Joomla Templates and Joomla Extensions by JoomlaVision.Com
  • آخر الأخبار
مواعيد فنية - ثقافية: برنامج الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 11:24
مسرح - الفنون الدرامية: فنانو الدراما بالمغرب بمجلس النواب - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:04
متابعات - تغطيات صحفية: بلاغ الورشة الدولية للحماية الاجتماعية - الإثنين, 29 نيسان/أبريل 2019 10:30
مواعيد فنية - ثقافية: موسم السينما الصينية بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 18:14
أخبار - منوعات - إصدارات : روائع الفن الانطباعي العالمي بالرباط - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 13:09
سينما - تلفزيون - سمعي بصري: فيلم المنتقمون: نهاية اللعبة - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:21
متابعات - تغطيات صحفية: بيتر بروك يفوز بجائزة أستورياس - الخميس, 25 نيسان/أبريل 2019 11:06
بحوث - مقالات - دراسات: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 3) - الثلاثاء, 23 نيسان/أبريل 2019 19:14
مختارات - كتابات - مواضيع: اتجاهات نقدية معاصرة - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2019 09:40
مواعيد فنية - ثقافية: ندى الحاج ببيت الشعر في المغرب - الجمعة, 19 نيسان/أبريل 2019 11:09
Blue Grey Red

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (ج 1)

الأمازيغية والاستعمار الفرنسي (الجزء 1)

تقديم

تشرع مجلة تافوكت للفنون والإبداع في تجميع ونشر مجموعة مقالات مستقلة أو عبارة عن سلاسل بحوث أو دراسات تعنى بالمسألة الأمازيغية في كل تجلياتها وبكل تشعباتها وبشكل عام يشمل كل المناحي و من كل الزوايا مع استقراء طروحات مختلف وجهات النظر. وذلك تنويرا للباحثين والقراء عموما… ولا يفوتنا في مجلة تافوكت للفنون والإبداع شكر جميع المصادر والكتاب.

مرحبا بكل الأقلام والآراء والبحوث بهدف إغناء ساحة النقاش والمعرفة فيما يخص المسألة الأمازيغية.

توطئة خاصة بسلسلة: الأمازيغية والاستعمار الفرنسي

يسود الاعتقاد عند المثقفين عموما، بل حتى عند بعض الباحثين المتخصصين، بأن الحديث عن المسألة الأمازيغية إبان عهد الحماية إنما يعني أساسا الظهير البربري بتاريخ 16 مايو 1930. وهذا الاعتقاد خاطئ لا محالة، لأن ظهير 1930 لم يكن في الواقع إلا تتويجا ونتيجة حتمية لمسلسل بدأت الإيديولوجية الكولونيالية في رسم حلقاته منذ أمد بعيد؛ وهو ما يسعى إلى تبيانه الدكتور الطيب بوتبقالت في هذه السلسلة التي ننشرها في 10 أجزاء كل منها يتكون من 3 عناوين رئيسة... عن هسبريس التي نشرتها في 30 حلقة.


بقلم أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال الدكتور الطيب بوتبقالت

التاريخ مصدر إلهام وإذكاء لجذوة الروح الوطنية


من السذاجة بما كان الارتكان إلى الراحة التأملية التي تعتبر التجارب والدروس التاريخية مجرد سلسلة أحداث طواها الزمن إلى غير رجعة، إذ ننظر إليها من زاوية تجعلنا نصنفها تصنيفا سطحيا على أساس كونها وقائع قد نلجأ إلى الاطلاع عليها بهدف الفضول المعرفي وتزجية الوقت والترفيه عن النفس، ليس إلا. لكن ما قد يغيب عن وعينا هو أن التاريخ يعد بمثابة الدعامة الأولى بالنسبة للهوية، بل وعمودها الفقري الذي لا تستقيم بدونه، إذ لا أحد يجادل في كون سؤال الهوية من الأسئلة المتجددة والمطروحة باستمرار في كل زمان ومكان، وأن المقاربة التاريخية تشكل على الدوام المدخل الرئيسي لمحاولة الإجابة عنه؛ وهذا معناه أن كل تساؤلاتنا الوجودية و محاولاتنا لفهم ومعالجة قضيانا الآنية تدفعنا حتما إلى تفكير يستمد قوته أو ضعفه من معرفة استقرائية أو استنباطية ذات خلفية تاريخية معينة. وهناك قاعدة قطعية غير قابلة للتجريح أو التكذيب، وهي باختصار: من لا تاريخ له لا هوية له...إن الذاكرة التاريخية لكل الشعوب والأمم تؤثثها تحولاتها العميقة وإخفاقاتها ونجاحاتها المصيرية؛ وهي بالتالي عبارة عن سجل مفتوح تنهل منه الأجيال المتتالية ما يبدو لها وجيها لفهم إشكاليات الحاضر والاستعداد لمواجهة المستقبل بمفاجآته واحتمالاته المتعددة...

لقد كان المغرب وسيظل دوما مستهدفا من قبل قوى معادية لأسباب وذرائع مختلفة؛ وذلك لعدة اعتبارات من أهمها موقعه الإستراتيجي الفريد من نوعه وثرواته الطبيعية الوفيرة. ولعل من أكبر الهزات العنيفة التي كادت تعصف بهذا البلد في مهب الريح، وتجعل مواطنيه أضيع من الأيتام على موائد اللئام، بعدما كانوا بناة حضارة وأصحاب جاه ومكانة على الصعيد العالمي، تلك الرجة التاريخية التي جسدتها الحقبة الاستعمارية الغربية المعاصرة بكل ما أوتيت من شراسة وكيد. إن معاناة المغاربة مع ويلات الاستعمار الغربي دامت عقودا طويلة، والبعض من رواسبه ومكائده مازالت إلى يوم الناس هذا تشكل فخاخا ودسائس ماكرة، في حالة عدم القدرة على تفكيكها وإبطال مفعولها، قد تتحول إلى قنابل موقوتة ذات قدرة تخريبية مهولة...

من المعلوم أن اسم «المغرب» في جل اللغات الأوروبية (Marokko, Morocco, Maroc Marruecos, etc) هو في الأصل تحريف لكلمة «مراكش»، تلك المدينة التي كانت عاصمة للبلاد في زمن كان يعد فيه المغرب من صناع السياسة الدولية الذين يحتلون الصدارة، ويشكل محط أنظار أوروبا القابعة في ظلامها الحضاري. لكنه كما يقال "دوام الحال من المحال"...فها هي الأندلس تسقط من أيدي المغاربة الذين أصبحوا مهددين في عقر دارهم. لا بل أكثر من ذلك، لقد تم الاستيلاء على عدد من الثغور المغربية، منها ما تم استرجعه ومنها ما بقي محتلا إلى يومنا هذا (سبتة ومليلية وجزر باديس والنكور وكبدانة والبرهان...). وهكذا أجبر المغرب على تبني إستراتيجية دفاعية كانت تعبيرا واضحا عن تراجع نفوذه وانهيار هيبته وسمعته.

نعم، هناك على الأقل معركتان سجلهما التاريخ الحديث والمعاصر، جسدتا إلى حد بعيد قدرة المغاربة الدائمة على رفع التحدي، وهما معركتا وادي المخازن (1578) وأنوال (1921)؛ لكن لا يجب أن ننسى أن وقائعهما جرت قبل كل شيء فوق التراب الوطني، هذا في وقت كانت مضاعفة الجهود والتضحيات تحتم على المغاربة أن تدور المواجهات نفسها على مشارف لشبونة بالنسبة للمعركة الأولى، وفي ضواحي مدريد بالنسبة للثانية. وهنا لا بد من الإشارة إلى صحة القاعدة العامة المعروفة منذ العصر الروماني، وهي: من يريد السلام فعليه أن يستعد للحرب...وذلك ما لم يكن المغرب قادرا على التخطيط له في غياب نهضة ثقافية علمية متطورة، ولا على إنجازه في غياب تنظيم اجتماعي يرقى إلى مستوى تحديات العصر...

ومهما يكن من أمر، ورغم كل هذا الانحطاط وتداعياته، فإن القرن العشرين يسجل الوقوف عند تضحيات عناصر الحركة الوطنية المغربية من أجل الحرية والاستقلال، وعند التجربة الرائدة والفريدة من نوعها التي جسدتها المسيرة الخضراء، كأسطع وأقوى برهان على دوام قدرة المغاربة على كسب الرهانات وتثمين هويتهم التاريخية والتضحية من أجلها بكل غال ونفيس.

ويبقى الاهتمام في هذه السلسلة من المقالات منصبا بالخصوص على موضوع التكالب الفرنسي الاستعماري على البلاد، وعلى الأساليب والطروحات التي تم توظيفها بهدف النيل من الشخصية المغربية وطمس مقوماتها الحضارية والثقافية. إن هذا هو الإطار المنهجي الذي لا غنى عنه في اكتناه المسألة الأمازيغية تماما كما اختمرت وتبرعمت في سياقها الكولونيالي. وللتذكير فإنه منذ استيلائها على الجزائر سنة 1830 كانت نوايا فرنسا ومخططاتها كلها موجهة قصد بسط سيطرتها على المغرب، وقد استعملت من أجل ذلك طريقة استعمارية متطورة تتلخص في تخريب المجتمع المغربي من الداخل وإبطال مفعول مناعته في مواجهة الطغيان. وخلافا للاستعمار الكلاسيكي، فإن فرنسا استعملت في غزوها للمغرب طرقا شتى مبنية في معظمها على معرفة لا يستهان بها بالمجتمع المغربي، ليس بهدف التواصل السلمي مع مكوناته، ولكن من أجل استعباده وتحقيره. وهكذا فإن المغاربة في الواقع لم يتم قهرهم بقوة السلاح بقدر ما تم بقوة الدعايات الكاذبة والتشويش المغرض والأساليب الشيطانية التي تمكن المستعمر من توظيفها لتحقيق أهدافه المبيتة.

إن انهزام المغاربة في وجه الاجتياح الاستعماري كان نتيجة للحرب الدعائية الكولونيالية أكثر بكثير من كونه نتيجة للغزو العسكري...

لذلك رأيت لزاما كشف بعض معالم هذا المسلسل قبل الوقوف عند تفاصيل الأحداث وردود الفعل التي خلفها الظهير سيئ الذكر. إن الدراسات المتأنية توضح بما لا يدع مجالا للشك أن الأنشطة الثقافية والعلمية والتعليمية الفرنسية المشبوهة ساعدت بنجاعة فائقة على تغلغل الاستعمار بالمغرب، وساهمت إلى حد بعيد في إلحاق أضرار بليغة بالهوية المغربية بمختلف أبعادها الحضارية والثقافية.

الإستراتيجية الدعائية الاستعمارية الفرنسية بالمغرب

يمكن تقسيم المنظومة الدعائية الاستعمارية الفرنسية إلى ثلاثة محاور رئيسية: الأول كان يعرف بـ"الرسالة الحضارية Mission civilisatrice – "، والثاني كان المستعمر يطلق عليه اسم "الاختراق المتسترPénétration pacifique –"، الذي يترجم في بعض الدراسات ترجمة حرفية تحت اسم "التوغل السلمي". وأما المحور الثالث فقد كان يتجسد في مخطط كاذب ومضلل يدعى "التهدئة Pacification – ".


رسالة فرنسا الحضارية...

لم تكن عبارة "الرسالة الحضارية" مجرد شعار دعائي تجندت لرفعه باستمرار كل وسائل الإعلام الناطقة باسم الإمبريالية، بل كانت قبل كل شيء برنامج عمل عدواني ضد المغرب ووسيلة تضليلية للرأي العام الفرنسي والأوربي. وهذه الإستراتيجية الاستعمارية العامة كانت ترمي إلى تحقيق هدفين: الأول يتمثل في إضفاء الشرعية على مختلف الحملات العسكرية في ما وراء البحار والأصقاع النائية، تحت ذريعة نشر المدنية، وبالتالي تعزيز النفوذ الفرنسي داخل أوربا نفسها؛ والثاني يتجلى في التمسك بنهج الأسلوب الدبلوماسي لحل النزاعات التي تنشب بين الدول الأوربية في خضم تنافسها الجامح من أجل الحصول على مستعمرات جديدة، خاصة أن هذه الدول تعتبر نفسها «متحضرة»، وهي بطبيعتها إذن قادرة على حل نزاعاتها «حضاريا»...وفي ما يخص الاستعمار البريطاني، كانت عبارة "عبء الرجل الأبيض White Man's Burden –" مرادفة لعبارة «الرسالة الحضارية» التي رفعها الاستعمار الفرنسي شعارا لطغيانه.

ويمكن التأريخ لانطلاق هذا المسلسل في ما يتعلق بالمغرب ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتحديدا منذ مؤتمر مدريد لسنة 1880، وهو المؤتمر الذي أرسى قاعدة أولية متفقا عليها من طرف الأطراف الاستعمارية المتناحرة من أجل الاستيلاء على «الإمبراطورية الشريفة»؛ وكان ذلك يعني استغلال الموارد البشرية المغربية في إطار «قانون الحماية» الجائر. وهكذا بموجب المقتضيات الظالمة والتأويلات المغرضة لقانون الحماية الأجنبية كان عدد «المحميين» المغاربة مع مطلع القرن العشرين يحصى بالآلاف، كلهم يعملون لفائدة الدول الاستعمارية ويساهمون بتواطئهم في تخريب السيادة الوطنية والتقليص من قدرات البلاد الدفاعية.

ودائما تحت غطاء «الرسالة الحضارية» نفسها تم إبرام عدة اتفاقيات دبلوماسية في إطار التسويات الاستعمارية العامة، لعل أبرزها البيان الفرنسي-الإنجليزي الموقع بتاريخ 8 أبريل 1904 والمعروف بـ«الوفاق الودي»، ومعاهدة الجزيرة الخضراء لسنة 1906، والاتفاقية الفرنسية-الألمانية بتاريخ 4 نونبر 1911. هذه الاتفاقيات الثلاث هي التي أوجدت حلا نهائيا لما سمي «المسألة المغربية». ويتضح من ذلك كله هيمنة المركزية الأوربية على سيرورة العلاقات الدولية، إذ كان تصورها لتدبير الشؤون العالمية هو التصور السائد بدون منازع...

برنامج الاختراق المتستر

أما الدعامة الثانية للمنظومة الدعائية الكولونيالية فقد كانت تتمثل في برنامج براغماتي يحمل عنوانا شاملا يسمى «الاختراق المتستر»، يعد بحق نتاجا صرفا للتجربة الاستعمارية الفرنسية في أوج هيمنتها التوسعية؛ إنه بمثابة تعبير ملموس عن نضج العمل الإمبريالي في قمة بلورته التاريخية. لقد استهدف «الاختراق المتستر» المغرب واتخذه حقلا شاسعا لتفاعل أنشطته العديدة والمتداخلة، وكانت عناصره الفعالة تتكون من اليهود المغاربة، ومن عدد من أقطاب وأتباع التصوف والطرقية المنضوين تحت لواء بعض الزوايا المغربية الخائنة، وكذلك من شخصيات تنتمي إلى الإدارة المخزنية؛ هذا بالإضافة إلى عناصر أخرى لا تقل أهمية، من ضمنها نجد المستكشفين الجواسيس، والتجار، والصيارفة، ورجال الأعمال من محميين وأجانب، والموظفين الأجانب التابعين لإدارة المخزن، وأعضاء البعثات التبشيرية المسيحية، والمعلمين التابعين للرابطة الإسرائيلية العالمية والرابطة الفرنسية، والأطباء الفرنسيين، وأفراد البعثات العسكرية والعلمية، وعملاء مغاربيين وأوربيين من غير الفرنسيين، وصحافيين. كل هذه العناصر وغيرها مما لم يرد ذكره كانت تعمل بشكل جاد ومتكامل، إما علانية وإما تحت غطاء السرية لتحقيق الهدف نفسه، وهو الاستيلاء على المغرب وتدعيم النفوذ الاستعماري الفرنسي وفرض سيطرته على أهل هذا البلد إلى الأبد...

و كامتداد وتفعيل في آن واحد لإستراتيجية «الاختراق المتستر» عمد المستعمر إلى استعمال آلية ليس لها من السمة القانونية إلا الاسم، ونعني بذلك نهجه أسلوب "الحماية" كمعاهدة قانونية ملزمة للطرفين (فرنسا والمغرب)، بينما لم تكن في الحقيقة سوى خدعة استعمارية من ثمار تجربة فرنسا الواسعة في مجال إذلال الشعوب وتحقير قادتها. ومما لا شك فيه أن هذه الخدعة ساهمت بشكل واضح في الرفع من وتيرة تغلغل الاستعمار وتكريس سيطرته الرسمية على البلاد. لقد كان الفرنسيون يضعون في مقدمة أساليبهم التضليلية كونهم يتصرفون وفقا لمقتضيات "معاهدة الحماية" الموقعة من طرف السلطات الشرعية للبلاد. ومعلوم أن المعاهدة المذكورة كانت تشير إلى إنجاز مجموعة من «الإصلاحات» المختلفة في ميادين حيوية شتى. فما كان على المغاربة، والحالة هذه، إلا الإذعان لمنطق «القانون» الذي كان يفرض اللجوء وجوبا إلى منطق القوة كلما دعت الضرورة إلى ذلك..إنها «التهدئة» في سبيل نشر «الحضارة» والقضاء على «الهمجية» و «كراهية الأجانب» و «التعصب الديني»... وباختصار إنه «عبء الرجل الأبيض» على حد تعبير الدعاية الاستعمارية الإنجليزية.

المغاربة في مواجهة سياسة التهدئة

إذا كانت الظروف الدولية والمناورات الدبلوماسية أملت على فرنسا اعتماد إستراتيجية «الاختراق المتستر» قصد الاستيلاء على المغرب، وذلك بداية من منتصف القرن التاسع عشر إلى يوم 30 مارس 1912، فإن الظروف المحلية هي التي فرضت على الدولة الغازية الركون إلى إستراتيجية «التهدئة»؛ تلك «التهدئة» التي كانت مجرد تلطيف دعائي لحرب ضروس دامت حوالي ثلاثين سنة شنتها قوات الاحتلال على مكونات الشعب المغربي قاطبة.

وبالطبع لم يكن من شيم المغاربة أن يستسلموا للأمر الواقع: ففي المغرب الشرقي وعلى امتداد المناطق المحاذية للجزائر المغتصبة، وحتى داخل قبائل أيت عطا، كانت التعبئة وكان الاستبسال. وفي الشاوية تحرك المغاربة الأشاوس للدفاع عن الدار البيضاء منذ 1907 ووقفوا أمام زحف جنود الهمجية والطغيان. ومن أعماق الصحراء المغربية، مرورا بسكان وادي نون الشجعان ووصولا إلى مراكش المرابطية، تحركت المقاومة الجهادية لصد جحافل الاستعمار والإمبريالية، ومن سفوح جبال الأطلس تعالت صيحات أبناء زيان مكبدة العدو خسائر لم تكن في الحسبان. وفي التواءات جبال الريف كان لأشبال عبد الكريم الخطابي موعد مع التاريخ ليعلنوا للعالم أن المغرب، مهما نالت منه نكبات الأزمان وتكالبت عليه قوى الغدر والطغيان، فإن به قلبا نابضا للحرية والكرامة وروحا دائمة للاستعداد من أجل الكفاح والاستشهاد في مواجهة كل اضطهاد واستبداد.

نعم، لم تتمكن القبائل المغربية المجاهدة من دحر العدو، لكنها استطاعت أن تهيئ الخميرة اللازمة التي بفضل مفعولها الإيجابي، أعطت للمغرب نمطا كفاحيا في مستوى الأحداث؛ إنها الحركة الوطنية السياسية المتسمة بذكائها وتواضعها، وكذلك بتمسكها الراسخ بمقومات الشخصية المغربية متعددة الروافد.

مكانة الثقافة في المشروع الكولونيالي

قليلة هي الدراسات والأبحاث التي تشدد على الأهمية القصوى التي كان الاستعمار الفرنسي يوليها للثقافة كوسيلة للتغلغل المتستر وأداة للدعاية الفاعلة، إذ استطاع بفضلها أن يحقق أهدافه بتكاليف زهيدة وأحيانا بنتائج باهرة. وما الهزة العنيفة والخطيرة التي أحدثتها المسألة الأمازيغية في مغرب الثلاثينيات من القرن الماضي إلا جزء واحد فقط من إستراتيجية كولونيالية عامة دأبت فرنسا على بلورتها وتحسين أدائها منذ أن وطأت أقدام جنودها الغزاة بلاد شمال إفريقيا في منتصف شهر يونيو من عام 1830. عندها تأكد الفرنسيون من صحة المعلومات التي طفحت بها تقارير جواسيسهم وعملائهم الذين جابوا البلاد طولا وعرضا طيلة عقود من الزمان خلت، وهي التقارير الاستخباراتية التي كانت تزود السلطات الفرنسية تحت جناح السرية التامة بكل المعلومات التي من شأنها أن تساعد على تنظيم حملات و إنزالات عسكرية في هذه المنطقة بالذات قصد الاستيلاء عليها.

لقد اتضح للفرنسيين أن انتصارهم النهائي والدائم يعني وجوبا القضاء على مجتمع متشبث بخلفياته الحضارية والثقافية، وأنه لا بد من اختراق تلك الخلفيات وتدميرها تدميرا، وإلا فإن وجودهم سيظل مهددا طالما تمسك هذا المجتمع بشخصيته التاريخية و بمقومات هويته الدينية والفكرية. تلك الهوية التي جعل منها هذا المجتمع مرجعيته الأساسية، والتي عليها تربت أجيال متتالية من العشائر والقبائل المتآلفة تارة والمتنازعة تارة أخرى، ولكنها بقيت دائما وفية لانتمائها إلى رقعة حضارية ساهمت عن جدارة واقتدار في بناء وإرساء قواعدها على أرضية صلبة وبأسلوب رفيع ومتميز.

شمر دهاقنة الاستعمار ومفكروه على سواعدهم و انكبوا على دراسة المغرب دراسة شاملة ومعمقة كان هدفها الوحيد هو تسهيل احتلال البلاد وإفشال كل مقاومة وطنية أيا كانت وأينما وجدت.

ومما تجدر الإشارة إليه أن احتلال الجزائر وتونس كان بمثابة حقل تجارب بالمقاييس الطبيعية التي ساعدت الفرنسيين على استيعاب الدروس والوقوف عن كثب عند ميزات شعوب شمال إفريقيا، ومدى قوة أو ضعف مناعة هذه الشعوب في مواجهتها للتدخل الأجنبي. إنها التجارب المريرة التي مكنت الفرنسيين من تفادي الأخطاء الإستراتيجية في سبيل تحقيق مشروعهم الكولونيالي بالمغرب؛ وكان من الطبيعي، والحالة هذه، أن ينتبهوا إلى ما توفره المؤسسات التعليمية من فرص سانحة لطمس العقول والتلاعب بها تيسيرا لاختراق البلاد والعباد.

التحالف الموضوعي بين مدارس الرابطة الإسرائيلية ومدارس الرابطة الفرنسية بالمغرب

عرف المغرب دخول التعليم العصري خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان ذلك عن طريق جمعيتين تابعتين للنفوذ الفرنسي قلبا وقالبا، وهما الرابطة الإسرائيلية العالمية التي بدأت نشاطها انطلاقا من سنة 1862، والرابطة الفرنسية التي بدأت عملها بفارق عشرين سنة بعد ذلك. وبطبيعة الحال كان الهدف من إدخال التعليم على النمط الأوربي إلى المغرب هدفا استعماريا لا غبار عليه؛ لهذا كانت السياسة المتبعة في هذا المجال مبنية على تلقين العنصر المغربي تعليما يركز على إظهار تفوق الغرب الحضاري، مع إغفال كل المقومات الثقافية المغربية أو تشويهها والانتقاص من قيمتها وعدم تقدير جدواها. والخطة في مجملها تستهدف زرع عقدة الدونية لدى الإنسان المغربي تمهيدا لغرس استلابه الفكري. وفعلا، يجب الإقرار بأن هذا الأسلوب الاستعماري الخبيث سجل نتائج هامة، وهو ما شجع فرنسا على دعمه واعتماده للدفع قدما بنهجها الكولونيالي.

وفي هذا السياق، يقول إدمون دوتي: "إن الذين خالطوا الأهالي يدركون مدى سهولة الاتصال بالمغاربة الذين تابعوا تعليما أوربيا ومدى سهولة انصياعهم". وهكذا كانت المقررات المتبعة بمدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية ومدارس الرابطة الفرنسية -التي كان يطلق عليها اسم «المدارس الفرنسية-العربية»- تهدف إلى نشر ثقافة مغلوطة تجعل من المغاربة أداة طيعة يتم تسخيرها لفائدة الاستغلال الاستعماري، وليس من أجل خلق تواصل حقيقي يساهم في توعيتهم ويدفعهم إلى الاعتماد على النفس ويجعلهم في مستوى تحديات العصر. بمعنى آخر، كانت فلسفة هذا التعليم تنحصر في إعداد المغاربة إعدادا آليا يتماشى تماما و مصالح المستعمر ليس إلا. وقد جاء على لسان أحد المسؤولين الكبار بالإقامة العامة بالرباط في هذا الموضوع ما يلي:

"يجب إعطاء الأهالي الوسائل التي تمكنهم من العيش في جو الحداثة، بحيث تكون أنشطتهم مؤطرة وموجهة قصد تحقيق الإنتاج الضروري. كل ذلك يجب أن يتم بالموازاة مع الحفاظ على أفكارهم وسلوكياتهم في مستوى مناسب، وهو ما يعني التنشيط بدون الاقتلاع والتنوير بدون الاغتراب..يجب أن نعطيهم الانطباع بأننا نريد تحقيق منفعتهم بقدر لا يقل عما نريده لتحقيق منفعتنا نحن".

والملاحظ أنه رغم التحايل اللفظي الذي اتسمت به لهجة هذا الخطاب، فإن فحواه ومراميه كانت مفهومة على حقيقتها من لدن الساهرين على إنجاز الخطة التعليمية الاستعمارية بالمغرب، والتي يمكن حصرها باختصار في محور براغماتي يرتكز بالأساس على عدم إيقاظ وعي العنصر المغربي بظروف الإختراق التي يتعرض لها، والعمل في الوقت نفسه على تكييف سلوكه بشكل يتسنى معه استغلاله على الوجه الأكمل وبدون أي مقاومة من طرفه.

نشر الثقافة الفرنسية لأغراض استعمارية

لعبت مدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية دورا رياديا في إدخال وانتشار تعليم اللغة الفرنسية بالمغرب. والرابطة المذكورة هي جمعية أسسها يهود فرنسيون سنة 1860، وبعد ذلك بسنتين فتحت أول مدرسة لها بتطوان؛ كانت برامجها خاضعة لتوجيهات فرنسية مباشرة. وكان هدف الجمعية ينص على: "إدماج اليهود مع الأهالي أو مع شعب ينتمي إلى حضارة راقية يحمي هؤلاء الأهالي. ويجب اعتماد المدرسة كأنجع وسيلة لتحقيق تلك الغاية"؛ ومعنى ذلك أن خطة الرابطة كانت ترمي إلى جعل اليهود المغاربة حلقة وصل مرنة وجسرا ثابتا يمكن المستعمر من تمرير نفوذه بطريقة ذكية وتدريجية إلى العمق المغربي، وهذا ما حصل بالفعل، إذ ساهمت مدارس الرابطة مساهمة ناجعة في نشر وتعزيز الثقافة الفرنسية المبنية على أسس استعمارية صرفة؛ ففي ظرف عقدين من الزمن كانت جل مدن المغرب الرئيسية متوفرة إما على مدرسة تابعة للرابطة الإسرائيلية العالمية تعمل بانتظام، وإما على مشروع بناء مدرسة لنفس الرابطة يوشك على نهاية الأشغال. وفي مطلع القرن العشرين كانت للرابطة الإسرائيلية العالمية مدارس مفتوحة في كل من تطوان وطنجة والعرائش والرباط والبيضاء والصويرة وفاس ومراكش، حيث بلغ عدد التلاميذ 2053 تلميذا، منهم 1249 من الفتيان و804 من الفتيات.

وفي هذه المدارس كان التلاميذ يتعلمون اللغة العبرية، واللغة الإسبانية في شمال المغرب، حيث كانت توجد جالية يهودية مهمة؛ لكن هذه اللغة كانت تلقن بحروف عبرية. كما أن اللغة الإنجليزية كانت تدرس في كل مؤسسات الرابطة، ليس فقط لكونها لغة حية مهمة، وإنما كان ذلك اعترافا من هذه الرابطة بما كانت تحصل عليه من مساعدات من طرف الجمعية الأنجلو- يهودية ذات النفوذ العالمي. وأما باقي المقررات الدراسية، أي الجزء العام (تاريخ، جغرافيا، علوم، فنون، أدب، إلخ.) فقد كان يدرس كاملا باللغة الفرنسية. حتى الخرائط الحائطية كانت كلها بالفرنسية، شأنها في ذلك شأن المراجع المعتمدة. وقد زينت قاعات الدرس بالوصايا العشر المكتوبة بالفرنسية و بحروف بارزة.

وفي محاولة منه لتقييم أداء هذه المؤسسات كتب أوجين أوبان في مطلع القرن العشرين: "إنها لغتنا وأفكارنا التي تحظى بالأفضلية في تعليم الشباب اليهودي بمدارس الرابطة بالمغرب، فبفضل هذه المدارس أصبحت اللغة الفرنسية منتشرة بشكل ملحوظ في المدن الداخلية. وتحت تأثير قدماء مدارس الرابطة الذين يتعاطون للتجارة، بدأت المراسلات التجارية تحرر بالفرنسية. ومع مراعاة الفارق، فإن الرابطة الإسرائيلية تبدو في طريقها لتمكيننا من بلوغ الأهداف نفسها التي حققناها في الشرق بواسطة البعثات الدينية الكاثوليكية هناك".

وهكذا، عبر نشاط هذه المدارس ودورها في نشر الثقافة الفرنسية، بدأ اليهود المغاربة يتبنون أنماط سلوك غربية وينأون تدريجيا عن تقاليدهم المغربية العريقة، وفي ذلك يقول أوبان: "لقد بدأ الأهالي اليهود يظهرون بمظهر أوربي تام، وذلك لا يتجلى فقط في إقبالهم المتزايد على الاقتداء بنا في اللباس والأذواق، إذ يبدو أن تغيير الملبس هنا يرمز إلى تغيير في الأفكار عندهم. وفي الملاح بدأ أبناء العائلات اليهودية المرموقة شيئا فشيئا يرتدون نفس الثياب التي يرتديها أبناء بلدنا، ومن النزاهة الاعتراف بأن هذه التغييرات ليست فقط سطحية، لقد أفرزت اتجاهات أفضل على مستوى التقاليد، وفي نمط العيش، بل حتى في الطباع إلى حد ما. ولا يسع أي فرنسي زار مدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية إلا أن يعبر عن ابتهاجه وامتنانه".

إن تسخير هذه المدارس لصالح النفوذ الاستعماري الفرنسي كان عن وعي من المسؤولين عليها وبإرادة منهم. وتجسدت نتائج ذلك التوجه في تكوين أجيال من الوكلاء التجاريين، والوسطاء، والجواسيس، والتراجمة، والأعوان الإداريين الذين حظوا كلهم برعاية ودعم المستعمر. لقد كان كودفروي دومنبين على صواب حين كتب: "إن الخدمات التي قدمتها مدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية كانت عظيمة..لقد لقنت اللغة الفرنسية لآلاف من الفتيان والفتيات اليهود (...) وبفضل عمل الرابطة وجدنا فيهم عند دخولنا إلى المغرب أنفس معين قام بإمداد الجيوش ومزاولة مهام إدارية".

ولنفس الأهداف جاءت مدارس الرابطة الفرنسية لتعزز روح الهيمنة الثقافية الاستعمارية، وتهيئ الأرضية الملائمة لإنجاح المشروع الكولونيالي الفرنسي بالمغرب. وبدأت المسألة الأمازيغية تتراءى في الأفق، ولكن لا بد من ترتيبات تمهيدية لإنضاجها، و"كل الطرق تؤدي إلى روما"، كما يقال عندهم..


مقالات أخرى في المسألة الأمازيغية

من هو العربي ومن هو الأمازيغي بالمغرب؟

شيشنق القائد الرمز

في غياب المسألة الأمازيغية عن موريتانيا

التأثير الأمازيغي العميق في اللغة الدارجة: 100 كلمة نموذجا

تموت لغة الأمازيغ لتعيش الحركة الأمازيغية

فرنسا والمسألة الأمازيغية

"تاسرغينت" Taserɣint اسم أمازيغي قديم لـ"العربية"

للإتصال بنا Nous contacter

Espace Tafoukt - Création

Adresse:
B.P 16113 Casablanca Principale - Royaume du Maroc
E-mail: bouichou@gmail.com 
theatretafukt@gmail.com

GSM: (+212) 669 279 582
GSM: (+212) 654 439 945
GSM: (+212)
667 313 882

Siège Social: Complexe éducatif Hassan II pour la jeunes Casablanca - Maroc

تابعنا على الفايسبوك facebook

المهرجان الدولي للمسرح الأمازيغي

المهرجان الدولي للفيلم الأمازيغي

جميع حقوق المجلة محفوظة لـمؤسسة تافوكت للإنتاج وفضاء تافوكت للإبداع © 2018
Joomla! برنامج "حر مفتوح المصدر" تم طرحه بموجب ترخيص GNU/GPL.