Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مواعيد فنية - ثقافية: برنامج الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 11:24
مسرح - الفنون الدرامية: فنانو الدراما بالمغرب بمجلس النواب - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:04
متابعات - تغطيات صحفية: بلاغ الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 29 نيسان/أبريل 2019 10:30
مواعيد فنية - ثقافية: موسم السينما الصينية بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 18:14
أخبار - منوعات - إصدارات : روائع الفن الانطباعي العالمي بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 13:09
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: فيلم المنتقمون: نهاية اللعبة - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:21
متابعات - تغطيات صحفية: بيتر بروك يفوز بجائزة أستورياس - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:06
بحوث - مقالات - دراسات: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 3) - الثلاثاء, 23 نيسان/أبريل 2019 19:14
مختارات - كتابات - مواضيع: اتجاهات نقدية معاصرة - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 09:40
مواعيد فنية - ثقافية: ندى الحاج ببيت الشعر في المغرب - الجمعة, 19 نيسان/أبريل 2019 11:09
Blue Grey Red

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 2)

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 2)

تقديم

تشرع مجلة تافوكت للفنون والإبداع في تجميع ونشر مجموعة مقالات مستقلة أو عبارة عن سلاسل بحوث أو دراسات تعنى بالمسألة الأمازيغية في كل تجلياتها وبكل تشعباتها وبشكل عام يشمل كل المناحي و من كل الزوايا مع استقراء طروحات مختلف وجهات النظر. وذلك تنويرا للباحثين والقراء عموما… ولا يفوتنا في مجلة تافوكت للفنون والإبداع شكر جميع المصادر والكتاب.

مرحبا بكل الأقلام والآراء والبحوث بهدف إغناء ساحة النقاش والمعرفة فيما يخص المسألة الأمازيغية.

توطئة خاصة بسلسلة: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي

يسود الاعتقاد عند المثقفين عموما، بل حتى عند بعض الباحثين المتخصصين، بأن الحديث عن المسألة الأمازيغية إبان عهد الحماية إنما يعني أساسا الظهير البربري بتاريخ 16 مايو 1930. وهذا الاعتقاد خاطئ لا محالة، لأن ظهير 1930 لم يكن في الواقع إلا تتويجا ونتيجة حتمية لمسلسل بدأت الإيديولوجية الكولونيالية في رسم حلقاته منذ أمد بعيد؛ وهو ما يسعى إلى تبيانه الدكتور الطيب بوتبقالت في هذه السلسلة التي ننشرها في 10 أجزاء كل منها يتكون من 3 عناوين رئيسة... عن هسبريس التي نشرتها في 30 حلقة.

بقلم أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال الدكتور الطيب بوتبقالت

نشر ثقافة التضليل


كان التغلغل الاستعماري بالمغرب يرتكز في بداية الأمر على العنصر اليهودي نظرا لأنه كان يبدو بمثابة الحلقة الضعيفة في البنيان الاجتماعي المغربي. وفعلا، لم تخيب العناصر اليهودية المغربية ظن الفرنسيين بها، كما أشرنا إلى ذلك في المقال السابق. لكن هذا الإنجاز الذي حققه مخططو الإستراتيجية الكولونيالية لم يكن كافيا لضمان الاختراق التام لمكونات المجتمع المغربي، وقد تأكدوا أنه لا بد من السير قدما نحو تحقيق المزيد من الأهداف المرحلية الأخرى قبل الاكتساح الشامل والفعلي للبلاد. كان المنطق الاستعماري منسجما مع نفسه ومبنيا على تصور بسيط وعملي قابل للتطبيق، وصياغته بإيجاز هي كالتالي: بما أن مدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية مهدت الطريق إلى أعماق المغرب وبرهنت على مدى فاعليتها كأنجع وسيلة لنشر النفوذ الفرنسي بأقل ثمن وبأعلى مردودية، فلماذا لا يتم توسيع وتعميق هذه التجربة الناجحة، سيما أنها كانت محصورة في الأوساط اليهودية المغربية دون غيرها؟ إنه تساؤل تمت ترجمته إلى مشروع أنيطت مسؤولية القيام به إلى مدارس من نوع جديد، كان همها الوحيد هو خدمة الدعاية الهدامة نفسها، التي بدأت تفعل فعلها في النسيج الاجتماعي والثقافي المغربي. ولم تكن المسألة الأمازيغية غائبة في هذا النهج، لكن السياسة الاستعمارية رأت أن أوانها لم يحن بعد.

المدارس الفرنسية-العربية أداة للتضليل والتشويه

في عام 1883 تأسست جمعية الرابطة الفرنسية، أي بعد مرور زهاء عشرين سنة على تأسيس الرابطة الإسرائيلية العالمية، وهما جمعيتان، كما سبق الذكر، جندتا لخدمة النفوذ الفرنسي في الخارج عبر نشر اللغة والثقافة الفرنسيتين لأغراض استعمارية محضة، وليس لأهداف حضارية إشعاعية. فإذا كانت مدارس الرابطة الإسرائيلية موجهة خصيصا نحو الأوساط اليهودية المغربية قصد تربيتها تربية الخادم المطيع لسيده المستعمر، فإن مدارس الرابطة الفرنسية كانت موجهة بصفة عامة نحو الأوساط المسلمة بهدف خلق تواصل كاذب مع هذه الأوساط واستمالة عناصرها المؤثرة واستغلالها لفائدة التوسع الكولونيالي. وأما تسمية «المدارس الفرنسية - العربية» التي كانت تحملها مؤسسات الرابطة الفرنسية فلا تعدو كونها تجسيدا صارخا لهذا التواصل الخادع.

في سنة 1894 بدأت الرابطة الفرنسية مسيرتها الدعائية بالمغرب انطلاقا من طنجة، حيث دشنت بهذه المدينة «دروسا للكبار» كان يشرف عليها ابن غبريط، الجزائري الأصل، الذي كان يعمل في الوقت نفسه ترجمانا بالمفوضية الفرنسية بطنجة. بعد ذلك، وبمبادرة من اللجنة الإقليمية للرابطة الفرنسية تم فتح أول مدرسة «فرنسية-عربية» ابتدائية بطنجة سنة 1899، جاءت لتعزز تجربة «دروس للكبار» وتفتح آفاقا جديدة للأطماع الاستعمارية الفرنسية تحت قناع شبه ثقافي. وتعد هذه المدرسة، رغم بساطتها وبدايتها المتواضعة، من أنجح إنجازات التوغل الفرنسي بواسطة التعليم بالمغرب، لكونها توفقت منذ الوهلة الأولى في تمهيد الطريق لتحقيق نتائج أكبر، ومما يلفت الانتباه أن التعليم بها كان منظما بشكل يدفع الأطفال بطريقة غير مباشرة إلى تفضيل التعليم الأوربي والنفور من التعليم التقليدي المغربي: كان الصباح مخصصا للتعليم الإسلامي في إحدى القاعات المهملة، التي لم يكن فيها من التجهيزات سوى حصير يجلس عليه التلاميذ ليتابعوا دروسهم تحت إشراف فقيه في يده سياط.. وفي المساء ينتقلون إلى قاعة مريحة، تم تجهيزها بمعدات فرنسية عصرية، يقوم فيها بتدريس اللغة الفرنسية معلم أوربي أو جزائري. وبينما كان راتب المعلم 40 بسيطة شهريا، كان راتب الفقيه للمدة نفسها لا يتعدى 15 بسيطة..

وسرعان ما ازدهرت مدرسة ابن غبريط، ولعل السر في نجاحها يكمن أساسا في المساندة التي كانت تحصل عليها من اللجنة المركزية للرابطة الفرنسية، وكذلك من الحاكم العام بالجزائر. ففي سنة 1902 بلغ عدد التلاميذ بها 70 تلميذا، منهم 12 جزائريا و58 مغربيا، موزعين على ثلاثة أقسام للتعليم الابتدائي. وقد كانت غالبية التلاميذ المغاربة من أبناء التجار وأصحاب الأملاك العقارية..

وتحت تأثير النجاح الذي حققته مدرسته، طلب ابن غبريط من مموليه المزيد من الدعم المادي حتى يتسنى له توسيع وتعزيز مشروعه «التربوي». وهكذا اقترح تأسيس مدرسة جديدة تشرف عليها سيدة جزائرية قصد تعليم الفتيات المغربيات الخياطة والطرز والمبادئ الأولية في اللغة الفرنسية. لقد كان ابن غبريط يستفيد من إعانة مالية سنوية قدرها 600 فرنك فرنسي تمده بها اللجنة الإقليمية للرابطة الفرنسية، بالإضافة إلى هبات وعدة تجهيزات مدرسية. كما كان حاكم الجزائر يخصص له 600 فرنك فرنسي كإعانة مالية سنوية. إلا أن كل هذه المساعدات كانت غير كافية لإنجاز المشروع المشار إليه، حيث تجاوزت النفقات المتوقعة ما قيمته 2700 بسيطة. عندها تدخل ممثل فرنسا بطنجة، سان روني تايلندي، لدى وزارة الخارجية بباريس من أجل تخصيص اعتماد سنوي إضافي لا يقل عن 800 فرنك فرنسي لمساعدة ابن غبريط على تنمية مشروعه، الذي يندرج كليا في استراتيجية التعليم الاستعماري. وهذا بعض ما جاء في رسالته إلى وزير الخارجية الفرنسي: «إنه باتخاذكم لهذا الإجراء العطوف تكونون، معاليكم، قد ضمنتم الاستمرارية والتطور لنشاط يخدم مصلحة النفوذ الفرنسي، ويعد بمثابة المحاولة الأولى الرامية إلى نشر ثقافة أوربية في أوساط المسلمين المغاربة. ومن شأن هذا الإجراء كذلك أن يقدم تشجيعا ثمينا للموظف الجزائري (ابن غبريط) الذي سخرناه من أجل إحداث مدرسة طنجة الفرنسية - العربية، وقد تفانى فيما أمرناه بالقيام به".

حظي مشروع ابن غبريط «التعليمي» بالرعاية المادية المطلوبة و المفتوحة على احتمالات زيادات أوفر. وهكذا ما إن أصبحت ما كانت تسميه الدبلوماسية الكولونيالية «المسألة المغربية» توشك على نهايتها لصالح الأطماع الفرنسية، حتى ارتفع عدد مدارس الرابطة الفرنسية بالمغرب إلى ثماني مؤسسات بلغ عدد التلاميذ بها حوالي 2000 تلميذ، وكلهم تعلموا فيها أن فرنسا جاءت لتلقنهم "الحضارة الراقية والقيم الأخلاقية العليا...".

تطور الاختراق الكولونيالي

وجدت فرنسا في أسلوب تغلغلها الاستعماري، عبر المدارس الإسرائيلية والمدارس الفرنسية-العربية، أفضل وأنجع وسيلة لنشر دعايتها الكولونيالية بالمغرب وأوثق سبيل لبلوغ مراميها على المدى البعيد.. لقد نجحت هذه التجربة نجاحا تاما، ما شجع فرنسا على قطع خطوة كبيرة أخرى في الاتجاه نفسه. وقد تجلى ذلك في التدخل هذه المرة في الإشراف المباشر على العملية «التعليمية» بالمغرب من خلال مشروع جاءت كل عناصره موجهة توجيها محكما. لقد نالت فرنسا حصة الأسد من التكالب الغربي على البلاد، ولم تمر سوى أسابيع معدودة على «الوفاق الودي» الفرنسي- الإنجليزي، بتاريخ 8 أبريل 1904، حتى تقدم النائب البرلماني لمقاطعة وهران، أوجين إيتيان، أمام الجمعية الوطنية الفرنسية بباريس، بمشروع إحداث «المعهد المغربي». لقد كانت نوايا الاستيلاء على البلاد بارزة من خلال حيثيات المشروع التي تقول إن «فرنسا بإقدامها على تحمل أعباء الإشراف على التطور السلمي بالمغرب، تكون قد وافقت على مهمة صعبة، لا بد لها أن تولي اهتماما كبيرا للتغيير الاقتصادي لهذا البلد قصد الإعداد لتغييره الاجتماعي. لكن فرص سوء التفاهم، وبالتالي نشوب النزاعات بين الحضارتين، اللتين ستصبحان في وضع اتصال مباشر، ستكون كثيرة. كيف يمكن تفادي ذلك بدون معرفة معمقة للوسط المغربي؟» لم يكن هذا السؤال في الحقيقة جديدا بالنسبة للدعاية الكولونيالية التي تبنت منذ أواخر القرن التاسع عشر إستراتيجية «الاختراق المتستر»، مستهدفة ضم المغرب تحت لواء الاستعمار الفرنسي. إن الجديد في هذا المشروع، الذي تم تقديمه للبرلمان الفرنسي في يوليوز 1904، هو ارتفاع درجة الاختراق الكولونيالي والتأكيد المتزايد للأطماع الفرنسية بالمغرب. وكان طبيعيا أن تلعب التجارب الاستعمارية الفرنسية السابقة دور المحفز لإثبات النظرة المستقبلية التي اعتمدها المشروع المشار إليه، إذ تقول إحدى فقراته: «إن كل تاريخنا الكولونيالي ينبهنا إلى ضرورة دراسة المجتمع المغربي دراسة شاملة و بمنهجية سليمة. ألم نكافح مرارا في إفريقيا الشمالية وإفريقيا الغربية، وفي الهند الصينية ضد التقاليد والطوائف، التي اتضح فيما بعد من خلال التجربة، أنه كان بالإمكان أن نتفاهم منذ البداية، وقد أجبرنا في آخر المطاف على البداية من حيث كان لزاما علينا أن نبدأ، ونعني بذلك مضاعفة المدارس التعليمية، والبعثات الدراسية، والمعاهد المحلية، مع إعطاء الأولوية في مشروعنا لعلم الاجتماع من أجل معرفة المجتمعات المحلية قصد تسهيل قيادة الأهالي وتسخيرها".

طلب أوجين إتيان من البرلمان الفرنسي تخصيص 7500 فرنك كحد أدنى لإنجاز هذا المشروع، وانكب مجلس النواب مباشرة على دراسته خلال صيف 1904. وفي يوم 24 أكتوبر من السنة نفسها قدم ليسيان هيبر تقريرا عن لجنة الشؤون الخارجية للمستعمرات التي أشرفت على دراسة المشروع. وجاء في مقدمة التقرير: «من المسلم به اليوم أن المشاريع المستقبلية لن يكتب لها النجاح إلا إذا كانت مبنية على دراسة الماضي دراسة متينة، وأن الإصلاحات عند السكان البدائيين المتعصبين والمحافظين من جراء رداءتهم وضعفهم، تحدث البلبلة و تزرع بذور الثورة، وأنه لا منفعة في زعزعة مؤسسات تتميز قبل كل شيء باستمراريتها، لا سيما أن عيوب هذه المؤسسات نفسها تبدو كأنها تشوهات جسدية تعودت على تحمل الآلام»... في هذه الفقرة التي تكشف عن النوايا الاستعمارية الجلية يعيد التقرير إلى الأذهان تصريحا أدلى به وزير الخارجية الفرنسي، دلكاسي، أمام مجلس الشيوخ الفرنسي في مارس 1903، حيث قال: «لقد تعود المغرب لمدة طويلة على هذه الفوضى العارمة التي لا يمكن لبلد منظم أن يقاومها ويتحملها بمثل هذه الاستماتة...

إنها طروحات تنسجم تماما مع إستراتيجية «رسالة فرنسا الحضارية». لقد بينت التجارب الفرنسية في الهند الصينية وفي مدغشقر أن هذا الأسلوب المبني على تلقين مبادئ في اللغة الفرنسية وأبجديات الثقافة الفرنسية السطحية للأهالي، ساهم بقسط أوفر مما كان متوقعا في استمالة شعوب المستعمرات وخضوعها للأمر الواقع. وفعلا، شيدت فرنسا في هذه البلدان مدارس ومعاهد ليس لتربية السكان ومكافحة الجهل، ولكن بهدف معرفة قدراتهم الذاتية ومكونات شخصيتهم الثقافية، متوخية من وراء ذلك «تسهيل قيادتهم على درب التقدم»... وكل الشروط أصبحت متوفرة لنجاح التجربة نفسها بالمغرب، إذ يقول التقرير: «إن هذه الطريقة أبانت عن قيمتها وأثبتت فاعليتها، لذا يجب أن يكون تطبيقها أول عمل نقوم به في المغرب. وقبل بذل المجهود يجب أن نعترف بجهلنا، وهذا معناه التأكيد مجددا على أننا سوف لن نقوم بفعل شيء ما في هذا البلد بدون تريث. إن حرصنا هذا هو أول عنصر لضمان نجاحنا في مواجهة الثقافة الإسلامية المعقدة و المتملصة، شأنها في ذلك شأن فن الزخرفة العربية التي تترجمها".

بعد هذا التحليل الدعائي الذي يستمد روحه من واقع كولونيالي عنيد، وافقت لجنة الشؤون الخارجية على المشروع، واقترحت تأسيس «المدرسة الفرنسية للدراسات العليا المغربية» تحت وصاية وزارة الخارجية وتحت الإشراف الإداري والمراقبة العلمية لأكاديمية الآداب ومعهد فرنسا. وتهدف هذه المدرسة إلى إنجاز أبحاث أثرية ولغوية مع التعريف «علميا» بتاريخ المغرب ومعالمه الأثرية ولهجاته.

ويستفاد من ذلك كله أن التوجهات العلمية الخادعة لهذا النهج الكولونيالي أصبحت أكثر من أي وقت مضى تمثل المرجعية الرئيسية لممارسة السياسة الاستعمارية الفرنسية الرامية إلى إحكام السيطرة على مكونات الشعب المغربي، وعلى رأسها العنصر الأمازيغي.

تخريب الهوية المغربية تحت ستار المعرفة العلمية

كانت كل التقارير، التي أنجزها الجواسيس الفرنسيين خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تشير ضمنيا أو بصريح العبارة إلى ضرورة تخريب النسيج الاجتماعي المغربي انطلاقا من مرتكزاته السوسيوثقافية. لذلك حظيت كل المشاريع «العلمية» ذات الصبغة الاستكشافية والتوثيقية بأهمية بالغة.

رواد البعثة العلمية الاستعمارية

وفي هذا الإطار بالضبط أدت كتابات وتحريات ألفريد لوشاتليي حول المجتمع المغربي ومؤسساته إلى تراكمات كان مشروع "البعثة العلمية الفرنسية بالمغرب" أحد إفرازاتها البارزة. ولا غرابة إذا وجدنا أن أحد الضباط السامين في الجيش الاستعماري الفرنسي يخصص مؤلفا كاملا جاء عنوانه على الشكل التالي: «جذور انتصارنا بالمغرب، ألفريد لوشاتليي الرائد». وكمقدمة لهذا المؤلف كتب المارشال ديسبيري ما نصه: "لقد استخرج ألفريد لوشاتليي من جولاته في المغرب، من طنجة إلى مراكش عبر تطوان ووزان وفاس وسلا والصويرة إلخ..، برنامج عمل يفوق بكثير من الاعتبارات ذلك البرنامج الذي اعتمد عليه وزير الحربية سنة 1830 قصد الإعداد لاحتلال الجزائر".

زار ألفريد لوشاتليي المغرب للمرة الأولى عام 1886، ونشر نتائج زيارته التجسسية سنة 1890 في كتاب تحت عنوان: «مذكرة حول المغرب». وقد تم رسميا إضفاء طابع السرية على محتوى تلك المذكرة. وقد كان لوشاتليي آنذاك ضابطا في الجيش الفرنسي برتبة نقيب. كانت مذكرته تتألف من مائة وخمسة وثمانين صفحة، حاول من خلالها وضع الخطوط العريضة للسياسة التي كان يجب على فرنسا اتباعها تجاه المغرب، ملحا على «الضرورة القصوى لاتفاق مع إسبانيا»، ولافتا نظر الحكومة الفرنسية إلى النشاط المعادي والمتزايد الذي كانت ألمانيا تقوم به منذ 1876 ضد النفوذ الفرنسي، والذي كان يجسده التطور المتزامن لمصالحها الاقتصادية ودورها السياسي بالمغرب.

وحدث أن صادفت استنتاجات ألفريد لوشاتليي ظهور «المسألة المغربية» بتشعباتها الدولية الحادة، كما أن تحرياته عززت فعلا التوجهات الكولونيالية الفرنسية القاضية بإعطاء المزيد من الاهتمام «العلمي» لمستعمراتها الإسلامية عموما. لذلك كانت طروحات لوشاتليي تلقى أصداء إيجابية لدى السلطات الحكومية الفرنسية العليا. وتأكيدا لهذا التوجه أحدث سنة 1902 بالمجمع الفرنسي للدراسات العليا/ معهد فرنسا (كوليج دو فرانس) كرسي علم الاجتماع الإسلامي خصيصا ليشغله ألفريد لوشاتليي، الذي أصبح منذ ذلك الحين المستشار المعتمد للحكومة الفرنسية في شؤون شمال إفريقيا. وفي السنة الموالية أعد لوشاتليي برنامجا لتنظيم «بعثة علمية» سرية تم تكليفها بدراسة المجتمع المغربي.

وفي عام 1906 أسس لوشاتليي مجلة "العالم الإسلامي"، التي كانت بنكا للمعلومات تستنير به فرنسا لإدارة مستعمراتها الإسلامية.

وفي هذا السياق كتب لوشاتليي معللا مدى جدوى هذا المشروع وانعكاساته الإيجابية على مصالح فرنسا: «إذا استطعت أن أجعل من مجلة العالم الإسلامي جذاذات يتم تحيينها باستمرار من طرف من سيخلفني، سأكون متيقنا أن سياستنا الإسلامية، سواء كانت كولونيالية أم دبلوماسية أم اقتصادية، ستحقق بفضل هذه الخطوة الجبارة وبسهولة كبيرة تفوقا باهرا على السياسات الإسلامية للدول الأخرى التي تنافسنا على الاستيلاء على المغرب». وهكذا ظهرت مجلة "العالم الإسلامي" في أواخر عام 1906 بعد موافقة البعثة العلمية الفرنسية، التي كانت تحت إشراف لوشاتليي نفسه. ومنذ الأعداد الأولى، سجلت المجلة نجاحا واضحا، وهو ما دفع بالبعثة إلى زيادة الاعتمادات المخصصة للمجلة لترتفع من مبلغ 8000 فرنك إلى 12000 فرنك، مع إمكانية إضافة اعتمادات أخرى كلما ارتأى المندوب العام للبعثة ذلك.

أشرف ألفريد لوشاتليي شخصيا على إدارة مجلة "العالم الإسلامي" منذ تأسيسها إلى عام 1924، حيث خلفه في هذا المنصب لويس ماسينيون، المستشرق المعروف. وتجدر الإشارة إلى أن لوشاتليي كان هو الذي سهر، إلى جانب الجنرال ليوطي، على تأسيس هيئة «ضباط الشؤون الأهلية»، وهي الهيئة التي شكلت العمود الفقري للاستخبارات الفرنسية بالمغرب، وبصفة خاصة في الأوساط القروية. وهكذا لما مات ألفريد لوشاتليي سنة 1929 ترك وراءه جيشا من المستعمرين، الذين يتظاهرون بمعرفتهم «العلمية» بالمجتمع المغربي ومؤسساته، ويقدمون المشورة والمساعدة الفعلية للإقامة العامة، التي كانت تتظاهر بنهج سياسة «الإصلاحات».. وطبعا كل ذلك كان يحدث تحت ستار «الاختراق المتستر» وما يشتمل عليه من التشويه والدمار للهوية المغربية.

جورج سالمون، ميشو بيلير وآخرون..

منذ تأسيس البعثة «العلمية» في شهر أكتوبر 1903، عين على رأسها جورج سالمون بصفته مكلفا بمهمة. وبناء على قرار صادر عن الحاكم العام للجزائر تم فتح اعتماد سنوي بمقدار 8000 فرنك وضع رهن إشارة هذه المؤسسة ليصل بذلك المبلغ الإجمالي لميزانية البعثة إلى 11000 فرنك.

في البداية حددت المدة الزمنية للبعثة في سنتين على اعتبار أن هذه المدة مرحلية ريثما يتعزز تنظيمها لتصبح بعثة دائمة. أما الهدف من تأسيسها فقد كان دقيقا: هو إنشاء وتنظيم خزانة كتب ومخطوطات ودراسات مونوغرافية بمدينة طنجة من أجل توفير قاعدة توثيقية واسعة وشاملة، تساهم في خدمة النفوذ الفرنسي بالمغرب على أسس «علمية». كانت البعثة تحت إشراف "مجلس للإتقان" يرأسه أوجين إتيان، النائب البرلماني لمقاطعة وهران، وتحت الإدارة "العلمية" لألفريد لوشاتليي. دام تنظيم البعثة في مرحلتها التأسيسية حوالي ستة أشهر استطاعت خلالها أن تجمع اللوازم الأولية لمباشرة أنشطتها، وهكذا لما حل شهر مايو من سنة 1904 كان عدد الكتب التي توفرت لديها يناهز 1700 كتاب.

وفي سنة 1905 طلبت البعثة زيادة 50 في المائة من ميزانية تسييرها، حيث بلغت النفقات 17000 فرنك، بينما الإيرادات لم تتعد 11000 فرنك، مع العلم أن برنامج البعثة برمته كان شبه سري لضمان نجاحه، إلا أن غياب الطابع الرسمي العلني للبعثة في مرحلة التأسيس لم يكن ليمنع مؤسسها من طلب دعم مالي إضافي من وزارة الخارجية، مما أعطى الفرصة لألفريد لوشاتليي لتوضيح ماذا كانت تعنيه الفترة الانتقالية: "أعتقد أنه من المستحب أن ترفع وزارة الخارجية قيمة دعمها من 2000 إلى 8000 فرنك، كما هو الحال بالنسبة للدعم الذي تتلقاه البعثة من حكومة الجزائر. ونظرا لظروف المغرب الخاصة، فإن من الأفضل أن تتطور البعثة تدريجيا لتصبح مؤسسة تابعة لوزارة الخارجية، سيما أن الاعتراضات المتعلقة بطابعها الرسمي قبل الأوان لم تعد واردة بسبب وساطة مجلس الإتقان الذي يعطيها طابعا مستقلا في حدود ما تقتضيه الضرورة". وسرعان ما اكتسبت البعثة اعترافا رسميا علنيا وطابعا دائما لتصبح بذلك ثمرة ناضجة من ثمار «الاختراق المتستر» الاستعماري بالمغرب. وهكذا بدأت ممارسة نشاطها بكل هدوء وطمأنينة في جو من السرية المدروسة. ولم يمر على وجودها إلا ظرف زمني وجيز حتى شرعت في نشر سلسلة من الدراسات والتحريات والمخطوطات تحت عنوان «وثائق مغربية» بلغت خمس كراسات مع نهاية 1904. والسلسلة المذكورة معروفة اليوم عند كل الباحثين والمهتمين بالدراسات التاريخية المغربية. ولقائل أن يقول: "رب ضارة نافعة"!....

وعلى أي حال، كانت هذه نتيجة مشجعة ليس بالنسبة لأعضاء البعثة فحسب، بل بالنسبة للحكومة الراعية لهذا المشروع، والساهرة على إنجازه في ظروف استعمارية دولية حرجة، لذلك صوت البرلمان الفرنسي على فتح اعتماد يقدر بـ 40.000 فرنك دعما للبعثة وتشجيعا لها قصد مضاعفة الجهود لبلوغ الأهداف التي من أجلها أسست. ومعلوم أن وزارة الخارجية كانت تتوفر آنذاك على حساب خاص وضع رهن إشارتها لتمويل برامج من هذا القبيل، والحساب كان يحمل اسم «اعتمادات الاختراق»!. كما أن وزارات أخرى كانت مهتمة بطبيعة أعمال البعثة، وعلى استعداد تام للمساهمة المباشرة في تمويل أنشطتها، والأمر يتعلق تحديدا بوزارة الحربية ووزارة الخارجية ووزارة المستعمرات، مما يوضح مدى العناية التي كانت توليها فرنسا لسياسة تغلغلها «العلمي» بالمغرب.

وارتفع عدد أعضاء البعثة سنة 1905 إلى خمسة أعضاء نشيطين، هم جورج سالمون، رئيس البعثة، وميشو بيلير وجولي، وهما عضوان رسميان، ولويس مرسي وكودفروي، وهما عضوان متدربان. وقد قاموا كلهم بجولات «استكشافية» داخل المغرب وبدؤوا بتدوين وتحرير معلوماتهم وملاحظاتهم. وفي السنة نفسها بلغت «الوثائق المغربية» مجلدها السابع، أي ما مجموعه 2000 صفحة، كما أن خزانة البعثة بدأت رفوفها تتمدد لاستيعاب عشرات المخطوطات والوثائق المغربية. وابتداء من 1906 قامت البعثة بنشر أعمالها على شكل مجلدات بدلا من كراسات شهرية، ووصل عددها تلك السنة عشرة مجلدات، أي ما يناهز 5000 صفحة، وكانت عبارة عن دراسات ممنهجة للمجتمع المغربي بغرض إخضاعه والاستيلاء على أرضه وخيراته. وعلى سبيل المثال خصصت المجلدات الستة الأولى لتاريخ المغرب، وتصنيف الشرفاء، مع تبيان دورهم الاجتماعي، وتاريخ التنظيم الاجتماعي لعدد من المدن الشمالية المغربية، والإدارة المغربية، والقانون والعرف المغربيين، والاجتهاد القضائي المغربي، إلخ. ومعنى ذلك أن أشغال البعثة كانت منذ بدايتها تندرج في إطار ما يمكن أن نسميه بـ«الاستعمار العلمي»، وهي حالة من التغلغل الاستعماري لم يسبق لها مثيل على مستوى إفريقيا الشمالية (الجزائر وتونس). لقد أصبحت البعثة مدرسة للكولونيالية «المستنيرة» وأداة فعالة تتحرك في الخفاء حسب توجيهات مصادر القرار بفرنسا. وبكل تأكيد برهنت البعثة على ذلك خلال انعقاد مؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906 عبر ما قدمته من وثائق لمناصرة الأطماع الفرنسية في مواجهة أطماع الدول الأخرى المتكالبة على المغرب. ومن المفارقات اللافتة للنظر أن السلطات المخزنية آنذاك لم تكن تعلم أي شيء عن هذه المؤسسة وخطورة مساعيها «العلمية» الهدامة! والسبب في ذلك راجع إلى عوامل شتى متداخلة أنهكت النظام السياسي المغربي وجعلته في وضع لا يحسد عليه...

تنامي التنظيمات الحزبية الكولونيالية

يمكن الجزم بأن ما قدمته البعثة العلمية الفرنسية المشبوهة من خدمات اختراقية يستحيل تقييمه إلى يومنا هذا، لسبب بسيط هو أنها استطاعت أن تزرع ألغاما فتاكة في حقلنا الثقافي قد يصعب حتى على الأجيال المقبلة إبطال مفعولها بشكل كامل وجذري! وما المسألة الأمازيغية، شكلا ومضمونا، إلا لبنة من لبنات أنشطتها الهدامة. وها هو تنظيم يحمل اسم «لجنة المغرب» جاء لتفعيل وتقوية عناصر هذه الحملة الهادفة إلى اجتثاث الهوية الوطنية.

تصرفات «لجنة المغرب» الدعائية

في سنة 1904 تأسست «لجنة المغرب»، باعتبارها امتدادا للتنظيم الكولونيالي، الذي كان يحمل اسم «لجنة إفريقيا الفرنسية»، التي كانت عبارة عن تجمع استعماري يروج لنجاح فرنسا بما استولت عليه من أراض إفريقية. كان ذلك تأكيدا واضحا لتطلعات الأطماع الإمبريالية الفرنسية إلى تحقيق المزيد من المكتسبات في هذا المجال وتعزيزها. وكان المغرب في بداية القرن العشرين من البلدان الإفريقية القليلة، التي ما زالت لم تخضع بصفة رسمية للهيمنة المباشرة للاستعمار الغربي. وهكذا انضافت «لجنة المغرب» إلى أساليب التغلغل الإمبريالي الفرنسي، و طورت برامجها التجسسية، دعما و تكميلا لأنشطة "البعثة العلمية"، التي تطرقنا إليها سابقا. كان أعضاء هذه اللجنة ينتمون إلى التيار الكولونيالي الفرنسي المتشدد، بل يعتبرون نواته الصلبة. هذا من الناحية الإيديولوجية، أما من الناحية الاجتماعية، فقد كانوا يتشكلون من صفوة بارزة من رجال السياسة، والمثقفين، والقادة العسكريين، ورجال الأعمال.

وقد تم إسناد الرئاسة الفعلية لهذا التنظيم إلى نائب رئيس البرلمان، بينما تولى وزير الحربية رئاسته الشرفية. وفيما يتعلق بشروط العضوية، فإنها الشروط نفسها الواجب توفرها للانضمام إلى «لجنة إفريقيا الفرنسية». وهي باختصار الإيمان العميق بالإيديولوجية الكولونيالية، التي تبنتها الجمهورية الثالثة الفرنسية، والمساهمة الفعلية في تحقيق هيمنة فرنسا وتوسعها بالقارة الإفريقية. وبناء على ذلك تم إعداد برنامج «لجنة المغرب» الدعائي كجزء لا يتجزأ من السياسة العامة الفرنسية في جوانبها المتعلقة بـ"المسألة المغربية".

لقد سقطت الجزائر بين أيدي الغزاة، وما لبثت تونس أن استسلمت للأمر الواقع، وهو المصير نفسه الذي كان ينتظر المغرب. إنها إفريقيا «البربرسكية»، كما كانت تنعتها الأدبيات الاستعمارية، التي أضحت مجالا فسيحا لإمبريالية الجمهورية الفرنسية. وهذا الوضع بالذات هو الذي أوقد نار الحماس العدواني لدى أعضاء «لجنة المغرب»، الذين تجندوا من أجل تقوية النفوذ الفرنسي بالمغرب للانفراد بالاستيلاء عليه. وفي وثيقة دعائية صادرة عن هذه اللجنة ما يعبر تعبيرا صارخا عن إرادتها الاستعمارية و نواياها التوسعية. وهذا جزء مما نصت عليه: "في البلدين البربرسكيين (الجزائر وتونس)، اللذين استولينا عليهما لدينا ساكنة أوروبية بتعداد يفوق 800.000 نسمة، وهي في تزايد مطرد، لكنها توجد في وسط 6 ملايين من الأهالي الذين يتزايدون هم كذلك. هذان البلدان يمثلان نشاطا تجاريا يقدر بأكثر من 800 مليون فرنك فرنسي، وأكثر من 600 مليون فرنك فرنسي من هذا المبلغ الإجمالي يهم بلدنا، إنها نتيجة رائعة! إلا أن هذا الوضع سيبقى معرضا للخطر طالما ظل المغرب في حالة فوضى أو تم الاستيلاء عليه من طرف قوة أجنبية. يجب أن نتمكن من حسم مصير الإمبراطورية الشريفة لصالحنا، لتكون النتيجة أفضل وأشمل".

و بهدف استمالة المستثمرين الاستعماريين الفرنسيين، عمدت اللجنة إلى عقد مقارنات مع البلدين المغاربيين المحتلين، فكانت ترى أن المغرب يوفر أكثر مما توفره تونس والجزائر مجتمعتين: أراض فلاحية شاسعة وخصبة، معدل تساقطات مطرية مرتفع، موارد معدنية غنية ومتنوعة، إلخ. لهذا كانت اللجنة تحث الفرنسيين على توجيه اهتمامهم إلى ما قد يوفره لهم المغرب من خيرات وفرص سانحة للثراء السريع في حالة بسط النفوذ الفرنسي نهائيا عليه: «إن هذا البلد الجميل، مع الأسف، غير معروف بما فيه الكفاية، واهتمام الفرنسيين به في حاجة إلى دعمه بالمزيد من المعلومات. ومما يؤسف له أكثر هو أن هذا التقصير الحاد انضافت إليه المنافسة الأوروبية، التي تحاول جاهدة عرقلة سيرنا و توغلنا للاستحواذ عليه». كانت هذه هي الخطوط العريضة لبرنامج «لجنة المغرب» الدعائي الذي يتقاطع مع برنامج «البعثة العلمية» من حيث التنفيذ والمنهجيات الاختراقية المتبعة.

تصعيد الأساليب التأثيرية

لما فرغت «لجنة المغرب» من رسم أهداف استراتيجيتها العامة، كثفت جهودها الدعائية، على وجه الخصوص، في اتجاه الرأي العام الفرنسي قصد تحسيسه بما قد يجلبه الاستيلاء على المغرب من مزايا عديدة. ولهذا الغرض تم توظيف منبر إعلامي كولونيالي معروف تحت عنوان «نشرة إفريقيا الفرنسية». ولم تقف اللجنة عند هذا الحد، بل لجأت إلى كل الأساليب الدعائية المتاحة، من وثائق مختلفة حول المغرب وندوات وتقارير وخرائط وكراسات وبيانات إحصائية، إلخ. وكل هذه العناصر تم توظيفها بخلفية تطوير النفوذ الفرنسي داخل المغرب لضمان احتلاله في أقرب الآجال، وفي ظروف سياسية دولية ملائمة.

وبطبيعة الحال، كان يغذي هذا النشاط الدعائي المحموم عدد من الدراسات الميدانية، التي أجريت في المغرب من طرف أشخاص كلفوا بإنجازها وفقا لرغبات اللجنة وتماشيا مع أهدافها المبيتة. وقد تم التركيز على الأنشطة التجارية والصناعية والفلاحية الفرنسية بشكل اتضحت من خلاله الإمكانيات الهائلة، التي كان المغرب يفتحها أمام تطور هذه القطاعات. وهكذا التزمت «لجنة المغرب» بأن تعمل كل ما في وسعها على تحقيق المشروع الكولونيالي: "لا يخفى على الجمهور أن تنظيما حرا هو وحده الكفيل بأن يدعم ويتمم - وعند الاقتضاء يحرض- الحكومة فيما يخص معالجة الملف المغربي. وهذا بالضبط ما تقوم به لجنة المغرب المنبثقة عن لجنة إفريقيا الفرنسية التي طالما قامت هي الأخرى بالمهام نفسها".

وبعد مرور سنة على تأسيسها، استطاعت اللجنة أن تنشر عدة دراسات، كانت عبارة عن وثائق دعائية تندرج في إطار انشغالات فرنسا من أجل تحقيق مشروع استعمارها للمغرب. وهذه بعض العناوين لما أنجز في هذا الباب: "مهمة في الغرب المغربي" (224 صفحة)، "دليل المغرب" (64 صفحة)، "ظروف العيش في طنجة"، "الرأي العام الألماني والمسألة المغربية" (40 صفحة)، "التجارة والصناعة في فاس" (216 صفحة)، "الملكية في القانون الإسلامي، وخاصة في المغرب" (52 صفحة)، "المصالح الفرنسية والألمانية بالمغرب" (43 صفحة)، "نبذة اقتصادية حول تافيلالت" (37 صفحة)، "الجيش المغربي" (29 صفحة)...إلخ. إن مجرد قراءة عابرة لهذه الكتيبات تبين بوضوح العائق الذي كانت تشكله ألمانيا أمام ترجمة طموحات فرنسا الاستعمارية إلى واقع ملموس ونتائج حاسمة ونهائية.

لقد كانت «لجنة المغرب» في الواقع انعكاسا لتطور نوعي عرفته الإيديولوجية الكولونيالية الفرنسية في مستهل القرن العشرين. وهذا معناه أنها لم تأت من فراغ، كما أنها لم تكن مجرد تنظيم جمعوي تقف وراءه وتسانده الإدارة العليا الفرنسية بباريس. فهي قبل كل شيء إفراز لحلقة متطورة من الفكر الاستعماري الفرنسي في مظاهره البراجماتية ونظرته الشمولية.

بروز التيار الحزبي الاستعماري

في سنة 1892 أسس أوجين إيتيان «التجمع الكولونيالي»، الذي كان يعرف على الخصوص باسم «الحزب الكولونيالي». وتجدر الإشارة إلى أن أوجين إيتيان كان من مؤسسي «لجنة المغرب» و رئيسها الشرفي. شغل أوجين إيتيان مناصب عليا هامة، منها نائب برلماني لوهران لمدة 40 سنة، ونائب كاتب الدولة للمستعمرات سنة 1887 وما بين 1889 و 1892، ومديرا للمجلة الكولونيالية، ووزير عدة مرات، منها وزير الحربية، وكان يشغل هذا المنصب حين كان رئيسا شرفيا لـ"لجنة المغرب" آنفة الذكر. وقد انضم إلى هذا الحزب عدد من النواب المتحمسين للتوسع الكولونيالي الفرنسي، وكان تأثيرهم على الرأي العام الفرنسي بالقول وبالفعل معا.

كانت طروحات جيل فيري بالنسبة إليهم مرجعية غير قابلة للنقاش. وفعلا، كان جيل فيري يعتبر باعث المد الكولونيالي في عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة، وكانت خطاباته العنصرية تستهوي عددا متناميا من السياسيين والقادة العسكريين، فهو الذي وجه تحيات الفخر والاعتزاز إلى «مقاتلي الأراضي النائية». وكان يعني بذلك حملات الجيش الكولونيالي الفرنسي في إفريقيا وغيرها. وفي خطاب له أمام البرلمان يوم 3 يوليوز 1883 قال، منوها بعمل الجنود خارج الحدود الفرنسية، أقوالا تعد بمثابة الخط السياسي لهذا التيار، وكلها مبنية على المناصرة العمياء للروح العسكرية الإحترابية في خدمة التوسع الاستعماري. وهذه فقرة من خطابه: "أبطال أفذاذ تضرب بهم الأمثال، بناة حضارة يخترقون شعوبا متوحشة. إنهم يبنون و يمدنون و يروضون هذه الإنسانية البدائية بفضل سمو نبوغهم وأصالة عبقريتهم".

ارتوى أوجين إيتيان من هذا المعين، وكان متشبعا بآراء جيل فيري، ولم يكن من الموافقين على نهج سياسة الحماية المحدودة، التي كان يسميها «سياسة الاحتجاب». وهو لا يعني بذلك ميله إلى سياسة الإدماج أو المماثلة. ربما كان يحبذ سياسة الإبادة، و يستشف ذلك من قوله: «يوجد في الجزائر ثلاثة ملايين ونصف من الأهالي الذين سيظلون دائما عقبة يتعذر تذليلها بين هذا البلد وفرنسا». وفي فترة وجيزة نسبيا أصبح الحزب الكولونيالي قوة سياسية مهيمنة على توجهات الجهاز التشريعي الفرنسي. وقد قام المؤرخ الفرنسي شارل روبير أجرون بتحليل هذا التيار، معززا قوله بالبيانات الإحصائية والتواريخ المضبوطة: "بعد موجة مناهضة الكولونيالية سنة 1885 حصل تراجع وبدأ عدد المناوئين للسياسة الكولونيالية في انخفاض مستمر حتى سنة 1914. ففي الدورة البرلمانية 1885/1889 كان عددهم كالتالي: 267 عضوا في دجنبر 1885، و215 عضوا في نونبر 1888. أما في الدورة البرلمانية 1910/1914، فقد انخفض عددهم إلى 80 عضوا. وفي الاتجاه المعاكس، فإن التجمع الكولونيالي البرلماني، الذي أسس سنة 1892، كان يضم في هذه السنة 91 عضوا، ثم أصبح يضم 102 عضو مع نهاية الدورة البرلمانية. وبعد انتخابات 1893 وصل العدد إلى 120 عضوا، وانتقل إلى حوالي 200 عضو بعد انتخابات 1901".

وهكذا جاءت «لجنة المغرب» نتاجا لإيديولوجية إمبريالية اكتسحت الشارع الفرنسي، وبدأت تمارس مهامها الدعائية وفقا لقناعات الحزب الكولونيالي المبنية على آراء عنصرية صارخة، وما المسألة الأمازيغية في الظروف التاريخية التي برزت فيها إلا من إفرازاته التخريبية.

 

مقالات أخرى في المسألة الأمازيغية

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 1)

من هو العربي ومن هو الأمازيغي بالمغرب؟

شيشنق القائد الرمز

في غياب المسألة الأمازيغية عن موريتانيا

التأثير الأمازيغي العميق في اللغة الدارجة: 100 كلمة نموذجا

تموت لغة الأمازيغ لتعيش الحركة الأمازيغية

فرنسا والمسألة الأمازيغية

"تاسرغينت" Taserɣint اسم أمازيغي قديم لـ"العربية"

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com 
theatretafukt@gmail.com

GSM: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.