقول وبالفعل معا.

كانت طروحات جيل فيري بالنسبة إليهم مرجعية غير قابلة للنقاش. وفعلا، كان جيل فيري يعتبر باعث المد الكولونيالي في عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة، وكانت خطاباته العنصرية تستهوي عددا متناميا من السياسيين والقادة العسكريين، فهو الذي وجه تحيات الفخر والاعتزاز إلى «مقاتلي الأراضي النائية». وكان يعني بذلك حملات الجيش الكولونيالي الفرنسي في إفريقيا وغيرها. وفي خطاب له أمام البرلمان يوم 3 يوليوز 1883 قال، منوها بعمل الجنود خارج الحدود الفرنسية، أقوالا تعد بمثابة الخط السياسي لهذا التيار، وكلها مبنية على المناصرة العمياء للروح العسكرية الإحترابية في خدمة التوسع الاستعماري. وهذه فقرة من خطابه: "أبطال أفذاذ تضرب بهم الأمثال، بناة حضارة يخترقون شعوبا متوحشة. إنهم يبنون و يمدنون و يروضون هذه الإنسانية البدائية بفضل سمو نبوغهم وأصالة عبقريتهم".

ارتوى أوجين إيتيان من هذا المعين، وكان متشبعا بآراء جيل فيري، ولم يكن من الموافقين على نهج سياسة الحماية المحدودة، التي كان يسميها «سياسة الاحتجاب». وهو لا يعني بذلك ميله إلى سياسة الإدماج أو المماثلة. ربما كان يحبذ سياسة الإبادة، و يستشف ذلك من قوله: «يوجد في الجزائر ثلاثة ملايين ونصف من الأهالي الذين سيظلون دائما عقبة يتعذر تذليلها بين هذا البلد وفرنسا». وفي فترة وجيزة نسبيا أصبح الحزب الكولونيالي قوة سياسية مهيمنة على توجهات الجهاز التشريعي الفرنسي. وقد قام المؤرخ الفرنسي شارل روبير أجرون بتحليل هذا التيار، معززا قوله بالبيانات الإحصائية والتواريخ المضبوطة: "بعد موجة مناهضة الكولونيالية سنة 1885 حصل تراجع وبدأ عدد المناوئين للسياسة الكولونيالية في انخفاض مستمر حتى سنة 1914. ففي الدورة البرلمانية 1885/1889 كان عددهم كالتالي: 267 عضوا في دجنبر 1885، و215 عضوا في نونبر 1888. أما في الدورة البرلمانية 1910/1914، فقد انخفض عددهم إلى 80 عضوا. وفي الاتجاه المعاكس، فإن التجمع الكولونيالي البرلماني، الذي أسس سنة 1892، كان يضم في هذه السنة 91 عضوا، ثم أصبح يضم 102 عضو مع نهاية الدورة البرلمانية. وبعد انتخابات 1893 وصل العدد إلى 120 عضوا، وانتقل إلى حوالي 200 عضو بعد انتخابات 1901".

وهكذا جاءت «لجنة المغرب» نتاجا لإيديولوجية إمبريالية اكتسحت الشارع الفرنسي، وبدأت تمارس مهامها الدعائية وفقا لقناعات الحزب الكولونيالي المبنية على آراء عنصرية صارخة، وما المسألة الأمازيغية في الظروف التاريخية التي برزت فيها إلا من إفرازاته التخريبية.

 

مقالات أخرى في المسألة الأمازيغية

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 1)

من هو العربي ومن هو الأمازيغي بالمغرب؟

شيشنق القائد الرمز

في غياب المسألة الأمازيغية عن موريتانيا

التأثير الأمازيغي العميق في اللغة الدارجة: 100 كلمة نموذجا

تموت لغة الأمازيغ لتعيش الحركة الأمازيغية

فرنسا والمسألة الأمازيغية

"تاسرغينت" Taserɣint اسم أمازيغي قديم لـ"العربية"

 

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 1)

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 18 نيسان/أبريل 2019 11:53 الثلاثاء, 16 نيسان/أبريل 2019 19:57

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 1)

تقديم

تشرع مجلة تافوكت للفنون والإبداع في تجميع ونشر مجموعة مقالات مستقلة أو عبارة عن سلاسل بحوث أو دراسات تعنى بالمسألة الأمازيغية في كل تجلياتها وبكل تشعباتها وبشكل عام يشمل كل المناحي و من كل الزوايا مع استقراء طروحات مختلف وجهات النظر. وذلك تنويرا للباحثين والقراء عموما… ولا يفوتنا في مجلة تافوكت للفنون والإبداع شكر جميع المصادر والكتاب.

مرحبا بكل الأقلام والآراء والبحوث بهدف إغناء ساحة النقاش والمعرفة فيما يخص المسألة الأمازيغية.

توطئة خاصة بسلسلة: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي

يسود الاعتقاد عند المثقفين عموما، بل حتى عند بعض الباحثين المتخصصين، بأن الحديث عن المسألة الأمازيغية إبان عهد الحماية إنما يعني أساسا الظهير البربري بتاريخ 16 مايو 1930. وهذا الاعتقاد خاطئ لا محالة، لأن ظهير 1930 لم يكن في الواقع إلا تتويجا ونتيجة حتمية لمسلسل بدأت الإيديولوجية الكولونيالية في رسم حلقاته منذ أمد بعيد؛ وهو ما يسعى إلى تبيانه الدكتور الطيب بوتبقالت في هذه السلسلة التي ننشرها في 10 أجزاء كل منها يتكون من 3 عناوين رئيسة... عن هسبريس التي نشرتها في 30 حلقة.


بقلم أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال الدكتور الطيب بوتبقالت

التاريخ مصدر إلهام وإذكاء لجذوة الروح الوطنية


من السذاجة بما كان الارتكان إلى الراحة التأملية التي تعتبر التجارب والدروس التاريخية مجرد سلسلة أحداث طواها الزمن إلى غير رجعة، إذ ننظر إليها من زاوية تجعلنا نصنفها تصنيفا سطحيا على أساس كونها وقائع قد نلجأ إلى الاطلاع عليها بهدف الفضول المعرفي وتزجية الوقت والترفيه عن النفس، ليس إلا. لكن ما قد يغيب عن وعينا هو أن التاريخ يعد بمثابة الدعامة الأولى بالنسبة للهوية، بل وعمودها الفقري الذي لا تستقيم بدونه، إذ لا أحد يجادل في كون سؤال الهوية من الأسئلة المتجددة والمطروحة باستمرار في كل زمان ومكان، وأن المقاربة التاريخية تشكل على الدوام المدخل الرئيسي لمحاولة الإجابة عنه؛ وهذا معناه أن كل تساؤلاتنا الوجودية و محاولاتنا لفهم ومعالجة قضيانا الآنية تدفعنا حتما إلى تفكير يستمد قوته أو ضعفه من معرفة استقرائية أو استنباطية ذات خلفية تاريخية معينة. وهناك قاعدة قطعية غير قابلة للتجريح أو التكذيب، وهي باختصار: من لا تاريخ له لا هوية له...إن الذاكرة التاريخية لكل الشعوب والأمم تؤثثها تحولاتها العميقة وإخفاقاتها ونجاحاتها المصيرية؛ وهي بالتالي عبارة عن سجل مفتوح تنهل منه الأجيال المتتالية ما يبدو لها وجيها لفهم إشكاليات الحاضر والاستعداد لمواجهة المستقبل بمفاجآته واحتمالاته المتعددة...

لقد كان المغرب وسيظل دوما مستهدفا من قبل قوى معادية لأسباب وذرائع مختلفة؛ وذلك لعدة اعتبارات من أهمها موقعه الإستراتيجي الفريد من نوعه وثرواته الطبيعية الوفيرة. ولعل من أكبر الهزات العنيفة التي كادت تعصف بهذا البلد في مهب الريح، وتجعل مواطنيه أضيع من الأيتام على موائد اللئام، بعدما كانوا بناة حضارة وأصحاب جاه ومكانة على الصعيد العالمي، تلك الرجة التاريخية التي جسدتها الحقبة الاستعمارية الغربية المعاصرة بكل ما أوتيت من شراسة وكيد. إن معاناة المغاربة مع ويلات الاستعمار الغربي دامت عقودا طويلة، والبعض من رواسبه ومكائده مازالت إلى يوم الناس هذا تشكل فخاخا ودسائس ماكرة، في حالة عدم القدرة على تفكيكها وإبطال مفعولها، قد تتحول إلى قنابل موقوتة ذات قدرة تخريبية مهولة...

من المعلوم أن اسم «المغرب» في جل اللغات الأوروبية (Marokko, Morocco, Maroc Marruecos, etc) هو في الأصل تحريف لكلمة «مراكش»، تلك المدينة التي كانت عاصمة للبلاد في زمن كان يعد فيه المغرب من صناع السياسة الدولية الذين يحتلون الصدارة، ويشكل محط أنظار أوروبا القابعة في ظلامها الحضاري. لكنه كما يقال "دوام الحال من المحال"...فها هي الأندلس تسقط من أيدي المغاربة الذين أصبحوا مهددين في عقر دارهم. لا بل أكثر من ذلك، لقد تم الاستيلاء على عدد من الثغور المغربية، منها ما تم استرجعه ومنها ما بقي محتلا إلى يومنا هذا (سبتة ومليلية وجزر باديس والنكور وكبدانة والبرهان...). وهكذا أجبر المغرب على تبني إستراتيجية دفاعية كانت تعبيرا واضحا عن تراجع نفوذه وانهيار هيبته وسمعته.

نعم، هناك على الأقل معركتان سجلهما التاريخ الحديث والمعاصر، جسدتا إلى حد بعيد قدرة المغاربة الدائمة على رفع التحدي، وهما معركتا وادي المخازن (1578) وأنوال (1921)؛ لكن لا يجب أن ننسى أن وقائعهما جرت قبل كل شيء فوق التراب الوطني، هذا في وقت كانت مضاعفة الجهود والتضحيات تحتم على المغاربة أن تدور المواجهات نفسها على مشارف لشبونة بالنسبة للمعركة الأولى، وفي ضواحي مدريد بالنسبة للثانية. وهنا لا بد من الإشارة إلى صحة القاعدة العامة المعروفة منذ العصر الروماني، وهي: من يريد السلام فعليه أن يستعد للحرب...وذلك ما لم يكن المغرب قادرا على التخطيط له في غياب نهضة ثقافية علمية متطورة، ولا على إنجازه في غياب تنظيم اجتماعي يرقى إلى مستوى تحديات العصر...

ومهما يكن من أمر، ورغم كل هذا الانحطاط وتداعياته، فإن القرن العشرين يسجل الوقوف عند تضحيات عناصر الحركة الوطنية المغربية من أجل الحرية والاستقلال، وعند التجربة الرائدة والفريدة من نوعها التي جسدتها المسيرة الخضراء، كأسطع وأقوى برهان على دوام قدرة المغاربة على كسب الرهانات وتثمين هويتهم التاريخية والتضحية من أجلها بكل غال ونفيس.

ويبقى الاهتمام في هذه السلسلة من المقالات منصبا بالخصوص على موضوع التكالب الفرنسي الاستعماري على البلاد، وعلى الأساليب والطروحات التي تم توظيفها بهدف النيل من الشخصية المغربية وطمس مقوماتها الحضارية والثقافية. إن هذا هو الإطار المنهجي الذي لا غنى عنه في اكتناه المسألة الأمازيغية تماما كما اختمرت وتبرعمت في سياقها الكولونيالي. وللتذكير فإنه منذ استيلائها على الجزائر سنة 1830 كانت نوايا فرنسا ومخططاتها كلها موجهة قصد بسط سيطرتها على المغرب، وقد استعملت من أجل ذلك طريقة استعمارية متطورة تتلخص في تخريب المجتمع المغربي من الداخل وإبطال مفعول مناعته في مواجهة الطغيان. وخلافا للاستعمار الكلاسيكي، فإن فرنسا استعملت في غزوها للمغرب طرقا شتى مبنية في معظمها على معرفة لا يستهان بها بالمجتمع المغربي، ليس بهدف التواصل السلمي مع مكوناته، ولكن من أجل استعباده وتحقيره. وهكذا فإن المغاربة في الواقع لم يتم قهرهم بقوة السلاح بقدر ما تم بقوة الدعايات الكاذبة والتشويش المغرض والأساليب الشيطانية التي تمكن المستعمر من توظيفها لتحقيق أهدافه المبيتة.

إن انهزام المغاربة في وجه الاجتياح الاستعماري كان نتيجة للحرب الدعائية الكولونيالية أكثر بكثير من كونه نتيجة للغزو العسكري...

لذلك رأيت لزاما كشف بعض معالم هذا المسلسل قبل الوقوف عند تفاصيل الأحداث وردود الفعل التي خلفها الظهير سيئ الذكر. إن الدراسات المتأنية توضح بما لا يدع مجالا للشك أن الأنشطة الثقافية والعلمية والتعليمية الفرنسية المشبوهة ساعدت بنجاعة فائقة على تغلغل الاستعمار بالمغرب، وساهمت إلى حد بعيد في إلحاق أضرار بليغة بالهوية المغربية بمختلف أبعادها الحضارية والثقافية.

الإستراتيجية الدعائية الاستعمارية الفرنسية بالمغرب

يمكن تقسيم المنظومة الدعائية الاستعمارية الفرنسية إلى ثلاثة محاور رئيسية: الأول كان يعرف بـ"الرسالة الحضارية Mission civilisatrice – "، والثاني كان المستعمر يطلق عليه اسم "الاختراق المتسترPénétration pacifique –"، الذي يترجم في بعض الدراسات ترجمة حرفية تحت اسم "التوغل السلمي". وأما المحور الثالث فقد كان يتجسد في مخطط كاذب ومضلل يدعى "التهدئة Pacification – ".


رسالة فرنسا الحضارية...

لم تكن عبارة "الرسالة الحضارية" مجرد شعار دعائي تجندت لرفعه باستمرار كل وسائل الإعلام الناطقة باسم الإمبريالية، بل كانت قبل كل شيء برنامج عمل عدواني ضد المغرب ووسيلة تضليلية للرأي العام الفرنسي والأوربي. وهذه الإستراتيجية الاستعمارية العامة كانت ترمي إلى تحقيق هدفين: الأول يتمثل في إضفاء الشرعية على مختلف الحملات العسكرية في ما وراء البحار والأصقاع النائية، تحت ذريعة نشر المدنية، وبالتالي تعزيز النفوذ الفرنسي داخل أوربا نفسها؛ والثاني يتجلى في التمسك بنهج الأسلوب الدبلوماسي لحل النزاعات التي تنشب بين الدول الأوربية في خضم تنافسها الجامح من أجل الحصول على مستعمرات جديدة، خاصة أن هذه الدول تعتبر نفسها «متحضرة»، وهي بطبيعتها إذن قادرة على حل نزاعاتها «حضاريا»...وفي ما يخص الاستعمار البريطاني، كانت عبارة "عبء الرجل الأبيض White Man's Burden –" مرادفة لعبارة «الرسالة الحضارية» التي رفعها الاستعمار الفرنسي شعارا لطغيانه.

ويمكن التأريخ لانطلاق هذا المسلسل في ما يتعلق بالمغرب ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتحديدا منذ مؤتمر مدريد لسنة 1880، وهو المؤتمر الذي أرسى قاعدة أولية متفقا عليها من طرف الأطراف الاستعمارية المتناحرة من أجل الاستيلاء على «الإمبراطورية الشريفة»؛ وكان ذلك يعني استغلال الموارد البشرية المغربية في إطار «قانون الحماية» الجائر. وهكذا بموجب المقتضيات الظالمة والتأويلات المغرضة لقانون الحماية الأجنبية كان عدد «المحميين» المغاربة مع مطلع القرن العشرين يحصى بالآلاف، كلهم يعملون لفائدة الدول الاستعمارية ويساهمون بتواطئهم في تخريب السيادة الوطنية والتقليص من قدرات البلاد الدفاعية.

ودائما تحت غطاء «الرسالة الحضارية» نفسها تم إبرام عدة اتفاقيات دبلوماسية في إطار التسويات الاستعمارية العامة، لعل أبرزها البيان الفرنسي-الإنجليزي الموقع بتاريخ 8 أبريل 1904 والمعروف بـ«الوفاق الودي»، ومعاهدة الجزيرة الخضراء لسنة 1906، والاتفاقية الفرنسية-الألمانية بتاريخ 4 نونبر 1911. هذه الاتفاقيات الثلاث هي التي أوجدت حلا نهائيا لما سمي «المسألة المغربية». ويتضح من ذلك كله هيمنة المركزية الأوربية على سيرورة العلاقات الدولية، إذ كان تصورها لتدبير الشؤون العالمية هو التصور السائد بدون منازع...

برنامج الاختراق المتستر

أما الدعامة الثانية للمنظومة الدعائية الكولونيالية فقد كانت تتمثل في برنامج براغماتي يحمل عنوانا شاملا يسمى «الاختراق المتستر»، يعد بحق نتاجا صرفا للتجربة الاستعمارية الفرنسية في أوج هيمنتها التوسعية؛ إنه بمثابة تعبير ملموس عن نضج العمل الإمبريالي في قمة بلورته التاريخية. لقد استهدف «الاختراق المتستر» المغرب واتخذه حقلا شاسعا لتفاعل أنشطته العديدة والمتداخلة، وكانت عناصره الفعالة تتكون من اليهود المغاربة، ومن عدد من أقطاب وأتباع التصوف والطرقية المنضوين تحت لواء بعض الزوايا المغربية الخائنة، وكذلك من شخصيات تنتمي إلى الإدارة المخزنية؛ هذا بالإضافة إلى عناصر أخرى لا تقل أهمية، من ضمنها نجد المستكشفين الجواسيس، والتجار، والصيارفة، ورجال الأعمال من محميين وأجانب، والموظفين الأجانب التابعين لإدارة المخزن، وأعضاء البعثات التبشيرية المسيحية، والمعلمين التابعين للرابطة الإسرائيلية العالمية والرابطة الفرنسية، والأطباء الفرنسيين، وأفراد البعثات العسكرية والعلمية، وعملاء مغاربيين وأوربيين من غير الفرنسيين، وصحافيين. كل هذه العناصر وغيرها مما لم يرد ذكره كانت تعمل بشكل جاد ومتكامل، إما علانية وإما تحت غطاء السرية لتحقيق الهدف نفسه، وهو الاستيلاء على المغرب وتدعيم النفوذ الاستعماري الفرنسي وفرض سيطرته على أهل هذا البلد إلى الأبد...

و كامتداد وتفعيل في آن واحد لإستراتيجية «الاختراق المتستر» عمد المستعمر إلى استعمال آلية ليس لها من السمة القانونية إلا الاسم، ونعني بذلك نهجه أسلوب "الحماية" كمعاهدة قانونية ملزمة للطرفين (فرنسا والمغرب)، بينما لم تكن في الحقيقة سوى خدعة استعمارية من ثمار تجربة فرنسا الواسعة في مجال إذلال الشعوب وتحقير قادتها. ومما لا شك فيه أن هذه الخدعة ساهمت بشكل واضح في الرفع من وتيرة تغلغل الاستعمار وتكريس سيطرته الرسمية على البلاد. لقد كان الفرنسيون يضعون في مقدمة أساليبهم التضليلية كونهم يتصرفون وفقا لمقتضيات "معاهدة الحماية" الموقعة من طرف السلطات الشرعية للبلاد. ومعلوم أن المعاهدة المذكورة كانت تشير إلى إنجاز مجموعة من «الإصلاحات» المختلفة في ميادين حيوية شتى. فما كان على المغاربة، والحالة هذه، إلا الإذعان لمنطق «القانون» الذي كان يفرض اللجوء وجوبا إلى منطق القوة كلما دعت الضرورة إلى ذلك..إنها «التهدئة» في سبيل نشر «الحضارة» والقضاء على «الهمجية» و «كراهية الأجانب» و «التعصب الديني»... وباختصار إنه «عبء الرجل الأبيض» على حد تعبير الدعاية الاستعمارية الإنجليزية.

المغاربة في مواجهة سياسة التهدئة

إذا كانت الظروف الدولية والمناورات الدبلوماسية أملت على فرنسا اعتماد إستراتيجية «الاختراق المتستر» قصد الاستيلاء على المغرب، وذلك بداية من منتصف القرن التاسع عشر إلى يوم 30 مارس 1912، فإن الظروف المحلية هي التي فرضت على الدولة الغازية الركون إلى إستراتيجية «التهدئة»؛ تلك «التهدئة» التي كانت مجرد تلطيف دعائي لحرب ضروس دامت حوالي ثلاثين سنة شنتها قوات الاحتلال على مكونات الشعب المغربي قاطبة.

وبالطبع لم يكن من شيم المغاربة أن يستسلموا للأمر الواقع: ففي المغرب الشرقي وعلى امتداد المناطق المحاذية للجزائر المغتصبة، وحتى داخل قبائل أيت عطا، كانت التعبئة وكان الاستبسال. وفي الشاوية تحرك المغاربة الأشاوس للدفاع عن الدار البيضاء منذ 1907 ووقفوا أمام زحف جنود الهمجية والطغيان. ومن أعماق الصحراء المغربية، مرورا بسكان وادي نون الشجعان ووصولا إلى مراكش المرابطية، تحركت المقاومة الجهادية لصد جحافل الاستعمار والإمبريالية، ومن سفوح جبال الأطلس تعالت صيحات أبناء زيان مكبدة العدو خسائر لم تكن في الحسبان. وفي التواءات جبال الريف كان لأشبال عبد الكريم الخطابي موعد مع التاريخ ليعلنوا للعالم أن المغرب، مهما نالت منه نكبات الأزمان وتكالبت عليه قوى الغدر والطغيان، فإن به قلبا نابضا للحرية والكرامة وروحا دائمة للاستعداد من أجل الكفاح والاستشهاد في مواجهة كل اضطهاد واستبداد.

نعم، لم تتمكن القبائل المغربية المجاهدة من دحر العدو، لكنها استطاعت أن تهيئ الخميرة اللازمة التي بفضل مفعولها الإيجابي، أعطت للمغرب نمطا كفاحيا في مستوى الأحداث؛ إنها الحركة الوطنية السياسية المتسمة بذكائها وتواضعها، وكذلك بتمسكها الراسخ بمقومات الشخصية المغربية متعددة الروافد.

مكانة الثقافة في المشروع الكولونيالي

قليلة هي الدراسات والأبحاث التي تشدد على الأهمية القصوى التي كان الاستعمار الفرنسي يوليها للثقافة كوسيلة للتغلغل المتستر وأداة للدعاية الفاعلة، إذ استطاع بفضلها أن يحقق أهدافه بتكاليف زهيدة وأحيانا بنتائج باهرة. وما الهزة العنيفة والخطيرة التي أحدثتها المسألة الأمازيغية في مغرب الثلاثينيات من القرن الماضي إلا جزء واحد فقط من إستراتيجية كولونيالية عامة دأبت فرنسا على بلورتها وتحسين أدائها منذ أن وطأت أقدام جنودها الغزاة بلاد شمال إفريقيا في منتصف شهر يونيو من عام 1830. عندها تأكد الفرنسيون من صحة المعلومات التي طفحت بها تقارير جواسيسهم وعملائهم الذين جابوا البلاد طولا وعرضا طيلة عقود من الزمان خلت، وهي التقارير الاستخباراتية التي كانت تزود السلطات الفرنسية تحت جناح السرية التامة بكل المعلومات التي من شأنها أن تساعد على تنظيم حملات و إنزالات عسكرية في هذه المنطقة بالذات قصد الاستيلاء عليها.

لقد اتضح للفرنسيين أن انتصارهم النهائي والدائم يعني وجوبا القضاء على مجتمع متشبث بخلفياته الحضارية والثقافية، وأنه لا بد من اختراق تلك الخلفيات وتدميرها تدميرا، وإلا فإن وجودهم سيظل مهددا طالما تمسك هذا المجتمع بشخصيته التاريخية و بمقومات هويته الدينية والفكرية. تلك الهوية التي جعل منها هذا المجتمع مرجعيته الأساسية، والتي عليها تربت أجيال متتالية من العشائر والقبائل المتآلفة تارة والمتنازعة تارة أخرى، ولكنها بقيت دائما وفية لانتمائها إلى رقعة حضارية ساهمت عن جدارة واقتدار في بناء وإرساء قواعدها على أرضية صلبة وبأسلوب رفيع ومتميز.

شمر دهاقنة الاستعمار ومفكروه على سواعدهم و انكبوا على دراسة المغرب دراسة شاملة ومعمقة كان هدفها الوحيد هو تسهيل احتلال البلاد وإفشال كل مقاومة وطنية أيا كانت وأينما وجدت.

ومما تجدر الإشارة إليه أن احتلال الجزائر وتونس كان بمثابة حقل تجارب بالمقاييس الطبيعية التي ساعدت الفرنسيين على استيعاب الدروس والوقوف عن كثب عند ميزات شعوب شمال إفريقيا، ومدى قوة أو ضعف مناعة هذه الشعوب في مواجهتها للتدخل الأجنبي. إنها التجارب المريرة التي مكنت الفرنسيين من تفادي الأخطاء الإستراتيجية في سبيل تحقيق مشروعهم الكولونيالي بالمغرب؛ وكان من الطبيعي، والحالة هذه، أن ينتبهوا إلى ما توفره المؤسسات التعليمية من فرص سانحة لطمس العقول والتلاعب بها تيسيرا لاختراق البلاد والعباد.

التحالف الموضوعي بين مدارس الرابطة الإسرائيلية ومدارس الرابطة الفرنسية بالمغرب

عرف المغرب دخول التعليم العصري خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان ذلك عن طريق جمعيتين تابعتين للنفوذ الفرنسي قلبا وقالبا، وهما الرابطة الإسرائيلية العالمية التي بدأت نشاطها انطلاقا من سنة 1862، والرابطة الفرنسية التي بدأت عملها بفارق عشرين سنة بعد ذلك. وبطبيعة الحال كان الهدف من إدخال التعليم على النمط الأوربي إلى المغرب هدفا استعماريا لا غبار عليه؛ لهذا كانت السياسة المتبعة في هذا المجال مبنية على تلقين العنصر المغربي تعليما يركز على إظهار تفوق الغرب الحضاري، مع إغفال كل المقومات الثقافية المغربية أو تشويهها والانتقاص من قيمتها وعدم تقدير جدواها. والخطة في مجملها تستهدف زرع عقدة الدونية لدى الإنسان المغربي تمهيدا لغرس استلابه الفكري. وفعلا، يجب الإقرار بأن هذا الأسلوب الاستعماري الخبيث سجل نتائج هامة، وهو ما شجع فرنسا على دعمه واعتماده للدفع قدما بنهجها الكولونيالي.

وفي هذا السياق، يقول إدمون دوتي: "إن الذين خالطوا الأهالي يدركون مدى سهولة الاتصال بالمغاربة الذين تابعوا تعليما أوربيا ومدى سهولة انصياعهم". وهكذا كانت المقررات المتبعة بمدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية ومدارس الرابطة الفرنسية -التي كان يطلق عليها اسم «المدارس الفرنسية-العربية»- تهدف إلى نشر ثقافة مغلوطة تجعل من المغاربة أداة طيعة يتم تسخيرها لفائدة الاستغلال الاستعماري، وليس من أجل خلق تواصل حقيقي يساهم في توعيتهم ويدفعهم إلى الاعتماد على النفس ويجعلهم في مستوى تحديات العصر. بمعنى آخر، كانت فلسفة هذا التعليم تنحصر في إعداد المغاربة إعدادا آليا يتماشى تماما و مصالح المستعمر ليس إلا. وقد جاء على لسان أحد المسؤولين الكبار بالإقامة العامة بالرباط في هذا الموضوع ما يلي:

"يجب إعطاء الأهالي الوسائل التي تمكنهم من العيش في جو الحداثة، بحيث تكون أنشطتهم مؤطرة وموجهة قصد تحقيق الإنتاج الضروري. كل ذلك يجب أن يتم بالموازاة مع الحفاظ على أفكارهم وسلوكياتهم في مستوى مناسب، وهو ما يعني التنشيط بدون الاقتلاع والتنوير بدون الاغتراب..يجب أن نعطيهم الانطباع بأننا نريد تحقيق منفعتهم بقدر لا يقل عما نريده لتحقيق منفعتنا نحن".

والملاحظ أنه رغم التحايل اللفظي الذي اتسمت به لهجة هذا الخطاب، فإن فحواه ومراميه كانت مفهومة على حقيقتها من لدن الساهرين على إنجاز الخطة التعليمية الاستعمارية بالمغرب، والتي يمكن حصرها باختصار في محور براغماتي يرتكز بالأساس على عدم إيقاظ وعي العنصر المغربي بظروف الإختراق التي يتعرض لها، والعمل في الوقت نفسه على تكييف سلوكه بشكل يتسنى معه استغلاله على الوجه الأكمل وبدون أي مقاومة من طرفه.

نشر الثقافة الفرنسية لأغراض استعمارية

لعبت مدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية دورا رياديا في إدخال وانتشار تعليم اللغة الفرنسية بالمغرب. والرابطة المذكورة هي جمعية أسسها يهود فرنسيون سنة 1860، وبعد ذلك بسنتين فتحت أول مدرسة لها بتطوان؛ كانت برامجها خاضعة لتوجيهات فرنسية مباشرة. وكان هدف الجمعية ينص على: "إدماج اليهود مع الأهالي أو مع شعب ينتمي إلى حضارة راقية يحمي هؤلاء الأهالي. ويجب اعتماد المدرسة كأنجع وسيلة لتحقيق تلك الغاية"؛ ومعنى ذلك أن خطة الرابطة كانت ترمي إلى جعل اليهود المغاربة حلقة وصل مرنة وجسرا ثابتا يمكن المستعمر من تمرير نفوذه بطريقة ذكية وتدريجية إلى العمق المغربي، وهذا ما حصل بالفعل، إذ ساهمت مدارس الرابطة مساهمة ناجعة في نشر وتعزيز الثقافة الفرنسية المبنية على أسس استعمارية صرفة؛ ففي ظرف عقدين من الزمن كانت جل مدن المغرب الرئيسية متوفرة إما على مدرسة تابعة للرابطة الإسرائيلية العالمية تعمل بانتظام، وإما على مشروع بناء مدرسة لنفس الرابطة يوشك على نهاية الأشغال. وفي مطلع القرن العشرين كانت للرابطة الإسرائيلية العالمية مدارس مفتوحة في كل من تطوان وطنجة والعرائش والرباط والبيضاء والصويرة وفاس ومراكش، حيث بلغ عدد التلاميذ 2053 تلميذا، منهم 1249 من الفتيان و804 من الفتيات.

وفي هذه المدارس كان التلاميذ يتعلمون اللغة العبرية، واللغة الإسبانية في شمال المغرب، حيث كانت توجد جالية يهودية مهمة؛ لكن هذه اللغة كانت تلقن بحروف عبرية. كما أن اللغة الإنجليزية كانت تدرس في كل مؤسسات الرابطة، ليس فقط لكونها لغة حية مهمة، وإنما كان ذلك اعترافا من هذه الرابطة بما كانت تحصل عليه من مساعدات من طرف الجمعية الأنجلو- يهودية ذات النفوذ العالمي. وأما باقي المقررات الدراسية، أي الجزء العام (تاريخ، جغرافيا، علوم، فنون، أدب، إلخ.) فقد كان يدرس كاملا باللغة الفرنسية. حتى الخرائط الحائطية كانت كلها بالفرنسية، شأنها في ذلك شأن المراجع المعتمدة. وقد زينت قاعات الدرس بالوصايا العشر المكتوبة بالفرنسية و بحروف بارزة.

وفي محاولة منه لتقييم أداء هذه المؤسسات كتب أوجين أوبان في مطلع القرن العشرين: "إنها لغتنا وأفكارنا التي تحظى بالأفضلية في تعليم الشباب اليهودي بمدارس الرابطة بالمغرب، فبفضل هذه المدارس أصبحت اللغة الفرنسية منتشرة بشكل ملحوظ في المدن الداخلية. وتحت تأثير قدماء مدارس الرابطة الذين يتعاطون للتجارة، بدأت المراسلات التجارية تحرر بالفرنسية. ومع مراعاة الفارق، فإن الرابطة الإسرائيلية تبدو في طريقها لتمكيننا من بلوغ الأهداف نفسها التي حققناها في الشرق بواسطة البعثات الدينية الكاثوليكية هناك".

وهكذا، عبر نشاط هذه المدارس ودورها في نشر الثقافة الفرنسية، بدأ اليهود المغاربة يتبنون أنماط سلوك غربية وينأون تدريجيا عن تقاليدهم المغربية العريقة، وفي ذلك يقول أوبان: "لقد بدأ الأهالي اليهود يظهرون بمظهر أوربي تام، وذلك لا يتجلى فقط في إقبالهم المتزايد على الاقتداء بنا في اللباس والأذواق، إذ يبدو أن تغيير الملبس هنا يرمز إلى تغيير في الأفكار عندهم. وفي الملاح بدأ أبناء العائلات اليهودية المرموقة شيئا فشيئا يرتدون نفس الثياب التي يرتديها أبناء بلدنا، ومن النزاهة الاعتراف بأن هذه التغييرات ليست فقط سطحية، لقد أفرزت اتجاهات أفضل على مستوى التقاليد، وفي نمط العيش، بل حتى في الطباع إلى حد ما. ولا يسع أي فرنسي زار مدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية إلا أن يعبر عن ابتهاجه وامتنانه".

إن تسخير هذه المدارس لصالح النفوذ الاستعماري الفرنسي كان عن وعي من المسؤولين عليها وبإرادة منهم. وتجسدت نتائج ذلك التوجه في تكوين أجيال من الوكلاء التجاريين، والوسطاء، والجواسيس، والتراجمة، والأعوان الإداريين الذين حظوا كلهم برعاية ودعم المستعمر. لقد كان كودفروي دومنبين على صواب حين كتب: "إن الخدمات التي قدمتها مدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية كانت عظيمة..لقد لقنت اللغة الفرنسية لآلاف من الفتيان والفتيات اليهود (...) وبفضل عمل الرابطة وجدنا فيهم عند دخولنا إلى المغرب أنفس معين قام بإمداد الجيوش ومزاولة مهام إدارية".

ولنفس الأهداف جاءت مدارس الرابطة الفرنسية لتعزز روح الهيمنة الثقافية الاستعمارية، وتهيئ الأرضية الملائمة لإنجاح المشروع الكولونيالي الفرنسي بالمغرب. وبدأت المسألة الأمازيغية تتراءى في الأفق، ولكن لا بد من ترتيبات تمهيدية لإنضاجها، و"كل الطرق تؤدي إلى روما"، كما يقال عندهم..


مقالات أخرى في المسألة الأمازيغية

من هو العربي ومن هو الأمازيغي بالمغرب؟

شيشنق القائد الرمز

في غياب المسألة الأمازيغية عن موريتانيا

التأثير الأمازيغي العميق في اللغة الدارجة: 100 كلمة نموذجا

تموت لغة الأمازيغ لتعيش الحركة الأمازيغية

فرنسا والمسألة الأمازيغية

"تاسرغينت" Taserɣint اسم أمازيغي قديم لـ"العربية"

 
 

من هو العربي ومن هو الأمازيغي بالمغرب؟

تاريخ آخر تحديث: الأربعاء, 17 نيسان/أبريل 2019 18:40 الإثنين, 15 نيسان/أبريل 2019 11:10

من هو العربي ومن هو الأمازيغي بالمغرب؟

 

تقديم

تشرع مجلة تافوكت للفنون والإبداع في تجميع ونشر مجموعة مقالات مستقلة أو عبارة عن سلاسل بحوث أو دراسات تعنى بالمسألة الأمازيغية في كل تجلياتها و بكل تشعباتها وبشكل عام يشمل كل المناحي و من كل الزوايا مع استقراء طروحات مختلف وجهات النظر. وذلك تنويرا للباحثين والقراء عموما… ولا يفوتنا في مجلة تافوكت للفنون والإبداع شكر جميع المصادر والكتاب.

مرحبا بكل الأقلام والآراء والبحوث بهدف إغناء ساحة النقاش والمعرفة فيما يخص المسألة الأمازيغية.

المقال بقلم الأستاذ محمد بودهان

الشائع والمسلّم به كبديهية، أن الشعب المغربي يتكون من أمازيغيين ذوي هوية أمازيغية، وعرب ذوي هوية عربية. وهو ما يعني، كما هو شائع ومسلّم به أيضا، أن المغرب يتشكل من هويتين اثنتين: هوية أمازيغية وهوية عربية. وهذا ما يطرح السؤال التالي: من هو أمازيغي الهوية ومن هو عربي الهوية بالمغرب؟ أي ما هو معيار التمييز بين الأمازيغي والعربي إذا كان المغرب يتكون حقا من أمازيغيين وعرب؟

1ـ الجواب الشائع والمسلّم به كذلك، أن الأمازيغي هو من يتحدث ويستعمل اللغة الأمازيغية، والعربي هو من يتحدث ويستعمل اللغة العربية.

لكن ماذا ستكون هوية (أمازيغية أم عربية؟) ذلك الذي يتحدث ويستعمل الأمازيغية كلغته الأولى، لكنه ينحدر من والدين "عربيين" لا يتحدثان ولا يستعملان سوى "العربية" مع جهلهما التام للأمازيغية، كحالة تلك الأسرة التي عرضتها القناة الأمازيغية (2011)، والمتكونة من أب وأم من مدينة مكناس عيّنا معلمين بالناظور حيث قضيا أزيد من ثلاثين سنة، ومن أولادهما (أبناء وبنات) الذين ازدادوا جميعهم بالناظور ويتحدثون كلهم الأمازيغية كلغتهم اليومية الأولى؟

واضح إذن أن هؤلاء الأولاد، وبناء على المعيار "اللغوي" الشائع للتمييز بين الأمازيغي والعربي، هم أمازيغيون لا أقل ولا أكثر. أما أمهم وأبوهم فهما "عربيان". وهذا يعني أن الهوية غير قارة ولا ثابتة، بل تتغير تبعا للغة التي يتحدثها المواطن في هذه المنطقة أو تلك داخل نفس الوطن، الذي هو المغرب في هذه الحالة التي تعنينا هنا. مما يجعل أن الأسرة الواحدة يمكن أن يكون أعضاؤها ذوي انتماءات هوياتية مختلفة ومتباينة حسب المناطق التي يستقر بها هذا الفرد أو ذاك ـ من أعضاء نفس الأسرة ـ بسبب الزواج أو العمل أو الهجرة، حيث قد يتعلم ويستعمل لغة السكان الخاصة بتلك المنطقة وتصبح لغتَه الأولى في التواصل اليومي لا فرق بينه وبين السكان "الأصليين" بتلك الجهة. وهنا نكون أمام حالة "لا هوية" و"لا انتماء" بسبب التعدد الذي قد يكون بلا نهاية في الهوية، وتغيرها وانتقالها من وضع هوياتي إلى آخر. وهذا ما يسميه المناطقة القدامى بـ"الخُلْف" (أمر لا معقول) الذي يُستشهد به على عدم صحة قضية من القضايا بسبب ما تؤدي إليه نتائجها من "خُلْف" لا يقبله العقل كاستدلال ذي استنتاجين أحدهما يلغي الآخر Aporie.

وإذا كان هذا المثال، بنتائجه "الخُلْفية" التي تلغي مفهوم الهوية بدل تحديده وتعريفه، يتعلق بالحالة التي يتحول فيها أبناء مغربي "عربي" إلى مغاربة أمازيغيين، فإن الحالة العكسية، أي التي يتحول فيها مغاربة أمازيغيون إلى مغاربة "عرب"، هي الأكثر شيوعا وانتشارا مع الهجرة القروية وسياسة التعريب. وإذا كانت نتائج الحالة الأولى "خُلْفية" لا تستقيم مع مفهوم الهوية، فإن نتائج الحالة الثانية هي بالضرورة "خُلْفية" كذلك لتنافيها مع مفهوم الهوية. وهو ما يعني، كخلاصة، أن كل من يتحدث "العربية" ليس بالضرورة عربيا في هويته، وإنما قد يكون أمازيغيا، كما أن كل من يتحدث الأمازيغية ليس بالضرورة أمازيغيا في هويته، وإنما قد يكون "عربيا".

بل يمكن أن نذهب بهذا المنطق "اللغوي" حتى نهايته "الخُلْفية" فنقول بأن المغاربة المتحدثين بالفرنسية بالمغرب كلغتهم الأولى (وهم موجودون وفيهم أسر بكاملها لا يستعمل أفرادها سوى الفرنسية)، هم فرنسيون في هويتهم. وهذه إحدى مفارقات المعيار "اللغوي" في تحديد الهوية.

أضف إلى هذه المفارقات أن "العربي" بالمغرب، إذا كان هو كل من يتحدث ويستعمل "العربية" كلغته الأولى، فسوف لن يكون هناك أي "عربي" بهذا البلد ـ ولا في أي مكان من الدنيا ـ لأنه لا أحد من المغاربة يتحدث اللغة العربية الحقيقية (الفصحى) كلغته الأولى التي يستعملها في تواصله اليومي، بل فقط الدارجة المغربية، والتي هي لغة أخرى قائمة بذاتها ولا تربطها باللغة العربية إلا علاقة معجمية، عكس ما هو شائع ومسلّم به كبديهية كذلك (انظر موضوع: "هل الدارجة المغربية أداة للتعريب أم وسيلة للتمزيغ؟" ضمن كتاب "في الهوية الأمازيغية للمغرب").

النتيجة أنه لا يمكن إذن اعتماد المعيار "اللغوي" للتمييز بين من هو العربي ومن هو الأمازيغي بالمغرب بسبب ما يتضمنه من "خُلْف" ومفارقات.

2 ـ هناك اعتقاد شائع كذلك يقول بأن الأمازيغي هو الذي ينحدر من السكان "الأصليين" للمغرب. أما العربي فهو الذي ينحدر من نسب "عربي" ترجع أصوله إلى أجداده بشبه الجزيرة العربية.

المشكل الذي يطرحه هذا المعيار العرقي هو التالي: من يستطيع أن يثبت، سواء من الأمازيغيين أو العرب، انتماءه العرقي إلى السكان الأصليين أو العرب الوافدين، وبشكل قطعي ويقيني؟ فاختلاف الأنساب واختلاطها بسبب الهجرة والمصاهرة والغزو والاستيطان، لا يسمحان بالحفاظ على نقاء عرقي لأكثر من ثلاثة أجيال أو أربعة، فبالأحرى ادعاء نقاء عرقي لعشرات الأجيال، وهو أمر لا يمكن تصوره إلا بالنسبة لأناس ينجبون ويتوالدون دون علاقات جنسية ولا روابط زواج أو مصاهرة مثل تلك النباتات الخنثوية Hermaphrodite التي تتوفر على العناصر الذكورية والأنثوية في نفس الوقت. وهو شيء مستحيل ولا يمكن أن يوجد طبعا بالنسبة للبشر. وهذا ما وعاه جيدا ابن خلدون عندما كتب يقول في "المقدمة": «فالنسب أمر وهمي لا حقيقة له».

فإذا كان هناك اليوم بالمغرب انتشار "لأشجار نسب" عربية تجعل من أصحابها "عربا"، فلا يعني ذلك أن هؤلاء هم "عرب" حقيقيون في أصلهم العرقي البيولوجي، لاستحالة الحفاظ على النقاء العرقي والتحقق منه لأجيال كثيرة كما سبقت الإشارة. وإنما يرجع هذا التهافت على "النسب العربي" إلى هيمنة إيديولوجية عرقية تجعل من هذا "النسب العربي" مصدرا وشرطا لامتيازات سياسية واجتماعية ودينية. وهو ما يفسر أن الكثير من المغاربة، الذين قد يكونون أمازيغيين في أصولهم العرقية، ينتحلون أنسابا عرقية عربية.

النتيجة أنه لا يمكن كذلك اعتماد المعيار العرقي للتمييز بين من هو الأمازيغي ومن هو العربي بالمغرب، لما يشوبه من اعتباطية وانتحال وتزييف.

ويبقى السؤال مطروحا: من هو الأمازيغي ومن هو "العربي" بالمغرب؟

ما دام أن التصورات اللغوية (عندما يتعلق الأمر باللغة التي يستعملها هذا الفرد أو ذاك، وليس باللغة التي هي خاصة بمنطقة أو أرض معينة تنفرد بها وحدها) والعرقية الرائجة حول الهوية بالمغرب لم تسعفنا في تحديد من هو الأمازيغي ومن هو العربي، فلنلق نظرة على بلدان أخرى تتكون انتماءات سكانها هي كذلك، على غرار الاعتقاد السائد بالمغرب، من عنصرين يشكلان هويتين متمايزتين ومستقلتين. فما هي المعايير التي يتحدد على أساسها الانتماء إلى هذا العنصر الهوياتي أو ذاك من العنصرين المشكلين لهوية البلد المعني؟

ففي العراق مثلا (بعد عهد صدام حسين)، حيث يوجد عراقيون عرب وعراقيون أكراد، يطرح نفس السؤال: من هو العربي ومن هو الكردي؟ الجواب أن الكردي بالعراق ليس هو من يحمل دما كرديا ولا حتى من يتحدث اللغة الكردية كفرد، بل الكردي هو ذلك الذي ينتمي إلى الأرض الكردية بشمال العراق التي عاش فيها وانتمى إليها كذلك أجداده، والتي هي معروفة تاريخيا وجغرافيا أنها موطن خاص بالأكراد. والعربي يعرف كذلك بالعراق أنه المواطن العراقي الذي ينتمي إلى مناطق الجنوب التي عاش فيها وانتمى إليها اجداده أيضا. بعد هذا التمييز "الترابي" بين الكردي والعربي بالعراق، تأتي اللغة كعنصر تابع للأرض: اللغة الكردية خاصة بالأرض الكردية، واللغة العربية (أو ما يعتبر لغة عربية) خاصة بالأرض العربية. أما العنصر العرقي فهو غائب ومستبعد بتاتا من التمييز بين الكردي والعربي.

وفي بلجيكا يوجد كذلك بلجيكيون فلامانوين (لغتهم الهولندية) وبلجيكيون فالونيون (لغتهم الفرنسية). ومن هو الفلاماني ومن هو الفالوني ببلجيكا؟ الفلاماني هو المنتمي إلى الأرض الفلامانية بشمال بلجيكا، التي عاش فيها وانتمى إليها أجداده كذلك، والتي تعرق باستعمال اللغة الفلامانية (الهولندية) كلغة أولى في تلك المنطقة. والفالوني هو المنتمي إلى الأرض الفالونية بالجنوب، والتي عاش فيها وانتمى إليها أجداده كذلك، والتي تعرف باستعمال اللغة الفرنسية كلغة أولى في تلك المنطقة.

ففي هذين المثالين يتم التمييز بين الكردي والعربي، والفلاماني والفالوني، ليس بناء على الأصل العرقي، ولا اللغة التي يستعملها هذا الفرد أو ذاك، وإنما بناء على الانتماء الترابي أولا إلى الأرض العربية أو الكردية بالعراق، والأرض الفلامانية أو الفالونية ببلجيكا، ثم الانتماء اللغوي التابع ـ ليس للأفراد ـ لنفس الانتماء الترابي.

أعطينا هذين المثالين المتعلقين بالحالة التي يتشكل فيها انتماء البلد والدولة من عنصرين هوياتين اثنين، لأنها الحالة التي تنطبق على المغرب للاعتقاد الخاطئ أنه هو كذلك يتشكل هوياتيا من عرب وأمازيغ، دون ذكر الحالة التي تتجاوز فيها العناصر الهوياتية للبلد الواحد والدولة الواحدة اثنين، كما في سويسرا وإسبانيا مثلا.

ما نستخلصه إذن من هذه الأمثلة التي ذكرناها هو أن أساس الهوية في هذه البلدان، التي يتشكل انتماؤها من أكثر من هوية واحدة، هو الأرض واللغة التابعة لهذه الأرض (وليس اللغة التي يستعملها هذا الفرد أو ذاك، كما سبقت الإشارة)، وليس العرق. وباستقرائنا لهويات كل البلدان والدول، سواء كانت ذات هوية واحدة أو ذات هويات متعددة، سنخلص، كقاعدة عامة كما يقضي بذلك المنهج الاستقرائي، أن الهوية يحددها الموطن، أي الانتماء الترابي لهذه الأرض أو تلك، واللغة التابعة لهذا الموطن كلغة خاصة به. وعليه، فإننا نكون أمام هويتين أو أكثر داخل نفس البلد والدولة، عندما تكون هناك انتماءات ترابية متمايزة تفصل بينها حدود برية ولسنية معروفة، كما في العراق وبلجيكا وإسبانيا وسويسرا. وبناء على هذه القاعدة الترابية، يجب، حتى يجوز الحديث عن الهوية العربية والهوية الأمازيغية للمغرب، أن تكون هناك منطقة عربية وأخرى أمازيغية تفصل بينهما حدود ترابية (عنصر الأرض المحدد دائما للهوية) ولسنية (العنصر الثاني المحدد للهوية والتابع للعنصر الأول) كنتيجة للحدود الأولى.

والسؤال: أين هي الحدود الترابية الفاصلة بالمغرب، كما في العراق وبلجيكا وسويسرا وإسبانيا، بين المنطقة العربية والمنطقة الأمازيغية؟ وهنا لا بد من التوضيح أن عبارة "المناطق الأمازيغية"، المتداولة والمعروفة، مجرد تعبير صحفي ولا تعبر عن واقع ترابي موجود وقائم بذاته كعبارة "المنطقة الفلامانية" ببلجيكا، أو "المنطقة الكردية" بالعراق، أو "المنطقة الكطلانية" بإسبانيا. ذلك أن عبارة "المناطق الأمازيغية" قد تعني أن الأمازيغيين موجودون بمناطق محددة دون أخرى خاصة بـ"العرب". مع أنه لا توجد منطقة بالمغرب خالية من الأمازيغيين ومن اللغة الأمازيغية، وخالية كذلك من العرب واللغة العربية، إذا اعتبرنا العربي هو من يُفترض أنه ينتمي "عرقيا" إلى العرب ويستعمل لسانيا اللغة "العربية" (الدارجة المغربية). مما ينتج عنه أنه لا يمكن التمييز بين العربي والأمازيغي بالمغرب بناء على القاعدة الاستقرائية للمعيار الترابي واللسني المحدد للانتماء الهوياتي كما رأينا. لماذا؟

لأنه، بكل بساطة، لا توجد بالمغرب مناطق "أمازيغية" وأخرى "عربية" حتى تكون هناك هويتان متمايزتان، إحداهما عربية وأخرى أمازيغية على غرار ما هو معروف في البلدان التي تعرف تعددا هوياتيا حقيقيا (تعدد في الهويات بالجمع وليس في الهوية الواحدة الذي لا وجود له) لوجود مناطق هوياتية حقيقية بهذه البلدان، كما رأينا في الأمثلة السابقة. لا توجد إذن بالمغرب إلا منطقة واحدة هي منطقة المغرب. وما هي هوية هذه المنطقة؟ هويتها تتحدد بانتمائها الترابي، وباللغة الخاصة بهذه المنطقة والتابعة لها، والتي لا علاقة لها باللغة التي يستعملها هذا الفرد أو ذاك كما سبق توضيح ذلك. هذا الانتماء هو انتماء لأرض شمال إفريقيا وليس إلى الأرض العربية الموجودة بالمشرق وبقارة أخرى هي أسيا. وهذه الأرض الشمال إفريقية معروفة بأنها أرض أمازيغية، بالمفهوم الترابي طبعا. النتيجة إذن أن هوية المغرب والمغاربة والدولة المغربية، هي نفس هوية موطنهم الأمازيغي بشمال إفريقيا.

إن الأفكار الخاطئة والرائجة حول الهوية بالمغرب، والتي تقول وتكرر، كما جاء في دستور 2011، بأن المغرب متعدد في هويته لأن به أمازيغيين و"عربا"، هي أفكار عامّية تنطلق من المفهوم الشعبي والعرقي للهوية الذي هو مجرد انطباع للفرد عن نوع الهوية التي ينتمي إليها، والذي هو انطباع حسي وعامّي تكوّن لديه من خلال المغالطات، العامّية دائما، المتداولة بالمغرب حول الهوية، والتي لا تصمد أمام المنهج الاستقرائي ـ وهو منهج علمي على أساسه صيغت الكثير من القوانين في الفيزياء ـ الذي اعتمدناه في تحديد الهوية.

فالصواب ليس القول: "إن سكان المغرب يتشكلون من عرب وأمازيغيين"، بل: "إن سكان المغرب هم أمازيغيون في هويتهم، لكن فيهم من هم ذوو أصول عربية"، مثلما أن سكان فرنسا هم فرنسيون في هويتهم، لكن فيهم من هم ذوو أصول هنكارية مثل الرئيس السابق نيكولا ساركوزي؛ ومثلما أن سكان الولايات المتحدة أميريكيون في هويتهم، لكن فيهم من هم ذوو أصول كينية مثل رئيسهم الحالي (2013) باراك أوباما؛ ومثلما أن البريطانيين هم إنجليزيون في هويتهم، لكن فيهم من هم ذوو أصول ألمانية مثل العائلة الملكية؛ ومثلما أن سكان البرازيل هم برازيليون في هويتهم، لكن فيهم من هم ذوو أصول برتغالية؛ ومثلما أن سكان المكسيك هم مكسيكيون في هويتهم، لكن فيهم من هم ذوو أصول إسبانية...إلخ.

المغاربة أمازيغيون إذن في هويتهم، لكن فيهم من هم ذوو أصول عربية. وبالفعل، عندما نستحضر الأصول بالمفهوم العرقي، لا يمكن إنكار أن هناك مغاربة من أصول عرقية عربية، كما أن هناك من هم من أصول يهودية وفينيقية ورومانية وتركية وسينيغالية وأوروبية... لكن الجميع ينتمي إلى نفس الأرض الأمازيغية بشمال إفريقيا. فليس هناك إذن تعدد على مستوى الهوية الذي يحدده الانتماء إلى نفس الأرض الواحدة، بل فقط تعدد في الأصول والأعراق الذي لا يدخل في تحديد الهوية ولا يؤثر عليها. فالرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، المشار إليه، هو فرنسي الهوية وهنكاري الأصول، والرئيس أوباما ينعت بأنه أميركيي من أصول كينية. وهذا هو الوصف الملائم بالمغرب للذين يعتقدون ـ يعتقدون فقط وليس لهم دليل على ذلك كساركوزي وأباما ـ أن لهم أصولا عربية: إنهم أمازيغيون من أصول عربية.

في الحقيقة، هؤلاء الذين يدعون بالمغرب بأن هويتهم عربية، يخلقون، بادعائهم هذا، شروط وظروف الصراع الهوياتي الذي كان يجب أن يكون المغرب في غنى عنه.

لنوضح كيف يخلقون هذا الصراع:

عندما نسمع شخصا يقول، وهو في المغرب، بأنه تركي أو فارسي أو بريطاني أو فرنسي أو أفغاني أو سنيغالي...، نفهم مباشرة أنه أجنبي ونتعامل معه على هذا الأساس. ونفس الشيء يصدق على هذا الذي يدعي، وهو في المغرب، أنه عربي، أي يعترف أنه أجنبي، ينتمي إلى الأرض العربية التي توجد يأسيا وليس إلى أرض المغرب التي توجد بإفريقيا. وإذا ردّ عليه بعض الأمازيغيين: "ما دمت أنك عربي، فغادر المغرب وارحل إلى أرضك الأصلية ببلاد العرب"، يثور ويصيح: "هؤلاء الأمازيغيون متطرفون وعنصريون". وهكذا ينشأ الصراع الهوياتي، الذي يتخذ في الغالب أشكالا عنصرية بسبب منطلقاته العرقية، بين من يعتقد أن هويته عربية ومن يعتقد أنه من السكان "الأصليين". لكن سبب هذا الصراع، ليس هو هذا الأمازيغي "المتطرف" و"العنصري" كما يصفه هذا الذي يعتقد أن هويته عربية، بل سببه هو هذا الأخير الذي يدعي أنه عربي في أرض أمازيغية، وبذلك يوفر الفرصة والظروف والشروط ليطالبه الآخر بالمغادرة والرحيل كما يُتعامل مع أي أجنبي لم يسوّ وضعيته ببلاد المهجر. لكن لو أن هذا الذي يزعم أنه عربي يقول، بدل ذلك، بأنه أمازيغي من أصول عربية، لما وجد الآخر الفرصة المناسبة ليطالبه بالرحيل إلى بلده الأصلي، لأن بلده الأصلي سيكون، في هذه الحالة، هو هذه الأرض الأمازيغية بشمال إفريقيا، مثله مثل السكان "الأصليين"، لأن الجميع ينتمي إلى نفس الأرض التي انتمى إليها أجدادهم (لا يهم عدد الأجيال من الأجداد)، والتي هي الأرض الأمازيغية. وهكذا سيختفي الصراع الهوياتي تلقائيا لاختفاء شروطه وأسبابه. فالتصور العرقي للهوية هو مصدر كل المشاكل المتصلة بالانتماء في المغرب، مع أن الهوية شيء آخر مختلف اختلافا جذريا عن الأصل العرقي. فمثلا أنا، الذي أكتب هذه السطور، قد تكون أصولي العرقية عربية أو يهودية أو إسبانية أو فينيقية أو رومانية أو وندالية... ومع ذلك فأنا مقتنع بأنني أمازيغي الهوية والانتماء. بماذا ولماذا وكيف؟ لأن الأرض التي أنتمي إليها، وانتمى إليها أجدادي من قبلي (أكرر أن عدد الأجيال من الأجداد لا يهم)، هي أرض أمازيغية إفريقية، وليست أرضا عربية ولا يهودية ولا إسبانية ولا فينيقية ولا رومانية ولا وندالية...

بعودتنا إلى السؤال: من هو العربي ومن هو الأمازيغي بالمغرب؟ يكون الجواب، بناء على الاستدلال السابق: لا يوجد بالمغرب عرب من الناحية الهوياتية بل فقط من ناحية الأصل العرقي، أي أن المغاربة أمازيغيون، لكن ضمن هؤلاء الأمازيغيين يوجد من هم ذوو أصول عربية. النتيجة أن هوية المغرب واحدة هي الهوية الأمازيغية المستمدة من الأرض الأمازيغية للمغرب.

وهذا ما كان يجب أن يؤكد عليه دستور فاتح يوليوز 2011 ويوضّحه بالتنصيص على أن المغرب ذو انتماء أمازيغي واحد مع تعدد في الأصول العرقية لسكانه. وهو الحل الوحيد الكفيل لوضع حد نهائي ودستوري للمشكل الهوياتي بالمغرب، هذا المشكل الذي يجد مصدره في الاعتقاد العامّي بوجود هويتين اثنتين بالمغرب، عربية وأخرى أمازيغية، مما يجعل الصراع بين هاتين الهويتين مفتوحا ومستمرا يتخذ أشكالا و أحجاما مختلفة: عرقية، لغوية، أغلبية وأقلية، أصليون ووافدون، غزاة و مقاومون للغزو....

رغم أن عبارة "الانتماء الأمازيغي" للمغرب تعني، ليس الانتماء إلى العرق الأمازيغي، بل الانتماء إلى الأرض الأمازيغية بشمال إفريقيا كما شرحنا، إلا أنه، وتجنبا للتأويل العرقي الذي قد يعطيه البعض لهذه العبارة "الترابية" بقياسهم لها على عبارة "الانتماء العربي"، ذات المضمون العرقي فعلا لأنها تحيل على العرق العربي وليس على الأرض العربية التي توجد بأسيا وليس بإفريقيا، فلا مانع من، بل من المستحسن، استبدال عبارة "الانتماء الأمازيغي" بعبارة "الانتماء الشمال إفريقي" ذات المضمون الجغرافي المحايد. وهو ما كان يجب على الدستور أن يؤكد عليه في التصدير، وذلك بالتنصيص على أن "المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، تستمد هويتها وانتماءها من موطنها بشمال إفريقيا"، بدل كل ذلك الإنشاء والإطناب حول "المكونات" و"الروافد". فلو فعل ذلك لوضع حدا نهائيا لكل نقاش حول الهوية بالمغرب، لأن هذا التعبير (تستمد هويتها وانتماءها من موطنها بشمال إفريقيا) موضوعي وجغرافي يعبّر عن الانتماء الترابي، بعيدا عن أي عرق أو أصل إثني.


مقالات أخرى في المسألة الأمازيغية

شيشنق القائد الرمز

في غياب المسألة الأمازيغية عن موريتانيا

التأثير الأمازيغي العميق في اللغة الدارجة: 100 كلمة نموذجا

تموت لغة الأمازيغ لتعيش الحركة الأمازيغية

فرنسا والمسألة الأمازيغية

"تاسرغينت" Taserɣint اسم أمازيغي قديم لـ"العربية"


 

شيشنق القائد الرمز

تاريخ آخر تحديث: الجمعة, 05 نيسان/أبريل 2019 20:27 الجمعة, 05 نيسان/أبريل 2019 20:02

شيشنق قائد أمازيغي أم فرعون أم رجل صالح مذكور في القرآن

تقديم

تشرع مجلة تافوكت للفنون والإبداع في تجميع ونشر مجموعة مقالات مستقلة أو عبارة عن سلاسل بحوث أو دراسات تعنى بالمسألة الأمازيغية في كل تجلياتها وبكل تشعباتها وبشكل عام يشمل كل المناحي و من كل الزوايا مع استقراء طروحات مختلف وجهات النظر. وذلك تنويرا للباحثين والقراء عموما… ولا يفوتنا في مجلة تافوكت للفنون والإبداع شكر جميع المصادر والكتاب.

مرحبا بكل الأقلام والآراء والبحوث بهدف إغناء ساحة النقاش والمعرفة فيما يخص المسألة الأمازيغية.


المقال بقلم الصحفي الجزائري صابر بليدي

عيد رأس السنة لدى الشعب الأمازيغي في شمال أفريقيا، يأتي في موعد آخر غير الذي يعرفه العالم. فهم يحتفلون به كل 12 يناير، بجملة من العادات والطقوس، يستعيدون من خلالها أمجاد الماضي، لغرسها في ذاكرة الشباب.

يمجدون فيها مكتسبات قائدهم التاريخي شيشنق، الذي أسسوا بأنفسهم لاعتلائه الحكم في مصر الفرعونية، العام 940 قبل الميلاد، تقويم السنة الأمازيغية الزراعية. لكن تضارب الروايات التاريخية حول شيشنق، يحيل المتابعين إلى طرح استفهامات جادة حول الحقيقة والأسطورة لرمز الأمازيغ.

شيشنق السياسي الداهية

تصنف روايات تاريخية متداولة في المجتمع الأمازيغي، من يطلق عليه تعبير “القائد الرمز شيشنق”، في خانة المصلحين والمقربين إلى الله، والمذكورين في بعض النصوص التوراتية والإنجيلية، في سرد حادثة دخول بيت المقدس، في عهد نجل النبي سليمان، رحبعام، ويذهب آخرون إلى أن المقصود من الآيتين الرابعة والخامسة من سورة “الإسراء” في القرآن الكريم، هو شخص شيشنق.

وتقول الرواية الشعبية “لم يلجأ شيشنق الى خلع الفرعون بسوسنس الثاني، آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين، بالقوة أو عن طريق الانقلاب، لكنه بقي ينتظر بهدوء حتى وفاته، واستغل تلك المرحلة في تعزيز مركزه ونفوذه العسكري والديني داخل الدولة، مستفيدا في ذلك من قربه من البلاط الفرعوني، واطلاعه الواسع على شؤون وتفاصيل البلاد، ووظف دهائه في كسب ود الشعب المصري، عن طريق تمسكه بمعتقداته و موروثاته الدينية”.

وظف شيشنق نفوذه الروحي في استمالة الشارع المصري، لا سيما وأن والده الأول ورث منصب رئاسة الكهنة، وحمل لقب “الكاهن الأعظم”، وأحكم قبضته على كهنوت المدن، وهو الرصيد الذي مهد لشيشنق الصعود إلى سدة الحكم، دون أي مقاومة، وأعلن ميلاد حكم الأسرة الثانية والعشرين، بمساعدة معبد آمون والقادة العسكريين.

وتنسب تلك المصادر للرجل إصلاح الأوضاع الداخلية المتدهورة في مصر، بسبب ضعف الحكام السابقين، وتوحيدها مع “تمازغا” الشرقية، فضلا عن هجومه على أرض يهودا في عهد رحبعام، ودخوله منتصرا إلى القدس.

مع الخضر وذي القرنين

كان شيشنق أداة من أدوات الله في الأرض وأحد عباده، الذين سخرهم لإنجاز إرادته كما هو الشأن بالنسبة للخضر وذي القرنين، حسب الاعتقاد الأمازيغي، ولذلك تم ذكره والإشارة إليه في نصوص الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والقرآن الكريم.

ويقول الباحث إبراهيم تازغارت إن “كل الشعوب تحتاج إلى الأساطير المؤسسة، والشعوب الأمازيغية من حقها أن تمجد رجالها العظماء، وأن تحكي عنهم وتعلم أبناءها القيم الإنسانية الراقية التي أسس لها هؤلاء منذ القدم، وإن يحاول البعض الاعتراض أو خلق شرخ بين يناير وصعود شيشنق للسلطة في مصر، فإن ذلك يستهدف إجهاض جهود ونضالات القضية، في وضع الروزنامة الأمازيغية، وإحياء التاريخ الغابر، كما فعله عمار نقادي، محند بسعود، طاووس عمروش، محمد أركون.. وغيرهم”.

ويضيف “لهذا أقول إن قصة الملك البطل شيشنق تأتي اليوم لترسم طريق الخلاص بين دعاة الدين بلا ثقافة، وبين المدافعين عن الثقافة بلا روح، واللذين يرفضان كل محاولة للخروج من مأزق العدمية، ولهذا نأمل أن يكون يناير 2967، (يقصد العام الماضي)، هو بداية المشوار ولحظة لفتح ورشة التأسيس لتاريخ أمازيغي، يكون ركيزة لانطلاقة ثقافية جديدة”، وهو ما يكون قد تحقق بعد إقرار الجزائر، رأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا كغيره من الأعياد الوطنية، لأول مرة في البلاد وفي منطقة شمال أفريقيا.

وأمام هذا الزخم المتراكم في المخيال الأمازيغي حول شخصية الرمز شيشنق، تذهب روايات أخرى إلى نفي السرد الأسطوري للرجل، وإلى هيمنة الخيال على تركيب تفاصيل الناتج المتداول في الظرف الراهن، لا سيما في ما يتعلق بالروزنامة المعتمدة، والاقتران المزعوم بينها وبين قيادة شيشنق الأمازيغي لأمور السلطة في مصر الفرعونية.

ويرى الباحث والمؤرخ فؤاد صوفي أن “مناسبة يناير، هي أكذوبة تاريخية ولا علاقة لها بالأمازيغ، ولا علاقة بين يناير والملك المصري شيشنق، خلافا لما هو متداول، على أنه شخصية أمازيغية، وأن الرجل هو قائد عسكري مصري استغل الفوضى التي أعقبت موت الفرعون لاعتلاء السلطة في البلاد”.

اختلاط السياسة المعاصرة بالتاريخ

يوضح صوفي أن القائد العسكري شيشنق، هو مصري وأجداده وأحفاده مصريون، رغم أن البعض يريد أن ينسبه للبربر، ولا علاقة له لا بالأمازيغ ولا باحتفالات يناير التي تنسب لاعتلائه الحكم في مصر، وأن المغالطة يقف وراءها المناضل البربري الجزائري عمار نقادي، الذي أطلق الروزنامة الأمازيغية خلال ثمانينات القرن الماضي، واختار سنة 950 قبل الميلاد، التي صادفت وصول شيشنق للحكم في مصر، كأول سنة للروزنامة الأمازيغية.

ويرى أن “الوقائع التاريخية تثبت أن شيشنق لم يقاتل الفرعون رمسيس الثالث، ولم يأت إلى تلمسان الجزائرية، وأن صعوده للسلطة في مصر كان قبل قرنين من فترة رمسيس الثالث. وأن الروزنامة المتداولة هي اجتهاد ناشطين، لا يستند إلى حقائق تاريخية”، ما يظهر اختلالا كبيرا بين الروايات التي تتناول مسيرة القائد شيشنق.

ويعد صوفي واحدا من المهتمين بالتاريخ القديم للمنطقة، وشغل لسنوات بأرشيف ولاية وهران بغرب البلاد، ثم عمل باحثا مشاركا بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية، الذي كانت ترأسه وزيرة التربية الحالية نورية بن غبريط، قبل أن ينتقل إلى إدارة الأرشيف الوطني.

وينفي ما يتم تداوله حول هزيمة الفرعون رمسيس الثاني على يد شيشنق، في معركة كبيرة بمنطقة الرمشي التابعة لإقليم محافظة تلمسان في أقصى غرب الجزائر، أو أن تكون للقائد عاصمة آنذاك تدعى تافرسة، لأن ذلك يعني أن الفرعون المصري قام بغزو منطقة المغرب العربي ووصل إلى غربها 1183، وأن شاشناق هزمه وأعاده إلى بلاده، ثم يجلس على عرشه، وهو غير ثابت تاريخيا، وأن الفرق الزمني بين الرجلين هو قرنان كاملان.

ويذكر أن الرواية الحقيقية لشاشناق توحي بأن الرجل سليل قبيلة الشواش التي كانت مقيمة على شط الجريد التونسية حاليا، وعندما عم الجفاف هاجرت إلى دلتا النيل واستوطنت هناك، وبعد عقود ظهر قائد عسكري منها اسمه شيشنق.

الحوض الحضاري

المؤرخ المصري رشيد الناضوري، يعتقد أن العناصر الليبية البربرية المستقرة في أهناسيا بالفيوم في مصر، والذين تسميهم النصوص المصرية بـ“التّحنو”، تمكنت من تقلد وظائف هامة في هذا الإقليم حتى ظهرت شخصية قوية فيها هي شخصية شيشنق الأول، الذي تمكن من الوصول إلى عرش مصر، وتأسيس الأسرة الفرعونية الثانية والعشرين وذلك سنة 950 قبل الميلاد، وكان قبل وصوله للعرش يحمل لقب رئيس المشاوش العظيم وهي تسمية ترجع في أصلها إلى منطقة شط الجريد جنوبي تونس.

عزز شيشنق مركزه في حكم البلاد بتزويج ابنه من ابنة آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين المصرية في تانيس، وبهذه الطريقة أوجد لأسرته حقا شرعيا في الوصول إلى عرش الفراعنة، كما يقول الناضوري الذي يضيف “لم تكن كل من الأسرتين الليبيتين في تاريخ مصر القديم الثانية والعشرين والثالثة والعشرين أجنبية بمعنى الكلمة، بل لقد تأثرت هذه العناصر البربرية بالحضارة المصرية المتفوقة في ذلك الوقت بالنسبة إليهم، مع الاحتفاظ ببعض العادات البربرية”.

واستمرت أسرة شاشناق الأمازيغية تحكم مصر الفرعونية أكثر من قرنين على رأس الأسرتين الـ 22 والـ23. وبعض المؤرخين يذهب إلى الأسرة الرابعة والعشرين أيضا.

ويقول المؤرخ الأميركي وليام لانغر “شيشنق أحد رؤساء الليبيين الذين قاموا بدور هام منذ زمن في الدلتا، أسس أسرة الحكم الـ22 وعاصمتها بوبسطة، فأصبح الأمراء الليبيون كهنة لآمون بطيبة”.

قصة شيشنق تؤكد وجود حوض حضاري يمتد من المحيط الهندي بسواحل سلطنة عُمان، وحتى شواطئ الأطلسي بموريتانيا، وكان تداخل بشري يتم بصورة دائمة بين سكان هذا الحوض، مما يؤكد أن التجمع البشري الذي يقيم في هذا الحوض ينتمي إلى أصل حضاري واحد منذ ما قبل التاريخ. فسلاح الفرسان للجيش الفرعوني كان يتألف من الفرسان الأمازيغ، وتنقلت عبر القرون قبائل أمازيغية كانت تسمى اللوبية أو الليبية فأقامت بدلتا النيل.

ما علمه القرطاجيون للبربر

ويبدو أن الرأي العلمي يميل إلى أن “عيد يناير” هو مناسبة فلاحية يحتفل بها في الكثير من نواحي المغرب العربي، تيمنا بحلول سنة فلاحية جديدة، ولا تقتصر على المناطق البربرية فقط، وأن الاحتفال بها كان خاليا من أي انتماء عرقي أو إثني، وأن الأب داليه، صاحب أهم قاموس للهجة القبائلية حديث، يذكر أن “يناير هو أول شهر من التقويم الفلاحي الشمسي، يقوم فيه الناس بتناول شربة يناير على لحم قرابين الديكة أو الأرانب، ويدخل هذا اليوم ضمن ما يسمى بأيام العواشير، التي تعتبر أياما دينية إسلامية، ومن التقاليد المتداولة أن الماء الذي ينزل في يناير ينغرز في وهج حرارة أغسطس”.

احتفالية يناير تختلف من بلدة لأخرى في الجزائر، إحياؤها معروف في مختلف ربوع البلاد، وليس في منطقة القبائل فقط. ففي منطقة البيض بالجنوب الغربي للبلاد، يتم إعداد “الشرشم” وهو القمح المطبوخ الذي يأكلونه حتى تأتي السنة بـ”الصابة”، أي بمحصول وفير.

وكتب المستشرق الفرنسي أو- دي ديستان، عن يناير في منطقة بني سنوس ـ تلمسان في أقصى غرب البلاد قائلا إنه “يوم نفقة اللحم. يوم نفقة الكرموس (التين المجفف)، وفيه يجمعون مساء بداية اليوم ورق الشجر الأخضر بأنواعه، حتى الريحان و البرواق و بوقرعون والخرّوب والسانوج والكروش و الدرياس و العرعار، وينشرونها على سطوح المنازل حتى تأتي السنة خضراء”.

ويضيف دي ديستان “في ندرومة، يتناولون في اليوم الثاني لحم الغنم ويقولون: “من يأكل في ينّاير راس يبقى راس”، أي يبقى إنسانا عاليا. وفي تلمسان دائما يعدّون شربة الحريرة بالكروية. وتعد النساء الشرشم أي القمح المطبوخ وهن يتغنين بالبيتين “كل الشرشم لا تتحشّم/ ربّي عالم ما دسّينا شيْ/ قم تسلّف لا تتهوْرف/ قاع الحلّه ما فيها شيْ”.

وفي هذا العيد تكتحل النساء بالكحل، وإذا سقط سن صبي في هذا اليوم تردد أمه “يا سنينه يا بنينه، تخرج لوليدي سنينه، بجاه مكة والمدينة، ورجال الله كاملين”. وتقسَم رمانة على أفراد الأسرة.

والرمانة هي عادة عروبية كنعانية فينيقية ترمز للخصوبة الزراعية. وفي هذا الشأن يقول المؤرخ فرونيه باسيه “لقد علّم القرطاجيون البربر الزراعة، فالبربر يكسرون الرمانة على مقبض المحراث، أو يدفنوها في أول خط للحرث، تفاؤلا بأن سنابل الحبة المبذورة ستأتي كثيرة بعدد حبات الرمانة، وهي عادة مستمدة من ثقافة قرطاج، فالرمانة لديهم رمز للخصوبة”.

 

مقالات أخرى في المسألة الأمازيغية

في غياب المسألة الأمازيغية عن موريتانيا

التأثير الأمازيغي العميق في اللغة الدارجة: 100 كلمة نموذجا

تموت لغة الأمازيغ لتعيش الحركة الأمازيغية

فرنسا والمسألة الأمازيغية

"تاسرغينت" Taserɣint اسم أمازيغي قديم لـ"العربية"

 
 

الصفحة 1 من 23

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com 
theatretafukt@gmail.com

GSM: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.